تحميل رواية «عشق بين نيران الزهار» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بالقاهرة، بشقة بمنطقة شبه راقية. كانت زينب تجلس برفقة أخيها، أرضاً يلعبان أحد الألعاب الإلكترونية على شاشة أمامهما. تذمر أخيها وترك ذراع التحكم باللعبة قائلاً: "إنتي بتغشي يا زوزي، مش لاعب معاكي." ضحكت زينب قائلة: "مجد، قولتلك بطل زوزي اللي بتقولها لي دي، وبغشك إيه يا فاشل، هو إنت كده لما تلاقي نفسك هتخسر تعمل لي الغباوة دي، طلع الفلوس يا ناصح أنا خلاص كسبت الجيم." رد مجد: "فلوس إيه يا حلوة إحنا بنلعب تسالي، مش بنلعب على فلوس كده يبقى قمار والقمار حرام، رجسٌ من عمل الشيطان." نظرت له قائلة: "رجسٌ...
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمكان بين الإسكندرية ومرسى مطروح، كان لقاء الشياطين. الخمسة: فابيو، جاكلين، هاشم، نجيب الكفراوي. وهناك قائد مرتزقة يجلس بعيداً قليلاً ومعه مجموعة من ضخام الهيئة الجثمانية، ملتحون بذقون كبيرة. كانوا جالسين تمهيداً لأخذ تعليمات إحدى هجماتهم الإرهابية.
بينما على تلك الطاولة كان لقاء الرباعي: هاشم، جاكلين، نجيب، وفابيو، الذي تحدث:
"إذن رفعت ما زال يعمل بمنصبه القديم بين رجال الشرطة البحرية. كانت خدعة منه ومن الشرطة. إذن لا بد من قصاص جيد لخداعنا."
تحدث هاشم بفحيح أفاعٍ:
"سبق وقلت إني مش مصدق إن رفعت يسيب البحرية بسهولة. هو من صغره كان هدف حياته يكون قبطان في البحر. أنا فاكر كويس رضوان والده حاول زمان أنه يقنعه يدرس طب بيطري علشان الخيول، رغم إنه كان عنده عشق لتربية الخيل، لكن وقتها اختار البحرية ورضوان استسلم له. فجأة كده هيسيب حلم حياته وينهيه بسهولة كده... رفعت خداعنا فعلاً."
نظر فابيو لنجيب الصامت وقال:
"أين صوتك يا نجيب؟ منذ أن جلسنا لم أسمع صوتك."
تنحنح نجيب يقول:
"أنا بقول تصفية رفعت ممكن تسبب دوشة كبيرة. إحنا في غنى عنها دلوقتي."
رد هاشم:
"أي دوشة كبيرة؟ أنت مفكر إنك ممكن تكسب الانتخابات لو رفعت فضل عايش؟ رفعت ظهر بوضوح أنه مع المنافس لك. موت رفعت دلوقتي فرصة كبيرة لك. المنافس الثاني ملوش شعبية وسط الدائرة. دعم رفعت له هيكسبه الانتخابات من الجولة الأولى. وأعتقد إنك بعت مرسال وسيط بينك وبين رفعت وجالك الرد بعدها لما أعلن شبه دعمه للمنافس بتاعك. ومتنساش إنك زمان شاركت في حرق سرايا الزهار لنفس السبب. أنا متأكد رفعت هيساعد المنافس اللي ضدك لسبب واحد. رفعت بعد ما ينهي مدة خدمته في البحرية وده متوقع قريب جداً، خلال الفترة الانتخابية الجاية هيكون وصل لسن الترشيح للبرلمان ويبقى منافس لك، ووقتها انسى كرسي البرلمان اللي بتجهزه لابنك من بعدك. كلنا هدفنا ومصلحتنا تصفية رفعت."
صمت نجيب كان رد بقبول حديث هاشم، الذي نظر لجاكلين وتبسم بظفر.
تبسم فابيو أيضاً وقال:
"وماذا عن زوجة رفعت؟"
رد نجيب:
"مراته شخصيتها قوية جداً والبلد كلها بتعمل لها احترام كبير. ومش السبب فيه إنها زوجة رفعت الزهار، السبب فيه هي نفسها. قريبة من الناس وبتقدم مساعدات طبية لأهل البلد مجانية. دي في فترة صغيرة بقى في الوحدة غرفة غسيل كلى وبنك دم، غير أوضة عمليات كبيرة تشبه أوض عمليات مستشفيات كبيرة وخاصة. وده بسببنا أخدت مننا تبرعات بسهولة."
سخرت جاكلين قائلة:
"إذن تعتقد نفسها مثل روبن هود؟ لكن تستحق الموت مع ذالك الحقير رفعت."
تبسم فابيو بانتشاء، يود الظفر بتلك الطبيبة، قال:
"حسناً، لقد اتفقنا. اليوم سيكون القصاص من رفعت الزهار."
بالفعل اتحدت شياطين الإنس على هدف واحد. إبادة... رفعت الزهار.
لكن بعد قليل، ذهب فابيو وقام بوضع صورة أمام قائد مجموعة المرتزقة قائلاً:
"أريد تلك المرأة حية دون خدش. فقط تتنفس. فهمت مقصدي."
أومأ له قائد المرتزقة بفهم قائلاً:
"تريدها أسيرة أم سابيه؟"
رد فابيو:
"وهل هناك فرق؟ لكن لا يهمك ذلك. كل ما أريده أن تأتوا بها إلي. احذر ألا يصيبها أي مكروه."
تبسم قائد المرتزقة بثقة:
"تأكد، ستدفئ تلك المرأة مخدعك بنهاية الليلة."
تبسم فابيو:
"أتمنى ذلك. وقتها ستكون جائزتك كبيرة."
رد قائد المرتزقة:
"إذن جهز الجائزة من الآن. لكن كم أود أن أنهي حياة هذان الوغدان اللذان يجلسان هناك أولاً. لا أشعر تجاههم بأي ألفة."
تبسم فابيو:
"سيحدث، لكن ليس الآن. ما زال لدي منهم بعض الأعمال قبل أن آمرك بتصفيتهم وإلقاء جثثهم لكلاب الحراسة الخاصة بك. ولكن ماذا عن المرأة؟"
غمز قائد المرتزقة قائلاً:
"جمالها فتاك، يُلهب النفس. كما ستفعل بصاحبة تلك الصورة، سأفعل بها. ستكون جزءً من مكافأتي. كم أهوى نوعية تلك المرأة."
بالإسكندرية، قبل ساعتين ونصف تقريباً.
اتصال هاتفي. رد عليه محمود بصدمة:
"يعني إيه فابيو خرج من المستشفى بدون ما حد من المراقبة ما يشوفه؟ كان لابس طاقية الإخفاء ولا اتحول لشبح؟ دي مصيبة. متأكد إحنا كده وقعنا في خدعة. بس كان هدفه إيه من وراء إنه يدخل المستشفى وبعدها يهرب منها من غير ما نلاحظ هروبه؟"
توقف محمود يفكر لثوانٍ ثم قال بإستنتاج:
"رفعت... فابيو هدفه رفعت. رفعت لازم ياخد حذره. اقفل إنت دلوقتي."
أغلق محمود هاتفه وخرج سريعاً من مكتبه وتوجه إلى مكتب القائد ودخل بعد أن أذن له. قدم تحية عسكرية لقائده قائلاً:
"مصيبة يا أفندم، للأسف فقدنا أثر فابيو بعد ما غفل المراقبة اللي كانت على المستشفى اللي كان فيها."
تعجب القائد قائلاً:
"يعني حكاية تسممه كانت فخ منه؟ طب ومراقبتكم اللي كانت على جاكلين وهاشم الزهار ونجيب الكفراوي؟"
تحدث محمود بأسف:
"جاكلين وهاشم معرفش يا أفندم. إحنا مراقبين الفيلا اللي كانوا فيها، وممكن يكونوا خرجوا. مقدرش أتأكد بوجودهم جواها غير لو هاجمت الفيلا ومعنديش سبب إني أهاجم الفيلا. ونجيب الكفراوي نفسه ميعرفش إنه اتكشف لينا، فالبتأكيد عنده حرية في الحركة. غير إنه ممكن بسهولة يهرب من المراقبة. له ممكن يخرج بعربية الحراسة وعربية تانية ويوهم اللي قدامه إنه خرج ويخرج هو بعربية عادية. أنا عندي شك شبه يقين يا أفندم بهدف المجموعة دي. رفعت كان معايا على اتصال قبل ساعات وقالي إن نجيب الكفراوي زاره في السرايا امبارح وطلب منه مساعدته له في الانتخابات بس رفعت قفل في وشه الطريق. وكمان طلب منه تسليم هاشم الزهار له مقابل إن يساعده قصاد المرشح الثاني، اللي دعمه رفعت له بسهولة يكسبه الانتخابات."
نهض القائد قائلاً:
"معنى اللي بتقوله إيه... يعني هدفهم رفعت."
رد محمود:
"ده توقعي يا أفندم. رفعت هدفهم لكذا سبب عندهم. أولاً الانتقام بعد مصادرة العملية الأخيرة لهم. متأكد هاشم قبل ما يهرب ممكن يكون شاف رفعت وأكيد عرف إنه مسابش الخدمة في البحرية."
"ثانياً فابيو. إحنا عارفين إنه على عداوة مع رفعت بسبب إن رفعت كان هو اللي صفى والد فابيو في إحدى العمليات مشاركة بينا وبين البحرية اليونانية."
تحدث القائد:
"اتصل على رفعت. حذره."
فتح محمود هاتفه يتصل على رفعت لكن يعطي خارج النطاق. نظر للقائد قائلاً:
"موبايل رفعت بيدي خارج النطاق. هتصل على التليفون الأرضي."
اتصل محمود على الهاتف الأرضي لكن أعطى له أن الهاتف مفصول من الخدمة. نظر محمود للقائد:
"كمان التليفون الأرضي مفصول من الخدمة."
رد القائد بيقين هو الآخر:
"بكدة يبقى رفعت هو هدفهم. بسرعة بلغ مديرية الأمن التابع لها الزهار. لازم تتدخل. فابيو قدر يوهمنا ووقعنا في فخ كبير. رفعت هدف كبير بالنسبة له. إزاي مفكرناش في كده. هجومه على رفعت رد كبير. ولأن هيبقى له أكتر من تفسير. الأول تصفية رفعت انتقام زي ما بتقول. وكمان الهدف الثاني زعزعة الأمن العام. متنساش إن رفعت ضابط بحرية حتى لو كان سابق فهو من رجال الدولة وهتتحسب إنها عملية إرهابية. والشرقية من المحافظات الهادية. لو حصل فيها هجوم إرهابي معناه كبير إن مصر مش آمنة. فابيو فعلاً بركان."
تحدث محمود:
"فعلاً يا أفندم. أنا هتصل على مديرية الأمن. وكمان رامي أخو رفعت هنا في إسكندرية هتصل عليه وأقوله يمكن يقدر يساعدنا في الوصول لرفعت بأي طريقة."
رد القائد:
"تمام. اتصرف بسرعة. أكيد الهجوم على رفعت هيكون النهارده."
رفع محمود يده يؤدي التحية العسكرية للقائد قائلاً:
"تمام يا أفندم. أنا هتصرف بسرعة وربنا يستر."
بالفعل خرج محمود سريعاً من غرفة القائد يستمع إلى رنين هاتفه حتى أتاه الرد بمزح:
"ظابط محمود من زمان والله مشاغبتش في حد."
رد محمود:
"مش وقت هزار يا رامي. رفعت في خطر."
تحدث رامي بلهفة ورجفة:
"بتقول إيه؟ إيه اللي جرى لرفعت؟"
رد محمود:
"رفعت هدف لمجرم عاوز ينتقم سواء من الشرطة أو من رفعت نفسه. اسمعني. خطوط الموبايلات تقريباً مفيش شبكات شغالة في الزهار كلها. ومش عارف كمان الخطوط الأرضية كده أو لأ. بس أنا بتصل على رفعت على التليفون الأرضي بيديني مفصول من الخدمة. دلوقتي مفيش طريقة نتواصل بيها برفعت نحذره يتصرف قبل ما أوصل لعنده."
رد رامي:
"أنا كمان هروح الزهار بنفسي دلوقتي وهحاول أتصرف. بس خليك معايا على تواصل."
رد محمود:
"تمام. ربنا يستر."
أغلق رامي الهاتف يشعر بتوهان وخوف. على رفعت. رفعت ليس فقط أخيه الأكبر، بل هو كل شيء في حياته. لم ينسى يوم أن أنقذه من الحريق. ربما اختلف معه بأمر ما. ربما لم يكن يستحق كل رد الفعل هذا. الآن فكر يا رامي. رفعت بخطر.
فكر رامي سريعاً وقال:
"وسيم."
بالفعل قام بالاتصال على هاتف وسيم. خارج التغطية. إذن هو بالزهار. أغلق الخط وقام بالاتصال على هاتف منزل هاشم الزهار الأرضي وهو يتمنى أن لا يكون هاشم بالمنزل. وقد كان.
ردت إحدى الخادمات عليه تحدث لها سريعاً:
"عاوز أتكلم مع الدكتور وسيم."
ردت الخادمة:
"الدكتور وسيم مش في البيت."
تحير رامي قائلاً:
"مدام مهرة، قولي لها رامي. بسرعة."
بالفعل ثوانٍ كانت مهرة ترد على رامي من غرفتها. تحدث رامي سريعاً:
"فين وسيم يا عمتي؟ محتاج له ضروري."
ردت مهرة:
"وسيم بقاله فترة مش بيبات هنا في البيت. بيروح ينام في بيت وحيد الشامي. عاوزاه ليه؟"
رد رامي:
"عاوزه في أمر خاص. ممكن تبعتي له أي حد بسرعة وخليه يرجع يكلمني من أي تليفون أرضي. واضح إن شبكات الموبايل في الزهار واقعة."
تعجبت مهرة قائلة:
"خير؟ عاوزة في إيه ومال صوتك ملهوف كده ليه؟"
رد رامي:
"مفيش يا عمتي. من فضلك محتاج وسيم يكلمني بسرعة. هقفل دلوقتي."
استغربت مهرة، وشعرت بحدوث شيء سيئ. نهضت سريعاً من على فراشها، وأبدلت ملابسها سريعاً. وفي ظرف دقائق كانت بمنزل والد وسيم. فتحت بتلك المفاتيح التي معها، ودخلت إلى غرفة النوم، وجدت وسيم نائم، أيقظته بهدوء قليلاً.
لكن استيقظ وسيم بفزع قائلاً:
"ماما خير؟ إيه اللي جابك هنا دلوقتي."
ردت مهرة:
"خير يا وسيم. قوم البس هدومك بسرعة وأنا هستناك بره."
خرجت مهرة خارج الغرفة. في لحظات خرج وسيم يرتدي جزء من ثيابه ويكمل ارتداء باقي ملابسه وقال:
"خير يا ماما."
ردت مهرة:
"يارب خير. أنا معرفش رامي اتصل عليا على التليفون الأرضي وبيقولي شبكة الموبايل واقعة وهو عاوزك تتصل عليه بسرعة من أي تليفون أرضي. يلا بسرعة. نبرة صوته كانت تخوف."
دخل الخوف لقلب وسيم وفتح هاتفه. بالفعل لا يوجد شبكة. تعجب، وقال:
"يلا بينا بسرعة. أنا كمان قلقت."
بالفعل في دقائق كانوا بمنزل هاشم الزهار. طلب وسيم هاتف رامي الذي رد سريعاً يقول:
"وسيم. رفعت."
تحدث وسيم قائلاً:
"ماله رفعت ومال صوتك ملهوف كده ليه."
رد رامي:
"بلاش تقاطعني. رفعت بخطر. إنت في الزهار. إلحقه. أنا في السكة وجاي. قدامي أقل من ساعة وهأوصل. لازم حد يلحقه بسرعة ويحذره."
ارتجف وسيم قائلاً:
"بتقول إيه؟ وأيه الخطر اللي رفعت فيه؟"
رد رامي:
"مش وقت شرح. بقولك حاول بسرعة تروح تحذره. يطلع من السرايا. يلا. أنا قربت أوصل."
أغلق وسيم الهاتف. لم ينتظر وسيم أن يضع سماعة الهاتف بمكانها ونظر إلى مهرة قائلاً:
"في هنا سلاح أكيد. قوليلي هو فين مكانه بسرعة."
ارتجفت مهرة قائلة:
"سلاح ليه؟ في إيه؟ وماله رفعت؟ سمعتك بتتكلم مع رامي عنه."
رد وسيم:
"مش وقته يا ماما. بسرعة فين السلاح اللي هنا؟ خليني ألحق أروح للسرايا."
ذهبت مهرة إلى غرفة المكتب وفتحت إحدى الخزائن وأخرجت منها سلاح. لكن وقع ببصر وسيم على سلاح آخر، فقام بأخذه هو الآخر وآخذ بعض الذخيرة الموجودة بالخزنة وغادر دون أن يلتفت لنداء مهرة المرتعبة.
بالفعل ما هي إلا دقائق وكان وسيم أمام سرايا رفعت. لكن كان هناك ما صدمه. سيارتان دفع رباعي وهناك سيارة أخرى كبيرة تشبه سيارة ترحيلات السجون. وكذلك أصوات لإطلاق الرصاص من داخل السرايا. للحظة توقف عقله. لكن هو الآن أمام خيار واحد. هو الأخوة الحقيقية. رفعت كان بالنسبة له أخ أكبر دائمًا. ربما حدث خلاف، لكن أخوة. لا مكان للخوف الآن. عليه المغامرة هو الآخر. بالفعل تسحب من خلف السرايا وذهب إلى ذلك الباب المعدني الصغير. انصدم حين رآه شبه مفتوح. إذن هؤلاء المرتزقة تمكنوا من الدخول إلى السرايا عن طريق هذا الباب الصغير. بدون تفكير، انحنى ودخل من ذلك الباب. حين دخل كانت السرايا معتمة، بعض الأنوار الحمراء فقط هي التي تضيء بالمكان. وما كانت إلا أنوار أسلحة هؤلاء المرتزقة، الذين يتشابكون مع الحرس الموجود بالسرايا، والذي بدأوا يتساقطون أمام هؤلاء المرتزقة. كادت رصاصة أن تصيبه لكن القدر أنجاه منها. حين ابتعد خطوات، وتخبأ خلف ذالك الحوض المائي الكبير الخاص باستحمام الخيل. نظر نحو إسطبلات الخيل، هناك مرتزقة على وجوههم النصر وهم يحسبون الغنائم. فيبدو أنهم مرتزقة لُعناء. لكن وسيم لا يهمه الخيول. تذهب إلى الجحيم. رفعت هو ما يهمه الآن.
حاول وسيم التخفي من أمام هؤلاء المرتزقة. وبالفعل اقترب من الدخول من السرايا. لكن كانت الأبواب عليها أوغاد. شت عقله. وهو يسمع لأصوات الرصاص من داخل مبنى السرايا نفسها. رفعت. ماذا حل به؟ ماذا فعل الأوغاد؟ لكن لا استسلام. سيجازف حتى إن لقي حتفه هو الآخر. بالفعل تسرب إلى أحد الأبواب بالسرايا. كان وغد واحد يقف. صوب وسيم على رأسه، ليقع صريع بعدها. أزاح جثته قليلاً وأخذ سلاحه الناري ثم دخل إلى الداخل يتسحب هو الآخر. هو الآن بداخل السرايا، عليه السير بحذر أكثر.
بينما رفعت بعد أن قام بإغلاق تلك الحائط على زينب، توجه إلى غرفة نومه مرة أخرى وفتح إحدى الخزائن وأخرج منها سلاح ناري آلي مثل أسلحة القناصة ووضع ذالك النصل الأبيض أيضاً بجيبه. وكاد أن يرتدي درعه الواقي. لكن صوت الرصاص يقترب. يبدو أن الأوغاد دخلوا إلى مبنى السرايا. وضع الدرع على صدره دون إحكامه جيداً. وأخذ ذخيرة معه وتوجه إلى سلم السرايا الداخلي. وقف خلف حائط رأى انعكاس ذالك الشعاع الأحمر الصاعد على السلم. وقف يترقب اقتراب ذالك الوغد. إلى أن فاجأه أمامه فقام بقنصه. واتخذ من جسده درع واقي له. في مقابلته لهجوم وغد آخر استطاع رفعت النيل منه أيضاً. وقام بالنزول من على سلم السرايا. واجه وغد آخر. تحدث عقل رفعت في ذالك الوقت: يبدو أن من يريدون إبادته اليوم قد تواصوا به. فهناك الكثير من المرتزقة الأوغاد. كان بمعركة ضارية بها وحيد إلى الآن. لكن انقلبت الموازين بعد صوت سرينة الشرطة التي آتت. أيقن رفعت أن الشرطة آتت بعد سماع صوت إطلاق الرصاص. لكن الحقيقة كانت غير ذلك. فمن أتت بالشرطة إلى المنزل كانت مهرة، التي تعقبت وسيم حين خرج ورأت تلك السيارات واقفة أمام سرايا الزهار. وقبل أن تحذر وسيم من الدخول، كان قد دخل بالفعل للسرايا. للحظة شاور عقلها أن تدخل خلفه وتلقى ما تلقى. لكن عادت تفكر وقالت: النقطة. بالفعل ذهبت مسرعة إلى ذالك القسم الذي بالبلدة ودخلت مباشرة إلى غرفة الضابط تلهث قائلة بنهجان:
"ولادي، بخطر. إلحقوا ولادي التلاتة."
وقف الضابط يشبه عليها قليلاً وقال:
"ولادك مين يا مدام...؟"
ردت مهرة:
"أنا مهرة الزهار. ولادي في سرايا رفعت الزهار. في مجرمين دخلوا للسرايا وبيضربوا نار جواها وجوه السرايا. ولادي... رفعت ووسيم والدكتورة زينب. لازم تلحقهم قبل المجرمين ما يضرهم."
تحدث الضابط قائلاً:
"بتقولي إيه يا مدام؟ يعني إيه ضرب نار جوه السرايا؟ مش يمكن..."
قبل أن يكمل الضابط الرد على مهرة كان يدخل أحد العساكر بتلك الإشارة إلى الضابط قائلاً:
"يا أفندم في عسكري زميل من المركز عاوز يقابلك."
سمح الضابط للعسكري الآخر بالدخول. دخل العسكري الآخر بيده ورقة مختومة قائلاً:
"أنا جاي بإشارة من المركز. وصلنا أن في هجوم هيحصل على سرايا الزهار ولازم ننزل بقوة كبيرة. وبالفعل إحنا نزلنا والقوة زمانها على وصول لسرايا رفعت الزهار. بس ده أمر بمساعدتكم للقوة دي في التصدي للإرهابيين."
شعرت مهرة الواقفة بالراحة قليلاً لكن ما زال قلبها يخفق بسرعة كبيرة.
تحدث الضابط بأمر لأحد العساكر:
"حضرلي القوة حالاً."
ذهب العسكري يجمع القوة لكن نظر الضابط للعسكري المرسل قائلاً:
"طب ليه أنا مجاليش إشارة مباشرة من المركز."
رد العسكري:
"شبكات الموبايل اتعطلت عن الزهار كلها. وكمان تليفون القسم ده مش بيرد. بيديني خارج الخدمة."
تعجب الضابط وبالفعل أمسك الهاتف الأرضي، ليس به حرارة، وفتح جواله الشخصي لم يلتقط أي شبكة. فقال:
"واضح إنه كمين مدبر كويس."
تعجبت مهرة كيف كان بهاتف منزلها الأرضي حرارة وهنا لا. إذن كما قال الضابط كمين مدبر. تضرعت إلى الله أن يلطف بهؤلاء الثلاث الموجودين الآن بالسرايا.
بعد قليل كانت سيارات الشرطة سواء الآتية من المركز أو ذالك الدعم من قسم شرطة البلده والتي كانت معهم مهرة. كانوا يدخلون من بوابة السرايا بعد أن دخل بعض عناصر الشرطة إلى داخل السرايا واشتبكوا مع بعض المرتزقة الذين تفاجئوا بمجيء الشرطة السريع. تساقط بعض المرتزقة. سهل على القوة العسكرية التمكن من خارج مبنى السرايا وفتحوا الأبواب أمام باقي القوات للدخول ليتعاملوا مع باقي هؤلاء المرتزقة. دخلت معهم مهرة. لكن أوقفها الضابط قائلاً:
"من فضلك يا مدام مش مسموح بدخولك. ادعي لينا وإحنا واللي في السرايا. دخولك نقطة ضعف."
رغم فزع مهرة لكن وقفت بعيد عن الاشتباك تدعي وتتضرع. إلى أن رأت سيارة رامي. شعرت بخوف أكبر. ها هو جاء الرابع. لا تعلم ماذا حدث بالثلاث الآخرين ليأتي الرابع الذي أوقف سيارته ونزل يشهر سلاحه هو الآخر. لكن أثناء دخوله تفاجأ بمهره واقفة. اقترب منها قائلاً:
"عمتي مهرة..."
ردت مهرة:
"ربنا يلطف. وسيم جوه وزينب ورفعت. معرفش حصل لهم إيه. قلبي مش مطمن."
قبل أن يرد رامي كان قد وصل محمود هو الآخر. لم يرد رامي ودخل خلف محمود إلى السرايا.
بينما بداخل السرايا، كان الرصاص يتطاير عشوائي. مجموعة من المرتزقة تطارد رجلاً واحد هكذا خُيل لهم. لكن بالحقيقة كانا اثنين. يتخفيان بين أركان السرايا اللذان يعرفان كل شبر بها وذالك ما ساعدهم حتى الآن. لكن فجأة عادت الأنوار للسرايا، تكشف المكان مما سهل على هؤلاء المرتزقة الجبناء رؤية المكان. ذهب أحد المرتزقة بعد أن رأى مكان تخفي رفعت. ذهب يسير كالثعلب المكار بعد أن أوقف ضرب الرصاص يوهم رفعت أنه قد أنهى المعركة لصالحه. رغم أن رفعت رجل عسكري ويعلم إنها بالتأكيد خدعة من الخصم الجبان، لكن عليه المجازفة. فسلاحه لم يتبقى منه سوى بضع رصاصات. الآن أمام خيار واحد أن يتقدم هو بخطوة اتجاه ذالك الوغد. لكن في ذالك الوقت لسوء حظ رفعت كان الدرع الواقي الذي على صدره قد انزاح كثيراً بسبب كثرة الحركة وأيضاً عدم تثبيته جيداً.
سار رفعت بخطوات حذرة يخرج من ذالك المكان المختبئ به، إلى أن أصبح قريب ذالك الوغد. بالفعل هجم الوغد لكن كانت رصاصة كافية بأخذ روحه. حين كانت الرصاصة من رامي الذي دخل إلى السرايا. لكن رامي هو الآخر بمرمى سلاح أحد المرتزقة. لكن سوء حظ الآخر وجود وسيم الذي اقتنصه. لكن هنالك فئة أخرى من المرتزقة وكذلك قائدهم ووجود الثلاث بمكان قريب من بعضهم قد يجعلهم هدف سهل. لهؤلاء الأوغاد الذين اصبحوا محاصرين بين الثلاث إخوة وبين الشرطة. فكر قائد المرتزقة بنفسه فقط لكن أوهم هؤلاء الأغبياء الذين كانوا معه وقال:
"الشهادة في سبيل الله تناديكم يا جنود الله. التفو حولي لمواجهة أعداء الله."
بالفعل أصحاب العقول المغيبة التفو حوله. وكان الثلاث إخوة بالمكان نفسه. دخل قائد المرتزقة وحوله أربعة من الأوغاد يحمونه. بالفعل كان رصاصهم يتطاير بالمكان يكسر أي شيء. رصاص سلاح رفعت وكذالك وسيم ورامي هو الآخر بدأت ذخيرة أسلحتهم تنفذ. الشرطة بالخلف، والأوغاد بالمنتصف. لكن الأقرب للموت هم الثلاث إخوة. جازف رفعت بنفسه وخرج من خلف مخبئه يرفع سلاحه يضرب بعشوائية. اقتنص أحد المرتزقة. لكن رصاص الغدر أصابه برصاصة وأخرى وأخرى وها هي الثالثة ثلاث رصاصات بالصدر. انخلع رامي ووسيم اللذان خرجا من أماكنهم فلا شيء الآن يستدعي الاختباء. بالفعل بعشوائية بدأ الاثنان بإطلاق الرصاص. ساعدهم في ذالك تلك القوات التي دخلت إلى المكان. لكن رفعت الذي تهاوى جسده على الأرض وجلس خلف أحد الجدران. لاحظ قائد المرتزقة يركز بسلاحه على رأس وسيم. ذالك الوغد ظن أنه نال من رفعت وقتله، لكن قد تصوب الفارس لكن السلاح ما زال بيده لم يسقط. ولن يسقط قبل أن ينهي حياة ذالك الوغد. بالفعل قبل أن تخرج رصاصة الوغد من سلاحه وتقتل وسيم، كان جسد ذالك الوغد يتهاوى مدرج في الدماء التي تسيل من منتصف رأسه. لكن وسيم لم يفلت من رصاصة الوغد. لكن بدل أن تصيبه في مقتل أصابت عضد إحدى يديه. مع سقوط قائد المرتزقة قتيلاً.
دخل رجال الشرطة برفقة محمود الذي ذهب سريعاً لمكان جلوس رفعت خلف الحائط وقال له:
"رفعت."
تحدث رفعت بخفوت وألم:
"رامي وسيم."
توجه الاثنان له سريعاً وجثيا إلى جواره. تحدث رفعت وهو يلفظ أنفاسه:
"رامي... زينب في المخبأ القديم بتاعنا. اطلع افتح لها."
دمعة نزلت من عين رامي وحاول حمل رفعت يقول:
"مش هسيبك يا رفعت. خلينا نروح للمستشفى بسرعة."
رد رفعت:
"بقولك اطلع افتح لزينب. أنا معايا وسيم ومحمود هياخدوني للوحدة. أنا وعدت زينب إنك تخرجها من السرايا سليمة. نفذ وعدي لها. رجاءً وهاتها للوحدة الصحية هتلاقيني هناك."
امتثل رامي لرفعت وتركه مع محمود ووسيم، الذي تدمعت عينه وقال:
"خلينا ناخد رفعت بسرعة للمستشفى. مش في إسعاف مع القوة اللي جت من الشرطة."
بالفعل لحظات كان رفعت بداخل سيارة الإسعاف. لكن طلب من محمود ووسيم أن يأخذنه إلى الوحدة الصحية. قائلاً:
"زينب هتجي لهناك."
بينما بتلك الغرفة المحبوسة بها زينب جلست أرضاً تبكي تشعر بألم حارق بصدرها مع صوت كل رصاصة تسمعها. جثت على ركبتيها ووضعت يديها على أذنيها كأنها تصمهما لا تريد سماع المزيد. تتخيل صورة واحدة أمام عينيها. رفعت قد انتهى. كيف سينجو وهو وحيد؟ لكن عاد لها الأمل حين سمعت صوت سرينة الشرطة. لكن ذالك الأمل واهٍ. كيف سينجو رفعت بعد كل هذا الأصوات المخيفة؟ ليته تركها تواجه معه نفس المصير. لما حبسها وخرج وحيد. لما لم يبقى معها أو أخذها معه. الشيطان يلعب بها. رفعت قُتل. فجأة صمت صوت الرصاص. اعترفت قائلة:
"بحبك يا رفعت."
فاقت زينب على صوت فتح الباب وصوت رامي يقول:
"ورفعت كمان بيحبك ومحتاج ليكي. خلينا نلحقه بسرعة."
نهضت زينب سريعاً وقالت بلهفة:
"رامي... رفعت قالي إنك هتيجي وتطلعني، بس... قولي إن رفعت عايش."
رد رامي:
"رفعت لحد ما طلعتلك سيبته عايش، بس..."
تحدثت زينب بلهفة:
"بس إيه؟ اتصاب؟ خليني أنزل له بسرعة. يلا."
بالفعل نزلت زينب إلى أسفل السرايا. آثار تدمير الرصاص بكل مكان. لكن وجدت مهرة فقط تقف تبكي.
اقتربت زينب من مهرة قائلة:
"رفعت فين؟"
رد رامي:
"أكيد وسيم ومحمود خدوه للوحدة. خلونا نلحقه بسرعة."
بالفعل بعد دقائق كانت تجري زينب بممر الوحدة ودخلت مباشرة إلى غرفة العمليات. كان رفعت ممدد على فراش العمليات مدرج بدماؤه التي تسيل ومعه اثنان من الأطباء وبعض الممرضين.
اقتربت منه بلهفة قائلة:
"رفعت."
نظر لها رفعت ورسم بسمة راحة قائلاً:
"وفيت بوعدي ليكي يا دكتورة. رامي..."
وضعت زينب يدها على فم رفعت قائلة:
"بلاش تتكلم. أنا عاوزاك توعدني وعد تاني. إنك هتعيش يا رفعت."
رد رفعت:
"مش بإيدي يا دكتورة. ده بإيد القدر."
ردت زينب:
"قاوم يا رفعت. لو كنت غالية عليك وعاوزني أسامحك زي ما طلبت مني قبل ما تقفل عليا وتخرج من الأوضة."
رد رفعت:
"إنتي أغلى شيء عندي يا زينب. أنا..."
ابتلع رفعت ريقه وحاول التحدث. لكن ذالك الجهاز الذي كان موضوع بيد رفعت يجث نبض الحياة بداخل جسده قد قام بالتصفير.
ذهل عقل زينب وضربت بيدها على صدر رفعت قائلة:
"إنت إيه؟ مش قادر تكمل مرة وتقول كلمة بحبك؟ بس أنا بحبك يا همجي ومش هسمحلك تموت قبل ما تعترف بلسانك إنك بتحبني."
قالت زينب هذا واستقوت قائلة:
"هاتولي الصاعق الطبي بسرعة."
أعطاها أحد الممرضين ذالك الصاعق، وقام بتشغيله سريعاً. صعقت زينب رفعت مرة واثنتين، لكن لا جدوى. قالت للممرض ارفع الفولت أعلى. ثم أعلى. صعقت زينب رفعت أكثر من مرة كانت عيناها معلقة بشاشة جهاز النبضات. ليست عيناها فقط بل قلبها وعقلها وكل ذرة بجسدها. وقبل كل ذلك كانت روحها. تحدث أحد الأطباء ببسمة قائلاً:
"النبض رجع يا دكتورة."
تنهدت زينب تشعر كأن روحها هي من ردت لها. وقالت:
"بسرعة جهزوا المريض للعملية على ما أعقم أيدي."
ما هي إلا لحظات وبدأت زينب تمسك المشرط الطبي بيدها التي لم تهتز. لكن أثناء العملية تحدثت إحدى الممرضات التي دخلت للغرفة بكيس دم قائلة:
"دكتورة فصيلة دم رفعت بيه تقريبا خلصت من المستشفى. هنعمل إيه؟ ده آخر كيس دم موجود من الفصيلة دي في بنك الدم."
نظرت زينب للموجودين حولها وقالت:
"مين منكم نفس الفصيلة؟ أنا من نفس الفصيلة بس مينفعش أتبرع له بدمي. أعتقد...."
قبل أن تكمل زينب طلبها من الموجودين بغرفة العمليات، وجدت باب غرفة العمليات يفتح ودخل رامي ينزع عن جسده قميصه قائلاً:
"أنا ورفعت نفس فصيلة الدم. خدي كل اللي محتاجاه مني، حتى لو دمي كله اتصفى. بس رفعت لازم يعيش يا زينب."
تبسمت زينب بتصميم وأمل قائلة:
"هيعيش يا رامي."
بينما ذالك الممدد أمامهم حين توقف نبضه منذ قليل كان بعالم آخر، يرى ذكرى الماضي أمامه.
فلاش
باك
كان ذالك اليوم يوم إجازته من الأكاديمية. لا يعلم أكان من حسن حظه أم سوء حظه تأخيره مع زملائه بالإسكندرية. وصل إلى الزهار في حوالي الثانية عشر منتصف الليل، ليرى السرايا تشتعل بالنيران. دخل سريعاً وصعد وسط النيران يتجنبها. قابل والدته التي تحاول إطفاء تلك النيران التي تشتعل بملابس رامي بيديها التي احترقت من النيران. نظرت لرفعت وقالت برجفة ولهفة قائلة:
"خد رامي بسرعة وأخرج بيه من النيران يا رفعت. حاذر من النار."
مسك رفعت يد رامي وقال:
"وإنتي يا ماما تعالي معانا."
ردت والدته:
"بسرعة خد أخوك وخرجه من النيران دي. النار مسكت تاني فيه. أنا هروح أجيب رحمة من أوضتها وأجيب بابا ونحصلكم. بس أخرج بأخوك دلوقتي بسرعة."
حمل رفعت رامي فوق كتفه وخرج من السرايا ووضعه بحديقة السرايا، وقام برمى بعض الرمال عليه. إلى أن انطفئت تلك النيران. قال لرامي:
"استناني هنا هجيب ماما وبابا ورحمة."
ظل رامي مكانه بحديقة المنزل يبكي ليس فقط من ألم الحريق بجسده بل يبكي بكاء طفل يشعر بحريق فقد الأهل. فالنيران بدأت تزيد حين أتى العمال بالمياه يحاولون إطفائها. كانت حين تُسكب المياه تشتد الحريق. غابت سيارات الإطفاء، إلى أن آتت متأخرة.
دخل رفعت إلى داخل السرايا وصعد مرة أخرى. تجنب من النيران، لكن النيران أصبحت أقوى. هي نيران من جهنم. ذهب إلى ذالك الممر عيناه تبحث عن ذويه. غرفة أخته الباب لم يعد له مكان. رآها تشتعل والنيران تمنعه من الدخول إلى الغرفة. كلما حاول الدخول للغرفة كان شيء يجذبه للخلف مرة أخرى. إلى أن سمع صوت والدته تستغيث به قائلة:
"اطلع بره النيران يا رفعت."
نظر لوالدته هي الأخرى بالغرفة مع والده الذي التهمته النيران حين حاول الاثنان إنقاذ أخته. لكن النيران التهمت الثلاث. ذابت أجسادهم أمامه كالشمع الذي يذوب بسبب فتيل رفيع. كانوا يذوبون بين النيران وهو غير قادر على إنقاذهم. تمنى أن يحترق معهم ويذوب مثلهم. لكن لا يعلم أن القدر أرسل له رجال المطافئ وبدأت تتعامل مع النيران وتطفئها. لكن آتت متأخرة مثله. لا يعلم من سحبه وقتها من تلك النيران وخرج به إلى فناء السرايا. لم يفق إلا على يد من احتضنه قائلاً بدموع ووجع:
"بابا... ماما... رحمة، فين يا رفعت؟ قولت هتدخل تجيبهم. ليه سبتهم يا رفعت؟ ياريتك سبتني معاهم."
احتضن رفعت أخيه قائلاً بدموع تحجرت في مقلتيه:
"ياريتني كمان كنت معاهم يا رامي."
بكى رامي بحرقة يضم جسد أخاه. كذالك رفعت فعل. فالأسرة الصغيرة التي كان الجميع يحسد رضوان عليها ذاب أكثر من نصفها في نيران حارقة. تحدث عقل رفعت: لما تأخر في العودة؟ ليته عاد باكراً ربما كان أنقذهم، أو ربما كان احترق معهم. لما أعطاه القدر اليوم فرصة أخرى للحياة. ليحيي بقلب محترق.
ذهل عقله وهو يرى النيران في السرايا بدأت تنطفئ بعد أن آتت المطافئ. كيف قبل ذالك لم تنطفئ حين حاول العمال بالسرايا والاستبل إطفاء الحريق بالمياه، كانت تتوهج أكثر. كل شيء تساوى بالرماد. السرايا عبارة عن جدران سوداء خاوية.
لكن فجأة اشتعلت النيران مرة أخرى. ترك رفعت رامي وذهب يتوجه إلى داخل النيران. لكن قبل أن يضع ساقه بين النيران، سمع صوت خلفه يقول:
"لأ يا رفعت."
نظر خلفه رأى دخان كثيف وفتاة تخترق الدخان الكثيف بيدها دلو. ومسكت بيده قائلة:
"مش هسمحلك تدخل للنيران تاني يا رفعت."
نظر رفعت لتلك اليد التي احتوت معصم يده. ثم رفع وجهه ينظر إلى وجه تلك الفتاة. تعجب كثيراً يقول:
"زينب!"
ردت زينب:
"أيوا أنا الشجرة الطيبة يا رفعت."
قالت هذا وألقت ذالك الدلو الذي بيدها على وجهه، ليعود في ذالك الوقت إلى الحياة مرة أخرى، بسبب تلك اليد التي سحبته من ذالك النيران ترميه بمياه تهدأ من حريق صدره المشتعل بتلك الرصاصات.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالوحدة الصحية، انتهى أحد الأطباء من تضميد ذراع وسيم.
خرج وسيم من الغرفة وتوجه مباشرةً إلى مكان غرفة العمليات.
بينما أمام ممر غرفة العمليات، كانت تجلس مُهرة وقلبها يرتجف. تدعو أن ينجوا. رفعت عينيها، اختفى لونها، أصبحت لون الدماء.
تفاجئت بمن يجثو أمامها ويمد يده ويمسك يدها.
نظرت إلى من يمسك يدها وقالت ببكاء: "نعمان... عرفت منين؟"
رد نعمان: "البلد كلها صحت على صوت الرصاص يا مهره. ولما روحت للسرايا لقيت الشرطة منتشرة بالمكان، حتى فرضوا حظر تجول. بس مهمنيش وقولت لازم أكون جنبك. وكمان الشرطة هنا في الوحدة."
بكت مهره قائلة: "رفعت اتصاب في صدره وحالته خطر. ورامي دخل أوضة العمليات يتبرع له بدم. وكمان وسيم انصاب في دراعه."
غص قلب نعمان وربت على يد مهره قائلاً: "تفائلي بالخير يا مهره. وادعي لهم يا مهره وقولي يارب."
ردت مهره: "يارب."
في ذلك الأثناء وصل وسيم. اندهش حين رأى نعمان جاثياً أمام مهره يمسك يدها.
تحدث قائلاً: "فين رامي؟ محدش طلع من العمليات."
سحبت مهره يدها من يد نعمان وقالت: "رامي دخل يتبرع لرفعت بالدم. الممرضة كانت طلعت من شوية تاخد كيس دم وقالت لينا إن فيه أزمة في الدم. وقالت لسه العملية شغالة. وإنت عامل إيه؟"
رد وسيم: "أنا الحمد لله كويس. الدكتور طلع الرصاصة من دراعي والجرح مش كبير."
تنهدت مهره براحة قليلاً قائلة: "يارب عقبال ما أطمن على رفعت."
رد وسيم: "خير إن شاء الله. طالما العملية غابت كده يبقى رفعت هيقاوم إن شاء الله."
نهض نعمان وجلس جوار مهره. نظر له قائلاً: "يارب خير. رفعت بيفكرني بالمرحوم رضوان، كان في نفس قوتك وشجاعتك كده."
ردت مهره بحسرة: "رضوان كان فعلاً بنفس خصال رفعت، بس للأسف مات في حريق مشابه للهجوم اللي حصل النهارده."
حل الصمت على المكان. والانتظار أصعب شيء. والفكر يتراقص به الشيطان بين لحظة وأخرى. هنالك احتمالان: إما الخروج وإعلان نجاة رفعت، أو الاحتمال القاهر... موت رفعت.
نهت مهره ذلك الاحتمال عن تفكيرها. في ذلك الوقت خرج رامي من غرفة العمليات، يغلق أزرار قميصه. يبدو على وجهه الشحوب والشعور بالدوخان.
نهض نعمان سريعاً وتوجه له وقام بسنده حتى جلس على أحد المقاعد وقال: "لازم تعلق محلول بسرعة. قوم معايا."
رد رامي بدوخان: "أنا كويس، بس منظر رفعت وهو نايم على سرير أوضة العمليات هو اللي تاعبني."
رد وسيم بألم: "بلاش عناد، تعالى معايا. إنت لازم تعوض الدم اللي اتبرعت بيه بسرعة."
رد رامي: "قلتلك أنا كويس، ملوش لازمة. شوية وهبقى كويس. أنا مش هتحرك من هنا قبل ما رفعت يطلع من أوضة العمليات."
سالت دموع مهره بحزن. أمامها الثلاث فرسان مصابون، كل منهم يقاوم بكذب. فقالت: "هقوم أجيب عصير، لازم يشرب سوايل تعوض الدم اللي أخدوه."
تحدث نعمان: "خليكي يا مهره. أنا هجيبله العصير وأرجع بسرعة."
بالفعل ما هي إلا دقائق، كان يعود بأكثر من علبة كارتونية صغيرة. أعطاها لرامي قائلاً: "حاول تشرب أي عصير. وشك بدأ لونه يزرق. بلاش عناد."
امتثل رامي لطلب نعمان. هو بالفعل بدأ يشعر بالضعف وخاف أن يغيب عن الوعي. ربما بعض رشفات العصير تعيد له بعض الطاقة الذي يحتاجها الآن.
بعد وقت ليس بقليل.
بداخل غرفة العمليات.
انتهت زينب من إخراج تلك الرصاصات من صدر رفعت وقامت بتقطيب مكانها. قامت بوضع ضماد كبير على صدره.
رفعت وجهها، نظرت لوجه رفعت النائم. شعرت بنغزة قوية في قلبها. حقاً كان يستفزها وتقوم بالدعاء عليه، لكن في تلك اللحظة ندمت كثيراً. ليتها ما دعت عليه. كل ما تتمناه الآن أن يعود يفتح عيناه ويعود لاستفزازها، سواء كان بالفعل أو القول. لكن هو بسبات عميق يصارع الموت. ربما مازال معه معركة دائرة.
خرجت زينب من غرفة العمليات تشعر بإرهاق وإنهاك كبير.
نهض رامي ومهره ووسيم وكذلك نعمان.
تحدثت مهره: "رفعت."
ردت زينب: "رفعت هيطلع على العناية المركزة."
ردت مهره: "يعني إيه؟ حياة رفعت لسه في خطر."
صمتت زينب أثناء خروج رفعت من غرفة العمليات إلى غرفة العناية المركزة.
نظرت مهره بدموع إلى رفعت، التي دخلت خلفه إلى غرفة العناية. نظرت لزينب التي تضع عليه بعض الأجهزة الخاصة والمجسات الحيوية.
بعد قليل دخلت زينب إلى مكتبها بالوحدة. شعرت بدوخة كبيرة، كادت تقع، لكن سندها نعمان الذي ذهب خلفها قائلاً: "مالك يا دكتورة؟"
ردت زينب: "أنا كويسة.. شوية إرهاق."
رد نعمان: "قوليلي حقيقة وضع رفعت."
ردت زينب: "بتمنى ميحصلش مضاعفات على حالته."
رد نعمان بدعاء: "ربنا يلطف به وبينا. رغم إني متعاملتش معاه قبل كده، بس حاسس إنه زيي ابني. بتمنى ربنا يشفيه."
ردت زينب قائلة: "إنت حكايتك إيه مع عيلة الزهار؟"
رد نعمان: "حكايتي معاهم نفس حكايتك يا دكتورة. عاشق. زي ما أنتي عاشقة رفعت، أنا كمان عاشق مهره. ومش بس عاشقها، كانت في يوم مراتي وأم ابني اللي لو كان عاش كان هيبقى أخوكي في الرضاعة. يعني إنتي زي بنتي. وسمعت إن عندك السكر وجبت ليكي ده."
رغم اندهاش زينب، لكن نظرت ليد نعمان. تبسمت بغصة قائلة: "بونبوني... نفس النوع اللي كان بيجيبهولي رفعت."
قطعت زينب الكلمة.
تبسم نعمان يقول: "رفعت هيقاوم وهيرجع صدقيني. العشق هو أكبر هدف للمقاومة وقدامك المثال الحي. أنا... أنا اللي رجعني تاني لهنا هو العشق."
انتهت تلك الليلة مع سطوع شمس جديدة.
بالإسكندرية، بذلك الهنجر كان الأوغاد الأربعة في انتظار الخبر السعيد. لكن خاب ظنهم. انقلب المخطط. هاهي القنوات الفضائية تبث أخبار عن سقوط خلية إرهابية بالشرقية. الشرف والزهو للشرطة المصرية. تمكنت من القضاء على خلية إرهابية كانت تستهدف واحداً من كبار شخصيات المحافظة. ليس هذا فقط، بل وكان أحد رجال شرطة البحرية المصرية. الشرطة كان لديها علم بتحركات الخلية مسبقاً وسمحت لها بدخول تلك السرايا الحصينة. تم القضاء على الخلية بالكامل والقبض على بعض العناصر. الضحايا من الشرطة قلائل، بين إصابات خطيرة وإصابات عادية. حتى من كانوا بالسرايا، بخير. وهنالك صورة لخروج صاحب السرايا وزوجته من السرايا أحياء وبلا إصابات.
كانت صدمة مدوية لهم ذلك الخبر.
نهض هاشم يقول بصاعقة: "إزاي ده حصل؟"
رد فابيو: "لا أعلم. الخبر يقول أن الشرطة كانت على علم بالخلية الإرهابية."
نظر نجيب قائلاً: "نجاة رفعت مصيبة وحطت علينا كلنا. رفعت قدر يخدعنا. أنا قلت إزاي قدر المرتزقة دخول السرايا، بس كان فخ من رفعت زي ما وهمنا قبل كده إنك سبت الخدمة في البحرية."
رد هاشم: "اللي يسمعك يقول ندمان. إحنا هنا بعيد."
رد نجيب: "إنت مش سامع الخبر بيقول إيه؟ الشرطة كانت راصدة تحركات المجموعة دي."
رد فابيو: "هذا كذب من الشرطة. الشرطة تود إظهار نفسها بزهو أمام الشعب. هنالك خطأ ما. أعد سماع الخبر على الهاتف سترى، من يخرج جوار زوجة رفعت... ليس رفعت. لدي شك في ذلك. هذا فخ جديد لابد أن نحذر."
تحدثت جاكلين: "بالفعل هذا صحيح. انظروا معي بالهاتف."
رد نجيب: "وهنحذر إزاي؟"
رد فابيو: "أنا سأعود اليوم لليونان. كذلك أنت تعود إلى عملك. كذلك هاشم يعود إلى قريته."
رد هاشم وهو ينظر إلى جاكلين التي سبقت وقالت: "أنا سأبقى هنا بالإسكندرية لبضع أيام."
كذلك قال هاشم: "وأنا مش عاوز أرجع للزهار لو بإيدي كنت حرقتها كلها وارتاحت."
تبسم فابيو يقول: "حسناً على راحتكم. افعلوا. لابد من مراوغة قليلاً. وعندي باليونان بعض الأعمال المؤجلة سأعود بسببها، لكن سأعود لهنا مرة أخرى في أقرب وقت."
نظر هاشم له يرى بعينيه تلك الحسرة. هو يعتقد أنه لا يفهمه. هو الآخر عيناه على زوجة رفعت. قرأ ذلك بعينيه وتأكد من ذلك حين اختلس السمع وسمعه وهو يعطي أمراً لقائد المرتزقة بالحفاظ على حياة زوجة رفعت. هذا ما جعله يشعر براحة قليلاً. فابيو ما كان سيحصل على زينب قبله.
بالوحدة الصحية.
بمكتب زينب.
كانت زينب تضع يديها ورأسها فوقهم على المكتب. ليست نائمة لكن تشعر بإنهاك وإرهاق. غير ذلك الوجع الذي يفتك بقلبها.
تفاجئت بدخول والديها عليها المكتب متلهفان.
اقتربت والدتها منها قائلة: "زينب إنتي بخير؟"
رفعت زينب رأسها وقالت: "أنا بخير يا ماما اطمني. توقعت مجيك إنتي وبابا، أكيد الخبر انتشر عالقنوات في مواقع النت المختلفة."
تدمعت عين زينب وقالت: "أنا بخير يا ماما. رفعت هو اللي إصابته خطيرة."
احتضنت هالة زينب التي نهضت قائلة: "هيبقى بخير يا روحي. تفائلي."
ردت زينب: "يارب يا ماما. ادعي له."
رد مجد الذي دخل خلفهم قائلاً بإندهاش: "زينب أختي عينها مدمعة. لأ مش مصدق ومدمعة علشان مين؟ علشان رفعت اللي بتقولي عليه همجي. صحيح الحب بيذل الأشرار يا جدعان."
تبسمت زينب رغم شعور قلبها الذي يتوجع.
تحدث صفوت: "مش وقت هزار يا مجد. ادعي لرفعت. ربنا يلطف به. قولي لينا حالته إيه دلوقتي."
ردت زينب بغصة: "أنا مقدرش أحدد حالته قبل يومين. رفعت يعتبر في غيبوبة إجبارية. هو هيفضل تحت تأثير مخدر عام لمدة يومين على الأقل، لأن الإصابة كانت قريبة من الرئة جداً وبسببها فيه أزمة في التنفس الطبيعي. وكمان لو وقفت المخدر دلوقتي وفوقته ممكن جسمه ينتكس بسبب الدم الكتير اللي نزفه. المخدر يعتبر زي علاج له. بس خايفة من رد فعل جسم رفعت بعد ما نشيل عنه المخدر ده. ممكن يفضل في غيبوبة اختيارية منه هو."
ردت هالة: "ربنا يشفيه."
حاولت هالة التخفيف عن زينب وقالت: "بس مش ده الهمجي اللي كنتي بتضايقي من حركاته الهمجية؟ أهو هترتاحي من همجيته شوية."
صمتت زينب.
رد مجد: "لأ ما هو على رأي المثل، لا بحبك ولا أقدر على بعدك. بس والله رفعت هو اللي هيرتاح من لسان زوزي. وهو في الغيبوبة تلاقيه بيحلم بالحور العين. مش صبي البواب."
بأقسى المواقف قد تكون بسمة تشق شفتاك قد تعطى لك أمل كبير.
عصراً بمنزل نعمان.
دخل رامي. استقبله نعمان بترحيب وسأله عن رفعت هل هنالك جديد.
رد رامي: "لأ. زينب قالت رفعت تحت تأثير مخدر هيستمر معاه لوقت. أنا جاي علشان أشكرك إنك روحت لإسكندرية وجبت مروة وجدتي. هما فين؟"
رد نعمان: "مروة والست إنعام دخلوا يستريحوا شوية. ومعملتش حاجة أستحق الشكر عليها. مروة زي بنتي والحاجة إنعام من ريحة الغاليين. ووالدك رضوان الزهار كان زمان له فضل عليا، لما انطردت من الشغل في بيت همام الزهار خدني شوية أشتغل عنده جنايني وهو اللي وظفني في الحكومة بعدها وقالي الوظيفة دي هتعملي كيان كبير على الأقل مش هكون بشتغل عند حد يذلني وقت ما يحب."
رد رامي: "أنا هاخد مروة وجدتي وفي عندنا شقة هنا في الشرقية قريبة من الزهار هنعيش فيها على ما ترميمات السرايا تنتهي."
رد نعمان بعتب: "طب ليه يا ابني مش عاوزني أرد جزء من جميل والدك رضوان الزهار الله يرحمه؟ أنا هسيب لك البيت كله تعيش فيه مع الست إنعام ومروة."
شعر رامي بالحرج وقبل أن يرد. خرجت مروة تنظر بشوق ولهفة. ودت لو قطعت الخطوات بينها وبين رامي وقامت بحضنه تشعر بنبضات قلبه، تخبره كيف مر عليها الوقت منذ أن رأت ذلك الفيديو على أحد المواقع الإخبارية. لم يهدأ قلبها إلا حين رأت نعمان أمامها بالإسكندرية وطمأنها وطلب منها العودة معه. وجدها مستعدة لذلك. ليست هي فقط، إنعام هي الأخرى أتت معهم رغم عدم علمها بما حدث لرفعت ولا بذلك الهجوم الذي حصل على السرايا. حتى أنها طوال الطريق كانت نائمة وحتى حين دخلوا إلى منزل نعمان. طلب من نعمان أن يدلها على غرفة النوم، تشعر بالارهاق وتود الراحة. دخلت معها مروة. كانت تخشى أن تخبرها بما سمعته من خالها حول حالة رفعت. لكن إنعام حتى لم تبدل ملابسها وتمددت على الفراش، سرعان ما نامت بعدها.
بينما رامي وقع بصره على مروة، لاحظ احمرار عينيها. كم أراد أن تأخذه بحضنها تشكي له خوفه على أخيه. يريد منها كلمة اطمئنان فقط. لكن تحدث نعمان: "تعالي يا مروة شوفي جوزك عاوز ياخدك إنتي والست إنعام تروحوا تعيشوا في شقة في الشرقية، وبيتي موجود."
ردت مروة: "هنا زي شقة الشرقية وكمان خالي مش غريب."
تبسم نعمان وقال: "أنتم ولادي. عندي كم مشوار هروحهم وبعدها هفوت عالوحدة أطمن على رفعت."
غادر نعمان وترك رامي ومروة.
نظرات العيون تبوح بالشوق واللهفة. لكن حديث اللسان كان مقتضباً. حين قالت مروة: "رفعت عامل إيه دلوقتي؟"
رد رامي بألم: "زينب بتقول رفعت مش هيفوق قبل يومين. إصابته خطيرة."
ردت مروة: "ربنا يشفيه."
نظر رامي لها وقال بعتاب: "رفعت بس اللي هتسألي عنه وأنا...؟"
ردت مروة: "وإنت إيه؟ إنت واقف قدامي كويس وبخير أهو."
نظر لها رامي قائلاً: "لأ أنا مش كويس يا مروة. بس طالما إنتي شايفه كده تمام. أنا هبقى مع وسيم في بيت باباه. وإنتي خليكي هنا في بيت خالك على ما تخلص ترميمات السرايا. وخلي جدتي معاكي. خدي بالك منها. وأي حاجة تحتاجوها اتصلي عليا. أنا لازم أرجع للوحدة من تاني."
صمتت مروة.
بينما استدار رامي كي يغادر. شعرت مروة بغصة. وقبل أن تخطي قدماه خارج باب الغرفة، نادت عليه مروة بخطوات سريعة كانت تتجه إليه تحتضنه بقوة.
تبسم رامي ولف يديه حولها يحتضنها بقوة.
عادت مروة ونظرت لرامي قائلة: "متأكدة رفعت هيبقى كويس؟ رفعت هيرجع أقوى."
تنهد رامي بأمل يقول: "يارب. لازم أمشي. خلي بالك من جدتي."
تبسمت مروة قائلة: "متقلقش عليها."
حضنها رامي، وكذلك هي حضنته وقامت بتقبيل وجنته. بينما تحدث رامي: "صدقيني بحبك يا مروة. لينا قعدة مع بعض بس الوضع اللي إحنا فيه يمر بسلام."
ردت مروة: "هيمر يا رامي صدقني ورفعت هيقوم بالسلامة."
بعد مرور يومان.
فجراً دخلت زينب إلى الغرفة الخاصة برفعت. تألمت وهي ترى رفعت ممدد بهذا الشكل. أنابيب موصولة بجسده وأنابيب التنفس الموضوعة على أنفه. اقتربت من الفراش وانحنت تقبل جبينه قائلة: "أول مرة شوفتك فيها بعد ما كنت هتدهسني بالحصان، رغم إني وقتها كنت متغاظة منك ومن همجيتك بالذات لما ركبت ورايا الحصان وكنت بتتحرش بيا. حتى لو جبتني هنا للوحدة يومها وبعدها مشيت، كان جوايا إحساس تاني مكنتش عارفه ليه. نفسي أشوفك تاني وأتعامل معاك عن قرب. وده الدافع اللي خلاني أقدم فيك محضر وأحاول أبتزك. رفعت إنت الشخص الوحيد اللي اتمنيت له الخير والشر مع بعض. كنت بتمنى لك الخير إنك تبعد عني وتلاقي غيري تبدأ معاها بتوافق وحياة سعيدة. وكنت بتمنى لك الشر وإني أفضل معاك وأناغص عليك حياتك بعنادي الدائم. بحب أعاندك. كمان بحب همجيتك يا رفعت. إنت قادر تقاوم. مش هقولك علشانى أنا معرفش أنا إيه بالنسبة لك. إن كنت حب حقيقي أو حتى حب امتلاك وقت وهينتهي. إنت اللي قادر تحدد أي نوع فيهم يا رفعت. بس إنت بالنسبة ليا حبيب عمري اللي مكنتش متوقعة أقابله في يوم. أنا جابني القدر هنا علشان أحبك يا رفعت."
أنهت زينب حديثها وقامت بتقبيل شفاه رفعت.
بينما ذلك السابح بملكوته، يشعر بها يراها طيف يستمع لقولها كأنه بحلم يتمناه. عجز لسانه عن النطق. كم ود الرد عليها يقول أنه هو الآخر انتظرها كثير. ليته قابلها منذ زمن. ما كان اقترب من أي امرأة غيرها. وما كان سار خلف انتقام كاد أن يخسرها بسببه. لكن لم يفوت الوقت حبيبتي. أجل حبيبتي. شعرت بأنفاسك. أنفاسك لي عودة الحياة.
ظهراً دخل ذلك الطبيب إلى مكتب زينب. قائلاً: "مساء الخير يا دكتورة. أنا جاي أتكلم معاكي بخصوص السيد رفعت. أعتقد كده لازم هنجرب ونفوقه. كفاية كده."
ردت زينب التي يسيطر شعور الخوف بداخلها. ماذا لو لم يستجيب رفعت للإفاقة؟ هي أوقفت إعطاء المخدر له منذ ليلة أمس وإلى الآن لم يستفيق.
ردت زينب: "فعلاً كفاية كده. أنا منعت عنه المخدر من بالليل والمفروض كان يعود للوعي بس مفيش أي مؤشرات حيوية. لازم نجرب نفوقه ونشوف إيه اللي هيحصل. أنا عندي كشف دلوقتي. ممكن تروح إنت العناية تحاول تفوقه وأنا هنهي كشف عالمريض وهجيلك للغرفة الخاصة برفعت."
رد الطبيب: "تمام. هيفوق إنشاء الله."
ردت زينب: "إن شاء الله."
غادر الطبيب وترك زينب التي جلست تضع يدها على صدرها تحاول التماسك ومواجهة النتيجة مهما كانت. هي ليس لديها أي كشف. هي تحججت بكذب، خائفة. لاول مرة في حياتها الطبية تخاف أن تعرف النتيجة. شعرت بدوار بسيط. قامت بوضع إحدى قطع الحلوى بفمها ثم أتت بذلك المصل وحقنت نفسها وجلست تنتظر ثواني تمر عليها دهور.
بينما بالغرفة الخاصة الموجود بها رفعت، دخل الطبيب إلى الغرفة. وجد كل من وسيم ورامي يقفان بالغرفة. على وجه كل منهم يبدو بوضوح الترقب.
تحدث رامي: "مش المفروض إن رفعت يفوق بقى؟"
رد الطبيب: "بطلب منكم تخرجوا خارج الأوضة علشان أقدر أحاول أفوقه. من فضلكم انتظروا خارج الأوضة. وقوفكم هنا مش كويس."
بالفعل امتثل الاثنان إلى حديث الطبيب وخرجا خارج الغرفة.
بدأ الطبيب يتعامل مع رفعت يحاول إفاقته. بعد وقت بدأ رفعت يستجيب للإفاقة ببطء. حاول عيناه وإغلاقها أكثر من مرة إلى استطاع فتح عيناه. كانت صورة زينب هي من أمامه. تحدث بهمس: "زينب."
تبسم الطبيب قائلاً: "لو واعي ممكن تهز راسك ترد على أسئلتي بدون ما تجهد نفسك في التفكير."
أماء رفعت برأسه.
قام الطبيب بسؤاله: "اسمك رفعت الزهار؟"
أماء رفعت برأسه. سأل الطبيب: "متجوز يا سيد رفعت."
هز رفعت رأسه بنعم.
تبسم الطبيب قائلاً: "طب اسم زوجتك إيه؟"
رد رفعت بهمس: "زينب السمراوي... الدكتورة زينب."
تبسم الطبيب قائلاً: "أهلًا برجوعك. كويس فوقت بسرعة. حمد لله على سلامتك يا سيد رفعت. هطلع أبشر اللي واقفين بره وكمان هتصل عالدكتورة زينب أبشرها برجوعك مرة تانية للحياة."
بالفعل خرج الطبيب من الغرفة الموجود بها رفعت. تحدث إلى ذالك الواقفان قائلاً: "رفعت بيه الحمد لله استجاب للإفاقة وهو دلوقتي فاق تقريباً. مع الوقت هيفوق أكتر. تقدروا تدخلوا له بس بلاش الإزعاج. أنا هتصل عالدكتورة زينب أبلغها إنه فاق."
تبسم الاثنان بإنشراح وقاما بشكر الطبيب الذي غادر.
دخل الاثنان إلى الغرفة سريعاً. تبسما وهما يران رفعت يفتح عيناه. اقترب الاثنان من الفراش. كانا ينظران لرفعت بفرحة غامرة. بينما رفعت تحدث بوهن وخفوت: "زينب فين؟ زينب؟"
نظرا الاثنان لبعضهما بفرحة ثم غمزا لبعض بتفهم.
تحدث وسيم قائلاً: "عيب عليك. أول ما تفتح عينك من الغيبوبة كده بدل ما تسأل على أخوك اللي دمه اتصفى بسببك ولا أخوك التاني اللي أخد رصاصة في دراعه بسببك، وتسأل عالدكتورة زينب اللي مصدقت إنك دخلت الغيبوبة وطفشت."
تبسم رامي. بينما رفعت تذمر بوهن قائلاً: "بقولكم فين زينب."
رد رامي: "زي وسيم ما قال. طفشت دي مصدقت إنك دخلت الغيبوبة وقالت هرتاح من الهمجي."
رد رفعت بتذمر: "بقولكم فين زينب مش قادر على المناهدة وأنتم بتهزروا."
تبسما الاثنان وقال رامي مازحاً بإيحاء: "وعاوز الدكتورة في إيه؟ صحتك متستحملش. إحنا أهو ستر عليك."
رد رفعت بمناهده: "اطلعوا أنتم الاتنين بره. مش عاوز أشوف واحد فيكم هنا في الأوضة. متفكروش إنكم هتستغلوا رقدي دي وتتريقوا عليا. يلا غوروا من وشي مش عاوز أشوفكم قدامي. اصبروا عليا أفوقلكم."
تبسم الاثنان وهما ينظران إلى باب الغرفة الذي فتح ليقول وسيم بأدعاء الخوف: "لأ يا عم. أنا واخد رصاصة في دراعي ومش قد همجيتك."
بينما قال رامي: "وأنا كمان دمي اتصفى بسببك. مش عارف كان إيه اللي لعب في عقلي وخلاني اتبرعتلك بدمي. مش كنت اتبرعت بيه للهلال الأحمر كنت هاخد ثواب."
رد رفعت بضيق: "أنا بقول اطلعوا بره. مش عاوز أشوفكم."
تبسمت زينب التي دخلت إلى الغرفة وشعرت بعودة الروح لها حين رأت رفعت يفتح عيناه بل ويرد على هذان اللذين يستفزانه. وقالت: "على فكرة النرفزة غلط على صحتك. إنت واحد لسه يا دوب فايق من غيبوبة. وفي إيه يا شباب؟ سيبينه يهددكم كده وساكتين."
تبسم وسيم ورامي الذي قال: "أهو تعالي يا دكتورة شوفي بنفسك واحكمي. هي دي الأخوة."
بينما رفعت نظر ناحية صوت زينب التي بدأت تقترب منه ببسمة. شعر بعودة الروح مرة أخرى لجسده وتبسم بشوق ينظر لوجهها ثم قال: "هي دي الأخوة عندي. مش عاجبكم؟ يلا بره. وحتى لو عاجبكم وبرضه اطلعوا بره."
تبسمت زينب قائلة: "أنا بقول نسمع كلام رفعت. طالما عاوز يفضل لوحده نسيبه ويرتاح. ده لسه راجع من غيبوبة وأي حاجة تتضايقه ممكن تأثر عليه."
رد رامي بموافقة: "أنا بقول كده. يلا بينا نخرج ونسيبه يرتاح."
بالفعل توجه الثلاث ناحية باب الغرفة. لكن قال رفعت: "خليكي زينب."
نطق رفعت لاسمها بتلك الطريقة الضعيفة زلزل قلبها. عادت تنظر له وتبسمت.
بينما تبسم وسيم ورامي لبعضهما وخرجا من الغرفة وأغلقا خلفهم الباب. سعداء بعودة رفعت.
بينما عاود رفعت قوله: "زينب قربي مني."
اقتربت زينب منه وجلست جواره على الفراش تنظر لوجهه.
تحدث رفعت بخفوت: "بقالى قد إيه غايب."
ردت زينب: "يومين يا رفعت."
تحدث رفعت: "بس أنا ليه حاسس إنك كنتي بتكلميني من شوية؟ صوت همسك في وداني."
تبسمت زينب قائلة: "متهيألك دي تخاريف السكرة اللي كنت فيها. بس على العموم أهلاً برجوعك. كنت متأكدة إنك مش هتغيب في الغيبوبة."
شقت بسمة على شفاه رفعت وقال برجاء: "زينب ممكن تقربي منى وشي."
نهضت زينب واقتربت من وجهه.
تحدث رفعت: "ممكن تقربي أكتر."
بالفعل انحنت زينب على وجه رفعت.
رغم وهن رفعت الشديد، لكن رفع يده وجذب زينب وقام بتقبيلها قبلة ضعيفة. لكن كانت بالنسبة لهما الاثنان قبلة الحياة.
ترك رفعت شفاه زينب وقال بخفوت: "قرنفل."
تبسمت زينب وهي تنظر لعين رفعت وهمست له قائلة: "إيه اللي قرنفل يا همجي؟"
رد رفعت: "طعم شفايفك... قرنفل. بحبك يا زينب."
تبسمت زينب وقالت: "ومقولتهاش ليه قبل ما تدخل للغيبوبة؟ ولا دي تخاريف إفاقة."
رد رفعت: "مقولتهاش لأني فعلاً قبل الغيبوبة عايش في تخاريف. بس دلوقتي الحقيقة. إني بحبك يا شجرتي الطيبة."
قطع اللحظة دخول مهره التي دخلت دون طرق على الباب وقالت بلهفة: "رامي ووسيم قالولي إن رفعت فاق."
اعتدلت زينب لكن مازالت جوار رفعت. اقتربت مهره وشعرت بعودة الروح لها حين رأت رفعت يبتسم ويفتح عيناه. انحنت على رأسه وقبلت جبهته قائلة: "حمد الله على سلامتك. كنت متأكدة إن الفارس مش هيهزم وهيقاوم بس خضيتينا عليه كانت قوية."
تبسم رفعت وقال: "مش يمكن الفارس كان عاوز يعرف أهميته وغلاوته عند اللي حواليه."
تبسمت مهره تقول: "إنت غالي. غالي قوي يا رفعت. عندنا كلنا وبالأخص الدكتورة زينب. اللي وجودها كان إنقاذ لك."
تبسم رفعت وعيناه تنظر لزينب وقال: "فعلاً وجود زينب جانبي إنقاذ ليا."
بعد مرور أسبوع.
بمنزل الشامي.
صباحاً باكراً نهض رامي من فراشه وتوجه يسير خلف تلك الرائحة. تعجب إنها رائحة القهوة. دخل إلى المطبخ وجد وسيم يتناول إحدى الشطائر وأمامه ركوة صغيرة على النار. رائحتها تفوح بالقهوة.
تحدث من خلفه قائلاً: "إعمل حسابي معاك في كوباية قهوة وكمان هات حتة لقمه من اللي بتاكله ده. ليه معملتش ليا إحنا الاتنين فطور."
رد وسيم بخضة: "خضتني يا حيوان. مش تكح قبل ما تتكلم. وأعملك فطور ليه؟ كنت الفلبينية اللي بتقبضها بالدولار؟ ده سندوتش جبنة. أنا معدتي نشفت من الأكل الجاهز والتيك أواى."
رد رامي: "ومين سمعك. أنا زيك."
رد وسيم: "وإيه يجبرك؟ إنت راجل متجوز ولك زوجة تعرف تطبخ."
شعر رامي بغصة قائلاً: "ما أنت عارف السرايا بعد الهجوم بقت غير صالحة للاستخدام الآدمي. وأهو العمال شغالين فيها ترميمات ومراتي قاعدة عند أهلها. عاوزني أجيب مراتي في الخن بتاعك تخدمنا."
رد وسيم: "ولما الخن بتاعي مش عاجبك إيه يجبرك تتبليني بيك وتقعد معايا فيه؟ أهو القهوة فارت من عنيك والوش بتاعها طار. بلاها قهوة هعمل نسكافيه تلاتة في واحد."
تبسم رامي يقول: "عارف. مفيش متهني من وراء الهجوم ده غير الواد رفعت نايم في المستشفى. مدلل عمتي مهره شبه مقيمة معاه طول النهار وطول الليل الدكتورة هناك. وهو استغلالي ومستغل الفرصة على الآخر، وبالذات مع الدكتورة. بيلعب على عقلهم الاتنين. مش زينا عاملين زي المقاطيع. بفكر أبات معاه الليلة أبقى محرم."
تبسم وسيم يقول: "فكرة برضه. أهو ارتاح من رخامتك واستغلالك ليا. كأني الخدامة بتاعتك. بس طب ما أنا كمان مصاب في دراعي محدش عبرني ليه حتى بورك فرخة أرمي بها عضمي."
تبسم رامي: "وأنا اللي دمي اتصفى. شوفت حد جابلي علبة عصير يرد الدموية لجسمي مكان الدم اللي اتبرعت بيه. بقولك أعملي سندوتش جبنة معاك."
فتح وسيم الثلاجة وأخرج منها طبق به بقايا جبنة وأتى بعيش ووضعهم على طاولة بالمطبخ وقال: "عيش وجبنة أهم. اعمل لنفسك."
رد رامي: "لأ أنا شايف لانشون في التلاجة مش عاوز جبنة."
أتى وسيم بالانشون ووضعه على الطاولة.
جلس رامي قائلاً: "اقعد نتسلى شوية. بدل الملل اللي إحنا فيه."
جلس وسيم قائلاً: "وماله نتسلى سوا وإحنا عاملين زي الولايا كده. حتى ماما مهره نسيانا. بقولها ابعتي لينا أي شغالة من عندك تخدمنا. قالتلي لأ انتم اتنين شباب مينفعش تبقى معاكم واحدة في البيت. تعالي إنت ارجع للبيت ورامي يجيب مراته ومرات خالي من بيت خالها."
رد رامي: "طب ليه مش بتسمع كلامها؟ أهو اتلم أنا ومراتي في مكان بدل ما ببقى مكسوف وأنا رايح أشوفها هي وجدتي في بيت خالها."
رد وسيم: "أنا كاره للبيت ده زيكم بالظبط. والله لو مش وجود ماما مهره ما كنت عشت فيه أصلاً."
رد رامي: "طب ولمى.؟"
تحدث وسيم: "مالها لمى."
رد رامي: "المفروض لمى خطيبتك. إيه؟ مش سبب إنك تحب تعيش هناك؟"
رد وسيم: "لمى. دي سبب رئيسي إني سبت العيشة في البيت ده."
تعجب رامي قائلاً: "قصدك إيه؟ وبعدين إنت مش ناوي تتجوز من لمى قريب."
رد وسيم بقطع: "لأ. أنا مستحيل أتجوز من لمى أصلاً."
تعجب رامي قائلاً: "قصدك إيه؟ وطالما مستحيل تتجوزها كنت بتخطبها ليه؟"
رد وسيم: "كان غباء مني. وغفلة. بس الحمد لله صحيت قبل فوات الأوان."
بالوحدة الصحية.
لم يتعجب رفعت من تلك الزيارة المفاجئة بل توقع سببها. حين دخل إلى غرفته ذلك الضيف. وقف ذلك الضيف مبتسماً يمد يده للمصافحة. فكر رفعت في البداية عدم مصافحته، لكن بالنهاية مد يده يصافحه قائلاً: "أهلاً سيادة النائب. نورت."
تبسم النائب قائلاً: "أولاً بعتذر عن تأخيري في زيارتك. مكنتش في البلد الفترة اللي فاتت بس كنت متابع أخبارك. وأول ما رجعت للبلد قولت لازم أجي بنفسي أزورك وأطمن عليك."
رد رفعت يقول: "سيادتك طول عمرك صديق."
رغم شعور رفعت بالألم، لكن جلس بتعالي يضع ساق فوق أخرى بتعالي ورسم بسمة على شفاه وأشار للنائب بيده كي يجلس هو الآخر. بالفعل جلس النائب على أحد المقاعد مبتسماً يقول: "فعلاً. أنا طول عمري كنت صديق وده واجب عليا. والدك رضوان الله يرحمه كان أعز صديق عندي."
نظر رفعت لوجه نجيب قائلاً: "والدي. كان أعز صديق عندك. طب ليه غدرت بيه وشاركت في موته يا سيادة النائب؟ ويمكن كمان كنت مشارك في الهجوم اللي حصل على السرايا من أيام، وكان هدف الهجوم ده تصفيتي."
ارتبك نجيب قائلاً: "بتقول إيه؟ وأنا هستفاد إيه من أذيتك؟"
رد رفعت: "عالمكشوف كده. يا سيادة النائب أنا متأكد إنك ضلع أساسي في حرق السرايا زمان وكمان الهجوم على السرايا وعارف هدفك. زمان خوفت بابا يسحب منك عضوية مجلس الشعب اللي كنت بتداري فيها وتساعد هاشم الزهار في أعماله القذرة. عندي ليك عرض لو وافقت عليه أوعدك أساعدك في الانتخابات الجاية. اللي أنت مرعوب من مساندتي للمنافس بتاعك فيها."
ازدرت نجيب ريقه. لكن قبل أن يتحدث. تحدث رفعت: "سلمني دليل إدانة هاشم الزهار. سواء كان في تجارة الأدوية الممنوعة أو حتى في تجارة البنات القُصر اللي بيتجوزهم ويبيعهم بعد كده."
انصدم نجيب من ما قاله رفعت وارتعشت يده وهو يضعها يمسك بكوب الماء الذي سقط منه.
تبسم رفعت يقول: "إيدك بترعش ليه يا سيادة النائب. انصدمت إني عرفت حقيقتك وحقيقة النخاس هاشم الزهار. كل فكرة عندي وثائق ومستندات تدينك في موالستك على هاشم الزهار بالذات البنت اللي قتلها ولو مش مساعدتك له وأخفيت الدلائل كان زمانه مشرف في السجن. دا غير البنت اللي كانت عالمركب واللي قتلتوها في المستشفى بس للأسف قتلتوها بعد فوات الأوان. البنت اعترفت إنها كانت مخطوفة ومكنتش حاسة هي بتعمل إيه. والبوليس قدر يوصل للست اللي دخلت المستشفى وأدعت إنها أمها بسبب الكاميرات اللي كانت موجودة في الأوضة نفسها. عندي لك تسجيل هسمعه لك يمكن تصدق."
فتح رفعت هاتفه الجوال وأتى بتسجيل صوتي وقام بتشغيله.
انصدم نجيب قائلاً: "أنا معرفش حاجة عن اللي حصل للبنت دي."
ضحك رفعت يقول: "ده تسجيل لوالد البنت اللي رفعت قتلها هنا في الشرقية. ووجد بداخل البنت نطاف ذكرى وأنها ماتت بعد علاقة زوجية. ولما واجهوا والد البنت أنكر أن بنته كانت متزوجة ليه؟ لأنه اتهدد مش بس من هاشم الزهار. لأ من شخص تاني. سحب الدليل ده من قلب المعمل الجنائي. وطبعاً هاشم ميقدرش يعمل كده. لكن سيادة النائب أحبابه كتير ويتمنوا الخدمة. غير تصاريح سفر بعض البنات القاصرات اللي كان هاشم بيسلب عذريتهم وبعدها يبعهم للمافيا. سواء تجارة أعضاء أو لأماكن الدعارة خارج أو داخل مصر. قدامك فرصة يا سيادة النائب تحاول تكسب منها هاشم. خلاص كارت اتحرق للحكومة مجرد وقت وهيشرف عالشنقة. وكمان كارت اتحرق ل فابيو. لو مش مزاج چاكلين له كانت بنفسها اتخلصت منه. ومتأكد هيحصل قريباً."
تعلثم نجيب وتهته في الرد.
أنقذه من الرد زينب التي دخلت إلى الغرفة.
تحدثت قائلة: "أهلاً يا سيادة النائب. واضح إني جيت في وقت غير مناسب وقطعت عليكم الحديث. بس ده وقت علاج رفعت. غير كمان لازم أغير له الضماد اللي على صدره."
نهض نجيب قائلاً: "لأ أبداً يا دكتورة. أنا كنت خلاص هقوم. زيارة المريض لازم تكون خفيفة. ربنا يكمل شفا رفعت. أستأذن أنا."
كاد نجيب أن يغادر الغرفة سريعاً. لكن قبل أن يخرج من الباب تحدث رفعت وهو مازال جالساً: "فكر في عرضي يا سيادة النائب ومستني منك الرد في أسرع وقت."
لم يرد نجيب وهز رأسه بموافقة وغادر الغرفة سريعاً، كأن هنالك ثعبان يركض خلفه.
بينما قالت زينب بفضولها المعتاد: "إيه العرض اللي عرضته على النائب؟"
رد رفعت: "ولا حاجة. دي حاجة متخصكيش."
اغتاظت زينب منه وقالت: "تمام طالما متخصنيش مش عاوزة أعرف. تسمح تاخد الدوا بتاعك وكمان تقوم تنام عالسرير علشان أغيرلك الضماد اللي على صدرك ده."
نهض رفعت من على المقعد وسار بخطوات بطيئة وجلس على الفراش وقال بمكر: "إيه مفيش في الوحدة كلها ممرضة تيجي هي تديني الدوا؟ ولا أنا ليا معاملة خاصة من الدكتورة؟ ولا يمكن الدكتورن بتحبني."
نظرت له زينب وهي تعطيه بعض الأدوية. ناولته كوب الماء. وكذلك قامت بمسك سرنجة وملئتها بمحلول طبي وقامت بوضعها بفتحة تلك الكلونة الموضوعة خلف كف يده وقالت: "لأء بلاش توهم نفسك إني بحبك ومالكش وضع خاص ولا وضع عام عادي. لقيت نفسي فاضية قولت أشغل نفسي بدل الملل. ولو بإيدي كنت اديتك حقنة هوا وخلصت منك. وإتفضل اقلع الروب ده ونام عالسرير خليني أغيرلك ضماد صدرك بلاش تعطلني أكتر من كده."
تبسم رفعت وقام بخلع ذلك المئزر وتمدد على الفراش. دنت زينب منه تضع ذلك الضماد على صدره.
تبسم بسخرية قائلاً: "طب اهتمامك بيا ده اسمه إيه لو مش بتحبيني."
ردت عليه: "تقدر تقول إن اهتمامي بيك زي أي مريض بعالجه. مش أكتر. متنساش إني حلفت قسم يوم ما اتخرجت أعالج أي حد محتاج مساعدتي حتى لو كان عدوي."
تبسم بألم قائلاً: "بس أنا مش عدوك. أنا جوزك."
قبل أن ترد، فجأة شعرت به يجذبها، لتصبح ممددة على الفراش وهو يعتليها.
ارتجفت قائلة: "رفعت إنت واخد تلات رصاصات في صدرك. احمد ربنا إنت اتكتبلك عمر جديد."
تبسم يقول: "اتكتبلي عمر جديد على إيدك. ليه انقذتيني ومسبتنيش أموت؟ كنتِ هترتاحي من الهمجي."
صمتت تنظر لعيناه فقط، لكن شعرت بأنفاسه على صفحة وجهها. ضغطت على الجرح الذي بصدره تألم لكن قيد يديها بيدهُ ورفعهم فوق رأسها. شعرت بأنفاسه قريبة من عنقها.
قالت له بحده: "قوم من فوقي لصرخ وألم عليك اللي في الوحدة. إنت ناسي إنك بالوحدة الصحية. اللي بتعمله ده يندرج تحت فعل فاضح بمكان عام."
رفع رأسه من حنايا عنقها ونظر لعيناها المتحدية. ضيق عيناه. وقبل أن تتحدث زينب. تفاجئت به يشق مقدمة ملابسها، لتظهر ملابسها الداخلية أمام عيناه، وتحدث بوعيد: "لو أي حد دخل للأوضة وشافك بالمنظر ده، هقتله حتى لو كانت ست، وإنتِ عارفة إني قد كلمتي."
قال هذا ودنا مرة أخرى يقبل جانب عنقها. تحدثت زينب: "بلاش يا رفعت اللي بتعمله ده صدقني علشان صحتك. إنت واخد تلات رصاصات في صدرك."
تنفس على عنقها هامساً: "اللي حاسس بيه هي رصاصة واحدة اخترقت قلبي. ليه ظهرتي في حياتي؟ ليه بضعف قدامك؟ مكنش لازم تدخلي حياتي. كنت هحرقهم، ولسه عند وعدي، لكن أنتِ بتضعفيني."
تحدثت زينب: "أنا مش بضعفك، خليني قوتك. وبلاش يا رفعت، سيبهم لربنا. صدقني هينتقم منهم هو أقوى من أي انتقام للبشر. أنا عارفه ومتأكدة إنت عارف مين اللي اتهاجم عالسرايا. دل الشرطة عليه وخليها هي تعاقبهم. صدقني يا رفعت الشعلة لسه في إيدك تطفيها. قبل ما تشعلل وتحرقك معاهم."
كان رفعت سيعترض لكن قالت زينب برجاء: "اطفي الشعلة اللي في إيدك، اطفيها واشعل قلبك مكانها. إنت قلت إنك بتحبني يبقى ليه تضيع عمرك في انتقام كان هينهي حياتك؟ رفعت لو صحيح بتحبني ابعد الانتقام عن قلبك وخلينا نعيش مع بعض في أمان. أنا كنت بموت وأنا بسمع صوت الرصاص. وأنا بتخيل رصاصة منهم تكون نهت حياتك. أنا لما سمعت صوت تصفير جهاز مؤشر الحياة قلبي كان هيوقف."
نظر رفعت لعين زينب وتبسم وهو يضع يده على قلب زينب وقال: "وأنا علشان أفضل أسمع نبض قلبك على استعداد أنسى أي انتقام هيبعدك عني."
تبسمت زينب له وضمته قوياً.
تبسم رفعت لكن شعر بآلم فآن بألم.
خفت زينب من قوة ضمها له. تبسم رفعت ونظر لشفاها المبتسمة ودون انتظار.
ظل رفعت يُقبل زينب تائهين. نسي ألم جسده. كذلك زينب نسيت أين هي وتجاوبت معه بالقبلات.
لكن سمع الاثنان صوت نحنحة رقيقة. بينما حين فتحت مهره باب الغرفة ودخلت.
تنحنحت بخجل ليتها ما دخلت ورأت ذلك الموقف الحميمي.
شعرت زينب بخجل وهي أسفل رفعت وقالت له بهمس: "مش كنت بتقول هتقتل اللي يدخل للأوضة حتى لو ست. قولي هتقتل عمتك كمان."
رد رفعت بنفس الهمس: "والله لو رامي أو وسيم كنت فعلاً قتلتهم. بس دي قلبي ميطاوعني أشوفها حتى مخدوشة."
ردت زينب: "علشان تعرف قلة أدبك وكمان قوم من فوقي. طلعت مش قد كلمتك اللي يدخل لو حتى ست هتقلها."
رد رفعت: "مش قادر أقوم. زقيني."
تحدثت مهره قائلة: "براحة وأنتي بتزقيه. ليقع من عالسرير."
تنحى رفعت عن زينب ونام على ظهره قائلاً: "منورة الوحدة يا عمتي. كويس إن إنتي اللي فتحتي علينا الباب مش جدتي كانت عملت لينا جرسه في الوحدة."
بينما زينب نهضت تعدل ثيابها تنظر له بغيظ ولكن شعرت بخجل من مهره وقالت: "هروح أشوف شغلي في الوحدة."
تبسمت مهره قائلة: "وماله يا حبيبتي ما أنتي هنا كنتي بتشوفي شغلك برضو. بس قبل ما تطلعي في كام زرار طايرين من بلوزتك عالأرض. استنى هجمعهم لك أهو."
ردت زينب بأحراج: "لأ مالهمش لازمة. هقفل البالطو عليا وعندي هدوم تانية في مكتبي هغير البلوزة دي. عن إذنك يا طنط."
أغلقت زينب معطفها الأبيض وغادرت تشعر بخجل. بينما نظرت مهره لرفعت وقالت: "إفرض مكنش أنا اللي دخلت عليكم الأوضة كنت هتعمل إيه."
رد رفعت: "والله لو كان أي حد تاني غيرك اللي دخل علينا الأوضة كنت قتلته حتى لو كان الأغبياء الاتنين وسيم ورامي."
على ذكر وسيم ورامي دخل الاثنان. تحدث وسيم يقول: "بتجيب في سيرتنا ليه؟ كفاية إنت مقيم هنا. خدمة سبع نجوم ومعاك الدكتورة وكمان دلع ماما مهره."
ردت مهره: "أهم حاجة وجود الدكتورة هنا جنبه. وجودها ساعده يخف بسرعة."
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالوحده الصحيه ظهراً، دخلت زينب إلى الغرفه الموجود بها رفعت. تفاجئت به يقف نصف عارٍ وهناك ممرضة معه بالغرفة. انتابتها الغيرة وقالت:
مساء الخير.
ردت الممرضة:
مساء النور يا دكتوره.
بينما رفعت تبسم بخفاء ولم يرد.
نظرت زينب إلى ما بيد تلك الممرضة وقالت:
خير، هتعملي إيه بالقطن المبلول اللي في إيدك؟
ردت الممرضة وهي تشعر بالخزي:
رفعت بيه طلب مني أمسح له جسمه.
فهمت زينب قول الممرضة وشعرت بالغيرة وقالت لها:
طيب روحي إنتِ، شوفي شغلك. رفعت بيه ممنوع الميه تلمس جسمه.
ردت الممرضة بقبول:
تمام، عن إذنكم.
نظرت زينب للممرضة حتى خرجت من الغرفة وأغلقت خلفها، ثم نظرت لرفعت قائلة بضيق وتهكم:
عايز الممرضة تمسحلك جسمك ليه؟ خلاص هتموت من الحر.
رد رفعت باستفزاز:
لأ، مش هموت من الحر. بس هموت من ريحة الأدوية والمطهرات اللي على جسمي، مش قادر أتحملها.
ردت زينب بتهكم قائلة:
بعد كده هيبقوا يحطوا في الأدوية والمطهرات برفان عشان سيادتك مش قادر تتحمل ريحتها. بس تحب سيادتك أي نوع برفان؟ آكس ولا كوتشي.
ضحك رفعت يقول:
جوتشي مش كوتشي على فكرة. وبعدين مضايقة ليه؟ ده يعتبر زي استحمام على الناشف عادي جدًا.
نظرت له زينب بذهول قائلة:
استحمام على الناشف؟ وكنت عايز الممرضة تحميك كمان؟ لأ، عيب عليا، ما كانش لازم أمنع الممرضة.
تبسم رفعت يقول:
إحنا لسه فيها. بدل ما الممرضة كانت هي اللي هتحميني على الناشف، إنتِ موجودة. ومتنسيش إنك مراتك، يعني أنا أولى بوقتك واهتمامك من اللي هتعالجيهم في الوحدة.
فكرت زينب وقالت بخبث:
تصدقي فعلاً، إنت جوزي وأولى بالاهتمام والرعاية مني. تمام يا زوجي العزيز، أنا هحميك على الناشف.
تبسم رفعت.
بينما زينب أخذت ذاك الإناء الذي تركته الممرضة وبه بعض قطع القطن المبللة. أمسكت قطعة من القطن وقامت بعصرها وتوجهت ناحية رفعت وقالت له:
خليني أحميك يا زوجي العزيز.
قالت هذا وقامت بوضع قطعة القطن على ظهره بضربة قوية.
شعر رفعت بألم وقال:
براحة، خفي إيدك شوية.
ردت زينب:
معلش، استحل يا زوجي العزيز، أصلي أول مرة أحمي حد، وللأسف بحميه على الناشف.
أعادت زينب الفعلة أكثر من مرة على مناطق متفرقة من جسد رفعت، الذي رغم الألم الطفيف الذي يشعر به من أفعال زينب، لكن بداخله سعيد باهتمامها وغيرتها التي أظهرتها دون أن تدري.
قالت زينب:
أظن كده خلاص، ريحة المطهرات راحت من على جسمك.
رد رفعت:
لأ، لسه رقبتي من قدام، وكمان صدري فوق الضماد ده.
ألقت زينب قطعة القطن في الإناء بقوة ونظرت لرفعت. رفعت يديها ووضعته حول عنقه قائلة:
لأ، دول مش محتاجين لقطن، دول إيديا هي اللي هتشيل ريحة المطهرات من عليهم.
قالت زينب هذا وحاولت خنق رفعت، الذي تبسم وهو يضع يديه فوق يديها التي حول عنقه وجذبها بقوة لجسده. رغم شعوره بالألم، لكن تبسم يقول:
إيدك تقيلة يا روحي، يا ريتك كنتِ سبتي الممرضة، أكيد إيدها كانت هتبقى أحن.
ضيقت زينب يدها حول عنق رفعت وقالت بغيظ:
تصدق إنك هتخليني أندم إني أنقذتك ومسبتكش تفلسع؟ كنت ارتحت من همجيتك.
ضحك رفعت وهو يسير للخلف ويده فوق يد زينب وقال:
أفلسع؟ في دكتورة تقول لمريض تفلسع؟ دي ألفاظ بوابين مش دكاترة.
ردت زينب:
طيب، طالما ألفاظ بوابين بقى، أنا هكتبلك على خروج من الوحدة يا رفعت، خلاص حالتك اتحسنت، تقدر تكمل علاجك في البيت. سيب مكانك لمريض تاني محتاج رعاية.
تبسم رفعت ونام على الفراش. وكانت زينب منحنية عليه وقال:
هخرج من الوحدة أروح فين؟ إنت مش عارف إن السرايا لسه مخلصتش ترميمات.
ردت زينب:
ماليش فيه. إن شاء الله تنام في الإسطبل مع الخيل بتوعك. المجرمين معرفش ليه مضربوش رصاصة عالخيل.
رد رفعت:
الطمع. الخيل كانت هتبقى الغنيمة بتاعتهم. ويعني يرضيك أنام وسط الخيل؟ طب وأنتِ هتنامي فين؟
ردت زينب:
لأ، ما أنا هرجع للسكن الملحق بالوحدة اللي كنت عايشة فيه قبل ما أتغصب وأتجوزك.
رد رفعت:
طب ما تاخديني معاكي للسكن ده.
ردت زينب:
لأ، السكن ده للعاملين المغتربين بالوحدة بس، ولو أخدتك معايا ده يعتبر استغلال وأنا مش مستغلة. انسى. روح اقعد عند قريبك وسيم في بيته مع رامي، وأهو لو حسيت بالحر واحد منهم ممكن يحميك على الناشف، واعتبره زي الممرضة.
تبسم رفعت وجذب زينب عليه وقال بمكر:
لأ، وسيم ورامي إيديهم خشنة زي إيدين البوابين. أنا عايز ممرضة معايا ترعاني. وطبعاً مراتى مديرة الوحدة هتنقيلي أحلى... قصدي أشطر ممرضة.
ردت زينب:
اتقعت مرارتك إنت والممرضة. عارف يا رفعت لو مبطلتش طريقتك دي... أنا هحطلك في العلاج سم فئران وأخليك تهلوس وتشوف الممرضة الحلوة سلعوة.
تبسم رفعت يقول:
بحبك يا شرسة.
قبل أن ترد زينب عليه، ورغم شعوره بالألم في صدره، لكن جذبها عليه يُقبلها بشوق.
شعرت زينب بألمه فأبتعدت بجسدها عن صدره، لكن مازالت تستمتع بقبلته. لكن سمع الاثنان صوت نحنحة قوية.
استقامت زينب واقفة وابعدت عن رفعت تشعر بخزي.
بينما قالت مهيرة:
عيب يا جماعة اللي بيحصل ده. كويس إن مرات خالي إنعام مدخلتش معايا. وقالت هتروح تشوف مكتب زينب، كان عندها إحساس إنك هناك. بس أنا كان عندي إحساس تاني والحمد لله إني سبقتها لهنا. خلاص كفاية بقى، أنا شايفه رفعت حالته بقت كويسة. اكتبي له على خروج، وأهو تتلموا في مكان مقفول عليكم ومحدش يحرجكم بعد كده.
صمتت زينب تشعر بإحراج كبير. بينما رفعت تبسم يقول:
هخرج أروح فين يا طنط؟ السرايا لسه فيها كام يوم ترميمات. وكمان هنا الرعاية سبيشيال. عندي واسطة قوية وشرسة.
تبسمت مهيرة وهي تنظر إلى زينب وقالت بتوريه:
فعلاً عنده واسطة قوية جداً. بس أنا كرهت المجيء للوحدة. وكمان مرات خالي إنعام ست كبيرة. من وقت ما عرفت إنك مصاب وإنك عند زينب في الوحدة، عايزة تيجي وتاخد أوضة هي كمان عشان تبقى قريبة من زوزي.
شعرت زينب بالإحراج وقالت بهروب:
هروح أشوف تيتا فين لا تتوه في الوحدة.
غادرت زينب دون انتظار.
بينما تبسمت مهيرة قائلة بمزح:
الدكتورة اللي كانت عاقلة، قربت تجنن. مش هتبطل الحركات دي. عيب حتى على رتبتك كظابط سابق. تعرف يا رفعت، قد ما كنت زعلانة وحاسة بقهر وخوف بعد ما انصبت، بس مع الوقت عرفت إن ربنا كل أمره خير. لما شوفتك فتحت عيونك من تاني، وكمان الفترة اللي فاتت قربت من زينب كتير وحاسة إن بقى في بينكم توافق كبير. بغض النظر عن الوقاحة اللي شوفتها من شوية أو قبل كده كمان، إنك إنت ووسيم ورامي رجعتوا تاني عصابة واحدة. وبعدين قوم البس بقية هدومك قبل مرات خالي ما تيجي ومعرفش رد فعلها إيه.
تبسم رفعت لها واتجه يرتدي بقية ثيابه قائلاً:
مش غريبة، هاشم الزهار بقاله فترة بعيد عن هنا.
تنهدت مهيرة براحة قائلة:
يته ما يرجع. سمعت من واحد من كلابه اللي في الإسطبل إنه قاعد في إسكندرية بيعمل فحوصات طبية. وكمان هشام أخوه كان تعبان شوية.
رد رفعت:
وهو هاشم بيشتكي من إيه عشان الفحوصات دي؟ وحتى لو صحيح الكلام ده، الفحوصات ما تتخدش المدة دي كلها. بس على قولك، يته ما يرجع.
***
ليلاً بمنزل نعمان.
شعرت مروة ببعض التقلصات في معدتها. نهضت من على فراشها وذهبت إلى الحمام، أفضت ما بجوفها تشعر بوهن شديد. من حسن حظها أن خالها نائم ولم يشعر بها. لكن شعرت بها إنعام التي تنام معها بغرفة واحدة. فنهضت حين عادت مروة إلى الغرفة وأشعلت الضوء تنظر لمروة قائلة:
مالك يا مروة؟ وشك مخطوف كده ليه؟ هو الواد رامي زعلك تاني؟ لأ بقى، أنا سكتت له قبل كده لما كنا في إسكندرية. هو ناقص تربية. بس لما يرجع الصايع لهنا، وهو وأخوه رفعت الصايعين مش لاقيين اللي يلمهم، إنتِ وزوزي هاديين وملكمش ضوافر. بس مفكرين إيه؟ لأ، أنا معنديش شباب تسهر بره بيتها لحد دلوقتي.
تبسمت مروة قائلة:
أنا كويسة يا تيتا. بس إيه اللي صحى حضرتك من النوم دلوقتي؟
ردت إنعام:
أنا صحيت مفزوعة. شوفت زوزي وهي عايمة على بؤرة دم في مية البحر. وكان في نار والعة فوق المايه بتقرب منها. وأنا صرخت أحذرها بس صوتي زي ما يكون مطلعش مني. بس الغريب في الحلم رفعت كان قريب منها ومش شايفها. وكانت زي ما يكون في حاجة تقيلة شايلاها على قلبها وخايفة عليها. قلبي حاسس إن زينب حامل. بس تعرفي يا مروة، أنا قبل الحريق ما يحصل كنت بشوف هلاوس زي دي.
اقتربت مروة من إنعام وحضنتها قائلة:
دي مش بتبقى هلاوس يا تيتا. دي بتبقى رؤى أو إشارة من ربنا. أو ساعات مخاوف جوانا.
ردت إنعام بتوهة:
مخاوف إيه؟ إنتِ خايفة إننا نايمين في أوضة لوحدنا؟ لأ، متخافيش. أنا شجاعة ومش بخاف من الضلمة. عارفة أنا بحب الضلمة، بتبقى هدوء. وبعدين ليه صحيتيني من نومي؟ أنا كنت بحلم بجوزي وهو بيعاكسني لما شافني بالمايوه الأزرق عال بحر.
تعجبت مروة من تغير إنعام التي تركتها وعادت للنوم.
تسطحت مروة هي الأخرى على الفراش، وهي تشعر بوهن. لكن فكرت بشيء وقالت:
إزاي مخدتش بالي؟ ممكن فعلاً يكون ده سبب إحساسي بالوهن.
تبسمت مروة، لكن سرعان ما زالت بسمتها وهي تعيد قول إنعام أن زينب كانت عائمة ببؤرة دم فوق مياه البحر وأنها كانت تحمل ثقلاً. ما معنى هذا؟ ولفت انتباه مروة أكثر ذاك الصوت الذي يؤذن لنداء الفجر الأول. إنعام رأت ذاك الحلم قبل نداء الفجر الأول، وهذا هو الوقت الذي يتلاعب به الشيطان بعقول النائمين.
***
بعد ظهر اليوم التالي
أمام شقة خاصة بالمدينة... بالشرقية.
وقف رفعت يستند على زينب، رغم أنه يستطيع السير وحده، لكن هو يستغل كل فرصة تأتي له للتقرب من زينب.
وضعت زينب المفتاح في مقبض باب الشقة وفتحت الباب.
تحدثت قائلة:
أكيد عارف أوضة الشقة دي. خلينا نروح أوضة النوم عشان تستريح.
تبسم رفعت بمكر:
فعلاً، عايز أستريح.
قال رفعت هذا وقبل وجنة زينب وهو يسير لجوارها إلى أن دخلا إلى أحد غرف النوم. سندت زينب رفعت إلى أن وصلا إلى الفراش. مالت معه وهي تتكئ على الفراش، لكن بمكر جذبها وكاد يقبلها لولا أن دفعته قائلة:
بطل تحرش وهمجية. رامي زمانه طالع بالعلاج بتاعك ورانا. وباب الشقة مفتوح وباب الأوضة كمان مفتوح. كفاية نظرات طنط مهيرة ليا. بقيت بنكسف أبص في وشها بسبب همجيتك وأفعالك وإحنا في الوحدة.
تبسم رفعت دون رد.
في ذلك الوقت دخل إلى غرفة النوم رامي يحمل معه كيس كبير قائلاً:
جبت لك الأدوية بتاعتك أهي. وكمان في هدوم ليك إنت وزينب في الدولاب. وكمان التلاجة والمطبخ أنا جبت فيهم أكل. وفي رقم تليفون على التلاجة لسوبر ماركت قدام العمارة تقدروا تطلبوا منه أي شيء ناقص.
تبسم رفعت وقالت زينب:
شكراً يا رامي. كثر خيرك.
تبسم رامي وظل واقفاً. مما جعل رفعت يقول بفظاظة:
مش جبت الأدوية وقلت الكلمتين اللي عندك؟ طب مستني إيه؟ مش تروح تشوف العمال اللي بيشتغلوا في السرايا وتقف على إيديهم عشان يخلصوا الترميمات في أسرع وقت.
تبسم رامي بإغاظة وقال:
مش أما أشرب أي حاجة. إن شاء الله ميه قبل ما أمشي أبل ريقي من الحر.
نظر له رفعت وقال:
معندناش ميه. المايه مقطوعة. خد عشرة جنيه أهي هاتلك علبة عصير من السوبر ماركت اللي قدام العمارة.
تبسم رامي وهو يمد يده يأخذ النقود من رفعت وقال برخامة:
طب دي حق المايه، فين حق الأكل؟ أنا جعان وده وقت الغدا. طب ما تخلي لك العشرة جنيه وتغدوني معاكم.
نظر له رفعت بغيظ:
رامي، وريني عرض أكتافك. مش وقت رخامة.
نظر رامي لزينب ببسمة قائلاً:
شايفه يا دكتورة الأخ مستخسر فيا غداه بعد دمي اللي بيجري في عروقه.
تبسمت زينب. بينما قال رفعت:
ما هو دم زفر زي صاحبه. قلت بالسلامة وسيبني أرتاح. مش قادر على المناهدة بتاعتك. الحمد لله إن الغبي وسيم ما كانش معانا.
تبسم رامي يقول:
للأسف عنده امتحانات في الجامعة. بس متخافش، هجيبه ونيجي نزورك ونطمن عليك المسا.
رد رفعت له:
لأ، مش عايز أشوف وش واحد فيكم الليلة. يلا غور بالسلامة.
تبسم رامي:
تمام، هنسيبك الليلة ترتاح. بس بكرة هنيجي لك.
تبسم رفعت له. لكن تذكر رامي شيئاً وقال:
آه، جيرين اتصلت عليا وطلبت فرسة تانية زي اللي وصلت لها إنجلترا. وكمان حولت للبنك المبلغ اللي سبق وقولت لها عليه.
تبسم رفعت يقول:
تمام. دي مسؤليتك. أنا زي ما أنت شايف... صدري بيوجعني.
تبسم رامي وقال:
متقلقش. أنا كنت متأكد إن الفرسة هتعجبها وهتطلب واحدة تانية. وكنت بدأت أروض في التانية. بس اللي حصل بقى، دربك الدنيا.
تبسم رفعت وقال:
طب كويس. يلا بقى بالسلامة، عايز أرتاح.
تبسم رامي وغادر الغرفة. وكانت معه زينب، أوصلته إلى باب الشقة وأغلقت الباب خلفه وعادت مرة أخرى إلى غرفة النوم.
نظرت له وقالت:
لأ، شقة حلوة ومفروشة فرش غالي.
تبسم رفعت يقول:
ليه؟ كنتي مفكرة إني هجيبك في شقة تشبه الملحق بتاع الوحدة دي؟ شقة مفروشة على الغالي.
تبسمت زينب وقالت:
ويا ترى كام واحدة قبلي دخلوا الشقة دي؟
رفع رفعت يده لزينب كي تقترب منه. وبالفعل اقتربت منه ومسكت يده، ليقف قائلاً:
إنتي أول ست تدخل الشقة دي يا زينب.
قال رفعت هذا وقام بضم زينب بين يديه.
تبسمت زينب قائلة:
خليتني أساعدك تغير هدومك وكمان لازم تاخد أدويتك في ميعادها.
فتحت زينب دولاب الملابس وأخرجت زي منزلي لرفعت.
تبسم رفعت وهو يترك زينب تساعده في تغيير ملابسه. كان يتحرش بها، وكانت تتذمر من أفعاله إلى أن انتهت من تبديل ملابسه وقالت:
هاخد غيار ليا وأروح أغير في الحمام وبعدها هحضرلك غدا تاكل وتاخد أدويتك وتنام بعدها.
تبسم رفعت يقول بمكر:
طب وتغيري ليه في الحمام؟ ما الأوضة واسعة أهي. ولا مكسوفة مني؟ متخافيش، مش هبص عليكي. وبعدين عادي يعني، ما أنا كنت قدامك عريان من شوية.
نظرت له زينب وقالت:
فعلاً، مش بس همجي، لأ، وقح كمان. وبعدين نسيت إنك سبق وقولت جسمي بلاستيك.
تبسم رفعت يضيق بعينيه يدعي التذكر قائلاً:
مش فاكر إني قولت كده. يمكن نسيت. أنا فضلت في الغيبوبة يومين.
نظرت له زينب قائلة:
نسيت وأنت في الغيبوبة؟ والغيبوبة دي ليه منستكش اسمي اللي أول اسم نطقت بيه؟ ولا الدكتور اللي قالي كان بيضحك عليا.
تبسم رفعت وهو يضم خصر زينب قائلاً:
أنا فعلاً بتمنى أنسى كل حاجة ومفتكرش غيرك إنتِ بس يا زينب.
***
مساءً
بمنزل صفوان
وضعت هبة كتابها المدرسي على الفراش وتسطحت تنفخ وجنتيها قائلة بسأم:
يارب إمتى الثانوية العامة دي أخلص منها. أنا خلاص قربت أتجنن من كتر المذاكرة. نفسي أغمض عيني وألقاني هُب في كلية الهندسة.
على ذكر كلية الهندسة، كان هناك الآخر الذي يفكر في السندريلا الخاصة به يتمنى الوصال قريباً.
تنهد مجد الذي يفتح شباك غرفته، يرى القمر يضيء السماء وحولها نجوم كثيرة. تحدث قائلاً:
النجوم واقفة ليه؟ مفيش نجمة تتحرك من مكانها؟ كنت طلبت أمنية إن أغمض عيني وأفتحها ألاقي الساحرة بعتت سندريلا لعندي.
يبدو أن جزءً من أمنيته قد يتحقق. سمع مجد صوت رسالة من هاتفه.
ترك الشباك وذهب إلى مكان الهاتف. تبسم بفرحة وهو يرى رسالة على أحد تطبيقات المراسلة. فتحها سريعاً، تبسم فالرسالة من السندريلا، تطلب منه مساعدتها في إحدى المسائل المعقدة. وما ذلك إلا خدعة منها كي تستطيع التواصل معه دون فتش أمر أنها هي الأخرى تفكر به.
ساعدها مجد في إيضاح المسألة، لكن سرعان ما انجرف بينهم حديث الرسائل بينهم لموضوع آخر حين قالت هبة:
تعرف إنك كنت تنفع مدرس شاطر. ليه مفكرتش تبقى مدرس؟
رد مجد:
لو كنت بقيت مدرس كان زماني زي بابا كده اتجوزت موظفة ونعيش على قد مرتباتنا. لكن الهندسة نفعتني وخلتني أقبض بالدولار وأذل البت زوزي أختي الحاقدة.
تبسمت هبة ترد عليه:
تعرف إني بستغرب العلاقة اللي بينك وبين الدكتورة زينب. رغم إني وأخواتي التانيين قريبين من بعض، بس مش بناقر في بعض زيك إنت والدكتورة كده. يمكن السبب بعدكم عن بعض؟ إنت في مكان بعيد عنها.
تبسم مجد يرد:
زينب أختي مفترية وإيدها تقيلة. أنا برتاح في بعدها عني. كمان استغلالية وبتقلبني في فلوس. كل ما تشوف وشي تقول لي هات هات. بس الحمد لله اتجوزت وغارت بعيد عني وبقالها فترة مش بتستقوى عليا وتاخد فلوس منى غصب عني. بالك أنا أقدر أرفض أديها فلوس، بس كنت بستمتع وأنا بحسسها إنها دكتورة وشحاتة.
تبسمت هبة:
بس هي في إيدها تبقى غنية. الدكاترة بيكسبوا كتير على فكرة.
رد مجد:
ما أنا عارف. الدكاترة دول زي الجزارين. بس زينب أختي وش فقر. وقال إيه عندها مبدأ الطب رسالة. خدت إيه من الرسالة؟ كل شوية تتنقل من مكان للتاني وتنفض فلوسي. بس كان نقلها للشرقية مصلحة ليا من ناحيتين.
تبسمت هبة:
وأيه هما الناحيتين دول؟
رد مجد:
الناحية الأولى، أهي اتجوزت مليونير يصرف عليها بقى ويرحمني من تقليبها ليا. والناحية التانية، ودي بقى أول مرة يجيلى خير من وراء صبي البواب، قابلت سندريلا بتاعتي.
تبسمت هبة وردت بلؤم:
يعني سندريلا بتاعتك عندنا هنا في الزهار؟ قول لي هي مين يمكن أكون حلقة الوصل بينكم.
تبسم مجد يرد:
أوعى تكوني زي البت زوزي غبية ومش بتفهم بالتلميح. إنتِ كل الوصل يا سندريلا.
تبسمت هبة وردت بلؤم:
مش فاهمة. قول لي مباشر بقى مين السندريلا بتاعتك.
تبسم مجد ورد:
هقولك على أول حرف من اسمها. هاء.
ردت هبة بخباثة تدعي التفكير:
هاء... هاء... البلد فيها بنات كتير اسمها بيبدأ بحرف الهاء.
تحدث مجد لنفسه:
واضح إنك من نفس نوعية غباء زينب أختي. بينما قال لهبة:
هقولك فزورة وحلها اسم السندريلا بتاعتي. بصي يا ستي، اسمها من تلات حروف، أول حرف نفس آخر حرف، واللي في النص باء. ولو نطقتي الاسم من اليمين زي لو نطقتيه من الشمال. ها، سهلة أهي.
تغابت هبة عليه:
دي صعبة قوي. قول لي الاسم وبلاش فوازير.
تنهد مجد يقول لنفسه:
واضح حظك مع الأغبياء يا مجد.
ردت هبة:
ها، مش عايز تقول لي اسمها إيه؟ براحتك. أنا كان غرضي أساعدك وأبقى وسيط بينك وبينها.
رد مجد:
هقولك اسمها مباشر. اسم سندريلا بتاعتي هبة صفوان المنسي. ها، تعرفيها.
لم يرى رد هبة ووجد أمامه أنها خرجت من المحادثة فجأة.
ندب يقول:
يا حظك يا مجد. سندريلا يظهر النت فصل عندها. كله من قر الفقر زوزي أختك.
بينما هبة حين قال اسمها صريحاً ارتبكت وشعرت بزلزلة في مشاعرها وخشيت أن تقول له أنها تفهم حديثه من البداية عنها. وكانت تود أن يكتب اسمها صراحتاً. وها هو كتب ليس فقط اسم هبة، بل اسمها الثلاثي. ذاك الأحمق يعتقد أنها لا تفهم حديثه وأقواله المفضوحة. هي تستمتع بالتلاعب عليه هي الأخرى. حمقاء سقطت في عشق أحمق.
***
بشقة الشرقية.
انتهى رفعت من تناول العشاء مع زينب بالمطبخ. نهضت زينب قائلة:
يلا كفاية قعدتك كده، مش كويسة عشان الجرح اللي في صدرك. يلا قوم روح نام في أوضة النوم وأنا هشيل السفرة وأحط الأطباق في غسالة المواعين. واضح إن الشقة مجهزة بأحدث الأجهزة المنزلية.
تبسم رفعت وهو ينهض وقام بتقبيل وجنة زينب قائلاً:
يهمني راحتك يا زوزي.
بعد قليل دخلت زينب إلى غرفة النوم وقامت بإعطاء رفعت الأدوية ثم قالت له:
لازم تنام بقى.
تبسم رفعت بمكر قائلاً:
وإنتِ هتنامي فين؟
ردت زينب:
أنا خدت جولة كده في الشقة، اكتشفت إن في أوضة نوم تانية صغيرة شكلها كده أوضة نوم أطفال. والسراير اللي فيها صغيرة. وأنا خلاص اتعودت أنام على سرير يناسب جسمي. وكمان إنت مصاب ومش هتقدر تتحرش بيا، فهنام هنا عالسرير الكبير ده. جنبك.
تبسم رفعت يقول:
متأكدة إني مش هقدر أتحرش بيكي.
تبسمت زينب قائلة:
هو مش متأكد قوي، بس مضطرة أنام عالسرير ده.
تبسم رفعت وهو يرى زينب تتسطح جواره على الفراش. فاجئها يعتليها.
للحظة انخضت زينب وقالت له:
صحتك مستحملش الشر اللي في دماغك يا روفى. أنا بقول تقوم من فوقي وتحافظ على صحتك.
تبسم رفعت يقول:
مين اللي قالك إن صحتي متستحملش؟ تحبي تشوفي وتحكمي بنفسك.
تبسمت زينب وقالت:
لأ، مصدقاك ومش عايزة أشوف ولا أحكم. أنا هلكانة ومحتاجة أنام. تصبح على خير يا رفعت.
أنهت زينب قولها بقبلة وضعتها على إحدى وجنتيه.
تبسم رفعت وقام برد القبلة، لكن ليس على وجنتها بل على شفتيها.
ثم تنحى عنها نائماً جوارها يقول:
وأنتِ من أهل الخير يا زينب.
بعد قليل نظر رفعت وتبسم لزينب النائمة جواره. لأول مرة تنام بإرادتها جواره دون مناكفة ومشكسة من أي منهما منذ ليلة زواجهم.
أغمض رفعت عيناه هو الآخر يغوص في النوم السريع مثلها.
لكن بعد قليل شعرت زينب ببعض التقلصات ببطنها ونهضت من جواره ذهبت للحمام. شعرت ببعض الوهن مع تلك التقلصات. اعتقدت أن تلك التقلصات التي تشعر بها بسبب عادتها الشهرية الغائبة عنها منذ شهور، يبدو أنها تنذر بقدومها. ذهبت للمطبخ وقامت بعمل كوب من النعناع الدافئ تناولته وشعرت بعدها براحة قليلاً. ثم عادت إلى غرفة النوم تنهدت ببسمة وهي تعود للنوم جوار رفعت على الفراش.
تفاجئت برفعت يقترب منها، وضع يده تحت رأسها وتحدث وهو مغمض العين:
كنت فين وسيبتيني نايم لوحدي عالسرير؟
تبسمت زينب وقالت:
إنت حسيت بيا إزاي؟ إنت مش نعسان.
تبسم رفعت وقال:
كنت نعسان بس لما قومتي من جنبي حسيت مكانك عالسرير بارد. زينب، إيه رأيك نسافر إسكندرية كام يوم.
ردت زينب:
قصدك نسافر نقاهة يعني. معنديش مانع بس لازم أرتب أموري في الوحدة قبلها.
تبسم رفعت يقول:
قدامك أسبوع وبعدها هنسافر. استجمام في البحر.
تبسمت زينب قائلة:
بس جرحك لسه ملتئمش بالكامل والميه غلط عليه، وكمان دي مايه مالحة ممكن جرحك يرجع يجمع صديد.
رد رفعت:
لأ، متخافيش. معايا دكتورة ماهرة.
تبسمت زينب تقول:
متأكد من مهارة الدكتورة دي؟ مش يمكن إيدها ترتعش.
رد رفعت:
متأكد من مهارة الدكتورة. وحتى لو إيدها ارتعشت، أنا همسك إيدها.
تبسمت زينب وهي تقترب من صدر رفعت الذي ضم يده عليها. صمت الاثنان، سادت لغة العيون التي تتبادل نظرات العشق، وقبلة كانت تؤكد ما تحكيه تلك العيون العاشقة.
***
بعد مرور أسبوع
قبل الظهر بقليل
بجامعة ليلى.
شعر وسيم بالغيرة الكبيرة وهو يراقب من نافذة مكتبه.
ليلى التي تسير جوار أحد زملائها يتحدثان سوياً بإنسجام. يبدوان بوضوح يرجعان بعض الأسئلة. فكل منهم يطرح سؤالاً يجيب عليه الآخر. يبدو أنهم يرجعان معاً محتويات تلك المادة التي سوف يدخلون امتحانها بعد قليل.
بالفعل، بعد قليل بداخل أحد المدرجات، دخل وسيم ينظر إلى الجالسين. تبسم إلى أحد المراقبين، وسار بعض الخطوات بالمدرج ووقف جوار مكان جلوس ليلى باللجنة وانحنى عليها قائلاً بهمس:
ليلى، ممكن بعد ما تخلصي الامتحان تيجي لمكتبي؟ محتاجك في أمر مهم.
أومأت ليلى برأسها دون رد. تشعر برجفة بجسدها حتى أنها لم تستطع مسك القلم بين أصابعها وتركتها على ورقة الإجابة. وفكر عقلها فيماذا يريدها. لكن فجأة انتبهت لنفسها وعادت تضع إجابتها على الأسئلة.
بعد مرور وقت خرجت ليلى من لجنة الامتحان، لكن عادت تسير بممر داخل الجامعة مع نفس زميلها يتناقشان حول إجابتهما لأسئلة الامتحان.
كان ذاك الممر المؤدي لغرفة مكتب وسيم. الذي رآهما مرة أخرى شعر بنيران حارقة. لكن ما جعله يتغاظ أكثر هو رؤيته لها تمر من أمام مكتبه دون أن تذهب إليه كما طلب منها منذ وقت.
بينما هبة رأت وقوف وسيم أمام غرفة مكتبه وهي تسير جوار زميلها. تجاهلت وقوفه ومرت من أمامه دون أن تذهب إليه. رغم شعورها بالفضول من معرفة ماذا يريد منها، لكن الأفضل لها الابتعاد عنه. يكفي هي بالكاد استطاعت تخطي أمر خطبته من أخرى مناسبة له أكثر منها.
لكن نداء وسيم عليها جعلها تقف وتنظر خلفها. لاحظت تجهم وجه وسيم الذي قال:
آنسة ليلى، ممكن تيجي لمكتبي خمس دقايق.
ازدرت ليلى ريقها وأومأت برأسها وتركت زميلها وذهبت خلف وسيم إلى مكتبه. أغلق وسيم باب المكتب ونظر لليلى وحاول ضبط عصبيته قائلاً:
مش كنت طلبت منك تيجي لمكتبي بعد ما تخرجي من اللجنة.
ردت ليلى:
للأسف، كنت ناسيه.
نظر وسيم لها قائلاً:
توقعت كده برضه.
ردت ليلى:
وحضرتك كنت عايزني ليه؟
لم يجد وسيم رد. أيقول لها أنه فقط يريد أن يتحدث معها ويكشف أمر حبه لها؟ لكن جاء لخاطره إجابة أخرى وقال:
كنت عايز أعرف عملتي إيه في الامتحان.
تعجبت ليلى من رد وسيم وقالت:
الحمد لله، الامتحان كان معظمه مرجعاه أنا وزميلي قبل ما ندخل اللجنة وحليت كويس. بس حضرتك بتسأل ليه؟
ارتبك وسيم وقال:
ناسيه إن في بينا صلة قرابة. أختك متجوزة من رامي أخويا بالرضاعة وهو كان وصاني عليكي.
ردت ليلى وقالت:
رامي وصاك عليا؟ غريبة. عالعموم الحمد لله، مش محتاجة وصاية من حد. تسمحي لي أخرج طالما مفيش سبب تاني لوجودي بمكتبك.
صمت وسيم. اتجهت ليلى للباب. لكن قبل أن تفتح باب المكتب تحدث وسيم قائلاً بصوت يغلفه الغيرة:
مستعجلة قوي تطلعي للشاب اللي كنتي ماشية معاه؟ يا ترى اللي بينكم زمالة ولا شيء تاني أكبر من كده.
نظرت ليلى ل وسيم وقالت باستغراب:
تقصد إيه بشيء تاني أكبر من الزمالة.
رد وسيم:
يمكن حب أو... إعجاب مثلاً.
ردت ليلى بحدة:
حتى لو بيني وبين زميلي حب أو إعجاب، إنتِ داخلك إيه؟ تتدخل في شؤوني؟ سبق واتعصبت عليا وحرمتني من حضور محاضراتك بسبب إني دخلت في شيء خاص بيك. أعتقد دي حرية شخصية ومالكش دخل فيها. عن إذنك.
كادت ليلى أن تغادر مكتب وسيم، لكن كانت يده الأسرع. قبل أن تضع ليلى يدها على مقبض باب المكتب، كانت يده تجذب ليلى من عضدها وقال:
مش دي الإجابة اللي كنت مستنيها منك يا ليلى. إيه اللي بينك وبين الشاب اللي كنتي ماشية معاه.
نظرت ليلى له وقالت:
سيب دراعي يا دكتور وسيم ومالكش دخل باللي بيني وبين الشاب ده. خليك في خطيبتك.
قالت ليلى هذا ونفضت يد وسيم عن ذراعها وخرجت من المكتب تعصف الباب خلفها، تاركة وسيم يعصف بقلبه الغيرة يلوم نفسه على غبائه الذي وضعه بهذا المأزق. كم أراد الذهاب إليها وقول: سامحيني حبيبتي... كنت مغفلاً.
بينما ليلى ذهبت إلى مصلى الفتيات ووقفت مكان الوضوء وخلعت حجابها تشعر بسخونة قوية. قامت بفتح صنبور المياه وبدأت تضع المياه فوق وجهها وحول عنقها. نظرت لتلك المرآة الموضوعة بالمكان، وجهها انصهر باللون الأحمر القاتم. دمعت عيناها تلوم سرعة خفقان ذاك الأحمق الذي بداخلها. وسيم خطيب أخرى هو اختارها بنفسه. لا داعي لوهم ما زالت تنتظر حدوثه. دمعة شقت خديها، سرعان ما جففتها بيديها وعاودت غسل وجهها وتوضأت وذهبت إلى مكان الصلاة وقامت بالصلاة ركعتين تطلب من الله أن يهدي سرعة ذاك الخافق الذي بداخلها. لكن لا تعلم لماذا شعرت بالراحة وجاء لها خاطر أمام عينيها خيال وسيم يقول لها: أحبك. أو ربما هذا أمنية تتمناها. لكن شعرت بهدوء بقلبها.
***
مساءً
بسرايا الزهار
دخل رامي يمسك بيد جدته التي تبسمت قائلة:
السرايا مالها اتغيرت كده ليه؟ إنت عملت لها تجديد؟ بس الألوان دي أحلى من اللي كانت قبل كده وتدي شعور بالبهجة. فين رفعت وزوزي؟
رد رامي:
رفعت وزينب سافروا يومين استجمام.
تبسمت إنعام قائلة:
كانوا خدوني معاهم بدل ما أنا محبوسة كده هنا في السرايا. لما زوزي ترجع هقولها زعلانة منها إزاي تسيبني وتروح تستجم مع الهمجي رفعت.
تبسم رامي. بينما قالت مروة من خلفها:
كنتي عايزة تروحي معاهم يا تيتا وتسيبني مع المسخ لوحدي.
تبسمت إنعام قائلة:
لأ، إنتِ كمان حبيبتي زي زوزي. وكمان هتجيبي لي قريب حفيدة جميلة زيك. إنما زوزي هتجيب ابن جديد لأوغاد الزهار.
ضحكت مروة. بينما تعجب رامي يقول:
هي جدتي قصدها إيه؟ مش فاهم؟
ضربت إنعام كتف رامي قائلة:
قلت متقوليش يا جدتي دي. تاتي تقولي يا تيتا زي زوزي ومروة وحفيدتي اللي هتجيبها مروة. إنما زوزي معاها ربنا هيرزقها بهمجي تاني صغير. أنا شفت كده في الحلم.
ابتعد رامي عن إنعام يتنهد. إذن ما قالته ليس سوى حلم. لكن خاب ظنه حين قالت مروة:
والله أنا نفسي يصدق حلمك يا تيتا وأطلع حامل في بنوتة. بس لسه الرؤية ما ظهرتش.
نظر رامي لمروة بذهول:
قصدك إيه؟ إنتِ كمان... بنفسك ببنوته؟
ردت مروة:
يعني قصة الجميلة والمسخ مش هتنتهي، حتى لو المسخ فكر إنها زهقت وإنتهت وهيبعد عنها. بقى في رابط قوي يقدر يجمعهم.
***
بعد العصر...
بالإسكندرية
بڤيلا هشام الزهار
صحت جاكلين من النوم بسأم وضجر. نادت على إحدى الشغالات التي لبت نداؤها:
تحت أمرك يا مدام جاكلين.
قالت جاكلين بسؤال:
أين هشام؟
ردت الخادمة:
هشام بيه خرج من بدري وحضرتك نايمة ومقالش هيرجع إمتى. تحبي أحضرلك العشا.
ردت جاكلين:
لا... أريد فقط قهوة.
ردت الخادمة:
حاضر، هنزل أعملك قهوة.
غادرت الخادمة الغرفة. تمطت جاكلين تشعر بسأم. نظرت باتجاه هاتفها الموضوع على طاولة جوار الفراش. اقتربت منها وأخذت الهاتف وقامت باتصال.
سرعان ما رد عليها الآخر.
تحدثت بسأم قائلة:
هل ما زلتِ هنا بالإسكندرية هاشم؟
رد هاشم:
أيوه، لسه في إسكندرية. مع إني كنت بفكر أرجع للزهار الليلة. كفاية كده، بقالي مدة غايب عن هناك. لازم أرجع أطمن على اللي هناك. وأفكرهم بيا، ليكونوا نسوني.
ردت جاكلين بدلع:
إذن أجل عودتك للزهار. ولنلتقي الليلة معاً نستمتع سوياً. أنا أيضاً حجزت تذكرة عودة اليونان بالغد عصراً.
رد هاشم:
تمام، مستنيكي في مكاننا المعتاد.
تبسمت جاكلين قائلة:
حسناً، وقت قصير وسأكون عندك. جهز المكان لاستقبالي.
أغلقت جاكلين الهاتف ونهضت تبدل ملابسها وخرجت من الغرفة ونادت على الخادمة التي جاءت لها وقالت لها:
أنا خارجة وسأعود متأخرًا. بإمكانك مغادرة الڤيلا.
ردت الخادمة:
تمام يا مدام.
بعد قليل... أمام ڤيلا بمكان راقٍ بالإسكندرية. أخرجت جاكلين سلسلة مفاتيح وفتحت باب الڤيلا ودخلت إليها. ذهبت مباشرة إلى أحد الغرف، تبسمت وهي ترى الغرفة مجهزة بطريقة خاصة لممارسة ذاك النوع من العنف الممتع بالنسبة لها. وما هي إلا دقائق كانت تصرخ من العنف اللذيذ بالنسبة لها ولذاك المتوحش الذي يستمتع بصراخها، سواء كان بتعنيفها البدني أو بألفاظ بذيئة ومنحطة منه يقولها لها. حتى أنه جذبها من عنقها بقبضة يد قوية، وهي مستمتعة. واستمتعت أكثر حين ألقاها على الفراش وجثى بجسده فوق جسدها يعاملها بعنف وتوحش، حتى أنه قبض بقبضتي يده حول عنقها يزداد عنفاً يستلذ بصراخها الذي أصبح شبه مكتوم. لكن فجأة جاء أمامه صورة رفعت ينظر له يبتسم بنصر. أغمض هاشم عيناه يعتصرها. لكن هناك صورة أخرى جالت بخاطره، رؤية رفعت يتبادل هو وتلك الطبيبة لحظات حميمية. شعر هاشم بفوران بعقله يزداد بصورة رفعت أمامه. فتح عينيه ينظر إلى جاكلين، هيأ له أنها رفعت. كان يقبض على عنقها وقتها، ازدادت قبضة يده قوة. فاقت جاكلين من لذتها تحاول أن تجعله يخفف قبضة يده حول عنقها، لكن تملكت القوة من هاشم وهو يعتقد أن عنق رفعت بين يديه، زادت ضغطه مع صراخ جاكلين. لكن هو لا يسمع ولا يرى سوا أن ما بيده هو رقبة رفعت. لكن فاق بعد أن شعر بسكون جسد جاكلين. ترك عنقها ونظر لها، فز واقفاً على السرير مصدوماً. حاول إفاقة جاكلين بالضرب على وجنتيها لكن لا تعطي أي استجابة. أتى ببعض الماء وألقاه على وجهها أيضاً لم تستجب. جث العرق النابض بعنقها، شعر برجفة قوية. جاكلين... ماتت. نظر هاشم حوله يشعر بضيق الغرفة عليه. ليس هذا فقط، بل ما زاد على قلبه الرجفة والشعور بضيق جدران الغرفة عليه. لكن فجأة خرجت صورة من قلب الجدار تقول له: قاتل... قتلتيني زي ما قتلت وحيد جوزي. نظر هاشم برعب إلى تلك الصورة التي خرجت من الجدار وقال بفزع: لبنى (أم وسيم). ضحكت الصورة تقول: أيوه قاتل. قتلتيني بالعلاج الغلط اللي كنت بتحطه ليا بين أدويتي. يتمت ابني بدري من أبوه ومكفكيش... كمان قتلتيني زيه. إنت قاتل يا هاشم... قاتل... قاتل... قاتل. ضحكت جاكلين ضحكة مجون صاخبة من على الفراش تقول: قاتل... قاتل... قاتل يا هاشم. عقله يفور بين صوت اثنتين تقولان له نفس الكلمة: قاتل. تجنب إلى إحدى جوانب الغرفة وجلس القرفصاء ووضع يديه على أذنيه يريد أن يصمهما ولا يسمع أي صوت يخبر نفسه أن ما يراه ما هو إلا هلاوس. من تلك الحبوب التي تناولها قبل قليل. لكن ما زال صوتهن تتحدثن بنفس الكلمة: قاتل. نهض واقفاً نظر إلى الحائط وقام بإلقاء أحد الأواني الكريستالية بالحائط يصرخ قائلاً: اخرسي! إنتِ تستحقي الموت. إنتِ اللي كنتي بتقوي مهيرة عليا. مكنش قصدي أقتل وحيد. إن كنت عايز أتشفى فيه وهو مشلول قدامي. بس نصيبه وقع على دماغه ومات في ساعتها. إنتِ كنتِ بتستمتعي وأنا سامع قولك كلمة آه. فجأة اختفت صورة الحائط، لكن تلك التي تضحك بمجون على الفراش ما زالت تقول: قاتل. صعد هاشم للفراش ووضع يديه حول عنقها يقبض عليه بقوته يقول: وأنتِ كمان أقذر ست شوفتها في حياتي. كنتي في حضن أخويا وبتدوري على حضن غيره تستمتعي معاه. إنتِ السبب إني أمشي في طريق الأدوية المخدرة. إنتِ خاينة زيي بالظبط. قتلك حلال. إنتِ قاتلة... قاتلة. ترك هاشم هاشم عنق جاكلين. ارتمى جسدها على الفراش. فجأة فاق هاشم من هلاوسه. ونظر لوجه جاكلين. منظر وجهها مخيف بسبب بعض الكدمات المدمية على وجهها وعينيها الجاحظتين. شد في شعره يفكر... ويفكر كيف يتخلص من تلك الجريمة. هي تستحق القتل. هو لا يستحق العقاب بسبب خائنة قاتلة كهذه العاهرة.
***
بعد وقت...
بڤيلا هشام.
صعد هشام إلى أعلى فتح باب الغرفة وهو يكاد يرقص من فرط الفرحة. أشعل ضوء الغرفة وقال:
چاكي، أخيراً كسبت الرهان. الجواد اللي كنت راهن عليه كسب السبق أخيراً. الحظ ابتسم لي، وكسبت مبلغ كبير. هسدد منه قيمة القرض اللي عليا ومش هطلب من هاشم فلوس تاني ولا أبقى تحت سيطرته.
تعجب هشام عدم رد جاكلين النائمة على الفراش يظهر منها ظهرها العاري وهي تنام على بطنها.
ذهب هشام إلى الفراش وصعد لجوارها يضع يده على ظهرها يقول:
چاكي... كل ده نوم؟ مش سامعاني بقولك الحظ ابتسم لي، أخيراً.
قال هشام هذا وجذب جاكلين من كتفها يديرها له. لكن انصعق حين رأى وجهها المكدوم وعينيها الجاحظتين، وآثار أصابع يدين حول عنقها. أصابه الهذيان. حاول أن ينعشها، يضع يديه فوق آثار تلك الأصابع، يحدثها بإستجداء أن ترد عليه. لكن فجأة ضحك بهستريا وفقد السيطرة على عقله بعدها.
***
فى ظهيرة اليوم التالي
ببحر الإسكندرية
حين تعشق عليك ترك كل شئ خلفك، لا تفكر سوى في العشق. وأنت بجوار معشوقتك الشرسه التي لن تقدر على ترويضها.
كانت تنام زينب على إحدى الأرائك الصغيرة الموجودة على متن اليخت. تضع نظارة شمس على عينيها، لكن كانت تدعي أنها تقرأ بأحد الكتب بين يديها. بينما في الحقيقة هي تتابع ذاك الذي يسبح بمياه البحر التي تحيط باليخت. لينتهي من السباحة ويصعد إلى اليخت مرة أخرى، مبتسماً وهو يعلم أنها لم تكن تقرأ، بل كانت تتابعه من أسفل ذاك الكتاب. وبالفعل هي هائمة به. تحدث رفعت:
زينب، مش هتنزلي البحر؟ الميه دافية وتجنن.
لم تنتبه لما قاله رفعت.
تبسم رفعت بزهو وقام بنفض شعر رأسه لتتساقط المياه العالقة به فوق وجهها.
انتبهت زينب قائلة:
فيه إيه؟ متعرفش إن رش الميه عداوة.
تبسم رفعت قائلاً:
سرحانة في إيه؟ مش بتردي عليا.
ردت زينب:
مش سرحانة في حاجة. بس كنت مندمجة مع الكتاب اللي في إيدي.
تبسم رفعت بمكر:
والكتاب اللي ساحب عقلك ده موضوعه بيتكلم عن إيه؟
ردت زينب:
ها، أنا عطشانة. هروح أشرب.
قالت زينب هذا ونهضت سريعاً، لكن قبل أن تسير كانت يد رفعت تجذبها من خصرها يضمها لجسده، مقبلاً بعشق. انسجمت زينب مع قبلاته مرحبة، بل وبأكثر من القبلات ذابت معه بالعشق مثلما تذوب الأمواج العاتية في مياه البحر.
بعد قليل جذب رفعت ذاك القميص، ووضعه فوق جسد زينب، التي تبسمت له. ضمها رفعت قوياً لصدره ونظر لعضد يدها. ورأى مكانًا به أثر سن إبرة. وضع إبهامه عليه ثم انحنى وقبل مكان الإبرة بمعصمها قائلاً:
أول مرة شفت علامة سن الحقنة في إيدك استغربت، قولت مجنونة يمكن شكت نفسها بالغلط. مكنتش أعرف إن عندك السكر. وفي لحظة خلاكي توقعي بين إيديا. بصراحة استغربت إزاي الشرسة اللي بتناطحني طول الوقت، في لحظة وقعت بين إيديا ترتعش، وغاب النضارة وشحب وشها زي اللي بينسحب منه الحياة. وقتها اعترفت أول مرة إن الشرسة سكنت روحي. كان سكوتي على أفعالها مش إنها مجرد بنت مش عادية لفتت نظري بأفعالها القوية والعفوية. بعترف إني خوفت أفقدك زي اللي فقدتهم قبل كده، يمكن أكتر كمان. زينب، أنا إمتى عشقتك؟ إنتِ كنتِ هدية من ربنا ليا في الوقت المناسب.
تبسمت زينب قائلة:
وإنت إمتى اخترقت قلبي يا رفعت معرفش. يمكن يوم ما مضيت ليا عالشيك أبو ربع مليون جنيه. توقعت بعدها إنك هتتفشخر في البلد، بس ده محصلش. بصراحة ده كان أول لفت نظر ليا. بعدها بصراحة كنت بكره همجيتك. حتى لما خطفت ماما وساومتني عالجواز، كان جوايا شيء بيقولي وافقي وانهي المساومة هو الخسران. بس لما انصبت في السرايا بصراحة لو كنت موتت مكنتش هسامح نفسي. حتى لما وقعت تحت مشرطي، إيدي مرتعشتش، بس كان نقص الدم مشكلة كبيرة وقتها.
تبسم رفعت قائلاً:
فكرتي تتبرعي لي بدمك.
تبسمت زينب تهز رأسها بنفي:
أنا مينفعش أتتبرع لحد بدمي. أبقى بضرة. أنا اتفاجئت برامي لما هجم على أوضة العمليات وقلع قميصه وقال لي: أنا ورفعت فصيلة واحدة. خدي الدم اللي يرجعه للحياة حتى لو اتصفى دمي كله. رفعت لازم يعيش. أنا استغربت بصراحة، لأن شفت خلافك مع رامي وإنه ساب السرايا وخد مروة وجدتك وراحوا يعيشوا في إسكندرية.
تبسم رفعت يقول:
كنت متأكد إن رامي عمره ما يصدق كذبة رخيصة زي اللي اتعملت ويبعد عني وينساني، ويستخسر فيا دمه. كمان متنسيش إن رامي هو اللي خرجك من السرايا من غير ما يصيبك خدش. يعني هو اللي أنقذك.
حضنت زينب رفعت قائلة:
من البداية إنت اللي أنقذتني يا رفعت.
تبسم رفعت بخبث يقول:
خدتي حقنة الأنسولين النهارده.
رفعت زينب رأسها تنظر له قائلة:
بتسأل ليه؟
تبسم رفعت وهو يمددها مرة أخرى فوق أرضية اليخت يعتليها قائلاً:
علشان مش عايز يجيلك هبوط من دوار البحر.
تبسمت وهي تلف يديها حول عنقه قائلة:
لأ، اطمني. مش هيجيلى هبوط من دوار البحر، بس ممكن يجيلى هبوط من حاجة تانية في دماغك، فبقول تقوم من فوقي.
لم تكمل زينب حديثها، عاود رفعت تقبيلها، قائدًا يبحر معها بالعشق بين أمواج، تاركين خلفهم العالم، عائمين بعيداً عن الأرض، هما وعشقهما فقط.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سعاد محمد سلامة
صباحًا، في فيلا هشام الزهار...
عادت الخادمة إلى الفيلا. سمعت صوتًا لا تعرف إن كان نحيبًا أم ضحكًا. صعدت إلى الأعلى، فتفاجأت بغرفة هشام بابها مفتوح. أخذتها قدماها وذهبت إلى الغرفة. نظرت بداخلها، فانصدمت وهي ترى هشام يحتضن جسد چاكلين بين يديه ينتحب. رأت وجهها المكدوم وعينيها الحاجظتين، فتيقنت أنه قتلها.
وكادت أن تصرخ، لكن وضعت يدها على فمها تكتم صرختها خوفًا أن ينتبه لها هشام. عادت بخطواتها للخلف، ثم هرولت سريعًا ووقفت تلتقط أنفاسها. لا تدري ماذا تفعل الآن. كادت أن تخرج من الفيلا، لكن أثناء سيرها تعثرت ووقعت أمام الهاتف الأرضي.
جاء لخاطرها أن تبلغ الشرطة، لكنها خافت. لكن حدثها عقلها وارتعبت أن يهرب هشام ويترك الفيلا وتُتهم هي بقتل چاكلين. رفعت يدها وأخذت سماعة الهاتف وقامت بالاتصال بالشرطة.
بعد وقت قليل، كانت الشرطة داخل الفيلا وصعدت إلى تلك الغرفة. رأى الضابط هشام وهو يحتضن جسد چاكلين يناجيها أن تصحو وتحدثه، ثم يضحك بهستيريا، ثم يبكي بنحيب ويعود يضحك. في البداية، اعتقد أنه يفعل ذلك تمويهًا للشرطة حتى لا يتهم بالجريمة.
لكن حين اقترب فرد من أعضاء الطب الشرعي ليأخذ چاكلين، تمسك بها بقوة، يحتضنها، يكاد يهشم عظامها، مانعًا كثيرًا، مما اضطر الشرطة لتخديره وأخذ چاكلين وتحويلها للطب الشرعي. ألقي القبض على هشام الذي يهذي، قد اختل عقله.
---
في منزل هاشم الزهار، على طاولة الفطور.
تفاجأت مُهرة بدخول هاشم إلى غرفة السفرة وجلوسه بمقعده. نظر هاشم باتجاهها قائلاً: "مالك؟ زي ما يكون شوفتي عفريت!"
ردت مُهرة: "مفيش، بس بستغرب. رجعت إمتى؟"
رد هاشم: "رجعت امبارح بالليل متأخر. لو بتنامي في الأوضة كنتي عرفتي من بدري."
تبسمت لمى وقالت: "الزهار نورت يا عمو. بس أنا كنت متصلة على بابي امبارح وقالي ما يعرفش هترجع لهنا امتى. حتى كلمت مامتي وقالتلي إنها هترجع لليونان النهارده. بس طلبتها من شوية مردتش عليا، يمكن نايمة."
تهكمت مُهرة قائلة: "نايمة فين؟"
ردت لمى: "أكيد في فيلا بابي. هي لما بتكون في إسكندرية بتنزل عند بابي."
سخرت مُهرة قائلة: "طبعًا هتلاقي مكان أحسن في فيلا بابي، مهما كان في بينهم عِشرة. معرفش كانوا بيتجوزوا من البداية ليه طالما حياتهم من غير جواز أفضل. هشام طول عمره بيميل ناحية تقاليد الغرب. يلا ربنا يهدى. أنا شبعت، هروح ألحق وسيم قبل ما يروح الجامعة، عاوزاه في حاجة مهمة؟"
رغم أن هاشم لديه علم بكل ما يحدث هنا في البلدة من خلال أعوانه، لكن ادعى عدم المعرفة وقال: "ليه؟ هو وسيم فين؟ مش نايم في أوضته؟"
ردت مُهرة: "لأ، وسيم بقاله فترة عايش في بيت أبوه، وحيد الشامي. حتى رامي كمان كان عايش معاه الفترة اللي فاتت على ما السرايا اتلمت. مش عاوز تعرف دي كمان؟ غريبة، طولت غيبتك المرة دي في إسكندرية. توقعت إنك ترجع لما تعرف إن سرايا رضوان الله يرحمه حصل عليها هجوم من إرهابيين، بس الحمد لله رفعت والشرطة كان عندهم خبر وعدت بسلام رغم إصابة رفعت اللي كانت خطيرة. بس الدكتورة زينب كانت صاحبة الفضل بعد ربنا. مش عارفة من غيرها يمكن كان رفعت... يلا الحمد لله ربنا يخليهم لبعض ويرزقهم الذرية الصالحة."
اغتظ هاشم من تلميحات مُهرة. لو حرقها وأحرقهم معها. لكن صدح رنين هاتف هاشم. أخرجه من جيبه ونظر للرقم. رقم غير مسجل لديه. لم يتعجب وقام بالرد بكل هدوء. لكن فجأة ادعى الفزع وقال: "أنا ساعتين وأكون عندك في إسكندرية."
أغلق هاشم الهاتف ونهض مرة أخرى. تعجبت مُهرة قائلة: "خير؟ إيه اللي في إسكندرية فزعك كده؟"
نظر هاشم لـ لمى وادعى الصعوبة وقال: "التليفون ده من أمن إسكندرية بيقول إنهم قبضوا على هشام إشتباه في..." توقف هاشم عن الحديث.
فقالت مُهرة: "إشتباه في إيه؟"
رد هاشم: "إشتباه إنه قتل چاكلين."
نهضت لمى بفزع قائلة: "بتقول إيه؟ مامى... بابي مش معقول. أنا هاجي معاك يا عمو. أكيد المكالمة دي غلط، بابي مستحيل يأذي مامى. أنا هاطلع أجيب شنطتي بسرعة وأنزل."
تعجبت مُهرة هي الأخرى، لكن نشب في قلبها فزع وقالت: "هو اللي كلمك على الموبايل قالك إيه بالظبط؟ يمكن واحد بيعاكس. مستحيل هشام يقتل چاكلين. عمري ما أصدق يعملها. أنا وأنت عارفين إنه بيعشقها، وحط بينه وبين رضوان الله يرحمه عداوة بسببها زمان وصدق كذبها."
رد هاشم: "ولا أنا مصدق، بس فعلاً الرقم اللي طلبني كان مكتوب شرطة. يمكن فيه سوء فهم. هروح أعرف إيه اللي حصل."
نظرت مُهرة لهدوء هاشم. لا تعرف سبب لهذا الشعور لديها. هاشم لما أتى متأخرًا ولم تشعر بمجيئه، رغم أنها ظلت ساهرة لوقت متأخر من الليل.
في ذلك الوقت، عادت لمى وعيناها تدمع وقالت: "أنا كلمت الخادمة اللي في فيلا بابي وردت عليا بتقول إن بابي..." صمتت لمى وعيناها تدمعان.
اقترب هاشم منها وضمه برياء وقال باستفسار: "قالتلك إيه؟"
ردت لمى: "بتقول إن بابي خنق مامى. أنا مش مصدقة بابي يعمل كده."
ضمها هاشم برياء يقول: "طب اهدى، خلينا نروح إسكندرية نشوف إيه اللي حصل. أكيد فيه سوء فهم."
بالفعل غادر هاشم ومعه لمى، تاركين مُهرة المتعجبة والمذهولة تفكر أن هناك خطأ ما بالتأكيد. لكن تنهدت وقالت: "يارب تروحوا ما ترجعوا أنتم الاتنين. نبقى خلصنا من الأشرار اللي في حياة عيلة الزهار."
---
في سيارة هاشم، على الطريق.
أعطى هاشم علبة محارم ورقية لـ لمى التي تبكي. وقال بمواساة: "اهدّي يا لمى، مش عارف أركز في هشام ولا معاكي كويس. إني جبت السواق معانا، مكنتش هعرف أركز في الطريق."
بكت لمى قائلة: "فيه حاجة غلط. بابي مستحيل يأذي مامى، أنا متأكدة."
رد هاشم: "أنا كمان مش مصدق ومصدوم زيك بالظبط. كلها ساعة ونص ونوصل إسكندرية. اهدّي علشان أنا مش مستوعب إيه اللي حصل أصلاً لهشام. لازم يكون اتجنن علشان يعمل كده."
هدأت لمى قليلاً، لكن ما زالت تبكي. بينما هاشم نظر إلى الطريق من خلف زجاج السيارة. رأى على زجاج السيارة وجه چاكلين المدمى وعينيها الحاجظتين. أغمض عينيه يتذكر ما حدث بعد أن فاق من تأثير تلك المنشطات الذي تناولها بالأمس وتفاجأ بما فعل.
فلاش باك.
حين يتحكم الشيطان في عقل الإنسان، يصور له كل شيء مباح، بل ويُسهل له الصعب. أو يظن ذلك. بالصدفة، وقع بصر هاشم على ملابس چاكلين المرمية أرضًا. رأى سلسلة مفاتيح. هو يعرف لمن تكون هذه المفاتيح، هي مفاتيح سيارة هشام. هو رأى چاكلين حين دخلت إلى المكان بسيارة هشام. إذن هذا هو الحل أمامه.
هشام نهض سريعًا وارتدى ملابسه، وقام بلف جسد چاكلين بملاءة الفراش وخرج من المكان ووضعها بالمقعد الخلفي بالسيارة. توجه إلى المقود وقاد السيارة وأغلق جميع نوافذ السيارة، التي لحسن حظه زجاجها معتم.
بعد قليل، فتح له أمن بوابة فيلا هشام البوابة وهم يعتقدون أن من تقود السيارة هي چاكلين. دخل هاشم بالسيارة إلى أمام باب خلفي للفيلا ونزل من السيارة ودخل إلى الفيلا. تسلل يراقب المكان، اطمأن أن الفيلا لا يوجد أحد بداخلها.
عاد مرة أخرى للسيارة وقام بجذب جسد چاكلين الملفوف بالملاءة وعليها آثار دمائها وصعد بها إلى غرفة هشام ووضعها بالفراش. قام بسحب الملاءة من على جسد چاكلين وقام بمسح جسدها بتلك الملاءة، يخفي بصماته من على جسد چاكلين. لف الملاءة وأخذها بعد أن قام بقلب وضع نوم چاكلين على بطنها.
ترك الغرفة ونزل لأسفل يفكر كيف سيخرج من الفيلا دون أن يراه أحد من أفراد الأمن. انتظر قليلاً واختبأ بأحد الغرف يفكر. إلى أن اهتدى إلى ذلك الباب الخلفي لحديقة الفيلا، والذي يفصل بين حديقة فيلا هشام وخلفية فيلا تحت الإنشاء بجواره. فتح ذلك الباب ودخل إلى تلك الفيلا الأخرى، والتي ما زال الحظ يسانده. فيبدو أن العمال قد غادروا الفيلا بعد انتهاء عملهم اليومي.
تنهد هاشم. هو نجا من العقاب وعقله ما زال الشيطان يستحوذ عليه. أنه غير مذنب.
عودة.
فتح هاشم عينيه ينظر إلى لمى التي تبكي. رسم الحزن على وجهه الخبيث.
---
بالعودة إلى اليخت.
وقفت زينب أمام باب المطبخ ووضعت يديها بين إطاري الباب وقالت بمزح: "ها، الأكل جهز ولا لسه؟ بقالي ساعة بستنى. واضح كده إننا هنتغدى نواشف. قولت لك أحضر أنا الغدا. إن كنت محتاج لمساعدة قول عادي."
تبسم رفعت واقترب من زينب وحملها من خصرها وأجلسها فوق طاولة رخامية بالمطبخ وقبل وجنتيها قائلاً بغمرة عينيه: "المفروض تعملي دايت. شايف حاجات كده بدأت تظهر، بس بصراحة بتظهر في أماكن مظبوطة."
نظرت له زينب قائلة: "بطل تحرش وخلص الأكل، أنا جعانة."
تبسم رفعت يقول بوقاحة: "اتخني براحتك يا روحي، أهو هلاقي حاجات طرية تحت إيدي أمسكها."
نغزته زينب بكتفه قائلة: "بقولك بطل وقاحتك دي وخلص الأكل خلاص، هموت من الجوع. وأنا مريضة سكر وماليش الجوع، هتلاقيني اترميت منك عالأرض هنا في اليخت."
تبسم رفعت وهو يضع إحدى قطع الطعام في فم زينب قائلاً بوقاحة: "أرضية اليخت ساقعة عليكِ، ماله السرير دفا وهدفيكِ أنا كمان."
مضغت زينب قطعة الطعام قائلة: "أنا بقول تطلع من المطبخ وتسيبني أنا أكمل تجهيز الغدا، هخلص أسرع."
تبسم رفعت يقول: "بس الأكل فعلاً خلاص جهز، يا دوب هرصه عالسفرة."
تبسمت زينب ووقفت قائلة: "تمام، خليني أساعدك، هموت من الجوع."
تبسم رفعت يقول: "بعيد الشر عنك يا روحي."
بعد دقيقة، جلست زينب مع رفعت على طاولة السفرة تتناول الطعام وقالت بتلذذ: "لأ، نفسك حلو في الطبيخ. يا ترى اتعلمته فين؟ غريبة، الزهار بيعرف يطبخ!"
تبسم رفعت يقول: "ناسيه إني كنت في الأكاديمية البحرية، وهناك زيها زي الجيش بالظبط، إخدم نفسك بنفسك. غير كمان جدتي إنعام كانت بتمنع وجود أي شغالة عندنا بعد الساعة تمانية وأنا أوقات بحكم شغلي كنت برجع متأخر."
تبسمت زينب قائلة باستفسار: "قصدك مش بس بحكم شغلك، بسبب صياعتك كمان؟ بس إشمعنى بعد الساعة تمانية الشغالة بتمشي؟"
ضحك رفعت يقول: "كانت بتقول إن عندها شابين في الشقة، مينفعش تسيب شغالات في الشقة، خايفة علينا من الفتنة."
تبسمت زينب قائلة: "قصدك خايفة على الشغالات منكم بس ومحاسن."
رد رفعت: "لأ، محاسن دي موجودة باستمرار معاها. ودي ست كبيرة وبالنسبة لينا زي مربية أو دادة."
نظرت له زينب بغيظ: "متأكدة طبعاً كان عندها حق تعمل كده بسببك. لكن رامي الله أعلم؟"
تبسم رفعت يقول: "لأ، رامي طول عمره مؤدب، آخره كلام وبس."
نظرت له زينب بغيظ: "وإنت طبعاً مالكش آخر، والبومة ريما خير مثال."
تبسم رفعت يقول: "تعرفي إن ريما مكنتش عاوزانا نتجوز، مكنتش عاوزة ارتباط رسمي. بس كانت غلطة مني وقتها إني ارتبطت بيها. بس الحمد لله مطولتش في الغلطة دي وصححتها بسرعة."
تساءلت زينب باستهاز: "وأيه كان سبب الطلاق؟ اللي شوفتُه إن ريما لسه عندها لك مشاعر جياشة، بدليل سابت ابنها في اليونان وجت لك، عاوزة تستردك بأي شكل."
تبسم رفعت يقول: "جوازي منها كان غلطتي من البداية. كنت خلاص قربت عالتلاتين ولازم يكون فيه أسرة. وكمان مش هقول حب، يمكن إعجاب. ريما كانت قريبة مني بحكم إنها من عيلة الزهار. بس لما اتجوزتها بسرعة، هالة الإعجاب أو بمعنى أصح كانت شهوة وانطفأت بسرعة. كمان اكتشفت مش هي دي الست اللي نكمل مع بعض مشوار حياتنا. غير إني كنت في الخدمة ومش مرتبط بمواعيد محددة للرجوع للبيت، وهي عاوزة تعيش حياتها زي اللي في سنها، فسح وخروج وتباهي ومنظرة فارغة قدام أصدقائها. وأنا كنت مشغول. وحتى لما طلبت منها نسيب إسكندرية ونرجع للزهار ونبدأ حياتنا هناك، هي رفضت. مش معقول هتعيش حياتها في قرية وسط الخيول اللي قالت عليها حيوانات. سافرت اليونان لمامتها وأنا طلقتها ونهيت الجوازة الغلط دي من حياتي بدون ندم على ريما. بس لما قابلتك تاني ندمت؟"
تعجبت زينب تقول: "ندمت! ندمت على إيه؟"
رد رفعت: "ندمت إني اتسرعت وكنت غلطان في حياتي، كنت بمشي ورا هوايا. ندمت إزاي نسيت البنت اللي أول ما حطيت صباعي بين إيدها الصغيرة طبقت على إيدي. إزاي مدورتش عليكي، يمكن كانت حياتي اتغيرت لشكل تاني."
---
في منزل صفوان المنسي، على أريكة بالصالة.
كانت مروة تجلس، تبسمت لـ ليلى التي دخلت الصالة تقول: "يا باى، الجو حر قوى، الجو نار بيجيب صهد. والله إحنا كنا في اللجنة مفرهدين."
تبسمت مروة تقول: "فعلاً، واضح إن الحر السنة دي هيكون قاسي زي الشتا كده. يلا أهي كلها أيام وبتعدي. عملتي إيه في امتحان النهارده؟"
جلست ليلى جوار مروة على الأريكة وفكت وشاح رأسها قائلة: "الحمد لله، الامتحان كان سهل. ربنا يسهل بالأمتحانات الجاية. فاضلي كمان عشر أيام وأخلص امتحانات وأرتاح بعدها وأنام أربعة وعشرين ساعة في اليوم، أعوض سهرى الفترة دي."
تبسمت مروة. بينما نظرتا الاثنتان لتلك التي خرجت من الغرفة تربط رأسها بوشاح أزرق وشعرها منكوش أسفله، تشبه المجانين. تقول: "يا بخت الناس اللي خلصت دراستها، أو حتى خلصت الثانوية العامة. أنا خلاص مخي ساح، ولسه يا دوب هبدأ امتحانات الأسبوع الجاي. شهر بحاله حاسة إني زي اللي بيأدي الخدمة العسكرية في الجيش في الصحرا. لأ والله، اللي في الجيش أرحم مني."
تبسمت ليلى وقالت: "مصدقاكي يا هبهوب، بأمارة السهر بتاعك عالنت اللي أبو الواد حنكش موصلُه عشانى، وأنتِ اللي بتسفيه، وأنتِ بتذاكري جيولوجيا مع الناس اللي عايشة في الصحرا وبتقبض بالدولار."
تعجبت مروة قائلة: "قصدك إيه يا لولا؟ وجيولوجيا إيه اللي بتسهر هبه تذاكرها؟"
تبسمت ليلى وقالت: "ده موضوع تبقى هبه تحكيله عليه بعد ما تخلص امتحان الجيولوجيا. المهم دلوقتي، ماما قالت لينا إنها كانت معاكي عند الدكتورة امبارح وأكدت إنك حامل. قولي لينا بقى رد فعل رامي لما عرف بحملك عمل زي أفلام السيما كده وشالك ولف بيكي، وإنتي اتسهوكتي زي بطلات الأفلام كده."
تبسمت مروة بغصة وتذكرت رد فعل رامي الهادئ حين أخبرته أنها حامل. مجرد تهنئة عادية منه لا أكثر، أو هكذا شعرت أن الأمر عادي بالنسبة له. ليس كما توقعت أن يكون رد فعله حين تخبره أنها تحمل منه نطفة بأحشائها. توقعت أن يفرح أكثر من ذلك، توقعت أن يضمها بين يديه، يقبلها، حتى بعد أن ذهبوا إلى غرفتهم الخاصة تفاجأت برامي ذهب للنوم سريعًا دون حديث بينهم.
أنقذ مروة من الرد خروج والداتها تسند والدها من الغرفة. نهضت ليلى سريعًا وهبة أيضًا وقامتا بسنده ومساعدته إلى أن جلس على أريكة أخرى. شعر صفوان بغصة في قلبه من تلك المعاملة التي لا يستحقها منهن، فهو لم يكن أبًا جيدًا لهن. لكن قلبهن حنون.
تبسمت هبة وهي تجلس جوار صفوان، الذي تبسم حين نظر لوجهها، وبالأخص حين تهكمت عليها فادية وقالت: "ناكشة شعرك ورابطة دماغك كده ليه؟ زي اللي في السرايا الصفرا."
ضحكوا جميعًا وردت هبة: "وهما السرايا الصفرا يفرقوا إيه عن الثانوية العامة؟ أهو كله جنان. بص يا بابا، أنا من المناهضين لتعليم الفتيات. البت منا ملهاش غير بيت جوزها. أنت لو اتقدملك عريس ليا أنا موافقة وهبصملك بالعشرة كمان. أنا واحدة ماليش في التعليم، أنا عاوزة أتجوز."
تبسمت فادية قائلة: "اتنيلى، مش أما اللي قبلك تتجوز تبقى تتجوزي. ركزي في الشهادة الأول."
تبسمت ليلى تقول: "ما إنتي اللي مش شاطرة يا ماما ومش عارفة تدللي علينا عند زباينك اللي بيشتروا منك البط والحمام. لو كنتي ناصحة كنتي تقولي لهم عندي زغلولتين، اللي ياخد واحدة ياخد التانية فوقها هدية في باكيدچ واحد."
ضحكن جميعًا، لكن صفوان تبسم بغصة وهو ينظر لـ ليلى. كم شعر بالندم، لكن فاق بالوقت المناسب ورفض أن يبيع ليلى لذلك الوغد الذي كان يريد سرقة صباها. فكر عقله ماذا لو كان ما زال متحكمًا به شيطانه القديم ووافق هاشم وزوجه ليلى عرفيًا كما كان يريد؟ هل كان سيرى على وجهها تلك البسمة التي على شفاها الآن؟ هل كانت ستمزح هي وأختاها كما تفعلان؟ لا، هاشم كان سيؤدّي صبا ليلى ويطفئ بسمتها. ليس نادمًا، بل سعيد بهذه الأسرة الصغيرة التي احتوته وقدمت له كل سبل المساعدة والمساندة وقت مرضه. ليس هذا فقط، بل وقوف مروة أمام رفعت تدافع عنه بإستماتة، حتى أنها كادت تترك منزلها من أجله. حقًا، القلوب تسعد فقط بالمحبة والتراحم.
---
في إسطبل الخيل.
هبط رامي من على إحدى المهرات وقام بإعطاء أحد العاملين اللجام الخاص بالمهره. وتبسم وهو يرى وسيم يقترب منه إلى أن أصبح أمامه، صافحه مبتسمًا يقول له: "جاي منين دلوقتي؟"
رد وسيم: "جاي من الجامعة. إنت عارف إن الامتحانات شغالة. وإنت كنت بتعمل إيه؟"
رد رامي قائلاً: "أنا كنت بدرب فرسة جديدة. تعالى نقعد تحت الشجرة اللي هناك دي نتكلم وقولي عملت إيه في الموضوع إياه اللي اتكلمت فيه مع رفعت من كام يوم قبل ما يسافر هو والدكتورة لإسكندرية."
تنهد وسيم وهو يجلس أرضًا جوار رامي تحت ظلال تلك الشجرة وقال: "مفيش، ليلى مصدرة الوش الخشب، يا دوب الرد على قد السؤال. كان غباء مني من الأول لما فكرت بخطوبتي من لمى إني ببعد الشر عن ليلى."
وضع رامي يده على كتف وسيم قائلاً: "لو كنت قلت لرفعت من الأول يمكن مكنش ده حصل."
تنهد رامي بسأم وقال: "فعلاً، كان لازم أقول لرفعت وأستنجد بيه. يمكن كان وصل للباشا."
تذكر وسيم حديثه منذ أيام مع رفعت حين ذهب إلى تلك الشقة التي كان مقيمًا بها.
فلاش باك.
نظر وسيم حوله بترقب. تعجب رفعت وقال له: "مالك بتبص حواليك كده ليه؟"
رد وسيم: "أمال الدكتورة فين؟"
رد رفعت: "الدكتورة زهقت مني وما صدقت رجعت لشغلها بالوحدة ومش هترجع قبل المسا. بس بتسأل ليه؟"
رد وسيم: "رفعت، فيه حاجة عاوزة أوريهالك وأخد رأيك فيها، وكمان فيه حاجة حصلت لازم تعرفها."
تحدث رامي الذي دخل يحمل صينية عليها بعض المشروبات: "أوعى تكون خلاص نويت تفشكل موضوع خطوبتك لمى."
تبسم رفعت بتعجب وهو ينظر لـ وسيم وقال: "والله لو كلام رامي صحيح يبقى ربنا بيحبك."
رد وسيم: "أنا فعلاً خلاص نويت أنهي موضوع الخطوبة ده. أنا من البداية مكنتش متقبل الأمر، بس اللي حصل بقى. بس دلوقتي عاوزك في موضوع تاني."
قال وسيم هذا وأخرج هاتفًا بطراز قديم من جيبه وقام بفتحه وأتى بملف الصور الخاص بالهاتف وقام بإعطاء الهاتف لرفعت قائلاً: "شوف الصور دي كده."
تمعن رفعت بالصور وقال: "مش دي ليلى أخت مروة؟ الصور دي متفبركة."
رد وسيم: "لأ، الصور دي حقيقية."
تعجب رفعت وأخذ رامي الهاتف من رفعت وتمعن هو الآخر بالصور وقال: "إنت بتقول إن الصور دي حقيقية... إيه اللي بينك وبين ليلى وموبايل مين ده؟"
رد وسيم: "أنا بصراحة بحب ليلى، بس هي متعرفش بكده."
تعجب رامي ورفعت الذي قال: "بتحب ليلى وخطبت لمى؟ إيه الغباء ده."
رد وسيم: "فعلاً غباء مني، بس أنا خايف على ليلى. شوف الصور كده. الصور جايباني أنا وليلى وأنا شبه حاضنها، واللي يشوف ليلى يقول كانت مبسوطة، مع إن في الحقيقة هي كانت بتبكي."
تعجب رامي وقال: "الصور دي في الجنينة اللي جنب القاعة اللي كان فيها فرحي أنا ومروة، بس مين اللي صوركم؟"
رد وسيم: "ده واد صايع ومتسكع حاول مرة يتهجم على ليلى وأنا ضربته. ويوم فرحك أنا وصلت ليلى وخالها نعمان لبيته، بس ليلى كانت نسيت شنطتها في العربية. ولما رجعت تاني وروحت لبيت خالها، فتحتلي وعينيها حمرة وبكت. كنت مفكر في البداية إنها بتبكي بسببى، بس اكتشفت إن المتسكع ده عندهم في البيت وبهددهم وكان هيقتل خال ليلى وهددها بالصور دي وقال إن الصور دي خلاص وصلت للباشا. أنا ضربت الحيوان ده وسلمناه يومها لظابط النقطة. وتاني يوم لما روحت أقدم أنا وليلى وخالها أقوالنا، الظابط قالنا إن المتسكع ده مات في الحبس. وبعدها بكم يوم سألت الظابط عن السبب قال لي إنه مات بسبب حباية منشطة خدها عملت له هبوط في القلب ومات."
تعجب رفعت وقال: "مش فاهم إيه دخل المتسكع ده في أمر خطوبتك من لمى."
رد وسيم: "شوف في رسايل الموبايل هتلاقي فعلاً الصور اتبعت لشخص مكتوب قدامه: الباشا. أنا عندي شك في حد يكون هو الباشا."
رد رامي: "ومين الشخص ده؟"
رد وسيم: "هاشم الزهار."
تعجب رامي قائلاً: "مين... هاشم الزهار!"
بينما رفعت صمت يسمع حديث وسيم: "أنا وأنا صغير بعد ما سبتوا الزهار زمان بعد اللي حصل، كنت بلعب في الجنينة بتاع البيت وكنت وراء شباك أوضة مكتب هاشم الزهار. وسمعته بيكلم حد وبيتفق معاه يبعت له كمية أدوية منشطة زي ترمادول وغيرها، وقاله إن السعر هيتغير بعد كده وإنه هو هيبقى الموزع الوحيد للنوع ده من المنشطات. معرفش الشخص التاني رد عليه إيه، عصبه وقتها بس سمعت رد هاشم عليه وقاله: أنا اللي هبقى الباشا المحترم وهتشوف بنفسك. أنا وقتها كنت صغير وكمان مكنتش لسه أعرف يعني إيه ترامادول وأدوية منشطة، ومعرفتهاش غير وأنا بدرس طب بيطري. وكمان متنساش هاشم الزهار دارس صيدلة وعنده خلفية في التفاعلات الدوائية. وكمان اللي زيه لمى الزهار درست صيدلة في اليونان. وبالصدفة سمعتهم مرة وهما بيتكلموا عن نوع من أنواع المنشطات القوية، غير إنها حاولت تحط لي أكتر من مرة نوع منشط، بس أنا كنت بقدر أخليها تصدق إني شربت المخدر ده فعلاً. رغم إنها هي اللي كانت بتشربه في الآخر، بس أنا كنت بزود منوم معاه."
تعجب رفعت وقال: "قصدك إيه؟ لمى بتشتغل زي هاشم في الأدوية دي؟"
أماء وسيم له بموافقة قائلاً: "عندي شك كبير في كده. أنا كنت روحت لبيت هاشم أجيب بعض الغيارات ليا ولماما من هناك، وده كان بعد ما هو جه يتهجم عالسرايا وياخد ماما مُهرة بالعافية، وأنت رفضت. بالصدفة شفت لمى بتدي لهاشم علبة هدية صغيرة وقالت له: ده هدية من فابيو لك. ولما فتح الهدية شفته طلع منه علبتين صغيرين، واحدة كان مرسوم عليها عصب والتانية كان حصان. أنا خمنت نوع العلبه التانية إنها ممكن تكون فياجرا، بس الأولى عندي شك كبير إنها زي منوم أو مهدئ أعصاب. وشوفت نفس شكل العلبه التانية دي في أوضة نوم ماما مُهرة وهاشم."
رد رامي بتعجب: "قصدك إيه؟ اللي فهمته علبة الفياجرا ممكن تكون له، طب والمنوم أو مهدئ الأعصاب ده كان لمين؟"
رد رفعت: "معروف كان لمين... كان لـ عمتي مُهرة طبعاً، بس للأسف تعبها الشديد قبلها صعب المهمة دي. لأن عمتي لما تعبت زينب قالت لينا إن نوعية المهدئات اللي كانت بتاخدها عمتي ممكن تسبب الانتحار. بس أكيد كان مفعول النوع اللي مع هاشم أقوى. يعني كانت المهدئات اللي بتاخدها عمتي مُهرة كانت نسبة تفاعلها أكبر من نسبة تفاعل المهدئات اللي كانت بتجيبها من الصيدلية، وكان هاشم بيبدل العلب طبعاً."
رد رامي بتعجب: "طب وهو هيكسب إيه لما يخلي عمتي مُهرة تاخد النوعية دي من المهدئات؟"
رد وسيم: "هيكسب إنه هيخليها تحت سيطرته زي ما كانت السنين اللي فاتت. أنا كنت طلبت من الظابط بتاع النقطة يعرف لي مين صاحب رقم الباشا ده، بس طبعاً مقلتلوش على إن معايا الموبايل بتاع المتسكع ده. بس هو قال لي إن الرقم متسجل باسم شخص مات من حوالي أربع شهور تقريبًا. بس المفاجأة بقى إن الشخص ده كان بيشتغل فرد أمن عند نجيب الكفراوي."
لم يتعجب رفعت، بينما قال: "قصدك إيه؟ نجيب الكفراوي عضو مجلس الشعب."
صمت وسيم، لكن هز رأسه بالموافقة.
تحدث رامي: "يعني عندك شك إن هاشم مشارك نجيب الكفراوي؟ دول عصابة بقى!"
رد وسيم: "وكمان فاكر لما قلت لك إني أخدت عينة من بعض الخيول اللي عندنا في المزرعة وطلع تخميني صح. الخيول بتتحقن بنوع من المنشطات مضاعفة القوى تديها قوة وجموح أكبر، وبمجرد ما الخيول بتبطل تتحقن بالمنشطات دي بتضعف وممكن تموت. غير إنها لو زادت النسبة عن حد معين ممكن تفجر قلب الخيول وتموت في ساعتها."
تعجب رامي يقول: "طب وأيه دخل ليلى باللي قولته ده كله؟ هي مالها؟"
رد وسيم: "هاشم... أنا شوفت نظراته لـ ليلى يوم فرحك. وكمان لمى دخل لها شك إن معجب بـ ليلى، أو بينا حب. لأن ليلى سبق واتُهجمت على لمى عندي في الجامعة. ومن وقتها لمى حطت ليلى في دماغها. لمى أخطر وأسوأ من ريما، مش زي ما كنا معتقدين. ريما يمكن عاوزة تعيش حياتها بحرية، لمى لأ، عندها ميول للسيطرة والقوة."
تبسم رفعت قائلاً: "نفس الحوار القديم مع التوأم... هشام وهاشم، لمى وريما. لمى لـ چاكلين وريما زي هشام. بس قول لي إيه اللي خلاك فوقت دلوقتي خلاص؟ خوفك على ليلى من لمى انتهى، بس لمى لسه موجودة."
رد وسيم بندم: "أنا مبقتش أتحمل أكتر من كده، وعشان كده أنا كنت قررت أقولك عالسبب. بس الهجوم اللي حصل عالسرايا هو اللي أجل الموضوع، وكمان حاسس ليلى بتضيع مني. وطالب مساعدتك طبعاً بحكم إنك راجل شرطة قبل كده، ممكن توصل لمعلومات أكتر. مهما كان ظابط النقطة هنا معلوماته قليلة، إنما إنت ليك أصدقاء زي الضابط محمود كده ممكن يوصل لمعلومات أكتر."
تبسم رفعت يقول: "تمام، سيب لي الموبايل ده ومتخافش عالصور. هحتفظ بيها، أهي ذكرى من ليلى."
تبسم وسيم وتنهد براحة.
عاد وسيم من ذكرى ذلك اللقاء على قول رامي: "امبارح عرفت إن مروة حامل."
تبسم وسيم بفرحة يقول: "مبروك."
تنهد رامي.
تحدث وسيم: "مالك؟ حاسس إنك زي ما تكون مش فرحان."
رد وسيم: "بالعكس، أنا فرحان جداً والله. بس مروة وإحساسها بالغيرة بيخوفني. لو شوفت شكها المستمر إني بسهر بره البيت مع بنات وإحنا في إسكندرية، كنت هتصدقني. نفسي مروة تتأكد إن مفيش في قلبي غيرها وإني اخترتها هي لإن بحبها مش لإنها نزوة وممكن تنتهي. دي حتى وهي بتقولي إنها حامل قالت لي: بقى في بين الجميلة والوحش رابط، حتى لو زهقته قلت عنده هيفضل بينهم رابط قوي. ليه مش عاوزة تصدق إن حبي ليها بحد ذاته رابط أقوى حتى من إن يكون بينا ولاد بيربطونا ببعض؟ خايف مروة بالشك والغيرة اللي عندها تموت حبي في قلبي."
---
بالإسكندرية.
صعدت زينب ورفعت إلى اليخت بعد أن قضوا وقتًا بالسباحة في مياه البحر.
سارت زينب بضع خطوات وشعرت بدوخة واختل توازنها وكادت تقع لولا أن مسكها رفعت قائلاً بخضة: "زينب."
تمالكت زينب نفسها قائلة: "فيه إيه؟ أنا كنت هتزحلق بسبب أرضية اليخت الناعمة. رجلي شبه باشت من السباحة لأكثر من ساعة ونص في مية البحر."
تبسم رفعت وهو يحملها بين يديه قائلاً بمزح: "إيه ده؟ إنتِ تقلتي كده ليه؟ لأ، لازم تخسي بعد كده، مش هقدر أشيلك."
تبسمت زينب وهي تلف يديها حول عنقه قائلة: "عشان تعرف إنك بتحجج. أنا تقلت بسبب المية اللي في هدومي."
تبسم رفعت يقول: "قولت لك البسي المايو، كنتي هتبقي أخف من كده."
تبسمت زينب قائلة: "وهو الشورت والتوب اللي لابساهم هما اللي شربوا مية البحر؟ عاوزني ألبس مايوه وإحنا وسط البحر؟ افرض حد شافني بيه، أو توهنا في البحر بعيد عن اليخت وقتها نعمل إيه؟"
تبسم رفعت يقول: "لأ، متخافيش. إحنا في مكان بعيد عن العيون في وسط البحر، مفيش غير البحر والسما. ونتوه في البحر! ليه مش واثقة فيا ولا إيه؟ البحر ده أنا أعرفه شط شط."
تبسمت زينب قائلة: "محسسني إنك مع قبطان أعالي البحار."
تبسم رفعت: "فعلاً، إنتي مع قبطان أعالي البحار، بس سابقاً."
تبسمت زينب: "أهو قولت سابقاً، دلوقتي إيه بقى؟"
تبسم وهو يضعها على أريكة كبيرة على سطح اليخت وجلس خلفها يضمها لصدره قائلاً: "دلوقتي، عاشق متيم فيكي."
تبسمت وهي تضمها لصدره قائلة: "رفعت، إنت ليه من البداية درست البحرية؟"
رد رفعت: "علشان كان نفسي أبقى ضابط في البحرية."
تبسمت زينب: "طب والخيل وإزاي اتعلمت تبقى خيال وتروض الخيول؟"
تبسم رفعت: "الخيل هواية عندي من صغري، واتعلمت ترويضها من بابا، وراثة يعني. هو كمان اتعلمها من جدي، يعني تقولي سلسال بيوصل لبعضه."
تثائبت زينب.
تبسم رفعت قائلاً: "إيه؟ هتنامي بـ هدومك مبلولة كده؟"
تبسمت زينب قائلة: "الجو حر أصلاً وأنا عاوزة أنام هنا وأنا شايفة النجوم في السما."
تبسم رفعت وضمها بين يديه.
بعد وقت.
شعر رفعت بأنفاس زينب المضطربة على صدره. علم أنها بدأت تصحو. تبسم وهو يراها تمسد بيديها كتفيها وقال: "هوا البحر خلاكي حسيتي بالبرد."
تبسمت وهى ما زالت مغمضة العين تستنشق أنفاسها على صدره. يدخل إلى صدرها رائحة جسده الممزوجة برائحة يود البحر.
شعرت برفعت يضمها قويًا بين يديه وقام برفع وجهها ينظر لها. فتحت عينيها وتبسمت له قائلة: "أنا إمتى حبيتك يا رفعت؟"
تبسم رفعت قائلاً: "من وأنت لسه بنت أيام لما حطيتي صباعك الصغير في إيدي. أنا عرفتك يا زينب يوم ما كنا في القسم وإبتزيتني في ربع مليون جنيه. عرفتك من الشامة اللي في إيدك."
تبسمت زينب وقالت له: "رفعت، هسألك سؤال محيرني من يوم ما طلعت من الوحدة ورحنا شقة الشرقية."
رد رفعت: "وأيه هو السؤال ده بقى؟"
تبسمت زينب وقالت: "أنا سمعت رامي بيقولك إن چيرين عجبتها الفرسة اللي بعتها لها وعاوزة واحدة تانية. طب إزاي والفرسة اللي كنت هتبعتها لها رجلها اتكسرت؟"
تبسم رفعت يقول: "هي فعلاً الفرسة رجلها اتكسرت، بس كان فيه واحدة تانية في مكان تاني وشبه مدربة زي الفرسة دي، ورامي كمل تدريبها وبعتها لچيرين في الميعاد اللي كنت متفق معاها عليه."
نهضت زينب عن صدر رفعت ونظرت له قائلة بتعجب: "طب ليه اتعصبت وقتها لما والد مروة اتسبب في كسر رجل الفرسة دي طالما كان فيه بديل ليها؟"
جذب رفعت زينب لتعود على صدره وقال: "أنا مكنتش متعصب علشان الفرسة على فكرة. أنا اللي كان معصبني هو إنتي وبعدك عني وتهديدك كل شوية إنك هتطلبي نقلك من الزهار، غير طلبك للطلاق لأكثر من مرة."
رفعت رأسها ونظرت لرفعت وقالت: "طب وده كان فارق معاك وقتها."
نظر رفعت لوجه زينب وقال: "كان فارق معايا يا زينب. كنت حاسس إني ضايع ومتشتت بين قلبي وعقلي وبين نيران الماضي. كنت مفكر إن أقوى نيران هي نيران الماضي والانتقام. لقيت في نيران تانية أقوى منهم."
ردت زينب بسؤال: "وأيه هي النيران التانية دي؟"
تبسم رفعت وهو ينظر لوجه زينب قائلاً: "نيران العشق... عشقك يا زينب اللي حاولت أقاوِم نيرانه وأطفيها بقلبي، بس للأسف كانت أقوى من نيران الانتقام. كنت بتجنن لما بحس إنك بتبعدي عني، سواء إنك تفضلي طول الوقت في الوحدة أو حتى كمان لما كنتي بتهدديني بالرحيل عني."
تبسمت زينب تقول: "بس أنا مكنتش هبعد عنك يا رفعت. ده كان مجرد كلام في الهوا بستفزك بيه. أنا هفضل تقيلة على قلبك زي ما أنا دلوقتي كده."
تبسم رفعت وقال: "زينب، أنا شايفك بتاخدي أنسولين كتير. إحنا أول ما نرجع تاني عاوزك تعملي فحص شامل وتشوفي سبب للدوخة اللي بتجيلك دي."
تنهدت زينب قائلة: " عادي. بس أنا فعلاً محتاجة أعمل فحص شامل. حاسة إن فيه حاجات كتير مش متظبطة عندي الفترة الأخيرة."
تبسم رفعت بمكر وبعد زينب عن صدره وانحنى عليها يقول: "وأيه الحاجات اللي مش متظبطة دي بقى."
تبسمت زينب تقول بمكر: "زي إني جعانة دلوقتي مثلاً."
نظر رفعت لشفاه زينب وقال: "وأنا عطشان من مية البحر. ولو مشربتش من شفايفك دلوقتي هموت من العطش."
تبسمت زينب له وهي مرحبة بتلك القبلات التي يمطرها على شفاها ووجهها ويعود مرة أخرى لشفاها. ثم ترك شفاها ونهض من على تلك الأريكة يحملها بين يديه وعاود إلتهام شفاها بقبلات عاشق ومعشوقة. ودخل إلى أحد غرف اليخت ووضع زينب على الفراش واندس بجوارها يكمل سباحة بين أمواج العشق. ليعود الاثنان من جولة غرام. شعرت زينب بإرهاق وغفت بين يدي رفعت.
رفعت الذي تنهد ورفع رأسه ينظر للأمام. ما زال بداخله حرب مشتعلة بين النيران والعشق. ما زالت أمامه النيران مشتعلة. يخشى أن تصيب شظية من تلك النيران... زينب. من أجلها فقط قادر على إشعال نيران فوق مياه البحر.
---
بعد مرور تسعة أيام.
ليلاً بمنزل هاشم الزهار.
أرسل هاشم رسالة من هاتفه مشفرة فحواها: "لقد كبر الحصان وأصبح عجوزًا، ولابد من إرسال الرحمة له."
أتت لهاتف هاشم رسالة مشفرة أيضًا فحواها: "بإمكانك إرسال الرحمة له، أريد حفلة شواء فاخرة على شرف هذا الحصان العجوز."
تبسم هاشم بظفر وأغلق الرسائل وبعث رسالة لهاتف آخر يقول له: "لتنتهي حفلة الشواء الليلة."
أغلق هاشم هاتفه وتناول إحدى حبات تلك المنشطات. وصعد إلى غرفته. فتح الباب ونظر إلى الفراش وجده خاليًا. مُهرة ما زالت مستمرة في ذلك التمرد عليه. لكن يكفي هذا، مُهرة ستعود وتخضع له مرة أخرى كما كانت في السابق. الليلة ستكون خاضعته وتفعل ما يريده ويشتهيه.
بالفعل ذهب إلى غرفة مُهرة وفتح الباب بعنف كبير، حتى أن مُهرة انتفضت على فراشها وقالت برعب: "إيه يا هاشم؟"
رد هاشم: "إنتي اللي في إيه يا مُهرة؟ نسيتي أنا مين؟ أنا هاشم الزهار جوزك."
أغلق الباب خلفه وقال: "مش عاوزة ترجعي لأوضة النوم. وماله اللي كان هيحصل هناك ينفع يحصل هنا برضوا."
كادت مُهرة أن تنهض من على الفراش، لكن كان هاشم الأسرع. هجم عليها بعنف. حاولت مُهرة أن تبعده عنها بيديها، لكن كان عنفه يزداد. سحبت إحدى يديها وقامت بمدها تحت الوسادة التي كانت تنام عليها وآتت بذلك البخاخ، وقامت بالبخ في عين هاشم مباشرةً، مما جعله يشعر بحرقة قوية في عينيه وابتعد عن مُهرة. لكن ما زال بالفراش يفرك عينيه بقوة من شدة شعوره بالحرق.
لكن قبل أن يفيق من شدة ذلك الشعور بعينيه، نهضت مُهرة تلهث من على الفراش وفتحت أحد أدراج طاولة جوار الفراش وأخرجت منها سلاحًا وقامت بتعميره للإطلاق وقالت: "اطلع بره أوضتي يا هاشم."
أزال هاشم يديه عن عينيه ونظر إلى مُهرة ونظر بذهول لها وهي تعيد قولها: "لو عاوز تشتري عمرك الليلة، اطلع بره أوضتي، وأياك تفكر مرة تانية تقرب مني. مُهرة الضعيفة خلاص انتهت. رصاصة من السلاح ده كافية إن تخليك ترقد مكانك ومتقومش منه. أنا مش باقي على حاجة. زمان كنت بخاف على اللي بحبهم وكنت بتسلم بضعف، بس كنت غلطانة. كان لازم أدافع بقوة وده اللي هيحصل من دلوقتي. مبقيتش خايفة منك يا هاشم. ولادي التلاتة مش هتقدر تأذيهم وهما إيد واحدة."
انصدم هاشم. لكن رغم رجفته ضحك بسخرية وقال: "فين ولادك التلاتة دول؟ اللي أعرفه إنك خلفتي زمان ولد، لكن كان عقاب ليكي بعد ما عشتي في وهم شهور في انتظاره مكملش يومين عايش ومات."
ردت مُهرة: "يمكن فقدت ابني، بس ربنا عوضني عنه بتلاتة غيره، تلاتة فرسان وعندهم مبادئ وأخلاق الفرسان، مش حقارة كلب زيك."
اغتظ هاشم وهبط من فوق الفراش وتوجه ناحية مُهرة يضحك باستفزاز. لكن مُهرة تملك منها الثبات وقالت له وهو يسير باتجاهها: "اخرج بره يا هاشم."
ما زال هاشم يسير باتجاهها، لكن وقف مصدومًا حين شعر بشظية رصاصة تمر جوار كتفه تستقر في الحائط خلفه. نظر للحائط ثم عاد بنظره ناحية مُهرة متفاجئًا، لا مصدومًا.
قالت مُهرة له: "التانية هتنفجر في قلبك يا هاشم. لسه في إيدك تشتري عمرك. اخرج بره أوضتي، وإياك تقرب مني مرة تانية. ومش بس مني، من أي واحد من ولادي. صدقني وقتها مش هيكفيني قتلك. وقتها همثل بجثتك قدام الكلاب الضعرانة اللي من فصيلتك واللي قتلها حلال."
شعر هاشم برعب من نبرة صوت ونظرات مُهرة المتوعدة. أنقذه من أمامها صوت رنين هاتفه. خرج من الغرفة كالكلب المذعور، ووقف ببهو المنزل. رد على الهاتف وسمع قول الآخر له: "حفلة الشواء بدأت، بس فيه حاجة... سيادة النايب مش هنا في الزهار، بس بقية الأسرة الكريمة جوا الحفلة."
رد هاشم: "كويس كده، تبقى ضربة في مقتل. لما يرجع للزهار يلاقي عيلته اتشوت."
أغلق هاشم الهاتف. بداخله نيران أخرى يريد إشعالها الليلة، لكن عليه الحصول على مبتغاه أولاً.
بينما مُهرة التي مثلت القوة قبل قليل أمام هاشم، ها هي قواها انتهت وخارت وجلست على الفراش يدها ترتعش. لا تعلم كيف تحكمت بها القوة قبل قليل، والآن ذهبت عنها. فكر عقلها عليها التمسك بتلك القوة الآن من أجل حمايتها وحماية من تحب. يكفي ضعفًا. انتهى ذلك الضعف. مُهرة الجامحة كان لابد أن تكون برية منذ البداية، وجيد أنها استعادت قوتها قبل فوات النهاية.
---
بسرايا الزهار.
خرجت مروة من الحمام وعادت تتسطح جوار رامي على الفراش. شعر بها رامي وقال: "مالك يا مروة؟ رايحة جاية عالحمام من أول الليل."
ردت مروة: "مفيش، حاسة بمغص وغثيان كده، وخلاص الحمد لله بدأوا يخفوا."
نهض رامي من على الفراش وأشعل الضوء وقال: "هروح أقول لزينب تيجي تشوفك."
تبسمت مروة قائلة: "لأ، مالوش لازمة يا رامي. الحاجات دي طبيعية في بداية الحمل."
تنهد رامي يقول: "طبيعية إيه؟ إنتي مش شايفة وشك أصفر إزاي وكمان ضعيفة."
تبسمت مروة قائلة: "أنا كنت استشارت الدكتورة وكتبت لي علاج للقئ وأخدته والحمد لله. هما بس شوية ضعف ولما هنام هصحى كويسة."
رد رامي: "الدكتورة قالت لك كده؟ طب نامي وارتاحي، وأنا هنزل أعمل لك كوباية نعناع تروق معدتك."
تبسمت مروة بعد خروج رامي تشعر بفرحة اهتمام رامي بها. هي كانت تظن أنه غير مهتم بحملها، لكن ها هو يثبت العكس حين شعر بها وتلهف عليها. تبسمت بفرحة أكبر وهي تراه يعود للغرفة ومعه كوب من النعناع ووضعه على طاولة جوار الفراش قائلاً: "على ما يبرد شوية إشربيه وهيريح معدتك شوية، وبكرة نروح للدكتورة ونطمن عليكي وعالبيبي كمان."
تبسمت مروة وهي تمد يدها لرامي الذي أمسك يدها وجلس جوارها على الفراش وقام بجذب مروة بحضنه.
تنهدت مروة بسعادة وقالت: "أنا بحبك يا رامي، متبعدنيش عنك."
تبسم رامي يقول: "وأنا بحبك يا جميلتي وعمري ما أقدر أبعد عنك يا مروة، ولا عمري هبعد عنك. أنا الأيام اللي فاتت مكنتش بسهر مع أصحابي زي ما كنتي مفكرة، أنا كنت بدرب فرسة تانية بدل اللي رجلها اتكسرت وده كان السبب إني برجع هلكان ومش قادر أرد عليكي. مروة، أنا مر علي بنات كتير وعمر ما واحدة منهم شغلت قلبي وعقلي غيرك. أنا لما رجعت للزهار رجعت عشانك."
تبسمت مروة وضمت نفسها بقوة لـ رامي الذي ضمها هو الآخر.
تبسمت مروة وقالت: "أهو المغص اللي كان عندي مبقتش حاسة بيه، وكل اللي عاوزاه إني أنام في حضنك."
تبسم رامي وتسطح على الفراش وأخذ مروة بين يديه وقبل شفاها ثم جبهتها يشعر بسعادة. كذلك مروة تشعر بفرحة قوية.
---
قبل الفجر بقليل بغرفة إنعام.
نهضت من نومها فزعة. تساءلت لما تكرر ذلك الحلم؟ لكن عاد عقلها للحلم مرة أخرى. تذكرت شيئًا وقالت: "مروة هي اللي راقدة على بؤرة الدم... رامي كان بعيد عنها، وزينب كانت في وسط النيران اللي والعة فوق مية البحر. رفعت مش شايفها. حتى وسيم تايه هو كمان بيدور على شيء ومش لاقيه. رامي، رفعت، حتى وسيم. التلات فرسان واقعين في حيرة. يا ترى هيوصلوا للي بيحبوهم في الوقت المناسب قبل فوات الأوان."
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سعاد محمد سلامة
إستيفظت البلده بأكملها على أصوات صافرات إنذار سيارات المطافئ والشرطه
كان الحريق هائل ومنظر النيران مُخيف النيران تلتهم المنزل بالكامل، لن يبقى أحياء بداخل ذالك المنزل، ربما غير ذالك الذى آتى يشاهد المطافئ تتعامل مع النيران
نزل من سيارتهُ سريعاً متلهفاً وحاول الدخول للمنزل لكن قام بعض رجال الشرطه بتقييد حركته،خارت قواه ولم يستطيع الوقوف على قدميه.،جلس راكعاً ينتحب قلبه وهو يرى النيران التى تنهش كل أسرتهُ بداخل كانوا فى إنتظار عودته،هذا يوم تجمعهم العائلى الجميع بالتأكيد إشتعلت أجسادهم،جلس يتحسر وذكرى واحده أمام عيناه يوم مساعدته فى حريق سرايا رضوان الزهار...ها هو يتجرع من نفس لهب النيران هذا هو القصاص الإلهى العادل...مثلما حرق أبرياء إحترق قلبهُ بنفس النيران التى حرقت من ساهم فى حرقهم يوماً،لكن ما أشد هذا القصاص...خسر عائلته التى كان يساهم فى أعمال شيطانيه من أجل أن يبقى لهم سُلطه وسطوه وأموال يأتى لهم بها تجعلهم يعيشون أسياد،ها هم الآن بين الرماد.
....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إستيقظ وسيم أيضاً على نفس الأصوات،نهض من فراشه وبدل ملابسه بأخرى ملائمه للخروج، وخرج من منزل والده وسار ناحية ذالك الدخان الذى يتصاعد رأى رجال المطافئ وبعض سيارات الإسعاف ورجال الشرطه،إستفسر من أحد رجال الشرطه عن ماذا يحدث...أخبره العسكرى بنشوب حريق فى المنزل وأن كل ما به إلتهمتهم النيران،شعر وسيم ببعض الحزن وغادر المكان،أثناء سيره شعر بملل يعرف سببه بالتأكيد الوحده الذى عاد يشعر بها بعد رجوع رامى وزوجته الى السرايا الخاصه بهم فى البدايه أشار عليه عقلهُ بالذهاب الى السرايا وقضاء الباقى من الليل بها لكن بأخر لحظه وجد نفسه أمام منزل هاشم الزهار
بالفعل دخل الى منزل هاشم الزهار
تسحب الى غرفته خلسه دون أن يراه أحد لكن هو كان يعتقد ذالك فهنالك من رأتهُ ولابد أن تنتهز فرصة مجيئهُ الليله.
دخل وسيم الى غرفته وألقى بجسده فوق الفراش متنهداً يهمس بإسم.. ليلى
لكن فُتح باب الغرفه ودخلت تلك الوقحه لمى وأغلقت خلفها الباب.
إستقام وسيم جالساً ونظر الى من دخلت لكن سُرعان ما أخفض عيناه وتنحى عن النظر إليها غض بصرهُ عن تلك التى ترتدى ثياب آشبه بثياب العاهرات وإن كانت ثياب العاهرات تستر عن ذالك الرداء الشفاف الكاشف لجسدها أسفله
تقترب منه ببسمة لعوب غانيه.
نهض وسيم واقفاً وقال:لمى أيه اللى مصحيكى دلوقتي،أكيد أصوات إنذار المطافى والشرطه.
ردت لمى بأدعاء الخضه:فين دول انا مسمعتش أى أصوات أنا أساساً مكنتش نايمه...
قالت لمى هذا ثم مثلت الصعبانيه تقول:أنا من يوم ما بابى قتل مامى وأنا مش بعرف أنام بخاف،رغم إنى مش مصدقه إن بابى يعمل كده أكيد إتجنن فعلاً زى تقرير الطب النفسى ما بيقول،أنا بقيت وحيده،حتى ريما فى اليونان لوحدها هى اللى جهزت لدفن مامى هناك بس هى جنبها فابيو،أنا هنا وحيده وإنت بعيد عنى،رغم إننا مرتبطين ببعض ولازم تكون قريب منى زي فابيو ما هو قريب من ريما وأكيد واساها فى موت مامى.
قالت لمى هذا وأقتربت أكثر من وسيم وكادت تلاصقه،لكن عاد وسيم خطوات للخلف يحذر من إقترابها منه وتنهد يقول:كان لازم تسافرى مع جثمان مامتك لليونان وتكونى جنب ريما توأمك يمكن كنتم قدرتوا تخففوا عن بعض.
إقتربت ليلى من وسيم وكادت تلاصقهُ بجسدها لكن عاد وسيم للخلف
لكن هى لم تيأس وعادت تقترب منه ليس هذا فقط بل قامت بخلع ذالگ المئزر الشفاف عن جسدها ليبقى أمامه جسدها شبه عارياً تحاول إغوائه،لكن وسيم لم ينظر لها وإبتعد عنها،لكن تلك العاهره إقتربت منه وقالت له:
إنت الوحيد يا وسيم اللى يقدر يخفف عنى الحزن والآلم الى بحس بيه،ليه بتبعد عنى إحنا خلاص بقينا قريبين لبعض جداً.
فتح وسيم باب أحدى ضلف الدولاب وقام بأخراج قميص له منه ومد يده وأعطاه للمى قائلاً:خدى إسترى نفسك بالقميص ده يا ليلى.
تعجبت لمى قائله بدموع:أنا لمى مش ليلى، وبعدين عادى إحنا خلاص هنتجوز قريب يا وسيم،وحصل قبل كده بينا علاقه،يعنى عادى لما تشوف جسمى.
رد وسيم: بلاش كذب يا لمى،وأحنا محصلش بينا أى علاقه قبل كده ده وهم بس فى دماغك،على فكره أنا أوضتى فيها كاميرات يا لمى.
نظرت له لمى متفاجئه تقول ببجاحه:إنت بتقول كده دلوقتي علشان تهرب من مسؤليتك إتجاه اللى حصل بينا قبل كده.
رد وسيم بقوه:قولتلك الأوضه فيها كاميرات يا لمى وبلاش تعيشى الدور،ولو مش مصدقانى إن مفيش أى علاقه حصلت بينا،هفرجك بنفسك عالفيديوهات.
فتح وسيم جهار حاسوب خاص به وقام بتشغيل بعض الفيديوهات،
خلف بعضها، تثبت صدق حديثهُ، ليس هذا فقط، بل ذهب الى أحد قام بتشغيل فيديو يصور وقوفهم الآن مع بعضهم، مما جعل لمى تثور وتقول له وهى تحاول إستمالته:
أنا بحبك يا وسيم أنا رجعت لهنا علشانك، أنا حتى سيبت بابى وجيت علشانك، أكيد الكاميرات دى فيها حاجه غلط، إنا متأكده إن حصل بينا علاقه قبل كده.
رد وسيم: لأ يا لمى، وده رحمه لينا إحنا الإتنين صدقينى لو حتى جوازنا كمل مستحيل هيستمر،أنتى عايشه بطباع غربيه،مش معترفه بأى حدود ولا بديانه،عارفه لو متمسكه حتى بالمسيحيه أنا كان ممكن أفكر نرتبط،أنا مسلم وموحد بالله ومعترف بس بالديانات السماويه،إنتى تعتبرى مُلحده يا لمى بتمنى تفوقى من الوهم ده،وتنتمى لأى ديانه سماويه،وقتها هتلاقى راحه نفسيه،لمى أنا غلطت فى وقت لما خطبتك بس الحمد لله ربنا مش رايد ليا الإستمرار فى الغلط ده، مفيش قدامك غير طريق واحد يا لمى، إرجعى إسكندريه وشوفى خالى هشام وحاولى تعرفى حقيقة قتلهُ لمامتك، وإتعظى من الحكايه دى، يمكن لو كنا إستمرينا مع بعض زيهم كان واحد فينا قتل التانى،أو حتى إرجعى لليونان وحاولى تقربى من أختك يمكن تلاقوا مع بعض بدايه جديده ليكم،أنا خلاص حسمت أمرى،أنا بفض الخطوبه اللى بينا.
ردت لمى وهى تنتحب بتمثيل وتقترب من وسيم:أنا بحبك مقدرش أبعد عنك،هعمل كل اللى عاوزه منى،بس بلاش تسيبنى حتى لو عشنا مع بعض بدون إرتباط رسمى.
إبتعد وسيم للخلف بهز رأسه بنفور وقال:انا مش عاوز أجرحك أكتر يا لمى،خلاص بلاش تمثلى عليا،وكمان أنا مش جاهز لأى إرتباط وعمرى ما همشى فى طريق إرتباط غير شرعي،قصتنا خلصت من البدايه وكانت غلطه منى ودفعت تمنها،أنتى عارفه إن وجودك السبب الرئيسي إن بسيب البيت ده وأروح بيت والدى،لو طمعانه يا لمى فى حصتى من ميراث أمى أو من ماما مهره ،هقولك صدقينى تبقى غلطانه.... ماما مهره بسببك حولت كل اللى كان بأسم أمى لحسابها بتوكيل رسمى منى لها كنت عامله قبل ما أسافر إنجلترا، يعنى أنا كل اللى أملكه هو بيت والدى، ومرتبى من الجامعه اللى يعتبر ملاليم بالنسبه ليكى تصرفيه فى ثانيه، قولتلك إنى مش جاهز للأرتباط لا مادياً ولا نفسياً.
تعجبت لمى وقالت: مستحيل عمتو مهره تعمل كده معاك، أكيد فى شئ غلط.
رد وسيم: لأ عملت ده عقاب ليا بعد ما خطبتك وبمساعدة رفعت حولت كل أملاكها تحت سيطرته هو وكمان أملاك أمى.
ردت لمى: رفعت أكيد الى لاعب فى دماغ عمتو مهره، بسبب إن ريما سابته زمان وسافرت اليونان أكيد بينتقم منها.
رد وسيم: بينتقم منها او لأ ميهمنيش غير إنى أفض الخطوبه اللى بينا واقولك إنك هتفضلى بنت خالى وبس، أنا غلطت من البدايه بس بلاش نستمر فى غلط، أنتى جميله وهتلاقى أفضل منى.
نظرت لمى له وقالت: أنا موافقه أعيش معاك فى بيت والدك وكمان بمرتبك من الجامعه....
ضحك وسيم يقول: فرضاً وافقتك هتتحملى قد أيه يا لمى مش أكتر من شهر ووقتها هنوصل للى بقول عليه إحنا مننفعش بعض أنا راجع بيت والدى وهسيب البيت ده أنا كنت جاى صدفه، متوقعتش تكونى صاحيه، بس كويس علشان ننهى كل شئ بينا، خلاص على كده.... تصبحى على خير يا لمى... اتمنالك السعاده.
قال وسيم هذا وغادر الغرفه بل غادر المنزل بأكمله يتنهد بأرتياح...
بينما لمى إنتباتها موجه من الغِل وقامت بتهشيم كل زجاج موجود بالغرفه وكذالك ذالك الحاسوب، ونظرت حولها تتمعن فى أركان الغرفه، كيف وقعت فى هذا الفخ، لكن لا لن تترك وسيم يهنئ مع غيرها، تذكرت، ذلة لسان وسيم حين نداها ب ليلى، تذكرتها سريعاً، هى رأتها يوم زفاف رامى حين خرجت خلفه، ورأت نظرات إعجاب وسيم لها الذى كان يحاول إخفائها،لن يهنئ وسيم ومن ستدفع ثمن تذلُلها له،هى تلك الفتاه...
همست بحقد قائله:ليلى...زى ما إتذللت ليك يا وسيم،ليلى هتذللى علشان أرحمها.
.......ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنزاح الظلام وأتى ضياء نهار جديد
بسرايا الزهار
شعر رفعت بأنفاس زينب المضطربه والتى بدأت تسيقظ من النوم
لكن ظل نائماً وضم جسد زينب بين يديه،لكن زينب فتحت عينيها ونظرت الى وجه رفعت الذى مازال نائماً بملامح هادئه رجوليه وخصلات شعرهُ شبه المجعده المتناثره على جبهته سحبت نفسها وتبسمت على حالها قبل وقت قليل لا يتعدى شهروأيام لو كانت إستيقظت ووجدت رفعت جوارها كانت أيقظته بفظاظه،لكن الآن ها هى من تتسحب من بين يديه بهدوء،بالفعل إستطاعت أن تنسحب بعيد عنه...نهضت من على الفراش وذهبت الى الحمام.
بينما رفعت حين تسحبت من بين يديه فتح عينيه هو الآخر متنهداً يشعر بخواء مازال يريد أن تظل بين يديه ولا تبتعد عنه...
لكن سُرعان ما أغمض عينيه وهو يسمع فتح باب الحمام وخروج زينب من الحمام
زينب التى إقتربت من الفراش ونظرت لرفعت تبسمت حين رأته مازال نائمً،فتحت الدولاب وأخرجت ملابس لها وبدأت ترتديها غير منتبه لعين ذالك العاشق الذى ينظر لها خِلسه الى أن إنتهت من إرتداء ثيابها وحتى ارتداء الحذاء،ثم توجهت الى تلك الطاوله المجاوره للفراش كى تأخذ هاتفها من عليها،لكن بمجرد أن وضعت يدها تلتقط هاتفها تفاجئت بيد تسحبها بقوه تجذبها الى فوق الفراش.
تبسمت زينب بخضه وهى تنظر الى وجه رفعت وقالت:خضيتنى...إنت صحيت إمتى؟
تبسم رفعت الذى إنحنى عليها قام بوضع قُبله على أحدى وجنتيها قائلاً:أنا صاحى من قبلك،وسيبتك تقومى من حضنى بمزاجى.
تبسمت زينب قائله:طب طالما سيبتنى أقوم من حضنك بمزاجك،طب كمل مزاجك بقى وسيبنى أقوم علشان أروح الوحده...أنا قربت أترفد بسبب الأجازات الكتير اللى بقيت باخدها،أنا تقريباً قربت أخلص أجازاتى الإعتياديه،بعد كده الأجازات هتتخصم من مرتبى،والواد مجد خلاص مبقتش عارفه أبلطج عليه وأقلبه فى فلوس...بقى حريص عاوز يحوش فلوس علشان يتقدم للسندريلا بتاعته بعد ما تخلص إمتحانات الثانويه بعد كده هطلب منك إنت .
ضحك رفعت يقول:أنا موافق يا روحى تقدرى تطلبى منى،سبق وطلبتى ربع مليون جنيه ودفعتهم ليكى.
ضيقت زينب عينيها وقالت:دفعتهم لى بعد فِصال،فاكر.
ضحك رفعت يقول:كنت حابب أتكلم معاكى لوقت أطول،رغم كانت طريقتك بجحه وقتها،يعنى بدل ما كنتى تروحى للقسم وتعملى محضر تبتزينى بيه كنتى جيتى لى من البدايه وطلبتى المبلغ كنت هدهولك بدون فِصال،بس وقتها حبيت أشاغبك وأنا من جوايا متأكد إنك مش هتاخدى المبلغ ده لنفسك.
تبسمت زينب وقالت:ده بقى كان حُسن ظن منك،ولا كنت عامل تحريات مُسبقه عنى.
تبسم رفعت يقول:لأ ثقه فيكى ومكنتش أعرف سبب ليها رغم إن شغلى كظابط علمنى أنى مثقش فى مظاهر الناس أساساً،بس أنتى رغم لسانك الطويل كان جوايا إحساس إنك مختلفه عن أى شخص غريب قابلته قبل كده كان جوايا شئ بيشدنى ليكى حابب أقرب منك،وفى نفس الوقت كان فى قلبى إنتقام عامينى.. كنت بقول لأ مفيش مكان ولا وقت للعشق فى قلبى،بس إنتى بسرعه غزيتى قلبى كان جوايا صراع بين نيران العشق والإنتقام.
تبسمت زينب قائله: وأى نيران فيهم اللى فازت؟
رد رفعت وهو ينظر لعينيها: اللى فازت الشجره الطيبه اللى خدتنى تحت ظلها واللى إتنفست من هواها نسيم رد ليا روحي...قبلك كنت عايش من غير روح يا زينب...أنا إسترديت روحي تانى لما بوستك بعد ما فوقت من الغيبوبه...أنفاسك ليا كانت حياه تانيه.
أنهى رفعت حديثه يُقبل كل إنش بوجه زينب ثم عاد لشفاها يقبلها بشوق لا ينتهى...
لكن قطع لحظة العشق صوت هاتف زينب،وعت على حالها ودفعت رفعت بهدوء قائله:أنا كمان مع الآسف وقعت فى حب الهمجى رفعت الزهار...وبقول كفايه كده بقى وتسيبنى أرد على موبايلى.
تبسم رفعت يقول: ومين اللى بيتصل عليكى بدرى كده.
تبسمت زينب وقالت:سيبنى أقوم أشوف مين وبعدها أفكر أقولك مين أو لأ.
تبسم رفعت وقال لها: أنا هعرف مين قبلك.
تبسمت زينب حين إبتعد رفعت قليلاً عنها ومد يدهُ نحو تلك الطاوله وآتى بهاتف زينب ونظر إلى شاشتهُ وقال: دى صفاء.
تبسمت زينب وهى تأخذ الهاتف من يد رفعت وقالت: خلصت تحرياتك يا سيادة الضابط تسمحلى أرد على صفاء.
تبسم رفعت بينما ردت زينب على صفاء بأختصار: تلت ساعه بالكتير وأكون فى الوحده..
قالت زينب هذا وحاولت النهوض من بين يدى رفعت قائله:سمعت بنفسك أهم بيستدعونى للوحده،الوزاره باعته قافله طبيه فيها تخصصات كتير ولازم أكون فى إستقبال القاقله بنفسى.
فك رفعت حصار يديه عن زينب مبتسماً يقول:الوزاره اللى بعتاها ولا مديرة الوحده هى اللى طلبتها عالعموم ترجعى بدرى،ممنوع التأخير زى زمان.
نهضت زينب تُعدل هندامها قائله:براحتى تحكمات زمان إنتهت يا سيادة القبطان.
تبسم رفعت وهو يعتدل على الفراش قائلاً:قبل ما تخرجى إفطرى لدوخى فى الوحده.
تبسمت زينب قائله:لأ إطمن يا رفوعتى صفاء فى الوحده قايمه معايا بالواجب وزياده مامتها مدلعانى،كل يوم تبعتلى معاها فطور بما لذ وطاب...غير كمان كتير بتبعتلى غدا .
تبسم رفعت يقول: بس ده مش يعتبر رشوه يا دكتوره صفاء موظفه عندك فى الوحده.
تبسمت زينب: هو يعتبر رشوه بس أنا باخدها على إنها محبه منها يا سيد رفعت... سلام بقى.
قالت زينب هذا وقامت بإلقاء قُبله فى الهواء لرفعت.
تبسم رفعت يقول بمكر: البوسه موصلتش لازم تعيدها بس قربنى منى شويه.
تبسمت زينب قائله: لأ مش مهم توصل دلوقتي لو قربت هتأخر، سلام بقى أشوفك المسا.
تنهد رفعت وهو يستريح بجسده فوق الفراش بعشق،تلك الطبيبه بدلت حياته من نقيض الى نقيض آخر تلك السعادة التى يشعر بها أطفئت نيران الإنتقام بقلبه.
بمناسبة نيران الإنتقام ها هو هاتفه يصدح...إستقام رفعت وجذب هاتفه نظر للشاشه،وقام بالرد:أهلاً يا محمود خير بتتصل عليا بدرى ليه؟
رد محمود بتعجب:غريبه أنا فكرت إنك إنت اللى كنت هتتصل عليا تقولى على اللى حصل عندك فى الزهار،بس يظهر إنك لسه نايم فى فترة النقاهه اللى كنت فيها الأيام اللى فاتت مع الدكتوره.
تبسم رفعت يقول:وأيه اللى حصل فى الزهار بقى قولى أنا يادوب راجع إمبارح المسا.
تبسم محمود:ما اللى حصل حصل بالليل،بيت نجيب الكفراوى ولع.
نهض رفعت جالساً يقول:بتقول أيه؟!
رد محمود:من كام ساعه بيت نجيب الكفراوى ولع ومش بس كده تقريباً كل عيلته كانت فى قلب البيت ومحدش خرج منهم حى،غيره هو،واضح أنه كان يوم إجتماع العيله وكانوا فى إنتظاره وهو شكل تأخيره كان عمد،علشان يوصل بعد النيران ما تكون شعللت فى البيت.. والتحريات المبدئيه اللى وصلتنى إن سبب الحريق تسريب غار.
تفاجئ رفعت يقول:يعنى عندك شك إن النيران مترتب لها؟
رد محمود:بالتأكيد...شكوا فى سبب زيارته ليك وإنت مريض فى الوحده،وأكيد هاشم ممكن يكون لعب فى دماغ فابيو إن نجيب ممكن يكون خاين وبسهوله ممكن يبعهم لك،خصوصاً بعد نجاتك من الهجوم اللى حصل،وقلب الموازين كلها بدل ما كان هيظهر قوة فابيو،بالعكس طلعت قوته قش ولع وإنتهى ومسابش أثر مكانه، رغم إن الحظ اللى ساعدك فى النجاه من الهجوم ده.
رد رفعت:والشخص المزوع فى اليونان مقالش أيه آخر أخبار فابيو.
رد محمود:لأ بلغنى فابيو خد ريما وإبنه وراحوا رحله فى جزيزه فى اليونان،مش عارف ليه حاسس إن فى فخ هو بيحضر له،عالعموم خد حذرك واضح فى تصفيات كبيره هتتم بعد قتل هشام لچاكلين.
رد رفعت: أنا لغاية دلوقتي مش مصدق إن هشام هو اللى قتل چاكلين،فى شئ غلط،يأما فعلاً هشام إتجنن زي مقولتلى!
رد محمود:فعلاً هشام فقد الأهليه نهائياً أكتر من دكتور كشفوا عليه وأكدوا إن عقله إختل وتم تحويله لمشفى نفسى تحت حراسه مشدده لحد ما يتم إلانتهاء من مدة الحبس الإحتياطى وبعدها هنشوف حكم القضاء عليه،واللى يخليك تستجب موقف بناته الإتنين منه،واحده فى اليونان مع فابيو،والتانيه عندك فى الزهار ولا كأن ده باباهم وحتى مقوموش له محامى يدافع عنه.
رد رفعت:بناته أقذر من منه هو ومامتهم،وده رد فعل طبيعى بحُكم تربيتهم على الانانيه وحب الذات والسيطره.
رد محمود:تمام أى معلومات هتوصلنى هبلغك بيها وأنت كمان تابع حريق بيت النايب وأى تفاصيل توصلها بلغنى...بالسلامه
أغلق رفعت الهاتف يُفكر فى قول زينب التى قالته له قبل أيام أثناء إصابته بالوحده"سيبهم لأنتقام ربنا يا رفعت إنتقامه منهم هيكون أقوى من إنتقامك"
حقاً إنتقام ربنا أقوى من أى إنتقام
ها هو النائب الذى ساهم فى حريق أبيه وأمه وأخته...إحترقت عائلته بأكملها أمام عيناه بماذا فادتهُ تلك السُلطه الذى حرق من أجلها يوماً هل أوقفت إشتعال النيران بأسرته...
وهشام الذى طمع بجزء من ثروة أبيه،لم ينالها وفقد ثروته وليس فقط ثروته فقد تلك العاهره التى كان يعشقها وكانت من ضمن أسباب إشتراكهُ فى حريق السرايا،ماذا جنى من الطمع...فقد عقلهُ وإبنتاه تخلي عنه وتركناه لمجهول ينتظره.
حقاً زينب هديه أرسلت له بوقتها المناسب يستظل بعشقها.
......ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد الظهر
بمرسى مطروح.
بذالك الهنجر
دخل فابيو وتبسم وهو يجد هاشم يجلس يمسك نصلاً حاد يقطع به قطع من اللحم.
تحدث يقول:أتمنى أن تكون حفلة الشواء لذيذه
ردت عليه تلك التي دخلت خلفه:تكون لذيذه حسب نوع اللحم.
تبسم فابيو وهو ينظر خلفه لتلك الوقحه التى إقتربت منه تحتضنه بألفه.
تبسم فابيو وهو يعانقها قائلاً باليونانيه:إشتقتُ لكى ألما،ظننت إنكى وجدتى العشق هناك بالزهار ولن تعودى معانا مره أخرى.
ردت لمى:لا لم أجد العشق،لكن لن أدع ذالك الحقير الوضيع وسيم يهنئ بعدى...ستدفع ثمن رفضه لى تلك الحمقاء الذى يهواها أيظن أننى حمقاء ولا أعرف بها.
تبسم فابيو يقول:حسناً لنجلس الآن ننتظر نضوج لحم الشواء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالوحده عصراً
جلست زينب خلف مكتبها تشعر بأرهاق وإنهاك وتلك الدوخه التى أصبحت تشعر بها كثيراً بداخلها شك بوجود خطبٍ ما بها لكن تكذب ذالك الإحساس خشية أن يكون وهم تتعلق به.
لكن تبسمت وهى تسمع رنين هاتفها هى على عِلم بمن يتصل بها، وها هو كما توقعت.
فتحت الهاتف وقامت بالرد تسمع الى صوت رفعت الحانق الذى يقول: خلاص قربنا عالمغرب الدكتوره مش عارفه إن عندها بيت وزوج فى إنتظارها... سبق وحذرتك إن للتأخير عقاب.... لو إتأخرتى هيبقى فى عقاب جديد غير السابق.
تبسمت زينب قائله: أولاً إحنا لسه الساعه مجتش أربعة العصر ومن إمتى إلتزمت يا سيد رفعت بمواعيد... وهتأخر براحتى وعاوزه أعرف عقابك الجديد أيه.
قهقه رفعت يقول: شكل الدكتوره إتغرت فيا الأيام اللى فاتت كنت مدلعها... لأ يا دكتوره بلاش تتغرى.... ولو إتأخرتى هتشوفى العقاب الجديد.
صمت رفعت لثوانى ثم قال بوقاحه: لوإتأخرتى عن الساعه سبعه سبعه ودقيقه هتلاقينى عندك فى الوحده وهبوسك قدام كل اللى فى الوحده ونطلع من الوحده مباشر على كل مواقع النت.
ضحكت زينب قائله: وفر وقاحتك يا همجى الساعه سبعه الوحده بتبقى شبه فاضيه.
تبسم رفعت يقول بتفكير: أها علشان كده واثقه من نفسك.... تمام يا روحى هجيلك دلوقتى أهو هلاقى الوحده شغاله.
تبسمت قائله: أنا بقول تخليك فى الخيل اللى عندك وتسيبنى أكمل شغلى إنت معطلنى برغيك فى الفاضى...متخافش مش هتأخر بس مش علشان خايفه من عقابك قبل كده كنت بهرب من واحد همجى بأنى أشتغل لوقت متأخر غير إنى كنت بحب أستفزه... بس للأسف الهمجى ده عرف يخترق قلبي.
تبسم رفعت بزهو يقول: والشرسه كمان الهمجى عشقها بس للأسف مش عارف يروضها.
تبسمت زينب قائله: الشرسه جامحه وغير قابله للترويض وطالما عجباك لازم تقبل شراستها.
تبسم رفعت يقول: مش بس قابل شراستها أنا بعشقها، بلا هسيبك تخلصى شغلك ومتتأخريش، بتوحشينى وإعملى حسابك لو إتأخرتى العقاب هيكون هحبسك فى أوضة النوم ومش شغل بكره هنروح نعمل فحص طبى شامل.
تبسمت زينب قائله: متاخفش مش هتأخر واضح الأجازه اللى أخدتها الفتره اللى فاتت أثرت علي طاقتى وتعبت من الشغل بسرعه ومحتاجه فعلاً للفحص ده ، يلا أشوفك المسا.
***....
أنهت زينب الحديث مع رفعت على الهاتف ثم وضعت الهاتف أمامها على المكتب تتنهد ببسمه لكن مازالت تشعر بذالك الدوار اللعين....
دخلت عليها صفاء تقول: الوحده النهارده شكلها مش هتفضى، كل ده بسبب اللجنه الطبيه اللى فيها كل التخصصات اللى الحكومه بتبقى تبعتها من فتره للتانيه، كانت قبل كده الدكاترة بتجى ساعتين وتمشى، لكن النهارده من الصبح وهما شغالين، شكل وشك أصفر يا دكتوره وخايل عليا وعندى شبه يقين إنك حامل.
نظرت لها زينب قائله: أيه بتنجمى ولا أيه يا صفاء.
ردت صفاء: لأ مش بنجم يا دكتوره، وإسمعى كلامى، فى فى اللجنه الطبيه دكتورة نسا مش هتخسرى حاجه لو طلبتى منها تكشف عليكى، ولو طلع شكى صحيح هاخد الحلاوه مش بس منك كمان من رفعت بيه... ده أكيد يوم المُنى عنده.
تبسمت زينب لديها شك لكن....، لماذا لا تنهى هذا الشك باليقن على أى إتجاه.
نهضت زينب قائله: هسمع كلامك يا صفاء، وهروح أستغل إنى مديرة الوحده وأخلى الدكتوره تكشف عليا ببلاش.
تبسمت صفاء وقالت لها: وهى الدكتوره تطول إنها تكشف عليكى، ده شرف ليها.
تبسمت زينب تُخفى ذالك الخوف أن يصدق إحساسها أنها ليست حاملاً.
بعد دقائق كانت زينب ممده على الفراش أمام الطبيبه تقوم بالكشف عليها.
تحدثت الطبيبه: عملتى إختبار حمل قبل كده يا دكتوره.
ردت زينب: لأ
تحدثت الطبيبه : أنتى متجوزه من أمتى يا دكتوره.
ردت زينب: من حوالى أربع شهور عارفه أنها مده قليله إنى أقلق انى مكونش حامل بس أنا....
قاطعتها الدكتوره قائله: مبروك يا دكتوره أنتى حامل الجهاز اللى هنا مش متطور مقدرش أحدد من كام شهر بالظبط.... بس غريب إزاى دكتوره ومش عارفه إنك حامل، حتى المفروض يكون عندك شك فى تغير هورمونات جسمك.
شعرت زينب بأحاسيس مختلفه ممزوجه بالفرح الشديد.... تذكرت كم مره خافت أن تكون عاقرا... حتى تلك الأحاسيس التى كانت تشعر بها وتكذبها تخشى أن يكون وهماً
نظرت زينب للطببه وقالت لها: متأكده إنى حامل.
تعجبت الطبيبه من شك زينب وقالت لها: متأكده بس ليه مش مصدقه انك يا دكتوره عندك شك فى مهنيتى، على فكره انا بمارس الطب وتخصصى نسا وتوليد من أكتر من خمستاشر سنه يعنى قبل أنتى ما تدخلى الثانويه.
تبسمت زينب وقالت: مش قصدى تشكيك فى مهنيتك يا دكتوره.
تحدثت صفاء التى دخلت: ها قوليلى البشاره يا دكتوه أنا كنت واقفه بره على ما تكشفى عالدكتوره.
تبسمت الطبيبه وعادت قولها بتأكيد: الدكتوره مش مصدقه إنها حامل ومكدبانى.
تبسمت صفاء ودون إنتظار كانت تزغرط بفرحه عارمه تقول:
شكى طلع صح يا دكتوره وهاخد حلاوة البشاره منك ومن رفعت بيه كمان.
قالت صفاء هذا وعاودت الزغاريط
بينما زينب مازالت مذهوله.... وتذكرت ذالك الحديث الغبى التى قالته ل رفعت ذات يوم حين واجته أنها لا يهمها إن كان لديه طفل من أخرى، وكذبت وقتها حين قالت أن الأمر لا يعنيها بل كان بداخلها شعور بالنقص حاولت إخفاؤه وهى تدعى عدم الأهتمام لذالك.
... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوالى الرابعه والنصف عصراً، بالوحده الصحيه
دخلت إحدى سيارات الإسعاف الخاصه بأحدى الجمعيات الأهليه ونزل منها شاب مهندم بزى طبيب إسعاف، ودخل بلهوجه الى الوحده حتى أنه إصتطدم مع صفاء أثناء سيره، كادت صفاء تقع لكن سندت على إحدى الحوائط وقالت:
مش تحاسب يا أخ وأنت مين وداخل الوحده بلهوجه كده ليه،إنت مع القافله الطبيه،متخافش القافله لسه فى الوحده.
رد عليها: لأ أنا مش تبع القافله... ممكن تدلينى على مكتب مديرة الوحده... ضرورى من فضلك بسرعه مسألة حياه أوموت إنسان.
ردت عليه صفاء: إتفضل معايا، مكتب الدكتوره قريب من هنا.
ذهب ذالك المُسعف خلف صفاء التى سارت جواره تُماشى خطواته سريعه،قبل أن تطرق زينب الباب،طرق هو على الباب،وفتح بعد أن اذنت له زينب.
دخل متلهفاً يقول:حضرتك مديرة المستشفى من فضلك يا دكتوره أنا محتاج مساعده علشان مريض وحالته سيئه للغايه وأهله ناس غلابه على قدهم أنا بشتغل مُسعف فى أحد الجمعيات الخيريه،بس للاسف ملقتش له مكان فى مستشفى قريبه هنا ممكن تستقبليه هنا بس على ما أدبر له مكان فى مستشفى خاصه قريبه،المسأله ساعه بالكتير،أكون كلمت حد من مُدريرين الجمعيه الخيريه يتكفل بحالة المريض،هو واضح أنه مريض قلب ومحتاج لأوكسجين وعنايه خاصه...معايا التقرير الطبى الخاص بحالته فى عربية الإسعاف،أنا مكنتش أعرف سوء حالته بالشكل أهله طلبوا عربية إسعاف من الجمعيه ومقالوش عن حالته،بس هو حالته حرجه جداً ربنا يستر.
نهضت زينب من خلف مكتبها وقالت:عندنا فى الوحده غرفة عنايه خاصه وكمان فيها أجهزة أوكسچين بسرعه تقدر تدخل المريض اللى معاك.
تنهد المُسعف يقول:متشكر قوى يا دكتوره،ممكن تجى معايا لعربية الإسعاف علشان تمضيلى على إستلام المريض وكمان تاخدى التقرير الطبى الخاص بالمريض.
قالت زينب له:أنا هطلب منهم إستقبال المريض فى عناية الوحدهوهات التقرير الطبى لهنا.
تحدث المُسعف:على ما تطلبى من المسؤلين عن العنايه نكون دخلنا المريض للعنايه،وجودك أفضل من طلبك منهم الثانيه ممكن تفرق فى حياة المريض.
ردت زينب:تمام أنا جايه معاك خلينا نتصرف بسرعه علشان حياة المريض الثانيه بتفرق فعلاً.
سارت زينب جوار المُسعف.
لكن ساق صفاء فضولها المعتاد وسارت بعدهم ببضع خطوات.
توقف المُسعف أمام باب سيارة الإسعاف وقام برش رذاذ على وجه زينب مما جعلها تتنرنح، وفى ثوانى كان هناك من ساعد المُسعف فى حملها وإدخالها لسيارة الإسعاف ودخل المُسعف سريعاً وأغلق الباب وإنطلقت السيارة بسرعه البرق تغادر الوحده.
ذُهلت صفاء من ذالك الموقف وقامت الصُراخ إستنجاداً بمن فى الوحده لكن هيهات فهى خطه مُحكمه ونحجت، قبل أن يتجمع من بالوحده كانت السياره خرجت من الوحده وأصبحت على الطريق تسير بسرعه رهيبه.
.... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالسرايا
مازالت مروه تشعر بتقلصات قويه فى بطنها منذ الصباح هاتفت الطبيبه وسألتها عن علاج لتلك التقلصات قالت لها أنه من الأفضل الذهاب إليها ومعاينتها الآن، قامت بالإتصال على والداتها تخبرها أن تذهب لها لتذهب معها الى عيادة الطبيبه ولم تخبرها عن تلك التقلصات التى تشعر بها، لكن والداتها قالت لها أنها ليست بالمنزل، هى ذهبت الى مشتل خالها بطعام الغداء له وللعمال العاملين معه...
أغلقت الهاتف مع والداتها وشعرت بزيادة تلك التقلصات،لا ليست فقط تقلصات هنالك شعور بشئ ساخن يسيل بين ساقيها،نظرت لساقيها تفاجئت بدماء تسيل منها،إنخضت وقاومت ذالك الوجع وقامت بالإتصال على رامى،الذى رد عليها سريعاً،قالت له:
رامى إلحقنى أنا بنزف وحاسه بوجع جامد فى بطنى.
رد رامى: أنا جاى فوراً،مروه بلاش تتحركى كتير.
بالفعل ما هى الإ دقائق وكان رامى يدخل الى السرايا سريعاً يصعد درجات السلم برجفه،رأته جدته وقالت:مالك يا رامى فى ايه بتجرى كده ليه ؟
لم يرد رامى وهرول سريعاً الى الجناح الخاص به ودخل، وقف لثوانى مذهولا وهو يرى مروه جالسه أرضاً جوار الفراش تبكى بتآلُم وأسفلها بؤرة دماء...لم يفكر لثوانى وذهب إلى مكان جلوسها وقام بحملها سريعاً وخرج من الجناح
فى ذالك الوقت كانت قد دخلت إنعام للغرفه ورأت جلوس مروه، شعرت بسوء هذا تفسير جزء من حلمها البغيض الذى تكرر لأكثر من مره فى الايام الماضيه، فجأه تذكرت جزء آخر من الحلم...
زينب... وسط نيران فوق المياه، شعرت إنعام بدوخه، لكن تمسكت بمسند أحد المقاعد بالجناح وفرت دمعه من عينيها وطلب الرآفه فى القادم من الله، هى لم تعد قادره على خسارة أحد ممن تحبهم... يكفيها عذاب ما مرت به سابقاً، تعلم أن نسيانها لبعض الذكريات المريره جعلها تشعر بهدوء فى قلبها، لكن حين تعود لذاكرتها تلك الذكريات،تتمنى أن يُخلصها الموت من هذا العذاب الذى يفتك بقلبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ........
بجامعة ليلى بحوالى الرابعه والنصف
اليوم هو اليوم الأخير فى الإمتحانات
راقب وسيم ليلى عن قُرب اليوم سيعترف لها بحبه ويعتذر منها عن سوء الفهم الذى حدث منه
خرجت ليلى من اللجنه تسير مع بعض زملائها وكذالك ذالك الشاب الذى يشعر بنيران حين يراه قريب منها
نادى وسيم على ليلى أثناء سيرها معهم،
تركتهم وذهبت إليه
دخل الى غرفة مكتبه وقال بصرامه: مين الشاب اللى ملازم ليكى دايما ده يا ليلى؟
ردت ليلى ببساطه: ده زميل ليا، سبق وقولتلك وبعدين مالكش خق تسألنى السؤال ده... ولو كنت منادى عليا علشان كده ، يبقى عن إذنك الوقت قربنا عالمغرب لازم الحق ارجع البلد علشان الاقى موصلات.
تمالك وسيم عصبيته وقال: ليلى ممكن نخرج نقعد فى أى مكان بعيد عن الجامعه نتكلم شويه، هو مسألة نص ساعه مش أكتر و...
قاطعته ليلى بحده قائله: عاوزنى أخرج معاك ونقعد فى كافتيريا أو كافيه بصفتك أيه، واضح إن معاشرتك الأجانب سابت أثر كبير عندك، يا دكتور يا متحضر عن إذنك.
قالت ليلى هذا وتوجهت الى باب المكتب لكن تحدث وسيم بحده هو الآخر: وكلامك لزميلك اللى لازق ليكى دن مش تحضر برضوا.
ردت ليلى:أنا بكلمه بس فى داخل الجامعه بره الجامعه حتى مش بمشى معاه لوحدى وعمرى من يوم ما دخلت للجامعه ما قعدت مع زميل ليا لوحدى فى أى كافيتريا عامه بنبقى مجموعة زمايل بنات وشباب ،كل كلامنا بيكون عن الجامعه وعن دراستنا فقط عن أذنك.
غادرت ليلى الغرفه وتركت وسيم الذى تبسم وتنهد بإرتياح رغم تهجم ليلى فى الرد عليه، لكن أراحت قلبه، أنه لايوجد لديها مشاعر خاصه ناحية هذا الشاب،إذن أصبح الطريق مُمهد حتى ولو كان بنسبة خمسون بالمئه هو يعلم من أين يُكمل باقى الطريق،
لكن
خرجت ليلى من غرفة وسيم توجهت للخروج من الجامعه،وجدت إحدى زميلاتها كانت بإنتظارها،سارتا الإثنتين معا بالطريق من أجل الذهاب الى موقف الموصلات،لكن فجأه بالطريق،سيارة إسعاف قطعت عليهن الطريق،وتوقفت ونزل منها شابين ملثمين،وفى ظرف دقيقه واحده كانا يحملان ليلى بسرعه وأدخلاها الى سيارة الإسعاف،وانطلقت بعدها السياره تكاد تصطدم بالماره فى الشارع لولا تفاديهم لها، فى ذالك الوقت كان يخرج وسيم من الجامعه وسمع صراخ زميلة ليلى، توجه بسيارته سريعاً ونظر لزميلتها التى قالت ليلى عربية الإسعاف دى خطفتها وجريت.
لم ينتظر وسيم وتتبع سيارة الإسعاف.
.... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخبر السئ لا ينتظر وقت للوصول لصاحبه.
ها هو رفعت، جاء إليه خبر من ذالك المسؤل عن سلامة زينب يخبره بما حدث هاتفياً... تعصب رفعت كثيراً وأغلق الهاتف وخرج سريعاً من الإستطبل متوجهاً الى الوحده الصحيه، فى ظرف دقائق كان يقف مع ذالك المسؤل... يوبخه، لكن يقف صامتا بخزو لا يستطيع الرد على رفعت
لكن آتت صفيه الى مكان وقوف رفعت وقالت له وهى تبكى... الدكتوره خطفوها من قلب الوحده يا رفعت بيه والله أنا مرتاحتش للكلب اللى دخل للوحده، هو ده جزائها الكلب قالها انه معاه حالة مريض صعبه وهى بطيبتها طلعت علشان تساعده أتاريه كان فخ لها وقام رش على وشها معرفش أيه داخت وكانت هتقع، بس فى واحد تانى فى عربية الإسعاف، شدها قصادها وقبل حتى ما يقفلوا باب عربية الإسعاف كانت جريت وطلعت من الوحده... أنا خايفه قوى عالدكتوره هى واللى فى بطنها،من الكلاب دول.
نظر رفعت لصفاء وقال: أيه اللى فى بطن زينب؟
ردت صفاء: الدكتوره حامل، دكتورة النسا اللى كانت فى القافله الطبيه كشفت عليها النهارده وأكدت إنها... حامل.
رفعت مصدوم مما سمعه من صفاء
زينب خُطفت وليس هذا فقط
زينب حامل!
سريعاً
رن هاتفه برساله فتحها كانت من رامى الذى يخبره: رفعت أنا فى المستشفى مع مروه جالها نزيف شديد وإحتمال كبير تكون أجهضت.
المصائب لا تأتى فرادى هو ها هاتفه يرن والمتصل وسيم فتح الخط أمامه ليسمعه يقول:رفعت ليلى إتخطفت من قدام الجامعه وأنا ماشى وارء عربية الإسعاف اللى خطفتها.
عاد رفعت بعقله كلمة وسيم وقال له بلهفه: وسيم خليك وراء عربية الإسعاف زينب كمان إتخطفت وإحتمال كبير تكون فى العربيه مع ليلى، أوعى العربيه تتوه منك وخليك معايا على إتصال وأنا هجيلك بسرعه.
........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ💜ـ
عارفه انى بقيت بتأخر، والله الظروف عندى فوق بعضها وآخرها إبن أختى اللى رعبنا كلنا وهو لمض وراح يتساير مع الممرضه عند الدكتور ويقولها انا مش حاسس غير بشوية صداع، فى دماغى، ودماغه مفتوحه وعضمة راسه ظاهره كمان وخد أربع غُرز بس.. فكرنى والله بسهر لما إتكهربت ودماغها اتفتحت،
المهم...
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سعاد محمد سلامة
تتبع وسيم سيارة الإسعاف، حافظ على وجود مسافة بينه وبينها حتى لا يلفت انتباه من بداخلها أن هناك من يتتبعهم. تعجب وسيم حين دخلت سيارة الإسعاف إلى جراج خاص بإحدى مستشفيات الجمعيات الأهلية. اقترب من الجراج ودخل خلفهم بعد أقل من دقائق.
في نفس الوقت، عبر الطرقات كان رفعت يقود سيارته سريعاً متوجهاً إلى ذلك المكان الذي يدله عليه وسيم عبر الهاتف.
بأحد المشافي، كان رامي يقف أمام باب إحدى الغرف. وقع بصره على ملابسه الملطخة بدماء مروة، يشعر بخوف أن يفقد جنينهما باكراً.
بالعودة لسيارة رفعت.
كان يقود بسرعة عالية جداً، بالكاد يستطيع تفادي السيارات أمامه، حتى أنه سار بطرق مخالفة، عكس سير الطريق. جملة صفاء هي الملازمة لعقله: "الدكتورة قالت للدكتورة زينب أنها حامل مش أقل من شهرين ونص".
كيف زينب كانت حاملاً دون أن تشعر بذلك؟ وهناك احتمال آخر، ربما كانت تعرف وأخفت عليه ذلك. ظنون تستولي على عقله، والظن الأقوى: زينب في خطر. لا، ليس ظناً بل يقيناً. عادت نفس الجملة تطن برأسه، وتذكر تلك الليلة التي أخبرته فيها أنه لا يهمها إن كان لديه طفل من ريما.
***
قبل الهجوم على السرايا بثلاث ليالٍ.
في حوالي التاسعة والنصف ليلاً.
دخلت زينب إلى غرفتها وأشعلت ضوء الغرفة. لكن بمجرد أن استدارت للحظة، انخضت حين رأت رفعت يجلس فوق الفراش ويضع ساقاً فوق أخرى.
ابتلعت ريقها وقالت: "رفعت قاعد هنا ليه في أوضتي وكمان في الضلمة؟"
نهض رفعت واقفاً ينظر لساعة يده قائلاً بحنق: "الساعة تسعة ونص ولسه راجعة دلوقتي من الوحدة. مش ملاحظة الوقت؟"
ردت زينب بلا مبالاة: "عادي، المفروض إني دكتورة وقبل ده كمان مديرة الوحدة، وكان فيه ناس من أهل البلد تعبانين وأنا كنت بأدي التزامي وواجبي."
اقترب رفعت من زينب ومسك عضدي يديها وجذبها عليه قائلاً بعصبية: "زينب، قبل كده بلغتك ترجعي قبل المغرب للسرايا. وهاشم الزهار كان بيعمل إيه عندك في الوحدة."
نفضت زينب يدي رفعت عنها بعنفوان قائلة: "من إمتى سمعت كلامك ورجعت لاسوار الحصن بتاعك؟ أنا ما بصدق أخرج منه وببقى مش عاوزة أرجعله. وبعدين إيه عرفك إن هاشم الزهار كان في الوحدة النهاردة؟ إيه مشغل حد يراقبني في الوحدة؟"
جذب رفعت زينب مرة أخرى وقام بتقبيل شفتيها بقوة. ليس هذا فقط، بل ألقاها على الفراش واعتلاها وعاود تقبيلها بغيظ.
للحظات تفاجئت زينب بما فعل رفعت، ثم تمالكت نفسها وقامت بدفع جسده عنها بقوة تلهث قائلة: "أبعد عني يا رفعت، مش عاوزة أأذيك."
عقل رفعت يكاد يذهب منه. نيران العشق تتحكم به. تلك النيران أقوى وأقسى من أي نيران أخرى. نيران الانتقام تنهش العقل والقلب. أما نيران العشق فهي تنهش الفؤاد والروح.
عاودت زينب الحديث بقوة وهي تدفعه بقوة لاهثة: "بقولك ابعد يا رفعت وافتكر إني حذرتك قبل كده."
قالت زينب وكانت سترفع ساقها، لكن فجأة نهض رفعت من فوقها.
نظر لها يلهث قائلاً: "بقولك هاشم الزهار كان عندك في مكتبك في الوحدة، عاوز إيه؟"
هدأت زينب قليلاً من نفسها وجلست على الفراش. قالت ببساطة: "تعبان وجاي يكشف."
نظر لها رفعت وقال بسخط: "هاشم الزهار تعبان ورايح الوحدة يكشف؟ من قلة الدكاترة ولا من قلة الفلوس معاه؟ بقى مُعدم مش قادر يدفع تمن فيزيتا لدكتور في عيادته؟ ولا يمكن فيه سبب تالت عنده؟"
نهضت زينب من على الفراش وادعت البرود وقالت: "معرفش، أسأله. أنا مالي؟ أنا جالي مريض أديت واجبي وكشفت عليه."
تعصب رفعت وقال بسخرية: "وياترى طلع مريض بإيه؟ أقولك أنا هو مريض بإيه؟ هو مريض بالدكتورة اللي سمحت لنفسها تكشف على شخص حقير وقذر زي هاشم الزهار. أنا متأكد إنك فاهمه نظراته ليكي، وإنه بيتحجج بالمرض علشان يجي يشاهد في جمالك ويتسلى معاكي."
ردت زينب بعصبية: "رفعت، افهم معنى كلامك. قصدك إيه إني مبسوطة بنظرات هاشم ليا؟ أنا مش بسمح لأي شخص يزيد عن حده معايا. الوحيد اللي..."
صمتت زينب قبل أن تكمل وتقول له أنه هو الشخص الوحيد التي سمحت له أن يزيد عن حده معها، بل وأحياناً تدعي التذمر والضيق من أفعاله، لكن بالحقيقة تكون مستمتعة بأفعاله معها.
نظر رفعت لزينب وقال: "كملي، الوحيد اللي إيه؟"
ردت زينب: "مالوش لزوم أكمل. قول إن كل عصبيتك دي إني كشفت على هاشم الزهار. ليه بتكرهه قوي كده؟ في بينك وبينه إيه؟"
صمت رفعت وهو ينظر لزينب. لكن تحدث عقله: "أيوه بكرهه. ولو بإيدي كنت ولعت فيه حي واستمتعت كمان وأنا بشوفه بيتعذب وهو النار بتاكل في جسمه."
نظرت زينب لعين رفعت الصامت وتحدثت بعينيها: "رفعت، إنت غلطان. النار دي هتحرقك زيه بالظبط."
ردت عين رفعت: "أنا قابل بالنار دي، بس قبل ما أتحرق أشوفه بيتحرق ويشفي قلبي من الألم اللي عشت فيه سنين."
ردت زينب بعينيها: "وأنا يا رفعت، مفكرتش فيا؟ مش خايف أتحرق بعدك؟"
بعد رفعت عينيه عن زينب وقال بإنهزام أمامها: "اعملي اللي إنتي عاوزاه يا زينب."
تعجبت زينب قائلة: "أنا فعلاً هعمل اللي عاوزاه يا رفعت، وخلاص قدمت على طلب نقلي من هنا، لأي مكان تاني."
نظر رفعت لها وقال: "قصدك إيه بطلب نقل؟ مين هيسمحلك تمشي من هنا؟ ناسيه أنا مين؟ أنا بإشارة مني أوقف أي طلب نقل قدمتيه، ومش بس كده، أوقفك عن العمل وألزمك متخرجيش من السرايا."
نظرت له زينب وقالت: "يعني هتحبسني؟ هنا بين الأسوار دي؟ بس بدل ما تحبسني أنا وسط أسوارك العالية، هات ابنك من اليونان، يمكن أما تبص في وشه تنسى الانتقام اللي في قلبك، وتفكر في مستقبله من دونك."
تقرب رفعت من زينب وأمسكها من معصمها، وجذبها بقوة تسير خلفه، إلى أن دخلا إلى غرفة نومه.
حاولت زينب سلت معصمها من يد رفعت، لكن رفعت كان يطبق عليه بقوة، ولم يتركها إلا بعد أن دخلا إلى غرفته.
ترك يدها وتوجه إلى دولاب الملابس الخاص به وفتح خزنة بضغطة معينة من فوق شاشة هاتفه وكلمة سر كتبها على لوحة الخزنة، ثم قام بإخراج أحد الملفات الخاصة. مد يده بالملف لزينب قائلاً: "بما إنك دكتورة، أكيد هتفهمي المكتوب. اقري الفحص ده، وركزي في التواريخ اللي فيه كويس."
من باب الفضول لدى زينب، قرأت ما بالملف وركزت على التواريخ، وقالت: "ده فحص جينات وراثية DNA وكمان ملف صحي كامل لطفل."
رد رفعت: "ركزتي في التواريخ؟"
ردت زينب: "مش فاهمة تقصد إيه يا رفعت؟ قولي دغري؟"
أخرج رفعت ملفاً آخر وقام بإخراج ورقة منه ومد يده بها لزينب وقال: "دي قسيمة طلاقي من ريما، وعندك التاريخ قبل ولادة ابن ريما بسنة كاملة. ده غير إن الملف اللي معاكي ده الملف الطبي الخاص بابنها من يوم ما اتولد واللي اتولد قبل ميعاده الطبيعي بأكتر من شهر، وأنا معرفش السبب إيه. غير إنه فضل في الحضانة أكتر من شهرين وإن اسم الأب فابيو جونزاليز، والأم ريما جوانزاليز، وإثبات فحص الجينات الوراثية بابنهم جاكي فابيو جوانزاليز."
شعرت زينب بسعادة بداخلها لا تعلم سببها، لكن طن برأسها قول والدة سميح أنها قد تكون عاقراً. فهي منذ أن بلغت الحيض لم تكن منتظمة لديها، كانت تغيب بالأشهر وتعود لأيام قليلة. لم تكن مثل باقي الفتيات. وحين استشارت إحدى الطبيبات المتخصصات، أرجحت ذلك بسبب إصابتها بداء السكري منذ طفولتها، ربما أثر على هرموناتها الجسدية. كما أن هناك لبعض الفتيات طبيعة خاصة بأجسادهن، وقد يؤثر ذلك على الإنجاب أو لا. كل شيء بيد الله.
شعرت زينب بدوخة، وخشيت أن يختل توازنها وتقع أمام رفعت. أغمضت عينيها ثم فتحتها وقامت بمد يدها لرفعت بالملف والورقة اللذين أعطاهما إياهم، وقالت له بإدعاء البرود:
"مش مهم إني تكون عندك ولد من ريما أو لأ. مش مهم الموضوع ده من أساسه. دي حياتك وإنت حر فيها. المهم تكون بعيد عني."
قالت زينب هذا وخرجت من الغرفة، تاركة رفعت يكاد قلبه يخرج من بين ضلوعه خلفها. جلس رفعت فوق الفراش يزفر أنفاسه بغضب.
نهض فجأة وفكر في الذهاب خلف زينب ويشكي لها من قسوة تلك النار بصدره، بلمسة يد منها قادرة أن تهدأ لهيبها المشتعل.
لكن فجأة لام نفسه قائلاً: "بلاش ضعف يا رفعت، من الأفضل أن زينب تبعد عن حياتك. وجودها بيضعفك. عمرك ما كنت ضعيف."
النيران مشتعلة بين القلب الذي يريد الحبيبة والعقل الذي يفور من نيران الماضي. عاود رفعت التفكير في الذهاب والارتواء من العشق وإلقاء كل شيء خلفه، حتى نيران الماضي. لكن قبل أن يخرج من الغرفة، أتاه اتصال هاتفي. نظر للشاشة، ورأى من يتصل عليه.
وجد أنها ريما. تنهد بغضب وقام بإغلاق هاتفه. وبالفعل خرج من الغرفة، لكن لم يذهب إلى غرفة زينب. ذهب إلى إسطبل الخيل، وقام بإخراج إحدى المهرات وقام بسرجها باللجام وامتطاها وخرج من السرايا بأكملها يتجول بالمروج الموجودة حول البلدة، عل استنشاقه للهواء خارج تلك الأسوار العالية، يساعده بالحصول على الراحة والهدوء النفسي. لكن هيهات، لن يقدر على إطفاء نيران العشق، فهي لا تهدأ إلا بنسمات أنفاس العشاق.
بينما زينب حين تركت رفعت وخرجت من الغرفة، دخلت لغرفتها. شقت عينيها دمعة. ذلك الأحمق ماذا يظن؟ كيف يفكر في أنها تريد حتى رؤية وجه هاشم الزهار؟ ذلك الوغد، هي تشمئز من نظره لها، تشعر ببغض كبير تجاهه. هي لم تشعر بذلك البغض لأحد سابقاً. لا تعلم سبب لذلك. حتى اليوم حين تفاجئت به في الوحدة، ودت لو أنه يختفي من أمامها. تذكرت حديثه الغبي، حين سألته عن زوجته مهره. كم كان ممثل بارع وتفوق على أمهر المخادعين، حين رسم على وجهه الحزن وأخبرها كم هو يعشقها وهي من تبتعد عنه وذالك يؤلم قلبه. قلبه!
هو لا يمتلك أي قلب.
حكى لها أنه ما زال يشعر بنغزات بقلبه، خائفاً أن تسبب له تلك النغزات أزمة أو جلطة بقلبه، يريدها أن تفحصه.
لكن هي خرجت من ذلك وجملة واحدة قالتها له: "اذهب إلى أحد أطباء القلب، هو من سيُفيدك أفضل مني." قالت له هذا ونهضت تخبره أن لديها مرضى بالوحدة على الكشف عليهم. أحرجته فغادر مستأذناً منها بتمثيل القبول، ولكن بالحقيقة كان يشتعل بداخله غِل يشتعل لرفعت.
في ذلك الأثناء، سمعت صوت صهيل خيل. ذهبت باتجاه شرفة غرفتها وفتحت بابها ونظرت باتجاه صوت الصهيل. رأت رفعت يخرج من السرايا على إحدى الخيول.
زفرت أنفاسها بغضب. ماذا كانت تظن أن رفعت سيأتي لغرفتها ويتنحى عن غروره ويستمع لها حين تقول له تنحى عن ذلك الانتقام الذي بقلبك ودعنا نعيش سوياً بهدوء؟ واهمة.
أجل، هذا وهم. يكفي رفعت، لا شيء سيجعله يتنحى عن ذلك الانتقام. هددت كثيراً بالبعد عنه. حان الوقت بالفعل للابتعاد. هذه آخر محاولة. إما أن يأتي خلفك وينسى ذلك الانتقام أو ينتهي ذلك العذاب لكما الاثنان. لكن كان للقدر رأي آخر وجمع قلوبهم بأيام سعيدة. هل ستنتهي سريعاً كما في انتهت سعادته الأسرية سابقاً وعاش بآلم نيران حارقة تنهش قلبه لسنوات عِجاف قبل أن تأتي زينب وتدخل لحياته؟ لا، لم يعد لديه قدرة تحمل ألم غيابها عنه كما تحمل غياب غيرها سابقاً. زينب ستعود له.
***
عاد رفعت من تذكر تلك الليلة حين اقترب من ذلك المكان الذي قال له عليه وسيم وفتح هاتفه يتصل عليه.
بينما وسيم حين دخل إلى الجراج خلف سيارة الإسعاف بدقيقتين تقريباً، لمح شاباً يجري ناحية باب الدخول إلى المشفى.
نزل سريعاً من سيارته وتوجه ناحية سيارة الإسعاف. وجد بابها مفتوحاً وخالية تماماً. اندهش من ذلك وسريعاً توجه إلى باب دخول المشفى. وقف متعجباً. الممر لا يوجد به سوى القليل، بعض المرضى يسيرون جوار ذويهم. أين اختفى ذلك الذي دخل أمامه منذ قليل؟
في تلك اللحظة، رن هاتفه. رد سريعاً وقال: "رفعت، أنا فضلت ماشي وراء الإسعاف وفعلاً العربية دخلت لمستشفى بنفس الاسم. بس فيه حاجة غريبة. أنا مغبتش في الدخول وراء العربية للجراج دقيقتين بالكتير ولما دخلت الجراج مكنش فيه حد غير واحد شوفته من ضهره دخل لممر بيدخل المستشفى."
رد رفعت: "إزاي ده حصل؟ أنا خلاص قربت على مكان المستشفى وهجيلك عالجراج..."
بالفعل، ما هي إلا دقائق وكان رفعت بداخل الجراج. أخذ سلاحه من درج السيارة ووضعه بين ملابسه، ثم نزل من السيارة وتوجه مكان وقوف وسيم.
تجولت عين رفعت بزوايا الجراج يتأكد وجود كاميرات مراقبة أو لا. بالفعل كان هناك كاميرات مراقبة.
لكن في البداية تحدث مع وسيم قائلاً: "مشوفتش وش الشخص اللي كان داخل للممر."
رد وسيم: "لأ، أنا بستغرب. أنا مغبتش دقيقتين وكنت في قلب الجراج. إزاي لحقوا يطلعوا ليلى من العربية بالسرعة دي."
تنهد رفعت يقول: "إحنا في زمن السرعة دلوقتي. نشوف إزاي، يمكن نلاقي تفسير وبداية طريق."
في ذلك الأثناء، دخل شاب بعمر رفعت، مُهندم الثياب ويبدو عليه الوقار وبيده حقيبة طبية. وقال: "لو سمحتم، أنتم واقفين قدام عربيتي، وأنا دكتور وعندي حالة مستعجلة."
تجنب رفعت ووسيم من أمام تلك السيارة الفخمة. بالفعل صعد الشاب لسيارته وقادها وخرج بهدوء من الجراج أمام نظر رفعت ووسيم.
تحدث وسيم لرفعت الذي تجولت عيناه بين السيارات وقال: "هنعمل إيه يا رفعت."
ابتعد رفعت عن وسيم وبدأ يفتح أبواب سيارات إسعاف أخرى موجودة بالجراج. تنهد بغضب ودخل إلى ممر المشفى، وتوجه إلى الاستقبال وسأل على غرفة مدير المشفى وتوجه إليها وخلفه وسيم.
دخلا الاثنان إلى غرفة المدير. أخرج رفعت شارة الشرطة الخاصة به وقال: "رفعت الزهار، ضابط في البحرية."
أخذ المدير الشارة من رفعت وقام بقراءتها ثم أعادها لرفعت قائلاً: "تحت أمرك، أقدر أخدمك إزاي."
رد رفعت: "أنا شفت الجراج بتاع المستشفى فيه كاميرات. أنا محتاج أشوف تسجيل الكاميرات دي حالاً."
تعجب مدير المشفى قائلاً: "حضرتك محتاج تسجيل الكاميرات دي ليه؟ ممكن أقدر أخدمك بدون تسجيل الكاميرات، حضرتك عارف إن تسجيل الكاميرات دي خاص بالمستشفى."
رد رفعت: "فيه عملية خطف تمت والخاطف كان راكب عربية إسعاف عليها شعار المستشفى دي وكمان دخل بالعربية هنا. لو مش عاوز شوشرة تتم حوالين المستشفى والجمعية الخيرية المُمولة للمستشفى، يبقى تقول لي فين أوضة المراقبة. إنت شوفت إني ضابط وكمان التاني اللي معايا ده دكتور جامعي."
ارتبك المدير وقال: "حضرتك أنا مقصدش حاجة، بس أكيد عارف إن مينفعش ندخل حد غريب لأوضة تسجيل كاميرات المراقبة، غير الشرطة."
تنهد رفعت بغضب وقال: "وأنا شرطة واللي اتخطف في عربية الإسعاف مراتي ومعاها أخت مرات أخويا. ومافيش قدامك غير تقول لي فين أوضة المراقبة وإلا الجمعية اللي المستشفى من ضمن أعمالها الخيرية ه..."
قاطع مدير المستشفى حديث رفعت قائلاً: "اتفضل حضرتك معايا، أوضة المراقبة قريبة من هنا."
رافق وسيم ورفعت خلف ذلك المدير، ودخلوا إلى غرفة صغيرة.
تحدث المدير: "دي الأوضة الخاصة بالتحكم بالكاميرات. ممكن أطلب لك المهندس الخاص بها يجي دلوقتي يشغل لك التسجيلات."
رد رفعت: "لأ، مالوش لازمة، عندي خبرة."
قال رفعت هذا وقام بفتح جهاز التسجيلات وبدأ يبحث عن الوقت التي دخلت به تلك السيارة إلى جراج المستشفى. بالفعل، ها هي الكاميرات أمامه تبث دخول تلك السيارة.
أوقف رفعت الكاميرا وتحدث إلى مدير المشفى:
"العربية دي عليها شعار المستشفى وكمان الجمعية الخيرية اللي مسؤولة عن المستشفى."
تمعن المدير قائلاً: "غريبة. العربية دي اتسرقت النهاردة الصبح بدري. والمسعف والسواق اللي كانوا فيها، قالوا إن ضرب عليهم نار واتثبتوا عالطريق. ومش بس كده، دول كمان ضربوهم بالشومة وعملوا محضر في النقطة التابعة للمكان اللي انضربوا فيه وهو قريب من هنا. وكمان عندي في المكتب نسخة من المحضر."
زفر رفعت نفسه وأعاد تشغيل الفيديو.
رأى رفعت ووسيم التسجيلات التي أثبتت ظن رفعت أن زينب بنفس السيارة.
رأوا ثلاثة من الملثمين يقومون بإخراج زينب وبعدها أخرجوا مروة بسرعة. لكن العجب، أنهم أدخلوهم لسيارة أخرى سوداء تقف قريبة جداً من سيارة الإسعاف. فعلوا هذا وتوجه اثنان للركوب بالسيارة السوداء، والآخر توجه إلى الممر المؤدي لدخول المشفى. وذهل رفعت ووسيم، تلك هي السيارة التي خرجت أمامهم من الجراج، وقادها ذلك الطبيب.
تحدث وسيم بذهول: "رفعت، الشخص ده..."
لم يكمل وسيم حديثه، وتحدث رفعت بغيظ: "واضح إن العملية متخطط لها كويس جداً. الشخص ده عارف إن فيه كاميرات في الجراج، وجاي في التسجيل بظهره. واضح جداً إنه هو الشخص اللي كان دخل للمستشفى. حتى في دخوله كان لابس كمامة مغطية نص وشه والكاب اللي على راسه أخفى بيه باقي معالم وشه. إزاي كنا بالغباء ده؟ واضح إنه كان عارف إنك ماشي وراه بالعربية. وطبعاً دلوقتي، العربية السودة دي لازم نوصل لصاحبها واللي أتوقع تكون مسروقة، زيها زي عربية الإسعاف."
ضرب وسيم بيده الحائط قائلاً: "العربية اللي خطفت زينب وليلى طلعت قدام عينينا."
تنهد رفعت الذي يغلي بداخله. ولم يرد. فكر لماذا لم يقم بإغلاق الجراج وتفتيش السيارات كلها. كان عثر على زينب بسهولة، أو كان أغلق المشفى بأكملها.
لكن وقع بخطأ جسيم يخشى أن يكلفه فقدان زينب.
قرب رفعت الكاميرا وأوقفها وأخذ أرقام السيارة، وسجلها على هاتفه. ينظر لمدير المشفى: "متقدرش تتعرف عالشخص ده؟ ممكن يكون فعلاً بيشتغل في المستشفى؟"
تمعن المدير بالفيديو، وقال: "صعب جداً. ممكن فعلاً يكون بيشتغل في المستشفى، بس في أي إدارة، مش لازم يكون دكتور."
تحدث وسيم وهو ينظر لرفعت قائلاً: "والعمل إيه دلوقتي؟ إحنا مش عارفين مين اللي خطفوا ليلى وزينب، وليه؟"
رد رفعت ومد يده للمدير قائلاً: "بشكر حضرتك، بس ممكن تديني اسم المستشفى اللي فيها المسعف والسواق اللي انضربوا."
رد المدير: "المستشفى قريبة من هنا وكمان مش لازم شكر. أتمنى توصل للمدام واللي معاها بأقرب وقت."
غادر رفعت ووسيم المشفى. بالطريق فتح رفعت هاتفه، وقام بإتصال. رد عليه الآخر. تحدث سريعاً:
"محمود، هبعت لك رقم عربية دلوقتي، عاوزة أعرف لك إيه أماكن سيرها."
تحدث محمود يقول: "كويس إنك اتصلت عليا. جالي خبر دلوقتي من الجوازات فابيو هنا في مصر. بس خير، إيه اللي في العربية دي؟"
أغمض رفعت عينيه بيقين، وقال: "زينب مراتي اتخطفت هي وأخت مرات رامي."
تعجب محمود وقال: "أكيد هاشم له رجل في الخطف ده. طب مراتك وعارفين السبب؟ أخت مرات أخوك شانها إيه؟"
رد رفعت: "معرفش. أنا عاوزة تجيب لي خط سير العربية دي. أكيد فيه رادارات عالطريق ممكن ترصد لينا حركتها عالطرق، وشوف لي مين صاحبها وإذا كانت مسروقة ولا لأ."
رد محمود: "تمام، هبلغ دلوقتي. الرادارات اللي حوالين الشرقية، وأشوف العربية دي اتجهت لفين. وإنت اهدى كدا، إنشاء الله خير."
أغلق رفعت الهاتف يتنهد بغضب ساحق. فابيو وهاشم لعبا به وأخرجوا زينب من أمام عينيه.
***
بإحدى مشافي الشرقية.
كان رامي يقطع الممر أمام تلك الغرفة ذهاباً وإياباً.
يتملكه الفكر السيئ، وها هو الخبر السيئ لا ينتظر.
خرجت الطبيبة من الغرفة. توجه رامي لها سريعاً دون حديث.
يخشى أن تؤكد مخاوفه وتكون مروة فقدت الجنين بالفعل. هذا ما قالته الطبيبة: "إحنا سيطرنا على النزيف، بس للأسف المدام لما وصلت للمستشفى كانت بالفعل أجهضت الجنين بسبب النزيف اللي كان ده. والحمد لله حالة الرحم كويسة. ربنا يعوض عليكم بأفضل منه."
شعر رامي بحزن شديد، وتقبل الأمر قائلاً: "الحمد لله، أهم حاجة عندي هي وسلامتها. بس إيه سبب الإجهاض ده يا دكتورة؟"
ردت الطبيبة: "مفيش سبب محدد. في ستات كتير بيحصل لها كده. ممكن يكون الحمل لسه متثبتش في الرحم وأقل حركة أو انفعال ينزله. وقبل ده قضاء ربنا طبعاً. المدام هتخرج دلوقتي لأوضة عادية بمجرد ما تفوق وتخلص أكياس الدم والمحلول. لو كانت كويسة هكتب لها على خروج. عن إذنك."
بعد أقل من ساعتين.
بغرفة عادية كان رامي يجلس انتظار أن تفوق مروة. يشعر بألم، كيف ستتقبل مروة الأمر حين تعلم بفقدان الجنين؟ هي كانت سعيدة بهذا الجنين.
ها هي مروة بدأت تعود للوعي.
شعرت بتلك الإبر المغروزة بكف يدها. حين حركتها، نظرت ليدها، وقالت بوهن: "أنا فين؟"
اقترب رامي وجلس جوارها على الفراش. نظرت له مروة وعادت سؤالها: "أنا فين؟ أنا آخر حاجة فاكراها إني كنت..."
توقفت مروة ووضعت يدها الأخرى على بطنها وأكملت...
"الجنين اللي في باطني جراله إيه؟"
ابتلعت مروة حلقها ثم تحدثت برجاء: "قولي يا رامي إنه بخير."
أخفض رامي وجهه ثم رفعه قائلاً: "مروة، المهم عندي سلامتك. كل شيء يتعوض وربنا هيعوضنا بأفضل منه."
ماذا يقصد رامي؟ معنى حديثه أنها فقدت الجنين.
نزلت دمعة من عين مروة وحاولت عدم التصديق وقالت: "قصدك إيه برينا هيعوضنا بأفضل منه؟ قصدك إنه نزل من بطني؟ خلاص مبقاش موجود؟ طب ليه وأيه السبب؟"
اقترب رامي وضم جسد مروة قائلاً بوجع: "بدون سبب. ربنا عاوز كده. هنعترض على قدر ربنا؟ قدر ربنا خير يا مروة. يمكن كان يكمل ويكون مريض، ونتعلق بيه ووقتها برضو يفارقنا. يمكن كده رحمة لينا، إنه يفضل ملاك يشفع لينا."
تعصبت مروة تقول: "أنا كنت عاوزاه يعيش حتى لو مريض."
رد رامي: "مروة، بلاش تعترضي على أمر ربنا."
بكت مروة بحرقة وقالت: "ونعم بالله، يا رب عوضني بالأفضل."
قالت مروة هذا ونظرت لوجه رامي قائلة برجاء: "أنا عاوزة أخرج دلوقتي مش بحب المستشفيات."
رد رامي: "تمام، هتصل عالطبيبة تيجي تفحصك قبل ما نخرج."
بعد وقت قليل بالسرايا.
دخل رامي بحمل مروة بين يديه. كان سيصعد إلى الجناح الخاص بهم، لكن مروة قالت:
"أنا مش عاوزة أروح الجناح بتاعنا، وديني مكان تاني. يا ريتك خدتني عند ماما."
لم يرد رامي وأخذها إلى غرفته القديمة، وضعها على الفراش.
وقبل أن يتحدث، دخلت والدة مروة بلهفة قائلة: "أنا كنت مستنياكم هنا من بدري. أنا بعد ما وديت الغداء لخالك المشتل، اتصلت على موبايلك إنتي ورامي محدش منكم رد عليا."
"اتصلت على محاسن وقالت لي إن رامي خدك للمستشفى. اتصلت على رامي مكنش بيرد عليا."
تحسس رامي جيوبه وقال: "واضح إني نسيت موبايلي في العربية، هروح أشوفه فيها."
غادر رامي الغرفة. اقتربت فادية من مروة وحضنتها قائلة: "ربنا هيعوض عليكي بالأفضل منه إنشاء الله. إنتي لسه صغيرة وقدامك العمر تعوضي وبكرة أفكرك."
تدمعت عين مروة وقالت: "أنا قلبي بيوجعني قوي يا ماما، كان نفسي الحمل يكمل."
ضمتها فادية التي تشعر بسوء في قلبها وقالت: "ربنا على قد ما بياخد بيعوض وأكتر كمان. بكرة تشبعي وتزهقي عيال."
تنهدت مروة بداخلها شعور سيئ. هي الأخرى تخشى أن يبتعد عنها رامي. هي ظنت بهذا الجنين قد ضمنت بقاءها بحياة رامي. لا تعلم أن هناك رابط قد يكون أقوى بينهم، نبض قلبيهما.
***
بالوحدة الصحية.
عاد رفعت ومعه وسيم.
دخل رفعت مباشرةً إلى مكتب طارق الذي هاتفه وهو بالطريق وقال له ينتظره بالوحدة.
تحدث رفعت قائلاً: "أظن معاك عهدة مفاتيح الوحدة. افتح لي أوضة المراقبة بتاعة الكاميرات اللي على باب دخول الوحدة وكمان كاميرات الممرات."
نهض طارق يسير خلف رفعت الذي خرج من الغرفة قبله قائلاً: "أيوه معايا يا رفعت بيه. والله أنا عرفت اللي حصل ومش عارف حصل إزاي الدكتورة تتخطف من قلب الوحدة."
رد رفعت: "مش وقت نفاق. خلصني، وافتح باب أوضة المراقبة."
رد طارق: "حاضر، يا رفعت بيه."
بالفعل فتح طارق غرفة تسجيلات الكاميرات. بدأ رفعت في إعادتها إلى وقت اختطاف زينب. لم يكن هناك حركة غريبة، رغم وجود زوار كثر للوحدة من المواطنين بالبلدة بسبب تلك القافلة الطبية التي كانت موجودة بالوحدة.
رأى دخول تلك السيارة، ونزول ذلك الشاب منها، لكن كما توقع، كان هذا الشاب يضع كمامة حول فمه، كاب على رأسه أخفى ملامح وجهه أمام الكاميرات. حتى صفية قالت له أنها لم تتمعن في ملامحه، بسبب وضعه لكمامة على فمه. كل ما رأته هو عيناه وجبهته.
الخطة محكمة للغاية وكل الطرق مسدودة.
تذكر رفعت، هناك طريق قد يكون أمل واهٍ، لكن لا مانع للسير فيه.
ترك رفعت غرفة المراقبة وخرج هو ووسيم، الذي ترك سيارته بالوحدة، وصعد مع رفعت وقال له: "قولي هنعمل إيه؟ ليلى وزينب في خطر. نفسي أعرف إيه هاشم هيخطفهم. مصلحته إيه؟"
رد رفعت: "مصلحته بيحب زينب ونفسه فيها. إنما ليلى ممكن تكون من النوع اللي بيشتهيها. البنات الورور العذراء الصغيرة."
رجف قلب وسيم وقال: "قصدك إيه؟"
رد رفعت الذي يقود السيارة بسرعة جنونية:
"مزاجُه كده. عنده عقدة العذروات الصغيرات. يمكن عقدة نفسية سببها عمتي مهره لما اتجوزها كان في حياتها راجل تاني سبقهُ. مرض نفسي. وكمان تجارة مربحة له بعد كده."
تعجب وسيم يقول: "فهمني، يعني إيه تجارة؟"
رد رفعت: "هاشم بيتجوز بنات قُصر تحت السن القانوني، وياخد كيفه منهم، وبعدهم يرمي لأهلهم قرشين ويقول لهم إنه هيسفرهم بره مصر يكملوا تعليمهم. وهو في الأصل نخاس، بيبيعهم لبيوت الدعارة اللي بره مصر في أوروبا، وطبعاً بأوراق مضروبة. وطبعاً لصغر سنهم مبيعرفوش يرجعوا. لأنهم ميعرفوش هما فين. واللي بتحاول تهرب أو تتمرد عليهم، بتتباع أعضاء بشرية. يعني كده كده موت. آه، ده غير البنات والعيال الصغيرة اللي بيخطفوهم كمان. هاشم ده شيطان. أنا بندم إني مقتلتوش لما جات لي الفرصة قبل كده، وكنت عاوز أشوفه بيتعذب قدامي ويصرخ يطلب الرحمة. بس وشرفي لو زينب صابها سوء بسببه لأحرقه وأخليه يتمنى الموت وميطلوش."
شعر وسيم بخوف أكبر على ليلى، وتذكر لمى. فتح هاتفه وقام بالاتصال عليها، لكن لا رد. تعجب وقام بالاتصال على مهره التي ردت عليه. لم يرحب بها وقال مباشرةً: "هاشم فين؟"
ردت مهره: "معرفش. أنا صحيت الصبح مكنش في البيت. حتى كمان لمى فوجئت بالشغالة قالت لي خدت شنطة هدومها ومشيت. كنت مستنية ترجع وأسألك يمكن تعرف سبب إنها غارت من هنا. بصراحة حسيت براحة لما مشيت. السكة اللي تودّي. بس بتسأل ليه على هاشم؟"
رد وسيم: "مفيش. يلا عندي شوية أشغال. ادعي لي محتاج لدعائك ليا."
تعجبت مهره وقبل أن تسأله، أغلق الهاتف.
ونظر لرفعت قائلاً: "هاشم الزهار مش هنا، وكمان لمى سابت البيت. متوقعتش تسيب البيت بالسرعة دي. أنا سايبها في البيت بعد نص الليل. ماما بتقول صحيت ملقتهمش. تتفتكر يكونوا مشيوا مع بعض؟ تفتكر هيروحوا إسكندرية؟"
رد رفعت: "مش عارف. كل شيء وارد. فابيو في مصر وده بركان، وأكيد لازم يرد على فشله في عملية الهجوم على السرايا. بس متوقعتش يكون الرد بخطف زينب. نهايتهم هما الاتنين على إيدي."
بعد قليل بأحد المنازل، بقرية الزهار.
دخل رفعت وخلفه وسيم إلى ذالك المنزل المتواضع نسبياً. دخلوا إلى إحدى الغرف. تحدثوا بعد الترحيب من صاحب المنزل. نظروا لذالك الراقد على الفراش يحتوى بين يديه صورة صغيرة، هي كل ما بقيت له ممن كان من أجلهم يسير بطريق الشيطان.
تحدث رفعت: "ممكن تسيبنا دقايق مع سيادة النائب."
خرج صاحب المنزل وتركهم مع النائب. تحدث رفعت يقول: "قدامك فرصة تكفر بيها عن خطايا الماضي وكمان تنتقم من اللي حرقوا قلبك. هاشم خطف مراتي وكمان بنت معاها. أكيد إنت عندك خلفية بالأماكن اللي ممكن يكون هاشم موجود فيها."
نظر نجيب له بحسرة وقال: "كل شيء راح. كل اللي عشت عمري أكوش على الدنيا عشانهم راحوا. حتى الفلوس الحرام اللي كنت بكسبها مكنتش بحطها في البنوك. كنت عامل خزنة كبيرة في البيت وحولت كل فلوسي لمجوهرات دهبية وماسيه. النيران خدت كل شيء حلال ف حرام وكنسته ساوته بالرماد."
رد وسيم: "زي رفعت ما قال لك كده تقدر تنتقم من اللي عملوا فيك كده لو دلتنا على أماكن هاشم."
رد النائب قائلاً: "هدلكم على كل الأماكن. أنا متأكد هاشم هو اللي لعب في دماغ فابيو. من ناحيتي."
***
بسيارة ليموزين فخمة.
بدأت تشعر زينب بعودة الوعي.
لكن كانت بسكرتها تسمع همس بأذنها.
صوت طفل مُقبل عليها يقول: "ماما."
نظرت للطفل ببسمة وقالت: "إنت مين؟"
رد الطفل عليها: "أنا الأمل المفقود. خلاص مبقتش مفقود. اصحي يا ماما."
فتحت زينب عينيها ببطء. شعرت بإضاءة عالية في عيونها فأغمضت عينيها مرة أخرى، وعادت فتحها.
سمعت صوت يقول: "أخيراً استيقظتي يا دكتورة زينب."
نظرت زينب لمن يتحدث، وقالت: "فابيو."
ثم نظرت لمن يجلس جوار فابيو وقالت: "وهاشم الزهار. أنا فين؟"
رد فابيو ببسمة مقيتة: "سعيداً جداً أنكِ ما زلتِ تتذكرينني. لم نلتقي وجهاً لوجه سوى مرة واحدة، لكني أنا أيضاً لم أنساكِ، وعندى لكِ عرض مميز، للغاية."
اعتدلت زينب من نومها وحاولت الجلوس إلى أن جلست قائلة بوهن وتهكم: "واللي العرض المميز ده مكنش ينفع غير لما تخطفني؟ عندي فضول أعرف عرضك ده."
بنفس البسمة المقيته رد فابيو:
"أحيي فيكِ الشجاعة يا دكتورة. امرأة غيرك وكانت فاقت كان أصابها الفزع. لكن أنتي فعلتي عكس التوقع. حسناً، إليكِ عرضي."
"أريد أن تعملي معي، باليونان."
تهكمت زينب قائلة: "وهتشغلني إيه في اليونان؟ دادة لابنك إنت وريما اللي حاولت توهمني إنه ابن رفعت."
رغم ضيق فابيو من ذكر زينب لفعلة ريما، لكن حاول الهدوء وقال:
"بل ستعملين بمهنتك كطبيبة. أنا أملك عدة مستشفيات باليونان وأنتِ جراحة ماهرة."
"أتمنى أن تُحكمي عقلك في الرد وتوافقين على عرضي الذي سيفتح لكِ ليس فقط طريق المال، بل أيضاً الشهرة الواسعة."
تهكمت زينب قائلة: "ليه هتقبضني بالأسترليني وهفتح جامعة أدرس فيها الطب."
تبسم فابيو وقال: "الدكتورة تمتلك ليس فقط الجمال، بل أيضاً روح المزاح. أريد أن أقول لكِ أنكِ ستقبلين بعرضي بأي طريقة ما زالت أريد أن تقبلي بعرضي رضاءً منكِ، لا غصباً."
نظرت له زينب وقالت: "عندنا في مصر مثل بيقول هات من الآخر."
تبسم فابيو وقال: "أنا لدي مشفى خاص بتبادل الأعضاء البشرية، أريد الاستفادة منكِ كطبيبة جراحة."
ردت زينب: "تجارة أعضاء يعني؟ عرضك مرفوض، يا سيد فابيو."
تبسم فابيو وقال: "ما زال أمامك يوم يا دكتورة للتفكير بعرضي، والموافقة بالرضاء منكِ، وإلا ستوافقين حين تصبحين امرأة بفراشي."
ضحكت زينب بسخرية من ثقة هذا الوغد الحقير. يبدو أنه لا يعرف من تكون... زينب السمراوي. فقبل أن يلمسها ستكون نهايته، ليس على يديها بل على يدي هاشم، ذلك الوغد الصامت الذي يجلس لجوار.
***
بعد مرور يوم كامل.
كان رفعت جالس يرجع برأسه للخلف على مسند المقعد ويضع إحدى يديه فوق عينيه. فجأة سمع همس زينب في أذنه وأتى طيفها أمامه.
تنهد بشوق. لكن عاد عقله. طيف زينب كان هناك شيء يضوي فوق صدرها. فتح رفعت عينيه سريعاً، يلوم نفسه كيف تغافل عن هذا السلسال. هو رآه في صدر زينب تُخفيه بين ملابسها قبل أن تذهب للوحدة قبل يوم واحد. نهض سريعاً يخرج من الغرفة، لقد وجد بداية الطريق للعثور على مكان زينب... جهاز التعقب الموضوع بالسلسال.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالإسكندرية
بمستودع كان تابعاً لإحدى شركات البترول سابقاً.
بدأت ليلى تستعيد وعيها، فتحت عينيها، شعرت بنفسها تجلس أرضاً تستند بجسدها على حائط صلب خلفها. شعرت بألم كبير بأحد معصمي يديها، وضعت يدها الأخرى، شعرت بسيلان دماء. تحاملت الألم وحاولت النهوض.
شعرت برعب وفزع حين رأت المكان مظلماً، إلا من شعاع نور صغير ينبعث من ذلك الباب الموارب. حاولت استجماع قوتها ونهضت واقفة، وسارت باتجاه ذلك الشعاع المنبعث من الباب. لكن حين اقتربت من الباب، فزعت حين وجدت الباب يُفتح بقوة، وبوجهها لمى، التي نظرت لها بشرار وقالت بسخرية:
"أخيراً فوقتي. فكرتهم غلطوا وبدل ما يخدرواكي، خنقوكي."
ابتلعت ليلى حلقها وقالت بترقب:
"أنا فين؟"
صفعت لمى ليلى صفعة قوية، جعلتها تسقط أرضاً، بل جرحت خدها بذلك الخاتم الذي كان في إصبعها.
شعرت ليلى بخدر بخدها كأنه لم يعد موجوداً بوجهها، لكن وضعت يدها الدامية على وجنتها وقالت بدموع:
"لمى، أنا عملتلك إيه علشان تخطفيني؟"
ضحكت لمى بسخرية وقالت باستهزاء:
"وأنتي مين تكوني علشان تقدري تقفي قدامي؟ أنا لمى الزهار. أنتي بالنسبة لي سلعة هبيعها وأقبض تمنها، سلعة بكل المواصفات المطلوبة."
تحدثت ليلى:
"سلعة إيه؟ بخطفك ليا عملتي جريمة."
ضحكت لمى وقالت:
"مفكرة نفسك صاحبة أهمية؟ وجريمة إيه اللي عملتها؟ الحشرة القذرة اللي زيك مستاهلةش حتى أدهسها تحت رجلي وألوث الشوز بتاعي بلمسها. الشوز بتاعي اللي أغلى منك. أنا سيباكي تعيشي علشان تفتكري بس مين هي لمى الزهار."
قالت لمى هذا واستدارت، لكن وقع بصرها على أحد الأوغاد الواقفين بالغرفة وتبسمت بمكر ونظرت مرة أخرى ناحية نظر ذلك الوغد.
هو كان ينظر لسيقان ليلى التي انزاحت ملابسها عنها، وحاولت سريعاً ستر ساقيها أمام هؤلاء الأوغاد.
عادت لمى بنظرها لذلك الوغد وتبسمت له بنشوة.
خرجت لمى من الغرفة وقالت:
"البنت دي محدش يقرب منها. هدية. مطلوبة عذراء."
بينما سحبت ذلك الوغد الذي كان يختلس النظر لسيقان ليلى، ودخلت إلى الغرفة المجاورة، وقامت بتعرية نفسها أمامه.
تفاجأ بذلك وادعى غض بصره.
ضحكت لمى بعُهر وقالت له:
"بتحط وشك في الأرض ليه؟ من شوية عينك كانت هتطلع لما شفت رجلين البنت. ولا إنت كمان نفسك تكون عذراء؟ على العموم، يمكن حظك المرة الجاية تقع في عذراء. لكن دلوقتي خليك معايا."
قالت لمى هذا وببجاحة قامت بتقبيله.
تحدث الوغد لها وقال:
"مش لازم نعقد قرانا الأول."
ردت لمى:
"لأ مش لازم. عقد القران ملوش أي لازمة. إحنا كل اللي بينا متعة وبس. مش فيه برضو عندكم يا مسلمين حاجة اسمها جواز متعة؟ اعتبر الوقت اللي هنقضيه مع بعض جواز متعة."
.......
أثناء دخول رفعت إلى السرايا.
رن هاتفه. أخرجه سريعاً من جيبه. نظر إلى شاشة الهاتف. للحظة تغير منظر وجهه.
تحدث وسيم:
"مين اللي بيتصل عليك؟"
رد رفعت:
"دي حماتي. أكيد هتسألني على زينب."
تنهد رفعت وقام بالرد على الهاتف. بعد الترحيب بينهم.
تحدثت هالة:
"رفعت، بتصل على زينب موبايلها مقفول ليه؟ قلبي مش مطمئن عليها من الصبح. حتى كلمتها وهي في الوحدة الصبح بس كلمتين وقالت مشغولة. وأما ترجع من الوحدة هتكلمني. بقينا الساعة عشرة بالليل وموبايلها بيدي خارج الخدمة."
حاول رفعت رسم الهدوء وقال:
"هي بخير بس جت من الوحدة مجهدة من الشغل وقَفلت موبايلها ونامت. لو تحبي أصحيها ليكي."
رغم شعور هالة بسوء، قالت:
"لأ سيبها ترتاح. هتصل عليها الصبح. تصبحي على خير."
أغلق رفعت الهاتف، ونظر لوسيم الذي قال:
"تفتكر هاشم خد زينب وليلى على أي مكان من اللي قال عليهم نجيب الكفراوي؟"
حك رفعت جبهته بيديه وقال:
"مش عارف. نجيب قال كذا مكان. ده اللي مخليني مش عارف أفكر."
في نفس الوقت رن هاتف رفعت بيده. نظر للشاشة ورد سريعاً:
"أيوه يا محمود. قولي وصلت للعربية."
رد محمود:
"أيوا العربية فعلاً زي ما توقعنا مسروقة. والعربية خط سيرها انتهى على بداية طريق إسكندرية الصحراوي. وأنا بنفسي رحت للمكان اللي ده. لقيت العربية واقفة هناك. فتشّت العربية كانت فاضية بس لقيت موبايلين فيها. وكمان كان فيه آثار..."
توقف محمود عن الحديث.
رد رفعت بترقب:
"سكت ليه؟ كان فيه آثار إيه؟"
رد محمود:
"آثار دم."
شعر رفعت بخوف وقال:
"قصدك إيه بآثار دم؟ يعني يكونوا قتلوهم؟"
"مستحيل. متأكد من كده. ممكن الدم ده المجرمين سابوه وهم ماشيين."
رد محمود:
"فعلاً ده تفكيري. بدليل إنهم سابوا موبيلات الدكتورة واللي معاها. المكان هنا خالي جداً وبعيد عن العمار بمسافة كبيرة."
رد رفعت:
"تمام. هبعتلك على الموبايل عنوان كام مكان خدتهم من نجيب الكفراوي."
رد محمود:
"تمام. حاول تفكر بهدوء وهكون معاك على تواصل."
أغلق رفعت الهاتف، ونظر لوسيم يقول:
"هاشم وفابيو لعبوها صح. لقوا العربية فاضية على الطريق. فيها آثار دم."
شعر وسيم هو الآخر بخوف شديد.
.......
على الجهه الأخرى بالقاهرة.
أغلقت هالة الهاتف مع رفعت ونظرت لصفوت قائلة:
"رفعت بيقول إن زينب بخير بس رجعت من الوحدة مجهدة وقَفلت موبايلها ونامت."
تبسم صفوت قائلاً:
"أهو شوفتي إنها بخير. مش عارف سبب لقلقك ده."
ردت هالة:
"برضه لسه جوايا قلق. زينب عمرها ما قفلت موبايلها أبداً. إيه رأيك يا صفوت نروح بكرة الشرقية ونعملها لها مفاجأة؟ لما تلاقينا قدامها."
تبسم صفوت بترحيب قائلاً:
"يمكن رفعت هو اللي قَفَل موبايلها علشان الإزعاج. وموافق جداً نروح الشرقية. بس إحنا مأخدناش إجازة."
ردت هالة:
"أمر الإجازة سهل. الصبح نتصل على حد من زمايلنا ونقوله ياخد لينا كام يوم إجازة. مش صعبة. هروح أجهز لينا شنطة هدوم صغيرة."
تبسم صفوت وقال:
"تمام. أنا هكلم مجد أطمن عليه."
تبسمت هالة ودخلت إلى غرفة النوم وتركت صفوت الذي يشعر هو الآخر بشعور سيء ناحية زينب. لكن حاول نفض ذلك الشعور عنه، وبالفعل قام بالاتصال على مجد الذي رد عليه بمزاح:
"خلصت تشطيب المواعين."
تبسم صفوت وقال:
"يا ابني تشطيب المواعين عندي هواية مش إجبار. غير إن الحياة الزوجية مشاركة ومش عيب أما أساعد مراتي. بالذات هي كمان زيي بتشتغل طول اليوم. يبقى إيه العيب إني أساعدها. وبعدين بكرة نشوف إنت هتعمل إيه مع السندريلا. الشقة قصاد الشقة. يعني مش هتبقى بعيد."
تنهد مجد يقول:
"أنا حظي السوء يا بابا وقعني في سندريلا من نفس فصيلة غباء أختي زينب. مبتفهمش بالتلميح. بس على مين؟ أنا جبتهالها على بلاطة وقولتلها إنتي السندريلا بتاعتي. من يومها وهي بترد على رسايلي باختصار. أنا ساكت بس على ما تخلص امتحانات. وبعدها مش هصبر. هاخدك إنت وماما ونعمل عليهم كبسة."
تبسم صفوت يقول:
"يا بني اعقل شوية كده. ممكن البنت تخاف منك وتقول متسرع ومدلوق وتركبك. على العموم ربنا يأتيك بالخير. قولي نازل إمتى إجازة."
تبسم مجد يقول:
"أنا أخدت الفترة اللي فاتت إجازات كتير قوي. بس أنا عندي مخزون إجازات لسه. حضرتك عارف إني مكنتش بنزل إجازاتي كلها بسبب زينب لما كنت بظبط أنا وهي وقت إجازاتنا مع بعض. بس مش عارف ليه حاسس إن البت زوزي هايفة عليا اليومين دول. وكنت نازل بكرة إجازة أصدمها لما تلاقيني قدامها. وكمان رفعت من قبل ما يخرج من الوحدة، مشفتهوش. ومهما كان هو شال عني بلُوة. وياسلام بقى لو صدفة تجمعني بالسندريلا. ادعيلي يا بابا."
تبسم صفوت وقال:
"إحنا كمان رايحين الزهار بكرة. مامتك عندها شوية قلق ناحية زينب وقالت تروح تطمن عليها كويس. نتقابل بقى كلنا هناك."
تبسم مجد يقول:
"وهي زوزي حد يقلق عليها؟ دي مفترية. على العموم نتقابل هناك بقى في الشرقية. أهل كرم وخيرهم سابق بدليل إن رفعت معرفش إزاي قبل يتجوز زوزي صبي البواب."
تبسم صفوت يقول:
"والله ما في أحلى ولا أغلى زينب رفعت فاز بيها."
تبسم مجد يقول بمزح:
"مين يشهد لزوزي غيرك يا بابا. فعلاً رفعت فاز بمصيبة حياته. يلا أشوفك إنت وماما بكرة في الزهار."
أغلق صفوت الهاتف وتنهد رغم أن حديثه مع مجد قد هدأ من قلقه قليلاً. تمنى أن يهدأ قلبه برؤية زينب بالغد. تخيل فرحتها حين تراه هو وهالة أمامها بالزهار.
.......
بالعودة لسرايا الزهار.
دخل رامي إلى غرفة الصالون، وقال باستخبار:
"رفعت، اللي سمعته ده صحيح؟ زينب اتخطفت من الوحدة."
نظر رفعت لملابس رامي التي ما زال عليها آثار الدماء وقال:
"آه صحيح. زينب اتخطفت قدام عيني. بس قولي مروة جرالها إيه؟ اللي حصل نساني أسألك؟"
رد رامي بأسف:
"للأسف مروة أجهضت."
أغمض رفعت عينيه بأسف، بينما قال وسيم:
"واضح إن المصايب مش بتيجي فردية. ليلى كمان اتخطفت. مع زينب."
وقف رامي مصدوماً. لكن كانت الصدمة الأكبر على هذان الاثنان اللذان دخلا إلى غرفة الصالون. سرعان ما قال أحدهم:
"أكيد هاشم هو اللي خطف ليلى."
نظر الجميع له مصدومين، وقال وسيم:
"ليه بتقول كده يا عم صفوان."
شعر صفوان برعشة بكامل جسده وفقد السيطرة على يده الممسكة بعكاز طبي وشعر بعدم قدرته على الوقوف وكاد يختل توازنه لولا أن سنده نعمان. كذلك وسيم. قام الاثنان بإسناده وأجلسوه على أحد المقاعد. تحدث وسيم:
"وهاشم هيخطف ليلى ليه؟"
بكى صفوان وقال:
"أنا السبب. مقدرتش أبقى أب حقيقي لبناتي وأحميهم. كان عقلي مغيب. بس والله أنا رفضت أبيع ليلى وخفت عليها وعلى مستقبلها يضيعهم الحقير هاشم."
رد وسيم باستفسار:
"وضح قصدك. هاشم كان عاوز إيه من ليلى؟"
ببكاء تحدث صفوان عن طلب هاشم الزواج من ليلى عرفياً وسرد لهم ما حدث بعد ذلك ورفضه لطلبه، دون أن يخبر بأحد بذلك خوفاً من كذب جبروت هاشم.
نظر رامي له بتعجب وقال:
"يعني ده كان السبب إنك رحت تقابل هاشم مرتين في المزرعة."
أومأ صفوان رأسه بنعم. نظر رامي لرفعت، نظرة فهمها رفعت أنه كان مُخطئاً في ظنه وقتها. أزاح رفعت نظره من أمام رامي الذي قال:
"هاشم ده ندل وخسيس. مش عارف إزاي عمتي مها قدرت تتحمله السنين اللي فاتت. مش مستغرب إنها كانت بتتناول مهدئات أكيد بسبب دناءته وخسته."
نظر نعمان له وقال:
"مها كان ناقصها السند في حياتها وده ملقتوش غير لما أنتم رجعتوا لها. أنا لما رجعت تاني لهنا وشوفت مها أول مرة حسيت إنها واحدة تانية غير اللي عشقتها زمان. واحدة جميلة من بره بس من جوه كانت... مخوخة زي جدر الشجرة اللي خلاص هتنشف وأقل حبة هوا ممكن تقلعها من جدرها وتموت. رجوعهم كان زي الميه اللي روت الشجرة وخلى جدرها يتمسك من تاني بالأرض. زمان أنا غلطت وسافرت وكان جوايا أمل أرجع تاني ألاقي مها مستنياني. بس للأسف مات الأمل لما عرفت إنها اتجوزت هاشم. والسبب كان خوفها على أختها وأختي. هاشم عدوي زي ما هو عدوكم بالظبط. بل أنا أكتر. هاشم خد الست الوحيدة اللي عشقتها في حياتي."
تحدث وسيم:
"جه وقت حساب هاشم. خلاص لازم يدفع التمن. أنا متأكد إنه هو اللي خلى الحصان قتل بابا زمان. بس لو مس شعرة من ليلى. عندي استعداد أستمتع وأنا بخليه يتمنى الموت."
تعجب صفوان من قول وسيم. بينما نظر نعمان له ببسمة. ذلك الشاب يذكره بوالده صديقه القديم. لاحظ نظراته لليلى وكذالك نظرات ليلى له. تمنى أن يبتسم لهما القدر. ولكن كان هناك خطأ حدث. وابتعد وسيم. لكن من الجيد أنه عاد سريعاً لطريق الصواب.
تحدث رامي:
"طب هنعمل إيه دلوقتي؟ وحضرتك يا عمي صفوان إنت وعمي نعمان إيه اللي دخلكم لهنا."
رد نعمان:
"إحنا كنا جايين علشان نطمن على مروة. سمعنا صوت عالي قبل ما نطلع لها. جينا نشوف فيه إيه. اعذرونا على تطفلنا في البداية. بس طلع لينا ضلع كبير في القصة. وأنا معاكم حتى لو بالدعاء. صدقوني رغم إني عارف إن ده يعتبر دعم ضعيف مني. بس أنا معاكم وإيدي بإيديكم."
تحدث صفوان:
"أنا خايف على فادية تعرف بخطف ليلى. دي ممكن تروح فيها. فادية روحها في البنات. ضحت كتير واستحملت علشانهم."
تحدث نعمان:
"مش لازم تعرف دلوقتي. عندي إحساس إننا هنلاقي ليلى وزينب بسرعة."
قال نعمان هذا ونظر لرفعت قائلاً:
"وعندي ثقة في شجاعة زينب اللي شوفتها يوم إصابة رفعت. نسيت أقولها إنها تعتبر بنتي. لأنها بنت مها رضعتها من صدرها."
رغم ضيق رفعت، لكن دخل له أمل. فعلاً زينب ليست ضعيفة. لكن يخشى عليها من هذان اللعينان فهما بالتأكيد لا يعلمان نقطة ضعف زينب وهو داء السكري اللعين. كما أن زينب حامل. وهذا قد يؤثر على شجاعتها بالسلب.
.....
بتلك الليموزين.
دخل السائق إلى تلك الفيلا بالإسكندرية ثم توقف بالسيارة.
كانت نظرات زينب لفابيو وهاشم نظرات متحدية.
لكن أخرج فابيو من جيبه زجاجة صغيرة ووجهها نحو وجه زينب وقام بالبخ عليها قائلاً:
"أعتذر منكِ دكتورة."
ثوانٍ وغابت زينب عن الوعي.
نزل هاشم وفابيو من الليموزين. توجه فابيو وحمل زينب وأخرجها من السيارة بيديه. مما جعل هاشم يستشيط من الغيرة. لكن ما زال يضبط نفسه. فهذه ثاني مرة يحمل فابيو زينب ويخرجها من سيارة لأخرى. والآن يدخل بها أمام عينيه إلى داخل فيلته الخاصة التي لا يعلم بمكانها غيره. وسابقاً كانت جاكلين.
أرشد هاشم فابيو نحو إحدى غرف النوم.
وضع فابيو زينب فوق الفراش وقال:
"مدة هذا المخدر ليست طويلة. حقاً هو سريع المفعول لكن قليل المدة. الطبيبة لابد أن توافق على عرضي لها. أن تأتي لليونان وتعمل بالمشفى الخاص."
رد هاشم:
"معتقدش هتوافق بسهولة. الدكتورة عندها مبادئ متمسكة بها."
رد فابيو:
"أمامنا وقت لإقناعها بهدوء قبل أن نضطر للإجبار. هنالك سفينة ستغادر ميناء الإسكندرية بعد فجر غداً. سنمنع عنها الطعام والماء. قد تستطيع تحمل الجوع لأكثر من يوم. لكن لن تتحمل العطش لأكثر من يوم خاصةً بهذا الطقس الحار. علينا تركها للغد دون ماء. وقتها هي من ستطلب منا الموافقة مقابل جرعة ماء. وقتها هنالك أمر آخر سيجعلها تمتثل لكل ما آمرها به."
رد هاشم بسؤال:
"وأيه الأمر التاني ده؟"
رد فابيو:
"شريط صغير مصور لها معي بالفراش."
أصابت هذه الجملة هاشم في مقتل. هو أراد الظفر بها وشارك بخطفها وفضح نفسه أمامها. وذلك الوغد يريد أن يظفر بها. يبدو أنه الحظ تخلى عنه. لا لم يتخلى عنه. وسيظفر هو بزينب كما أراد واشتهى منذ أن رآها لأول مرة. لولا أن سبقه رفعت بخطوة أخذها من أمامه. هذه المرة هو من سيفوز بها. وإن كان هناك شريط مسجل لها. فسيكون هو من يشاركها الفراش حتى لو اضطر لقتل ذلك الوغد فابيو.
.....
بدأت نهاية ظلام ليلة وانبعاث نور نهار جديد.
كان رفعت ورامي ووسيم ما زالوا جالسين. يتلقى رفعت من محمود اتصال خلف آخر يخبره بعدم العثور على زينب بالأماكن التي دل عليها النائب وتمت مداهمتها.
عقل رفعت يشت. يشعر كأن أحداً يسلسله بسلاسل لا يعرف كيف يتحرر منها.
كذالك وسيم. يلوم نفسه كيف كان أحمقاً.
رامي هو الآخر حزين. ليس فقط على فقدان جنينه قبل أن ينمو بأحشاء مروة. وأيضاً حزين من أجل أخويه. وإن كان حزنه الأقوى على فقدان جنينه. لم يذهب إلى مروة منذ أن أتى بها من المشفى.
تفاجأ الثلاث بدخول إنعام عليهم، وقالت لهم:
"مالكم قاعدين زي الولايا اللي في محزنة كده."
قالت هذا ونظرت لرفعت وقالت له:
"فين زوزي؟ روحت لها الأوضة اللي كانت بتنام فيها ملقتهاش. ولا حتى في أوضتك. أوعى تكون زعلتها ومشيت وسابت السرايا. وهي حامل."
نظر رفعت لجدته بذهول وقال:
"هي زينب كانت قالت لحضرتك إنها حامل!"
ردت إنعام:
"لأ مقالتليش بس أنا شوفت عليها أعراض حمل وقولت لها تروح لدكتورة. بس هي مسمعتش كلامي. هي فين؟"
صمت الجميع متعجباً.
بينما قالت إنعام:
"أوعى تقولي إن بقية الحلم اللي شوفته هيتحقق. مروة شوفتها قاعدة عالدم وزينب في النيران وسط البحر. قول لي فين زوزي."
رد رامي:
"تعالي معايا يا جدتي. إنتي لازم تفطري وتاخدي علاجك."
نظرت إنعام لرفعت بشفقة كأنها تشعر به، وقالت:
"إنت اللي هتنقذ زينب يا رفعت. زينب مش هتروح زي اللي سبقوها."
تبسم رفعت لجدته بأمل. يتمنى أن يتحقق. لكن رنين هاتفه أزال ذلك الأمل سريعاً. بعد أن أخبره محمود بعدم عثوره على زينب بآخر مكان قال لهم عليه النائب.
.....
بالغرفة الموجودة بها مروة.
استيقظت على يد والدتها التي قالت لها:
"صباح الخير يا مروة. يلا اصحي علشان تاكلي وتاخدي علاجك."
قالت فادية هذا ووضعت صينية صغيرة جوارها على الفراش.
نهضت مروة وجلست ومدت يديها تأكل، وتحدثت لوالدتها باستعلام:
"هو رامي مجاش من وقت ما جابني الأوضة هنا."
ردت فادية:
"لأ. اللي جم صفوان وخالك. حتى خالك قال لي إن ليلى موبايلها ضاع منها في الجامعة وإنها هتقعد عنده كام يوم وتساعده في المشتل تستعيد طاقتها بعد ما خلصت امتحانات. حتى قولت له بلاش يقولها إنك أجهضتي علشان متزعلش. سيبها ترتاح دي الفترة اللي فاتت هلكت في الامتحانات. حتى هبة كمان قولت لابوكي بلاش يقول لها. يا حبة عيني مهدودة في الامتحانات بتاعتها. ربنا يسهل عليها ويكافئها بتعبها طول السنة وتجيب المجموع اللي هي عايزاه. قولت بلاش أشغلهم فوق طاقتهم."
شعرت مروة بغصة كبيرة في قلبها. لما لم يعد رامي ويطمئن عليها. لكن رسمت بسمة طفيفة على وجهها وأكلت الطفيف وتناولت علاجها. وما زال الفكر السيء يشغل رأسها. رامي حين أخبرته بحملها كان رد فعله هادئ. حتى أنه تقبل بهدوء أمر إجهاضها.
تلاعبة بها الوساوس السيئة. رامي لم يكن يريد طفل يربط بينهم. هذا ما جعله يتقبل خبر حملها وإجهاضها السريع بهذا الهدوء.
يبدو أن قصة الجميلة والوحش ستنتهي زهوتها قريباً.
.....
بغرفة الصالون.
بحوالي العاشرة صباحاً.
تفاجأ رفعت بدخول والدي زينب عليه.
سألت هالة مباشرةً:
"زينب فين؟ هنا ولا في الوحدة."
صمت رفعت بتفاجؤ. بماذا يرد عليها؟ الآن لن يستطيع الكذب.
تحدث صفوت مازحاً:
"سؤال إجابته متوقعة. أكيد في الوحدة. زينب ميمنعهاش عن الشغل غير الشديد القوي. أو غصب رفعت لها. وبما إن الأمور بينهم تمام. يبقى هي في الوحدة دلوقتي."
رد رفعت:
"لأ. زينب مش في الوحدة ولا في السرايا."
تعجب الاثنان وقالت هالة بترقب:
"أمال هي فين دلوقتي؟ إنتم..."
قاطعها رفعت وقال:
"أنا معرفش مكان زينب. هي فين. لأن زينب اتخطفت."
ضحك مجد الذي دخل وقال:
"نكتة حلوة يا رفعت. طلعت لك في الهزار. مين اللي يقدر يخطف زينب أختي؟ دي كانت عدمته الأهلية."
تبسم صفوت. لكن هالة نظرت لوجه رفعت. يبدو بوضوح عليه الوجوم. إذن هو لا يمزح.
وقالت:
"زينب فين يا رفعت؟"
رد رفعت:
"صدقيني أنا معرفش مكانها. ومعرفش إزاي ده حصل."
قال رفعت هذا وسرد لهم ما حدث حول خطف زينب.
بكت هالة قائلة لرفعت بلوم:
"هو ده وعدك إنك تحافظ على زينب؟ إحنا لما وافقنا نشاركك في لعبتك إنك توهمها بالكذب إنك خطفتني علشان توافق تتجوزك. ووقتها تقدر تحميها من الحيوان اللي اسمه هاشم الزهار اللي كان بيحوم حواليها وقتها وحذرتنا منه إنه شخص غدار ومعندوش مبادئ وإنك متقدرش تحمي زينب منه غير لما تكون مراتك وتحت حمايتك المباشرة. فين حمايتك دي راحت فين؟ طلعت كذبة."
صمت رفعت. جميع العواصف تضرب به. هو فشل في حماية زينب كما وعدهما سابقاً.
بينما تحدث صفوت وقال:
"ومين أكيد أعدائك اللي حاولوا يقتلوك هما اللي خطفوا بنتي. مكنش لازم أستسلم ليها وأسيبها هنا بعد ما ربنا نجاها. وقتها بس هي قالت لينا إنها بتحبك ومش هتسيبك. بس إنت كنت فين وسيبتهم يخطفوها؟ ممكن يستغلوا نقطة ضعفها."
رد مجد:
"إهدي يا بابا. إهدي يا ماما. رفعت أكيد زينا بيحب زينب وخايف عليها دلوقتي زينا. بلاش نتكلم بعصبية. لازم نهدى شوية."
بكت هالة قائلة:
"كان قلبي حاسس من امبارح. ليه خفيت عننا الأمر؟ زينب بنتي دايماً مكتوب عليا أبقى بعيدة عنها. وقبلت بكده غصب عني. لكن مش هقدر أتقبل إني مشوفهاش تاني. لو جرالها حاجة مش كويسة. عمري ما هسامح نفسي إني في يوم شاركت في كذبة خلتها اتجوزتك."
تحدث رفعت باختصار:
"زينب حامل."
صدمة ألجمت الجميع. زينب خطفت. أصبح الخوف فزع عليها.
.....
بذالك الهنجر الموجودة به ليلى.
كانت ليلى تسمع إلى تآوهات تلك الساقطة مع ذلك الوغد الثاني من المرتزقة. تقول كلام بذئ يجعل هذا الوغد يزيد من حماسه معها. يستمتع بصوت تآوهاتها التي تخرج منها بانتشاء.
كانت ليلى لا تشعر فقط بالاشمئزاز من تلك الأصوات بل شعرت أيضاً بالغثيان.
بالفعل حاولت الغثيان. لكن جوفها خالي حتى من المياه. فمنذ الأمس حتى لم تتجرع شربة ماء. لكن تتحمل الجوع والعطش حتى لو ماتت. كل ما تتمناه هو ألا يدنس وغد من هؤلاء المرتزقة جسدها وتذهب إلى خالقها بعفتها. لكن نظرات ذلك الوغد الذي فتح باب الغرفة الموجودة بها ثاقبة. تثقب روحها. عيناه تمر على جسدها باشتهار. يبدو أن أمنيتها لن تتحقق. هي الآن بين براثن ذلك الوغد. بالفعل توجه إلى مكان جلوسها أرضاً وقام بمسكها من معصمها المجروح وشدها بقوته.
لم تشعر فقط بألم من جرح معصمها بل شعرت أن ذلك الوغد قد خلع ذراعها من الكتف. تشعر بألم ساحق.
صرخت بقوة ترتجف بين يدي ذلك الوغد الذي يحاول تقبيلها عنوة. كانت تقاومه. لكن هي عصفورة بين أنياب سمكة قرش.
بدأ بتمزيق ثيابها. ودفعها لتسقط أرضاً. لم يمهلها فرصة. جثى عليها بجسده الضخم فوراً. كانت ليلى تقاوم. بدأت قواها تخور. هي انتهت. ذلك الوغد سيدنسها. أغمضت عينيها وكادت تستسلم لقدرها المر. لكن قبل أن يتمكن ذلك الوغد منها ويدنس جسدها بآثامه. سمعت صوت طلقة رصاص وبعدها شعرت بسيلان شيء لزج فوق عنقها وسكون جسد ذلك الوغد القابع فوقها. لم تعد لديها حتى قدرة أن تزحه من فوقها. لكن سمعت صوت لمى تقول بأمر:
"شيلوا الحقير ده من فوقها. بسرعة."
بالفعل سمع رجالها الأمر وأزاحوا جسد الوغد من عليها.
شعرت كأنهم أزاحوا عن قلبها صخرة. لكن رغم حرارة الطقس شعرت ببرودة قاسية. كل ما استطاعت فعله هو لم ثيابها الممزقة على جسدها علها تسترها أمام أعين هؤلاء المرتزقة الجبناء الجياع.
بينما
اقتربت منها لمى ونظرت لها بعلو وقالت باستهزاء:
"مالك نايمة لسه عالأرض؟ إيه كان نفسك يكمل ولا إيه؟ للأسف إنتي مطلوبة عذراء. لو مش طلب مدفوع فيه غالي كنت سبت الحيوان ياخد شهوته منك."
ارتعشت ليلى وقالت:
"أنا ما أذيتكيش بحاجة. ليه خاطفاني؟ أنا ماليش أي علاقة بوسيم غير إنه أستاذي وقريب جوز أختي."
انحنت لمى على ليلى ومسكت معصم يدها الذي يؤلمها وقالت:
"بتضحكي على مين؟ لما حبيب القلب يغلط ويناديكي باسمي ده معناه إيه؟ بس أنا بقى هحسره على القذرة اللي فضلها عليا أنا لمى الزهار اللي مفيش راجل يرفضني. الحقير وسيم رفضني. وأنا اتذللت له. بس هو مشغول بحشرة أقدر أفعصها تحت رجلي. وده فعلاً اللي هعمله. حظك إن صاحب الطلب طالب بنت عذراء. وهتكوني هدية له. يمكن يكون الحظ بيبتسم ليكي. كلها ساعات وتقابليه وأنتي وشطارتك. هو سخي قوي وبيدفع كويس على مزاجه. وأنتي مناسبة جداً لمزاجه."
قالت لمى هذا وقامت بترك يد ليلى ووقفت وقامت بدهس يد ليلى أسفل حذائها وقالت:
"خدوا الحيوان ده ارموه للكلاب تتسلى بجثته."
قالت هذا ونظرت بعُهر لأحد الرجال وسارت بغنج تتجه نحوه ووضعت يديها حول جسده بإثارة قائلة:
"لنكمل ما كنا نفعله قبل سماع صوت العاهرة الصغيرة."
غادرت لمى الغرفة، تاركة ليلى تشعر بضياع. تبكي باستنجاد بالله أن ينقذها من تلك البراثن القذرة ومستقبل قاسٍ ينتظرها. موتها الآن أفضل العطايا الإلهية.
.....
بالفيلا.
بعد أن فاقت زينب وجدت نفسها بغرفة. حاولت الخروج منها لكن الغرفة محكمة جيداً. الغرفة كأنها معزولة. لا يوجد بها شباك حتى. لولا إضاءة تلك المصابيح الحمراء بالغرفة. الغرفة تبدو كغرفة تعذيب بأحد السجون. هي قرأت سابقاً عن نوعية تلك الغرف واستخداماتها للتعذيب الجسدي لنوع من الممارسات العنيفة السادية.
لكن الآن بدأت تشعر بدوخة. ليست دوخة عادية. هي تشعر بانسحاب الماء من جسدها. تشعر بالظمأ الشديد. كذلك الجوع. لكن تشعر أكثر بالظمأ. بدأت تلك الدوخة تزداد مع الوقت. شفتاها بدأت تتشقق كالأرض الجرداء. وضعت يديها فوق بطنها تتلمسها كأنها تمسد على جنينها. خشيت عليه كثيراً. ذلك الوغد فابيو يستخدم معها أساليب التعذيب النفسي بوجودها بغرفة كهذه وأيضاً حرمانها من الطعام والماء كي يضغط عليها. للحظة حتى لم تفكر في الاستسلام. وأخبرها عقلها:
"العمر واحد يا زينب."
لكن قلبها قال:
"والجنين اللي في بطنك يستحق تتنازلي علشانه."
أجاب عقلها:
"لو مكتوب له الحياة هيفضل متمسك بها زيك. فاكرة قبل كده واجهتي الموت وانتصرتي عليه؟ الأعمار بيد الله."
توجهت زينب إلى الفراش وتمددت عليه تغمض عينيها. وللحظة ابتسمت حين تذكرت ذلك الهمجي رفعت وهمست باسمه. ثم استسلمت لتلك الغفوة.
.....
بالعودة للحاضر.
حين نهض رفعت وخرج من الغرفة بهذا الشكل المتسرع. ذهب خلفه
مجد ووسيم ورامي.
دخل رفعت إلى غرفة المكتب وقام بفتح خزنة كانت خلف إطار معلق بالغرفة.
وأخرج منها حاسوب خاص به، وقام بتوصيله بشاحن ووصل الشاحن بالكهرباء.
انتظر ثواني حتى يفتح الحاسوب. كانت الثواني تمر مثل الساعات.
إلى أن فتح الحاسوب. دخل رفعت سريعاً إلى أحد البرامج وقام بالبحث بداخلها. إلى أن عثر على إشارة.
خلع رفعت شاحن الحاسوب وقام بأخذ الحاسوب. وكان سيخرج سريعاً.
لكن تحدث وسيم يقول:
"إيه اللي على اللابتوب ده يا رفعت."
تنهد رفعت وقال:
"أنا شبه عرفت مكان زينب. زينب في إسكندرية لسه. لازم أتحرك بسرعة."
قال وسيم:
"أنا جاي معاك أكيد ليلى معاها في نفس المكان."
تحدث رفعت وهو يتوجه للخروج ومعه الحاسوب:
"ماشي. تعالى معايا."
قال مجد:
"وأنا كمان هاجي معاكم. زينب أختي."
تحدث رفعت:
"تمام. خليك أنت هنا يا رامي. لازم حد يفضل هنا. مش لازم كلنا نسيب السرايا علشان جدتك."
رد رامي:
"تمام. بس خليك معايا على اتصال دايماً."
بالسيارة. كان وسيم يقود السيارة بسرعة جنونية. حسب توجيهات رفعت له. الذي يراها حسب إشارة جهاز التتبع الموصول بذلك السلسال.
.....
بالفيلا الموجودة بها زينب.
بدأت تخور قواها. هي منذ أمس لم تأكل ولم تشرب أيضاً.
كان فابيو وهاشم يقومان بمتابعتها عبر كاميرا موجودة بالغرفة.
نظر فابيو ناحية هاشم وقال:
"الآن سأذهب أنا للطبيبة. لم يعد سوا ساعات ولابد أن نغادر بتلك الباخرة. دع الكاميرات تعمل. إن لم ينفع الحديث الودي مع الطبيبة لابد من اتباع الطريق الآخر. ووقتها لن تستطيع رفض طلبي."
شعر هاشم بنيران ساحقة وظل بمكانه. هو لديه يقين أن زينب سترفض عرض فابيو.
هل يسمح لفابيو بنيل زينب وأخذ ذلك التسجيل والضغط عليها به لتوافق على العمل بمشفاه باليونان.
وقع بصر هاشم على دخول فابيو إلى تلك الغرفة.
رأى وسمع عبر الكاميرا.
رفض زينب.
التي تشعر ببداية النهاية. الدوار أصبح أقوى. الرؤية بدأت تضعف. لكن هي تحاول جاهدة التشبث بالقوة أمام فابيو.
الذي قال لها:
"لم يعد أمامي طريق آخر يا دكتورة. ستوافقين بعد أن تكوني من ضمن نسائي."
قال فابيو هذا وهجم على زينب.
لكن زينب ما زال لديها بعض القوة. وقامت بصد فابيو عنها. ونجحت لأكثر من مرة.
وقف فابيو ينظر لتلك الدماء التي تسيل من إحدى زوايا فمه. ثم قام بلعق دمائه وقال بوقاحة:
"الطبيبة شرسة أيضاً. سأستمتع أكثر بذلك ونحن بالفراش. لا تقلقي عزيزتي. أنا لا أهوى النساء الضعيفات."
نظرت له زينب بسخرية وقالت:
"بتهوى العاهرات اللي زي ريما كده. بس أنا مش عاهرة يا فابيو. وعلى جثتي إنك تطولني."
ضحك فابيو عالياً وقال:
"أنتي أمامي بدأت قوتك تزول عزيزتي."
قال هذا فابيو وهجم على زينب مرة أخرى. كانت تقوم بصده. لكن الدوار اللعين بدأ يعود لها. أغمضت عينيها للحظة.
استغل فابيو تلك اللحظة وقام بدفع جسد زينب لتقع على الفراش. وقف ينظر لها بنصر. فهي تبدو منهكة أمامه. لحظة واحدة وخطوة واحدة هي ما تمنعه عن نيل تلك الشرسه.
لكن لم يكن عليه أن يؤمن لخائن مخادع قذر مثل هاشم الزهار.
الذي دخل إلى الغرفة.
نظر له فابيو وقال بالحديث إليه بهجوم:
"ما الذي أتى بك لهنا؟ تشتهي الطبيبة أنت الآخر. أرى ذلك بعينيك منذ أن أخذناها من تلك السيارة. هاشم الزهار مغرم بامرأة رفعت الزهار. إذن لهذا أنت من سهلت دخول ذلك الحقير الذي خطفها من مكان عملها بعد أن أتيت له بمخطط كامل عن أماكن الكاميرات بذلك المكان. لا يهم الآن. الطبيبة لي. اخرج إلى الخارج."
أوهم الكهل المخادع ذلك البركان أنه بالفعل خرج من الغرفة.
نظر فابيو لزينب النائمة على الفراش والتي بدأت تستعيد جزء صغير من قوتها. وكاد أن يعتليها. لكن
عاود هاشم فتح باب الغرفة بل ودخل إلى الداخل. مما أعصب فابيو وذهب إلى مكان وقوفه وكاد يتحدث له بتهجم. لكن لم ينطق لسانه. حين شق هاشم رقبته بنصل حاد.
بحركة تلقائية من فابيو وضع يديه حول رقبته. لكن وقع أرضاً تفور دماؤه من رقبته. يهتز جسده يعلن نهاية البركان بفوران دمائه على يد أحد أوغاده المخادعين الغادرين.
كانت زينب بدأت تنهض من على الفراش ورأت ذلك المشهد الدامي. لكن بنظرها فابيو يستحق الذبح.
اقترب هاشم من زينب ومثل البراءة أمامها وقال:
"أنا مقدرتش أشوفه بيغتصبك. زينب أنا بحبك من أول مرة شوفتك فيها. قدامنا فرصة نهرب من هنا ونعيش بعيد عن هنا. أنا معايا فلوس كتير قوي. في بنوك بره مصر."
الدوار يعاود مرة أخرى. لو رفضت زينب قد لا تموت وتدخل بغيبوبة يستغلها ذلك الوغد المخادع ويأخذها معه بالفعل.
قالت زينب:
"أنسولين."
تحدث هاشم:
"قولتي إيه؟"
ردت زينب وهي تبلع حلقها الجاف ولهثان:
"أنا عندي السكر ولازم آخد حقنة أنسولين دلوقتي."
اقترب هاشم منها وحاول حملها. لكن زينب قالت له:
"الحقنة. لازم آخد حقنة بأقصى سرعة."
حملها هاشم قائلاً:
"خلينا نطلع من هنا وأوعدك أجيبلك حقنة الأنسولين. زينب أنا بحبك. أنا قتلت فابيو عشانك. هنعيش سوا بعيد عن هنا."
لوهن زينب أومأت برأسها.
ظن هاشم أنها استسلمت له.
خرج هاشم من باب خلفي لمبنى الفيلا ووضع زينب بسيارة. وقاد السيارة سريعاً يخرج من مكان بخلفية الفيلا هرباً من رجال فابيو الجالسين أمام باب الفيلا الرئيسي. كان يقود السيارة بسرعة جنونية. توقف أمام إحدى الصيدليات وطلب حقنة الأنسولين. أعطاها له الصيدلي.
عاد إلى السيارة وجد زينب بدأت تنسحب تدريجياً مع ذلك الدوار.
شعرت زينب بعودة هاشم للسيارة وبحركة تلقائية قامت بمد يدها له حتى يقوم بإعطائها الحقنة.
بالفعل كاد هاشم أن يغرس الحقنة بعضدها لكن تراجع على آخر لحظة. ظناً منه أنه لو أعطى زينب الحقنة الآن ستستجمع بعض قوتها ووقتها لن تذهب معه. إلى تلك الباخرة. تلك نقطة عليه استغلالها. بالفعل لم يعطِ لزينب الحقنة.
فتحت زينب عينيها ورأت هاشم يضع الحقنة بجيبه وقال:
"هديكي الحقنة يا زينب بس مش هنا عالباخرة. أنا معنديش ثقة فيكي."
تحدثت زينب بوهن:
"ولا أنا يا هاشم عندي ثقة فيك. بس هتندم إنك مدتنيش الحقنة. لأني ممكن أموت في أي لحظة لو اتأخرت في أخد الحقنة."
رد هاشم:
"مش هتموتي يا زينب. كلها دقايق ونبقى في الباخرة في عرض البحر."
بالفعل دقائق وكان هاشم يضع قدمه بالباخرة.
تحدث القبطان له وقال:
"فين فابيو ورجالته."
رد هاشم:
"خليني أدخلها لأي أوضة يكون فابيو ورجالته وصلوا."
بالفعل سمح القبطان لهاشم وأخذه إلى إحدى غرف الباخرة. وضع هاشم زينب بالغرفة. ثم خرج إليه وقال:
"لمى جابت الأمانة لهنا."
رد القبطان:
"أيوا. في حاوية كبيرة زي كل مرة. بس فين فابيو."
رد هاشم وهو يرفع سلاح بوجه القبطان:
"فابيو مات. ولو عاوز تحصله خالف أمري. الباخرة قدامها قد إيه وتمشي."
رد القبطان برجفة:
"خلاص تقريباً كده الحموله خلصت. دي سفينة بضاعة بتنقل مواد بترولية. يعني مفيش أي تفتيش عالسفينة."
رد هاشم:
"تمام. يلا على مقصورة القيادة وأتوكل لطريقك. وأنا هفضل هنا في الأوضة دي. وافتكر أي حركة غدر إنت المسؤول عن البنت اللي جابتها لمى لهنا. أنا معرفهاش. أنا سهل أنط من الباخرة. لكن إنت اللي هتتسأل سواء عالبنت التانية أو اللي دخلتها من شوية."
ارتجف القبطان وذهب إلى مقصورة قيادة الباخرة.
......
بنفس الوقت كان هناك قوة كبيرة تداهم تلك الفيلا التي دل رفعت محمود بوجود زينب بها. وكان رفعت من ضمن تلك القوة.
تغلبت الشرطة على أوغاد فابيو الذين تساقطوا أمام رجال الشرطة.
دخلت الشرطة إلى داخل الفيلا. تتجول بحذر مبالغ.
إلى أن وجد أحد القوات تلك الغرفة المقتول بها فابيو.
عبر جهاز اللاسلكي بينهم دخل محمود ورفعت إلى الغرفة.
نظروا إلى فابيو المسجى أرضاً بدماؤه.
تأكد رفعت أن زينب كانت هنا. لكن ما زالت بخطر وهي مع هاشم.
خرجت القوات من الفيلا.
اقترب مجد ووسيم من رفعت حين رأوه يخرج من الفيلا.
تحدث الاثنان بنفس الوقت:
"لقيت زينب."
"لقيت ليلى."
رد محمود:
"للأسف مش في الفيلا. خلونا بسرعة نشوف اللابتوب. يدلنا على مكان الإشارة الجديد."
بالفعل عاد رفعت لجهاز الحاسوب. الذي بدأ يعطي إشارة من ناحية البحر. لكن
الإشارة بدأت تختفي. عليهم التحرك سريعاً.
بالفعل ما هو إلا وقت قصير وشق عتمة قلب البحر أضواء البحرية المصرية.
فلا شيء مستحيل على قلب العاشق.
حتى لو أوقد نيران فوق مياه البحر.
.....
بالسرايا.
رأى رامي خروج والدة مروة من الغرفة.
دخل إلى الغرفة.
لم يتوقع أن تكون مروة مستيقظة بهذا الوقت.
لكن مروة حين رأت دخول رامي. أزاحت الغطاء من فوقها ونهضت من على الفراش. وأشعلت باقي ضوء الغرفة وقالت:
"أخيراً جيت تطمن عليا؟ والله كتر خيرك. وأنا اللي ظلمتك وقلت ده نسي إني مراته. ولا يمكن تاه عن مكاني في السرايا. ما هي السرايا واسعة قوي. ممكن يتوه."
علم رامي أن مروة تتهكم عليه وقال:
"مروة. أنا مش رايق لطريقة كلامك دي. أرجوكي بلاش."
تهكمت مروة وقالت بحدة:
"بلاش إيه؟ ويا ترى إيه اللي معكر مزاج رامي بيه؟ تكون زعلان على البيبي اللي راح؟ والله ضحكتني. أنا هنا من امبارح حتى معرفتش رجلك بحبة تراب من اللي مش موجودين في السرايا. قولت أروح أطمن على اللي أجهضت دي حالتها إيه. بس ليه تتعب نفسك. خلاص زهوتك عندي راحت. وكمان البيبي اللي كان هيربط بينا راح. كنت حاسة من وقت ما قولت لك إني حامل إنك مفرحتش الفرحة اللي كنت متوقعاها. ويمكن فرحت أكتر لما البيبي نزل."
تعصب رامي قائلاً:
"مروة بطلي تخاريف وظنون مش موجودة غير في دماغك وبس. أنا مش هرد عليكي وهسيبك لحد ما تهدّي."
تعصبت مروة وقالت:
"أنا ههدى لما أريحك يا رامي. طالما زهوتك خلاص راحت وكمان البيبي نزل. مفيش قدامنا غير الانفصال بهدوء."
نظر رامي لمروة بذهول وقال:
"فعلاً أنا لأول مرة أحس إني كان لازم أدوس على قلبي. واحدة حاولت تنتحر علشان متتجوزش مني. هنتظر منها تحبني غصب عنها. هريحك يا مروة وهحققلك طلبك بس بعد رجوع زينب وليلى. وأدعي إنهم يرجعوا بخير. زينب وليلى أختك مخطوفين من امبارح ومنعرفش مكانهم. وده كان سبب بعدي عنك. مش الأوهام اللي في دماغك."
قبل أن تنطق مروة سمعت ارتطام جسد والدتها التي عادت إلى الغرفة. وسمعت نهاية حديثهما معاً. لم يستطيع عقلها ولا قلبها التحمل.
واحدة مقبلة على طلاق.
والأخرى مخطوفة.
سقطت فادية أرضاً مغشياً عليها.
رواية عشق بين نيران الزهار الخاتمة بقلم سعاد محمد سلامة
ذهب رامي سريعاً وحمل فادية ووضعها على الفراش. في نفس الوقت، أتت مروة بزجاجة عطر وحاولت إيقاظ والدتها.
استجابت فادية وبدأت تقول بدموع:
ليلى، كان قلبي حاسس وسألت نعمان عليها أكتر من مرة وكان بيتحجج بحجة شكل. يارب، أنا عمري ما طمعت غير في الستر ليا ولبناتي. يارب، أنا عمري ما كنت طمعانة غير فيك. يارب رجعها ليا بخير وبستر.
نظرت فادية لمروة التي تقف بجانبها تبكي هي الأخرى. فجأة، صفعت فادية مروة على خدها وقالت لها:
هتفضلي طول عمرك غبية ومتسرعة ومعندكيش ثقة في قيمة نفسك وده اللي هيخسرك حياتك. الشك اللي عايشة فيه، كان لازم أفوقك من زمان. لو كنتي نزوة بالنسبة لرامي كان من زمان بسهولة خدك ورماكي. متفكريش إن رفضك له قبل كده كان يمنعه عنك. ولما حاولتي تنتحري عشان متتجوزهوش، لو واحد غيره واتجوزك، كان ذلك أحلى ذل بعد ما اتجوزك وكان عايشك خدامة في سرايته. لكن رامي معملهاش لأنه بيحبك حقيقي. وأنا شايفة إنك خسرتي الحب ده بغبائك وتفكيرك الغلط. فوقي قبل فوات الأوان، ولا أنا شايفة إن الوقت فات فعلاً. ورامي مش غلطان في حقك.
قالت فادية هذا وحاولت النهوض من على الفراش قائلة بتوسل لرامي:
قولي الحقيقة يا رامي. بنتي جرالها إيه؟
رد رامي، المذهول من رد فعلها مع مروة:
رفعت ووسيم راحوا إسكندرية في خبر أنهم هناك، وإن شاء الله يكونوا بخير هي وزينب.
بكت فادية تقول بدعاء ومناجاة:
يارب. أنا هروح لبيتي بس أمانة عليك أي خبر يجيلك قول لي عليه.
رد رامي:
بلاش ترجعي لبيتك عشان هبة عندها امتحانات وممكن تتأثر بالسلب لو عرفت حضرتك. خليكي هنا، وأي خبر هيوصلني هقولك عليه.
نظرت فادية باتجاه مروة المذهولة من صفع والدتها لها، ونزلت دموع عينيها وقالت:
لأ، أنا هروح بيت نعمان. وأكيد نعمان معاكم على تواصل من البداية، هو اللي خبى عليا.
رد رامي:
وكمان عمي صفوان يعرف. بصراحة، إحنا خفنا عليكي.
نظرت فادية لرامي ثم لمروة وقالت بقوة زائفة:
أنا خلاص اتعودت عالصدمات في حياتي. أنا هبقى عند نعمان.
قالت فادية هذا وتمسكت بالقوة الزائفة وغادرت الغرفة، وتركت مروة التي رفعت وجهها تنظر لرامي بخجل مما فعلته وقالت والدتها. هي وضعت الحقيقة أمام مروة. لو كانت زهوة بنظر رامي لكان عاملها بذل في سراياه، وكان أقل شيء عايرها أنها ابنة أحد خداميه. لكن رامي لم يفعل ذلك. لو كانت زهوة، لكان اختنق من غيرتها الزائدة وشكها الدائم فيه، حين يغيب عن عينيها تظن أنه سيتركها مع الوقت. كيف صور لها عقلها هذا؟ كيف اعتقدت أن وجود رابط بطفل أو بطفلة بينهم سيمنعه من الابتعاد عنها لو فقدت زهوتها لديه؟ هل سيغفر لها رامي الآن؟
جلجلت مروة صوتها وكانت ستتحدث، لكن قبل أن تتحدث، قال رامي:
الغيرة والشك، الاثنين أقوى قاتل للحب يا مروة. مش الفوارق الاجتماعية ولا الجمال. دول مظاهر فارغة قدام الحب الحقيقي. بدليل الجميلة عشقت الوحش رغم أنه كان مسخ مشوه، ولم يكن عندها شك أنه لما هيتحول ويرجع الأمير الوسيم، هيقدر ينسى حبها أو هيبص لغيرها. للأسف يا مروة، أنا في فترة صغيرة اكتشفت إن الخيال أبعد ما يكون عن الواقع. إني حبيتك طول عمري ورجعت عشانك واتحملت كتير جفائك. حتى لما قولتي لي إنك بتحبيني صدقتك، بس كنت غلطان. إنتي خنقتي الحب ده بإيدك وبغيرتك وشكك اللي كانوا في دماغك من البداية. لو ما كنتش عاوزك من البداية، ما كنتش حاربت قلبك عشان أفوز بس بكلمة حب منك. حتى لما حاولتي تنتحري، مع الوقت نسيت أو اتناسيت وكان نفسي نكمل حياتنا سوا. حتى لما اتحطيت في اختيار، اخترتك وبعدت عن هنا. وده كله بدل ما يديكي البرهان على حبي وتمسكي بيكي، فسرتيه على هواكي. لكن تفكري إني فرحت لما أجهضتي عشان بكده الرابط اللي كان هيبقى بينا انتهى، كان فوق تصوري. بكده وصلنا لنهاية قصة الجميلة والمسخ.
قال رامي هذا وترك هو الآخر الغرفة، مخلفاً خلفه مروة التي انهارت فوق الفراش باكية بحرقة. كل ما قالته والدتها وأيضاً رامي كان الحقيقة التي غفلت عنها وفسرت الأحداث على هواها.
بين أمواج البحر بدأت تلك الباخرة في السير نحو وجهتها إلى سواحل قبرص، والتي تحمل حمولة لحد ما ليست كبيرة لبعض المواد البترولية التابعة لشركة معروفة. فالكمية مرسلة تمويل لبعض معدات التنقيب عن البترول في البحر.
وقف هاشم أمام إحدى الحاويات. تحدث مع أحد الرجال وقال:
عملت اللي قلت لك عليه.
رد:
أيوه يا هاشم بيه. البنت هنا جوه مع الباقين، ووصيت الرجالة على لمى هانم.
تبسم هاشم بظفر وقال:
افتح الكونتينر. عاوز أحدد قيمة الطرد ده قبل ما نوصل.
فتح الرجل باب الحاوية، دخل هاشم إلى داخلها. نظر حوله إلى هؤلاء الصبية والفتيات الصغيرات. تبسم يقول:
لأ، المرة دي العدد كبير.
قال هذا وتوجه إلى أحد الأركان، كانت ليلى ممددة أرضاً. جلس القرفصاء بجوارها ونظر لأجزاء جسدها الظاهرة بسبب ملابسها الممزقة. بإشتهاء وقال:
دورك جاي. قبل ما نوصل قبرص هكون استمتعت بيكي كفاية، وبعدها أنتي واختيارك. وبكده أبقى حرقت قلب الحقير صفوان كفاية يعيش وهو مش عارف إن كنتي عايشة ولا ميتة. الحقير اللي فكر إن في حد يقدر يقف قدام هاشم الزهار ويمنعه عن حاجة هو نفسه فيها. لأ، وكمان درس لوسيم الشامي لدعت قلبه. مفكرني غبي ومكنتش عارف إنه مغرم بيكي. أنا شفت عينيه يوم زفاف رامي، منزلتش من عليكي. وارث غباء مهره، بس أنا حرقت قلبه زي زمان ما حرقت مهره. مفكرة إنها هتقدر عليها. غلطانة أكيد. لازم أبعت لها هدية من قبرص، بس أوصل لهناك.
نهض هاشم وتوجه يخرج من باب الحاوية وتحدث للرجل:
بعد أربع ساعات تدخل تاني ترش عليهم مخدر، وتنتظم في كده. مش عاوز حد فيهم يفوق قبل ما نوصل.
أعطى الرجل الإتمام لهاشم.
غادر هاشم المكان متوجهاً إلى الغرفة الموجودة بها زينب.
بداخل تلك الغرفة، بدأت زينب تشعر بخدر يغزو جسدها. لابد من أخذ جرعة أنسولين الآن، وإلا بعد وقت قليل قد تذهب إلى مضاعفات وتدخل في غيبوبة. شعرت بفتح باب الغرفة ودخول هاشم. جلست على الفراش وقالت له ببداية بوهن شديد:
الحقنة لازم آخدها دلوقتي.
فكر هاشم. هو درس صيدلة سابقاً. حقاً لم يكمل دراستها للنهاية، لكن لديه خلفية عن تأثير بعض الأدوية العلاجية على المرضى، ومنها عقار الأنسولين الشهير، والمستخدم الرئيسي في علاج مرضى داء السكري. لو أعطى زينب الحقنة الآن والباخرة بالكاد تحركت، قد تستعيد طاقتها قبل أن تدخل الباخرة في عمق كبير بالبحر. ووقتها لا يضمن رد فعلها. هو رأى سابقاً قوتها، هي لم تكن بقوتها كاملة وواجهت فابيو بضراوة لم يقدر التغلب عليها بسهولة كما كان يعتقد، رغم أنه منع عنها الماء والطعام لأكثر من يوم، وتحملت ذلك. إذن لتتحمل بعض الوقت. لن تخسر شيئاً. بالفعل، قال بكذب وهو يفتش في ملابسه:
الحقنة يظهر وقعت مني. هطلع أدور عليها وأرجع لك بسرعة.
بالفعل خرج هاشم من تلك الغرفة الصغيرة، فهي غرفة خاصة بعمال النظافة للباخرة. ارتتمت زينب على الفراش، شعورها يزداد ببواذر انسحاب الطاقة من جسدها. لولا تمسكها بالقوة الزائفة، وضعت يدها على بطنها. شعرت لأول مرة بشيء ينبش بضعف في رحمها. تبسمت. يبدو أن هذا الجنين مثلها سيكون محارب. بعد ما مرت به ببداية الليلة ومحاولة اغتصاب من فابيو، صدته عنها بجسارة، وكذلك غدر ذلك المخادع هاشم بفابيو وقتله له. أنقذها من الوقوع في براثن ذلك الوغد الذي كان يريد مساومتها بتسجيل فيديو بعلاقة جسدية له معها، يستغله في خضوعها لما يريد. لكن مازال الأسوأ، هاشم نفسه. وجسدها تنسحب منه الطاقة. لديها يقين هاشم سيستغل ذلك ويساومها هو أيضاً. قلبها يشعر أن رفعت سيأتي من أجلها، لكن السؤال: هل سيأتي وأنا مازلت على قيد الحياة؟ وضعت يدها كي تمسك سلسال المصحف التي دائماً كانت تحرص على ارتدائه، لكن تفاجأت السلسال غير موجود على عنقها. أين وقع؟ دخل لقلبها شعور بنقص من دون ذلك السلسال.
بالفعل، ها هو رفعت يشق مياه البحر ليلاً من أجلها. أضاء عتمة البحر بأضواء لانشات قوات من البحرية المصرية.
وهنالك سفينة أيضاً مساعدة لتلك اللانشات. كان رفعت على متنها، وكذلك وسيم ومجد اللذان طلبا من رفعت اصطحابهما معهم والبقاء بالسفينة دون المشاركة في المداهمة التي سوف تحدث، فقط مرافقة.
حاصرت اللانشات تلك الباخرة المشتبه بها دون لفت انتباه الباخرة بذلك. لكن السفينة التي مع القوات أرسلت إشارة لقائد الباخرة بالتوقف عن مواصلة السير في البحر.
مما أفزع قبطان السفينة. وذهب مسرعاً نحو تلك الغرفة الموجود بها هاشم.
تفاجأ به يقف أمام باب الغرفة.
تحدث القبطان:
مصيبة. في سفينة من البحرية المصرية قريبة مني في البحر بعتت إشارة بالوقوف.
إنخض هاشم وقال له:
تقصد إيه؟ يعني ممكن يكونوا شاكين في وجود حاجات ممنوعة على الباخرة؟ إنت مش كنت قلت لفابيو، الباخرة هتبقى محملة مواد بترولية مبعوتة لمعدات شركة التنقيب، وبالتالي مش هيبقى عليها تفتيش.
رد القبطان:
هو بيحصل كده فعلاً، بس ممكن يكون في تبليغ حصل على السفينة أو ممكن يكون الاحتمال ده غلط. وتكون سفينة البحرية نفسها محتاجة مساعدة أو في شيء الشركة المسؤولة عن حمولة الباخرة محتاجة تزوده.
رد هاشم:
أياً كان السبب، ممنوع توقف الباخرة. كمل طريقك، فاهم.
رد القبطان:
عدم استجابتي لسفينة البحرية ممكن يزرع شك عندهم. أنا رأيي أني أوقف وأشوف هما عاوزين إيه. ممكن تكون سفينة البحرية محتاجة مساعدة، وبعدم وقوفنا يدخل شك لهم إن السفينة بتهرب ممنوعات، وتدي إشارة لمركز القيادة البحرية وإحنا لسه مخرجناش من المياه الإقليمية ونلاقي هجوم علينا. رأيي أستجيب لإشارة سفينة البحرية، بدل من التجاهل يعمل شك حوالين الباخرة.
رد هاشم:
تمام.
عاد القبطان إلى كابينة قيادة الباخرة وقام بتوقيف الباخرة، من أجل الاستعلام ماذا تريد سفينة البحرية. وإن كان لديه شك بأن هنالك خطب ما، فرادار الباخرة التقطت حركة لانشات قريبة من مسار الباخرة، ولم يخبر هاشم بذلك خوفاً منه أن يجعله لا يتوقف بالباخرة، ووقتها من الممكن حدوث هجوم من البحرية عليه وقد يدفع ثمن ذلك، سواء كان بالموت أو حتى توقيفه عن العمل كقبطان بالبحرية. هو ليس عليه أي مسؤولية. إذا تم القبض على هاشم أو عثرت البحرية على تلك الحاوية الأخرى، فمن السهل عليه إنكار معرفته بها. عدا ذلك، هو بمأمن، فبالأصل الباخرة تنقل بضاعة بطريقة سليمة.
بينما بسفينة البحرية.
تحدث محمود لرفعت:
رجعت إشارة جهاز التعقب تاني.
رد رفعت:
الإشارة بتيجي مذبذبة، مش عارف السبب، بس لما بتظهر الإشارة بتيجي من الباخرة دي. على العموم، مش خسرانين حاجة. بسهولة نقدر نفتش الباخرة. غير إنك عارف مين قبطان الباخرة ده، وحده تأكيد لشكوكنا.
في ذلك الأثناء، أتى إلى مكان وقوفهم أحد زملائهم قائلاً:
بعتنا إشارة للقبطان الباخرة وهو رد أنه هيتوقف. وبالفعل السفينة هدت من سرعتها وبقينا قريبين منها جداً.
تعجب محمود ورفعت. هما توقعوا عكس ذلك. ربما راوغ قبطان الباخرة واكتسب وقت قبل الرد ودخل إلى المياه الدولية، وقتها بإمكانه رفض توقف الباخرة. لكن مع ذلك، قال محمود:
بلاش نلفت النظر من أولها. الباخرة محملة مواد بترولية، ممكن بسرعة تشتعل. خلينا نطلع الباخرة بهدوء زي ما قلت. أخو الدكتورة قال إنه بيشتغل مهندس تنقيب في الشركة اللي باعتة المواد البترولية دي. هو لبس درع واقي تحت هدومه.
وزي ما نوهت عليه إنه يطلع للباخرة بصفته مهندس في الشركة.
رد رفعت: تمام... ربنا يستر... خلينا نبدأ المداهمة بهدوء.
بالفعل صعد محمود ومعه مجد إلى الباخرة.
تحدث محمود: البشمهندس مجد بيشتغل في شركة البترول والمفروض إنه كان يبقى مرافق مع الحِملة، بس للأسف لأنه اتعطل في الطريق ووصل متأخر بعد الباخرة ما طلعت في البحر. هو طلب مننا إننا نوصله لحد الباخرة، بالذات إن الباخرة لسه مكنتش بعدت عن المياه الإقليمية.
تبسّم القبطان وقال براحة قليلاً قبل أن يتفاجأ بعد ذلك.
ممكن هاوية البشمهندس علشان أطمن مش أكتر.
بالفعل أخرج مجد هويته. تأكد من عمل مجد فعلاً بالشركة، استراح رغم أنه لم يلاحظ كنية مجد السمراوي المكتوبة بالهوية. هو لا يعرف أن المرأة التي أتى بها هاشم تحمل نفس الكنية.
لكن سرعان ما عاد ليس فقط للشك بل لليقين، حين رأى صعود مجموعة أخرى من القوات البحرية. وما زاد ارتجاف القبطان، صعود رفعت، هو يعرفه جيداً.
بسرعة كانت القوات تصعد مما أربك القبطان وقال: في إيه بالظبط؟ أنا ماليش دعوة بالباخرة غير إني القبطان بتاعها، وأي شيء تاني الشركة اللي بننقل لها هي المسؤولة عنه.
تبسّم رفعت الذي اقترب من القبطان وقال: فين هاشم؟ قول لي على مكانه ووفر على نفسك. الباخرة تعتبر أصبحت تحت سيطرة القوات البحرية، غير الإنشات اللي حواليها، يعني مفيش مكان للمراوغة.
ارتجف القبطان وقال بكذب: مين هاشم.
رد رفعت: هاشم الزهار... صديق المرحوم والدك العزيز اللي قتلوه علشان تاخد سيادتك مكانه. خلّص وقولي فين هاشم، واللي كانوا معاه أكيد عرفت إنه قتل فابيو.
ارتجف القبطان وصمت، بينما قال محمود: كده مفيش قدامنا غير التحفظ عليك وتفتيش الباخرة.
بالفعل بدأت القوات تتحرك بهدوء فوق الباخرة.
بينما في الغرفة الموجود بها زينب، سمعت صوت دخول هاشم مرة أخرى. نهضت بوهن شديد وقالت:
لقيت الحقنة.
رد هاشم: أيوا لقيتها، بس قبل ما أديها ليكي، ليا شرط.
علمت زينب أن ذاك الخسيس سيُساومها في مقابل إعطائها الحقنة ببخاسة، لكن لا بأس لتعرف مساومته، وقالت: إيه هو الشرط ده؟
رد هاشم: إنتي مقابل الحقنة.
ادعت زينب عدم الفهم وقالت: قصدك إيه؟
رد هاشم: يبقى بينا علاقة، ووقتها أضمن إنك متغدريش بيا بعد ما تاخدي الحقنة.
انزوت زينب على الفراش وقالت له: العمر واحد يا هاشم، ولو مكتوب لي أموت، الحقنة مش هتحييني. ولو مت دلوقتي هبقى شهيدة في أعلى مراتب الجنة. هكسب إيه أكتر من إني أدخل الجنة بدون حساب.
اغتَاظ هاشم بشدة من رد زينب القوي عليه. وشَت عقله تلك التي بدأ الشحوب يغزو وجهها، وما زالت تدعي القوة ورفضت عرضه.
تعصّب قائلاً: بس قبل ما تموتي يا دكتورة، هاخد منك اللي كنت عاوزه من أول مرة شفتك فيها. رفعت لما اتجوزك مكنش بيحبك ولغاية دلوقتي مش بيحبك، بدليل إنه مش بيدور عليكي. لحد دلوقتي، رفعت خدك من قدامي علشان يغيظني مش أكتر.
ردت زينب التي بدأت تنسحب تدريجياً وقالت: حتى لو رفعت مكنش خدني من قدامك، عمري ما كنت هفكر فيك يا هاشم. حركاتك من البداية كانت مكشوفة ليا، وقابلت زيها كتير، بس في قذارتك كنت الأسوأ.
ضحك هاشم كأن بدأ عقله يشت منه وقال: إحنا في البحر بعيد عن أي مكان، وهاخد اللي في نفسي. أنا أخدت كل اللي في نفسي قبل كده، مبقاش ناقص غيرك، وهاخدك يا دكتورة، هتكوني ليَّ حتى لو متي بعدها.
تحدثت زينب: مش هتقدر تاخدني غير وأنا جثة يا هاشم. بلاش تبقى متأكد من قوتك. أوعى تكون مش عارف إني دكتورة، وسهل كنت أعرف سبب النغزة اللي في قلبك وكنت بتتحجج بها وتيجي للوحدة تقول لي عليها. سببها المنشطات اللي تقريبًا مدمن عليها.
ضحك هاشم بقوة وقال: يبقى احذري مني يا دكتورة، أنا ديب.
ردت زينب: الديب أشرف منك، على الأقل بيعيش مع أنثى واحدة طول حياته، مش بيريل على واحدة تانية متجوزة، ويهددها يا تخون جوزها وتبقى له، يا تموت.
كانت ردود زينب تصيب هاشم في عقله مباشرة. تلك الطبيبة أقوى من اللازم، ما سبب قوتها؟
أجاب عقله: سبب قوتها العشق، هي تعشق ذاك الحقير رفعت.
بذكر عقله لاسم رفعت، ثار عقل هاشم. لا، لن يجعل رفعت فائزاً، سيأخذ جسد تلك الطبيبة. والآن، لا داعي للانتظار. قوتها أصبحت واهية، لن تقدر على مقاومته. بالفعل بدأ في خلع ثيابه جزء خلف آخر. لم يبقَ سوى بالبنطال. اقترب من مكان انزواء زينب على الفراش، وقام بشد إحدى ساقيها بقوة وقام بفردها على الفراش، وفعل ذلك بالساق الأخرى. وركز رسغي ساقيه فوق ساقيها. كانت زينب بدأت تشعر بالنهاية أمامها، لكن لن تستسلم قبل النفس الأخير. بالفعل قامت بضرب يده في وجهه، بصفعات ضعيفة. أغَاظت هاشم فقام بصفعها على وجهها صفعات ليست قوية ولا ضعيفة، حتى أنها فرّت دماء من بين شفتيها وأنفها أيضاً نزف دماء جعل قواها تذهب للنهاية، وأصبحت تُسحب الحياة من جسدها، ولم تعد قادرة على مقاومته. تبسّم بظفر، ومدّد جسد زينب فوق الفراش.
لكن بذلك الوقت.
كان رفعت بين القوات يمشطون الباخرة، وسمعوا أصواتاً عالية.
توجه رفعت ومعه بعض القوات، فتح الباب بحذر.
ثم شهر سلاحه وهو يدخل إلى الغرفة.
اننهار عقله وهو يرى هاشم يجثو بجسده فوق جسد زينب. كاد يُفرغ رصاص سلاحه برأس هاشم، لكن نهض هاشم عن جسد زينب وأخرج تلك الحقنة من جيب بنطاله وقام بسحب هواء بها وقال:
قبل ما تقتليني، هكون قتلت الدكتورة قدام عينيك، زي زمان ما حرقت أهلك قدام عينيك. ارمي سلاحك.
قال هاشم هذا وقام بتوضع الحقنة فوق عضد زينب.
لم يقل هذا فقط، بل قام بالجثو مرة أخرى فوق جسد زينب وقال:
وقبل ما أقتلها، هاخدها قدام عينيك.
لكن أخطأ هاشم في الحسبة. لم يكن عليه التحدث بتلك الطريقة.
زينب حقاً تشعر بقرب نهاية حياتها، لكن لن تدع وغد مثل هاشم ينال ما يريد ويدنس جسدها. رفعت إحدى ساقيها واستجمعت ما تبقى من قوتها واستقوت بوجود رفعت أيضاً، فهو لن يتركها ترحل وبأحشائها نطفته.
رفعت ساقها وقامت بضرب هاشم ضربة قوية أسفل منطقة خصره. لا، ليست ضربة واحدة بل ضربات متتالية، أفقدته عقله من الألم الذي يشعر بقوته. فهو ألم يشبه الذبح بسكين باردة.
في ذلك الوقت، وقعت الحقنة من يد هاشم على الفراش وتنحى عن جسد زينب ينزوي بأحد أركان الغرفة يشعر بسيلان دماء منه مصاحب لألم ساحق أفقده الحركة والتفكير.
سريعاً وضع رفعت سلاحه فوق خصره وتوجه للفراش وأخذ تلك الحقنة، وقام بإفراغ الهواء منها. ولحظات كان يغرس الحقنة بعضد زينب، التي استسلمت أخيراً وأغلقت عينيها ترحب بأي نهاية.
لكن لم تكن النهاية، ما زال وقت الرحيل لم يحن.
تحدث رفعت باستجداء لها: زينب، افتحي عيونك. خلاص هاشم انتهى. افتحي عيونك عشاني وكمان علشان الجنين اللي في بطنك. لازم تتمسكي بالحياة عشانه. بالفعل فتحت زينب عينيها لثوانٍ وقالت له بتوهان: اتأخرت ليه يا همجي.
تبسّم رفعت وقام بحضنها بقوة. إلى أن آنت بين يديه. خفف من حضنه لها وقام بلف الملاءة الموضوعة على الفراش أسفلها عليها وقام بحملها، وخرج من الغرفة. بينما دخل بعض رجال القوات وقاموا بالقبض على هاشم الذي شبه شُلّت حركته السير على قدميه له الآن مثل تروس المكن الحديدية حين تحتك ببعضها دون عازل، فتنكسر التروس. سار بينهم، يشعر بإنسحاب روحه مع زيادة الألم والنزيف المصاحب له.
لكن فكر عقله الشيطاني: هل سيستسلم ويترك رفعت يفوز في النهاية؟
لا، الشيطان لن يموت قبل أن يرسل أعداءه للجحيم قبله.
بحركة خداع من هاشم مثل عدم القدرة على مواصلة السير، جعل من كانوا يقبضون عليه يقفون بسرعة. أخذ سلاح أحدهم وقام بقتله وجرى يعرج مثل الذئب الجريح، يتوارى بين أحد أماكن الباخرة، وقام بإطلاق الرصاص نحو رفعت، لكن رفعت أخذ حذره سريعاً وتجنب بزينب إلى أحد الأماكن، ووضعها بمأمن وشهر سلاحه يرد على رصاص هاشم.
خرج هاشم من مكانه واختبأ بمكان آخر ونظر لسلاحه، لم يبقَ سوى رصاصة واحدة الآن. أمامه حلان، إما أن يُطلق الرصاصة برأسه، أو برأس رفعت.
لكنه ما زال يريد الحياة. لتنطلق الرصاصة برأس رفعت، لكن هاشم لم يحسب مكانه جيداً، خلفه أحد خزانات البترول وطلقة واحدة تخترق ذاك الخزان، انتهى مشتعلاً.
وبالفعل كانت رصاصة رفعت تخترق جدار ذاك الخزان، الذي سرعان ما اشتعل محدثاً كتلة نارية ضخمة طال لهبها الحارق جسد هاشم، الذي صرخ والنيران تلتهم جسده بسرعة، جعلته يتلوى من النيران ويسير بها وألقى بنفسه بين مياه البحر علها تُطفئ لهيب جسده، لكن المياه مالحة والنيران تشتعل فوق المياه فأعطتها سخونة قوية حتى إن انطفئت النيران، فالمياه تغلي بحرارة تلك النيران، مما جعل هاشم يظهر فوق المياه سريعاً. قامت القوات بسحب جسده الفاني.
حين رأى رفعت اشتعال النيران فوق الباخرة، قام بحمل زينب سريعاً وسار بها بسرعة كبيرة ثم ألقى بجسديهما في المياه بعيداً قليلاً عن مكان النيران. يداها تمسكت جيداً بزينب. سرعان ما تلقى دعماً من زملائه وسحبوه إلى أحد الإنشات وابتعدت بهم عن مكان النيران.
بينما قبل دقائق، أثناء تفتيش القوات البحرية للباخرة، لاحظوا وجود حاوية كبيرة مغلقة. قاموا بفتحها. لم يذهلوا مما وجدوا، فهم رأوا مثل ذلك كثيراً. الحاوية كانت تحتوي على مجموعة من الأطفال المراهقين من الجنسين، كانت من بينهم ليلى أيضاً. كانوا مُخدرين ويضعون فوق أفواههم وأيديهم وأرجلهم لاصق.
قامت إحدى الرافعات بحمل تلك الحاوية ووضعها فوق سفينة القوات.
بنفس اللحظة توجه وسيم إلى تلك الحاوية وفتحها. تنهد براحة حين رأى ليلى من ضمن هؤلاء، لكن زالت فرحته وهو يرى وجهها المكدوم وملابسها شبه الممزقة وبعض آثار التعذيب الواضحة.
خلع سريعاً قميصه وقام بوضعه فوق جسد ليلى، وقام بإزالة اللاصق من على فمها ويديها وساقيها، وبدأ يوقظها، لكن لم تستجب له. لكن جثّت عرقها النابض وشعر بنبضه، مما جعله يطمئن قليلاً.
بعد وقت أثناء عودة سفينة القوات.
اقترب مجد من رفعت الذي صعد للسفينة يحمل زينب وقام بتقبيل يدها قائلاً:
زينب حبيبتي.
تبسّمت زينب الواهنة دون أن تفتح عينيها وقالت بمزح: بتبوس إيدي ليه؟ مفكرني ماما يا حيوان.
تبسّم مجد وقام بتقبيل إحدى وجنتيها وقال: ما أنا كنت خايف أبوس خدك رفعت يرميني في النار اللي هناك دي... بحبك يا زوزي، شكلي مش هعرف أتخلص منك.
تبسّمت زينب دون رد واستسلمت لتلك الغفوة التي تسحبها. نامت بين ذراعي رفعت وهي مطمئنة.
بعد قليل وصلت السفينة إلى المرفأ، كان ينتظرها أكثر من سيارة إسعاف.
نزل رفعت يحمل زينب وجواره مجد، وتوجه إلى إحدى سيارات الإسعاف.
فتحت زينب عينيها ولعقت شفتيها وقالت: عطشانة.
تبسّم رفعت، كذلك مجد، بينما أعطى أحد المسعفين الموجودين بسيارة الإسعاف، زجاجة مياه لرفعت.
بدأ بسكب نقاط من الزجاجة ووضعها بإصبعه فوق شفتها. كانت زينب تلعق شفتيها. رغم أنها مجرد نقاط قليلة، لكن زال جفاف حلقها ونظرت لرفعت قائلة بوهن: أول مرة أشوفك عالحقيقة لابس زي الشرطة البحرية، إيه رجعت تاني للخدمة.
تبسّم رفعت وقال: رجعت عشانك، وآخر مرة هتشوفه عليا... بعد كده، هبقى الهمجي اللي بيروض الخيول الشرسة.
بوهن ردت زينب: الشرسة غير قابلة للترويض، لو عاجباك لازم تقبلها كده بشراستها.
تبسّم رفعت وقال: عاجبني شراستها وكنت خايف تضيع مني الشرسة.
كما نزل وسيم الذي حمل ليلى وصعد بها لسيارة الإسعاف، ظل معها في السيارة، مد يده وأمسك يد ليلى وقام بتقبيلها. للحظات، فتحت ليلى عينيها وقالت بتقطع:
"لمى.. لمى هي اللي كانت خاطفاني."
تحدث وسيم: "كان عندي شك إنها هي اللي وراء خطفك، سامحيني يا ليلى حاولت أحميكي وكنت ببعدك عني، كنت غلطان. كان لازم أحميكي وأقربك مني، بس الوقت لسه ما فاتش صدقيني، أنا بحبك يا ليلى."
لم تكن ليلى بكامل قواها العقلية، كانت تستمع لقول وسيم وتعتقد أنها في حلم وتتخيل ما يقوله.
لكن وسيم كان الندم يتأكل قلبه. لحظات فرقت. لولا القدر ربما كان فقد ليلى، ربما كان عاش الباقي من عمره يبكي ليلاه.
...
قبل قليل بذلك الهنجر.
تناوب هؤلاء الأوغاد على اغتصاب لمى. هم مرتزقة جياع يعيشون بين شقوق الجبال والصحراء الواعرة، لديهم رغبات مكبوتة. حين تقع فريسة تحت أيديهم، فهم لا يتركونها إلا بخروج روحها من جسدها. وهذا بالفعل ما فعلوه معها بسبب توصية كبيرهم لهم. هي سابيه لهم غنيمة، ذهبت لهم بمحض إرادتها حين استسلمت لشيطانها وسارت خلفه، لا تعرف أي أخلاق تسلك طريقها ولا لأي دين تنتمي. عاشت حياة ملحدة. ها هي تنتهي حياتها أسفل أجساد مرتزقة، كانت تعتقد أنها لديها القوة لإخضاعهم، لكنهم من نفس قذارتها، بل أسوأ. هم جياع للنساء، وهي سقطت أمامهم.
غادر هؤلاء المرتزقة الهنجر، تاركين جثة لمى لكلابهم الصعرانة الضالة يأكلون ما تبقى منها. جسدها الذي انتهكوه في البداية بإرادتها، وفي النهاية بالاغتصاب المتتالي منهم. انتهت مثلما فعلت مع نساء وفتيات غيرها وأرسلتهم للجحيم. هي الأخرى ذاقت نفس الجحيم وأسوأ.
......
بظهيرة اليوم التالي.
بمشفى خاص تابع للبحرية المصرية.
كان صراخه يصم الآذان، بسبب احتراق جسده بالكامل. مثلما حرق، ذاق نفس الحرق وأسوأ. فغيره أنهته النيران، أما هو فما زالت نهايته مستمرة. يتألم كل جزء في جسده الذي احترق، حتى وجهه لم يبق من ملامحه سوى عينين فقط. مع كل نفس يخرج منه، ألم ساحق يشعر به. وضعوه بغرفة مخصصة لهذا النوع من الحرائق الجسدية. يصرخ، فلا مسكن ولا مخدر قادر على تخفيف ألمه. لا شيء قادر الآن سوى رحمة ولطف الله عليه، لكن حتى هذا لن يناله. عليه أن يتذوق ما فعله بأبرياء ذات يوم.
بدأ عقله يستغيث بشيطانه الآثم الذي ارتكب جميع المعاصي. الشيطان يتلاعب به، ليس فقط الشيطان. بل خيالات يصورها له عقله، بعودة من آذاهم أمامه، يقفون يضحكون عليه بتشفٍ مما وصل إليه. هو أصبح جسدًا باليًا مثل الخرقة البالية، مزقت النيران جلده ولحمه. صرخ عليهم، لكن لا يرحلون. هم يضحكون عليه، يزداد صراخه وهم يزداد ضحكهم. يود أن يرفع يديه يصم أذنيه، لكن ليس قادرًا على ذلك. جسده بالكامل مغطى بطبقة عازلة. يصرخ، لا أحد يجيب عليه.
شيطانه صور له نهاية واحدة ليستريح من ألمه المضني... الانتحار.
بالفعل تحكم به الشيطان وأعطاه القوة. نهض من على فراش العزل.
خلع تلك الكانيولا الموصولة بأحد عروق يده. وحدها الرفيع، بدأ بثقب عنقه وهو يهذي برؤية من سبب لهم الأذى سابقًا. يشعر بألم قاتل، لكن جبروت شيطانه جعله يتحمل ذلك. وبسبب احتراق جسده، كانت شرايينه واهنة، وانقطعت بسهولة، وبدأت تسيل دماؤه بغزارة فوق أرضية غرفة العزل. لم ينل الراحة، بل تألم لآخر نفس خرج منه يعلن نهايته آثمًا بالكفر. كان هذا هو الآثم الأخير له... الموت كافرًا.
......
بمبنى خاص بالقوات البحرية.
وقف رفعت يؤدي التحية العسكرية لقائده.
تحدث القائد: "مبروك يا سيادة الضابط، خلاص صدرت ترقيتك أنت وزميلك محمود. بصراحة، أديتوا مهمتكم على أكمل وجه... وأثبتوا جسارة البحرية المصرية في التعامل مع الخارجين. قتل فابيو، ووقوع هاشم الزهار، وكمان عضو فاسد زي حضرة النائب، وكمان القبطان. اعترف على مجموعة من معاونين للشبكة دي في مصر، وقدرنا نبلغ الوحدات المختصة بالتعامل معاهم، وتوصلنا لبعض تجار البشر."
تحدث رفعت: "وبالنسبة للأطفال اللي كانوا في كونتينر على الباخرة، عملتوا فيهم إيه؟"
رد محمود: "إحنا رفعنا صورهم على بعض مواقع المفقودين اللي بيتبلغ عنهم من أهلهم. غير في منهم كانوا هجرة غير شرعية، يعني بعلم أهلهم، ودول بلغنا أهلهم إنهم يجوا هنا يستلموهم."
تحدث القائد: "برضو هجرة شرعية. نفسي أعرف ليه الأهالي بيضحوا بولادهم الصغيرين دول ويبعتوهم للموت بأيديهم. عقولهم فين؟"
رد محمود: "الفقر والطمع هو الدافع المسيطر على عقولهم يا أفندم."
رد القائد: "فعلاً، هما دول الدوافع المسيطرة. ها يا رفعت، مراتك والبنت اللي كانت معاها، أزيهم دلوقتي؟"
رد رفعت: "الحمد لله، مراتي استعادت جزء من صحتها والحمد لله ربنا لطف والجنين تمسك بالحياة..."
"وليلى الحمد لله جروحها مش قوية، يومين تلاتة وتسترد صحتها هي كمان."
تبسم القائد: "أكيد الجنين هيبقى محارب زي باباه ومامته. ربنا يكمل شفاها وتقوم بالسلامة."
تبسم رفعت يقول: "متشكر يا أفندم، بصراحة أنا أخدت قرار نهائي بإنهاء مدة خدمتي في البحرية، وقررت إني أتفرغ لتربية وترويض الخيول... وده سلاحي وكمان الشارة الخاصة بيا."
قال رفعت هذا، ثم وضعهم أمام القائد الذي قال بأسف:
"بصراحة، كنت أتمنى تستمر معانا في الخدمة، بس طالما دي رغبتك، بتمنى لك التوفيق في اختيارك."
تبسم رفعت ومد يده يصافح القائد، ثم خرج من مكتبه.
يتوجه إلى المشفى من أجل تلك الشرسة التي قلبت حياته وجعلته يبدأ من جديد بطريق آخر لم يكن يتوقعه يومًا.
.....
بعد العصر بالمشفى.
بغرفة ليلى.
تبسم وسيم وهو يساعد ليلى على احتساء الماء.
إرتوت ليلى وشكرت وسيم، وقالت له:
"إمتى هخرج من المستشفى دي؟"
تبسم وسيم وقال: "رفعت قال هنرجع الزهار النهارده المسا كده، بس إنتي والدكتورة لسه حالتكم ما تستحملش الطريق، فهنرجع في عربية إسعاف، زي اللي اتخطفتوا فيها."
تنهدت ليلى بألم وقالت: "مش عارفة إيه سبب شر لمى ناحيتي، أنا عمري ما أذيتها."
رد وسيم: "السبب نفوس ضعيفة قلبها مليان غل وسواد بدون سبب، وكانت غلطتي من البداية."
ردت ليلى بخجل: "وسيم، هسألك سؤال جاوب عليا بصراحة... لمى وهي بتضربني قالتلي إنك غلطت وقولت لها...."
توقفت ليلى عن تكملة الحديث. فقال وسيم باستفسار:
"قالتلك إيه؟"
ردت ليلى بخجل: "قالتلي إنك بتحبني... أنا قولت لها مش...."
قاطعها وسيم قائلاً: "فعلاً بحبك يا ليلى، ودي تالت مرة بشارك في إنقاذ حياتك، والتالتة ثابتة وهتجوزك."
إنصهر وجه ليلى وقالت بحياء: "بس أنا لسه قدامي أربع سنين دراسة والجواز ممكن يعطلني.... وبصراحة مش موافقة."
ضحك وسيم وقال بثقة: "لما نرجع للزهار.. لينا كلام تاني يا لولا."
...........
بينما بغرفة زينب.
دخل رفعت إلى الغرفة الموجودة بها زينب وتبسم حين وجد زينب مستيقظة وقال: "فين مجد؟"
ردت زينب: "خرج يتصل على ماما يطمنها عليا، ويقول لها بلاش تيجي لهنا، إحنا هنرجع المسا عالزهار."
نظر رفعت لوجه زينب المكدوم وعليه آثار صفعات، لكن تبسم.
تحدثت زينب له: "بتبصلي وتبتسم ليه؟ على فكرة أنا ضربت فابيو وكمان هاشم، يعني متفكرش إنهم علموا عليا."
تبسم رفعت وقال: "خلينا نخرج من المستشفى ونرجع للزهار تاني نبدأ من جديد مع ابننا المناضل."
قال رفعت هذا.
واقترب من الفراش وحمل زينب.
التي قالت بعتاب مرح: "رفعت إيه اللي آخرك يا همجي؟ كنت مستني تستلمني جثة."
تبسم رفعت وضمها قويًا يقول بمزح: "إيه ده إنتِ تقلتي كده ليه؟ شكله كان بيغذيكي كويس وواخد باله من صحتك."
ردت زينب: "آه كان واخد باله من صحتي عالآخر الواطي هاشم كان بيساومني على حقنة الأنسولين قصادها أسيب له نفسي. والتاني فابيو كان بيضغط عليا بالجوع والعطش."
رد رفعت: "وإنتي رديتي على هاشم بإيه؟"
ردت زينب: "قلت له الرب واحد والعمر واحد... لو متت دلوقتي هموت شهيدة وأدخل الجنة وأرتاح من وش الهمجي رفعت الزهار، لأنه عمره ما هيورد عالجنة أبداً."
ضحك رفعت.
تذمرت زينب قائلة: "بتضحك على إيه يا همجي؟ بقولك نكتة... الواطي هاشم كان هيتسبب في موتي، وإنت بتضحك."
رد رفعت بضحك: "هو كان هيتسبب في موتك، وإنتي موتِ رجولته عالآخر."
ردت زينب: "يستاهل... مفكرني هفأ ولا إيه؟"
ضحك رفعت يقول: "هفأ... متأكدة إنك دكتورة."
ردت زينب: "بصراحة بفكر أعتزل المهنة دي، وأشتغل في تربية الخيول... بتكسب أكتر وأذل الواد مجد اللي بيقبض بالدولار أقوله مفيش حد أحسن من حد."
تبسم رفعت ينظر لها وأحن رأسه وقام بتقبيل شفتيها.
تذمرت زينب من تقبيله قائلة: "شفايفي بتوجعني يا همجي بسبب تلطيش الواطي."
تبسم رفعت يقول: "شفايفك بتوجعك من كام قلم؟ وبالنسبة لابني اللي في بطنك ده... ظروفه إيه؟ بعد الضرب ده كله ولسه متمسك بالحياة... (رضوان) أكيد هيطلع أسد زي جده."
ردت زينب: "لأ هيطلع همجي زيك. أنا كان نفسي في بنت رقيقة زيي كده، بس للأسف السونار حدد نوع الجنين، ولد."
ضحك رفعت يقول: "رقيقة!"
"قولي شرسة."
"أنا بستغرب إزاي واحدة تبقى حامل في حوالي أربع شهور ومتعرفش ونازلة ضرب ومغامرات... مرمطي ابني معاكِ من قبل ما يطلع للحياة. اعملي حسابك مفيش شغل لحد ما تولدي."
ردت زينب: "لكل مقام مقال... بس أسترد صحتي وبعدها يحلها ربنا.... يا قدري الأسود، يظهر إنك لعنة مش هعرف أتخلص منك أبداً."
تبسم رفعت وضم جسد زينب لقلبه قائلاً: "وأنتي صاحبة أحلى لعنة وقدر في حياتي يا شجرتي الطيبة."
حركت زينب رأسها على صدر رفعت كالقطة قائلة: "أنا جعانة على فكرة، ولو مأكلتنيش أنا هتحول لمصاصة دماء وأعضك من رقبتك، ما هو مش ابنك يتغذى مني وأنت مجوعني."
تبسم رفعت يقول بمزح: "والضرب اللي أكلتيه مشبعكيش؟"
نظرت له قائلة: "لأ مشبعنيش، أصله كان ضرب ناشف مفيهوش حاجة. حتة لحمة طرية زي رقبتك كده... إياك بعد اللي حصل ده كله تكون النيران اللي في قلبك انطفت."
تبسم رفعت وقال: "النيران انطفت بالعشق."
مساءً بسرايا الزهار.
دخل رفعت يحمل زينب بين يديه. أقبل عليه كل من صفوت وهالة بفرحة كبيرة، لكن شعرت بغصة حين رأت بعض آثار الضرب على وجه زينب. وضعت يديها على وجنتيها وتنهدت بألم وتدمعت عيناها، لكن
إنحنى صفوت وقام بتقبيل وجنة زينب وهو الآخر يشعر بألم.
بينما تحدث مجد بمزح: "شوف يا بابا شوف يا ماما، كل قوي في الأقوى منه. زوزي كانت بتفترى عليا وتضربني وتقلبني في فلوس، أهو جه اليوم اللي شوفتها متعلم عليها."
ردت زينب: "مين اللي متعلم عليها؟ أوعى لألفاظك شوية، متفكرش إني هفأ زيك، أنا بس اتاخدت على خوانة وكمان علمت عليهم أنا عدمت هاشم رجولته."
تبسمت هالة قائلة: "يستاهل، ربنا ينتقم منه."
رد رفعت: "ربنا فعلاً انتقم منه وبيكفي إنه مات كافر."
نظرت زينب له متعجبة.
تبسم رفعت: "إنتي قضيتي السكة نوم في الإسعاف وإحنا جايين من إسكندرية لهنا، وأنا جالي اتصال من زميل سابق ليا، وقالي إنهم اتفاجئوا بهاشم منتحر في أرضية أوضة العزل اللي كان فيها."
ردت زينب قائلة: "يعني حتى آخر باب للتوبة خسره ومات كافر كمان."
تحدثت هالة: "كل واحد بياخد جزاء عمله. يلا بلاش وقفتك دي هنا يا رفعت، طلع زينب للأوضة، علشان ترتاح، ونشوف إيه حكاية الحمل المفاجئ دي كمان."
تبسمت زينب.
بعد لحظات وضع رفعت زينب بالفراش، وتبسم.
حين دخلت إنعام بلهفة وقالت:
"زوزي، حفيدتي حبيبتي رجعت. خوفت عليكي، قلبي كان حاسس إن ربنا هينجيكي."
وكنت بدعي ليكي.
تعجب رفعت، فهو لم يخبر جدته وأمر كل من يعمل بالسرايا بعدم إخبارها.
جلست إنعام جوار زينب على الفراش وقبلت وجنتها وعاودت الحديث: "أنا شوفتك في الحلم بين النيران وكمان سمعت كلام الشغالات وهما بيتكلموا مع بعض عن حكاية خطف الدكتورة من قلب الوحدة."
قالت إنعام هذا ونظرت لرفعت قائلة بتهجّم: "وإنت كنت فين يا همجي وسيبتهم يخطفوا زوزي؟"
تبسمت زينب قائلة: "ربنا نجاني ببركة دعاكي يا تيتا."
نظرت لها إنعام قائلة: "نجاكي من إيه، هو إيه اللي حصل وكلكم متجمعين كده في الأوضة، أكيد الهمجي ده هو السبب."
قالت إنعام هذا ونهضت من جوار زينب وتوجهت ناحية رفعت وقامت بضربه أكثر من مرة فوق كتفه قائلة: "إن كان هو ولا أخوه المسخ، الاتنين حيوانات مش بيمشوا غير بالكرباج، أنا رايحة أجيبه وراجعة تاني."
تبسم الجميع.
كذلك رامي الذي دخل يقول: "هو إيه اللي ضايق جدتي، قابلتني وأنا جاي على هنا شتمتني؟"
تبسم رفعت.
بينما قال رامي: "حمد الله على سلامتك يا زينب... وربنا يتمم لك الحمل بخير وتقومي بالسلامة."
تبسمت زينب له.
لكن تلك التي دخلت شعرت بغصة في قلبها حين سمعت قول رامي لزينب، معنى ذلك أن زينب حامل. كبتت دمعة بعينيها وقالت: "حمد الله على سلامتك يا زينب."
ردت هالة قائلة: "الله يسلمك يا مروة وكمان حمد الله على سلامة أختك، ربنا لطف بيهم الاتنين."
ردت مروة: "الحمد لله، أنا أطمنت على زينب، هروح بقى أطمن على ليلى كمان، عن إذنكم. ومرة تانية حمد الله على سلامتك."
خرجت مروة من الغرفة تشعر بألم زينب، رغم مواجهتها للموت، لكن تمسك جنينها بالحياة، بينما هي لا تعلم سبب لإجهاضها بتلك البساطة، لكن هناك تفسير... أمر الله... تقبلت مروة ذلك وسارت بعض الخطوات قبل أن تقف على صوت رامي من خلفها الذي قال: "مروة استني، أنا جاي معاكي أطمن على ليلى."
شعرت مروة بفرحة في قلبها، ربما هناك فرصة أخرى لها مع رامي لن تضيعها وستستغلها وتبرهن حبها له، ليس هو فقط من يحبها، هي الأخرى عاشقة له، لكن تمكنت منها حماقة عقلها مرارًا.
بينما بغرفة زينب، تثائبت زينب أكثر من مرة.
ضحكت هالة قائلة: "إيه الوحم جايلك بالنوم ولا إيه، رفعت بيقول إن طول الطريق وأنتي نايمة."
رد صفوت: "فاكر لما كنتي حامل فيها كان الوحم جايلك بنوم طول الوقت، حتى كنتي بتنامي في الشغل، وآخر شهر قبل الولادة أخدتي إجازة قضيتي معظمها بين النوم والأكل لحد يوم الولادة."
تبسمت زينب قائلة: "أنا بحبك يا بابا، أنت اللي دايماً بتدافع عني، أهو عادلك الماضي علشان تبقى تتريقي عليا، بس أنا سبب نومي الأدوية، إنما أنتي كسولة حتى بتخلي بابا يغسلك المواعين."
رد صفوت: "لأ غسيل المواعين ده هواية عندي، هالة بريئة منها."
تبسموا على ذلك. كذلك رفعت شعر للحظات بافتقاد الوالدين، تمنى أن يكونا أحياء مثل والدي زينب يتمتع معهم بألفة العائلة، لكن هذا كان قدر، ومثلما أخذ منه والداه وأخته ذات ليلة، جاء العوض بـ زينب، سيشكل معها عائلة سعيدة، خمدت النيران، وحان وقت العشق.
***
أمام منزل صفوان.
بنفس الوقت.
توقفت سيارة الإسعاف، حمل وسيم ليلى لكن وجد نعمان يخرج من الباب سريعاً ومد يديه كي يأخذها منه.
للحظة تمسك وسيم بها وفكر في رفض إعطائها لنعمان.
لكن بالنهاية عليه تحكيم عقله قليلاً، فهذا لا يحق له الآن.
أعطى وسيم ليلى لنعمان على مضض.
دخل نعمان بليلى إلى داخل المنزل وخلفه وسيم. استقبلتهم فادية تشعر بعودة الروح لها، حتى حقًا طمأنوها سابقًا عبر الهاتف وهي بمنزل نعمان، عادت لمنزلها تنتظر عودتهما. كان الوقت يمر ببطء شديد. كم تألم قلبها حين نظرت لوجه ليلى وإلى يدها المضمضة، لكن كل هذا سيزول مع الوقت، المهم أنها عادت لها دون أذى أقوى من ذلك. ضمت فادية وجه ليلى بين كفيها وانحنت تقبل جبينها بعين مدمعة.
رأى نعمان لمعان الدموع ليس بعين فادية فقط، بل صفوان أيضًا. جفف تلك الدمعة التي فرت من عيناه واقترب من مكان وقوف نعمان بليلى وقبل جبينها ووجنتيها بمحبة. تحدث نعمان: "يا جماعة وسعوا من قدامي خلوني أدخل ليلى لسريرها، دي تقيلة قوي وأنا راجل كبير."
تبسمت هبة التي تدمعت أيضًا وقالت: "كبير إيه يا خالو، أنت لو مكنتش خالو مكنتش عتقتك واتجوزتك بالغصب، افتكر كويس كده يا خالو، متأكد إن ماما تبقى أختك، يمكن غلطوا وبدلوا ماما مع واحدة تانية وقت الولادة."
تبسم نعمان وهو يدخل إلى الغرفة وقال: "متأكد إن فادية أختي واتولدت على إيدي كمان، فبطلي لكش بقى، ويلا مش اطمنتي على ليلى، ارجعي للمعسكر تاني وكملي مذاكرة، عندك امتحان بكرة."
ردت هبة: "طب أنا عاملة نفسي ناسيه ليه تفكرني يا خالو."
تبسمت ليلى وقالت: "روحي كملي مذاكرة جيولوجيا عشان تضمني كلية الهندسة."
تبسمت هبة وبالفعل خرجت مرة أخرى من الغرفة.
وضع نعمان ليلى فوق الفراش، بينما بخارج الغرفة وقفت فادية مع وسيم الذي دخل خلف نعمان ولم يدخل إلى الغرفة وقالت له: "بشكرك يا وسيم، إنت ورفعت رجعتولي بنتي بخير."
تبسم وسيم وقال: "ست فادية، في موضوع مهم كنت عاوز أ فاتحك فيه، الموضوع ده يخصني أنا وليلى."
تعجبت فادية، لكن قبل أن تستعلم من وسيم عن هذا الموضوع، دخلت مروة إلى المنزل وخلفها رامي ومعهم أيضًا ضيف ثالث.
نظرت فادية إلى مروة وتجاهلتها، بينما رحبت برامي ومجد الذي كان معهم، عيناه تبحث عن السندريلا، فهو تحجج وآتى مع مروة ورامي من أجل ليلى، لكن الحقيقة هو يريد رؤية السندريلا، وها هي أمامه، تبتسم له بحياء.
دخل رامي ومعه وسيم وكذالك مروة وفادية إلى الغرفة. وقفوا وقت طويل، لكن صدح هاتف وسيم، نظر للشاشة وقال: "دي ماما مهره، أكيد استغبت رجوعي، مرة تانية حمد على سلامتك يا ليلى، هستأذن أنا."
أومأت ليلى برأسها، بينما قال رامي: "خدني معاك، الحمد لله اطمنا على ليلى، نسيبها ترتاح."
تعجبت مروة من قول رامي، لماذا لم يظل قليلاً ولم يطلب منها العودة معه؟ شعرت بألم كبير من ذلك، وبالأخص حين غادر رامي خلف وسيم دون أن ينظر إليها حتى. ألهذه الدرجة وصل الخلاف بينهم، إلى أن يتجاهلها ويغادر بدونها.
بينما تلك السندريلا بخارج الغرفة، تتحدث مع مجد، ذلك العاشق المفضوح الحركات الذي قال: "إزيك يا سندريلا، عاملة إيه في الامتحانات."
تبسمت هبة وقالت: "اسمي هبة على فكرة، منين جبت سندريلا دي؟ وهكون عاملة يعني إيه في الامتحانات، عادي مسحولة طبعًا، ولو مش صدفة مكنتش عرفت إن ليلى أختي مخطوفة مع الدكتورة زينب، بس الحمد لله رجعت في نفس اليوم اللي عرفت فيه، وإلا مكنتش هقدر أكمل بقية الامتحانات."
غمز مجد بعينيه وقال: "على فكرة أنا كنت هيرو، وساعدت في رجوعها هي وصبي البواب زوزي أختي، مشفتنيش إنت وأنا واقف وسط الرصاص؟ الحمد لله كنت لابس درع واقي تحت هدومي، بس إيه كنت أسد."
تهكمت هبة وقالت: "أسد ولا قطة، ميهمنيش."
رد مجد بمكر: "طب عيني في عينك كده، يعني لو كانت رصاصة طايشة صابتني، مكنتيش هتزعلي عليا."
ردت ليلى بخبث: "وكنت هزعل ليه، كنت من بقية عيلتي، عادي جدًا."
نظر لها مجد وقال بمكر: "طب كويس إن قلبك جامد، كنت هقولك إن في رصاصة جت في كتفي."
انخضت هبة وقالت: "إيه، طب وإزاي واقف كده، لازم تستريح وتهتم بصحتك."
ضحك مجد وقال: "مش من شوية مكنتش من عيلتك عشان تزعلي عليا، ليه اتخضيتي دلوقتي، يا سندريلا."
خجلت هبة ونظرت له قائلة: "يعني إيه، يعني إنت مش مصاب في كتفك وبتكذب عليا؟ تصدق دي آخر مرة هصدقك، وهسيبك وهدخل الأوضة أطمن على أختي."
قالت ليلى هذا وكانت ستدخل، لولا أن مسك مجد يدها وسحبها إلى أحد أركان المكان ووقف أمامها وقال: "ذاكري كويس عشان هدية نجاحك هتبقى خطوبتنا يا سندريلا."
ارتبكت هبة ودفعته في صدره وفرت هاربة من أمامه.
تبسم مجد وتنهد بشوق يقول: "هانت يا سندريلا."
***
بمنزل مهره.
دخل وسيم إلى المنزل سأل إحدى الخادمات عن مكان مهره، قالت له أنها بغرفتها القديمة. ذهب وسيم إلى الغرفة وفتح الباب، دون طرق. لاحظ مهره وهي تجفف دموعها بأحد المحارم الورقية.
اقترب من مكان جلوسها، وجلس على ساقيه أمامها وقال بلوم: "أكيد عرفتي إن هاشم مات، مش معقول بتبكي الدموع دي عليه؟"
فرت الدموع من عين مهره وقالت: "رفعت اتصل عليا من شوية وقالي، إنهم اتصلوا عليه عشان يكمل إجراءات دفنه، لازم أكون موجودة معاه بصفتي مراته."
مد وسيم يده نحو وجه مهره وبدأ يمسح الدموع من على خديها وقال: "هاشم ميستاهلش دموعك دي."
ردت مهره: "أنا مش ببكي على هاشم، أنا ببكي على عمري اللي ضاع في خضوع واستسلام، ياريتني كنت حاربت زمان ومستسلمتش لخوفي، يمكن كانت حياتي اتغيرت وكان ابني عاش."
نظر لها وسيم وقال: "وأنا إيه مش ابنك؟"
جذبته مهره وحضنته بقوة قائلة: "إنت ابني يا وسيم والله وأغلى كمان، عارف حتى لو ابني كان عاش كنت هتبقى عندي أغلى منه، بس كان نفسي يبقى عندي أكتر من ولد يبقوا عزوة وسند لبعض وليا."
تبسم وسيم وقال: "ورفعت كاتم أسرارك ورامي كمان مش أخواتي وولادك وسندك كمان."
ردت مهره قائلة: "ولادي اللي فزت بيهم وربنا عوضني بيكم، قد ما كنت زعلانة وقت ما اختلفتوا بس كان خير، واتجمعتم تاني، ربنا يخليكم ليا دايماً، رفعت قالي إن زينب حامل في ولد وهيسميه رضوان، تعرف إن رضوان مش بس هيبقى حفيدي من رفعت لأ كمان زينب بنتي رضعتها زمان."
تبسم وسيم وقال: "عارف سبق وقولتلي، بس حضري نفسك بكرة يبقى عندك أحفاد كتير، مني ومن الواد رامي كمان."
شعرت مهره بغصة وقالت: "عرفت إن مرات رامي كانت حامل وأجهضت، زعلت والله بس خير ربنا بكرة يعوض عليهم بالأفضل، وبتمنى يبقى عندي أحفاد كتير منكم يملوا الدنيا بهجة."
تبسم وسيم وقال: "في أقرب وقت لازم نعمل زيارة لبيت صفوان المنسي."
تعجبت مهره وقالت: "فعلاً كان لازم أزورهم حتى أطمن على ليلى، بس بعد رفعت ما قالي خبر هاشم، كفاية أطمن عليها بالتليفون."
رد وسيم: "لأ دي زيارة رسمية، مين اللي هيطلبلي إيد ليلى من أهلها؟ مش معقول أروح لوحدي."
فرح قلب مهره وقالت: "بجد هتخطب ليلى؟ والله دي اللي تستاهلك وتحافظ عليك وتصونك، كان لازم من الأول يمكن مكنش اللي حصل ده حصل، بس كان مقدر."
تنهد وسيم وقال بتكرار: "فعلاً كان مقدر... بس الحمد لله إن ربنا لطف بيا ورجعلي ليلى من تاني ومستحيل أسيبها بعيدة عني بعد كده."
***
ب سرايا الزهار.
خرجت هالة من الغرفة النائمة بها زينب خلف رفعت الذي استأذن وترك زينب مع والديها. لكن هالة لحقته ونادت عليه.
توقف رفعت لها. اقتربت هالة منه وبدون مقدمات قالت باعتذار: "رفعت أنا آسفة عالكلام اللي قولته لك قبل كده، أنا كنت مرعوبة على زينب، زينب مهما كانت قوية بس إنت عارف إن عندها السكر ودي نقطة ممكن تبقى ضدها، وأهو إحساسي كان صادق والخسيس معدش يجوز عليه غير الرحمة، كان هيستغل ضعفها ده، والله أعلم لو مكنتش وصلت ليها في الوقت المناسب كان إيه اللي هيحصل لها يمكن كان زمانها..."
صمتت هالة توقف لسانها عن تكملة الجملة.
تحدث رفعت: "حضرتك مالوش لازمة اعتذارك، فعلاً أنا قصرت فعلاً في حماية زينب، بس مكنتش معتقد إن هاشم يقدر يقرب من زينب ويأذيها، كان سوء تقدير مني، هاشم منزوع الأخلاق وكل شيء عنده مباح... أنا لو كان جرى لزينب شيء أسوأ من كده مكنتش هسامح نفسي، ربنا لطف بيا قبل ما يلطف بزينب، زينب اللي رجعتني أعيش الحياة من تاني، قبلها كنت عايش من غير روح."
بتنفس وخلاص كان عندى هدف واحد بس عايش علشانه،ظهور زينب فى حياتى كان هو عودة الروح ليا.
تبسمت هاله له بمحبه
بينما تحدث مجد الذى جاء:
أيه ده إنت واقف مع أم الموزه علشان تنول الرضا، أخب أطمنك ماما راضيه عنك كفاية إنك رجعت البلوه زوزى تانى لها،أنا لو مكانك كنت فكرت قبل ما أرجعها.
تبسمت هاله وقالت:بطل هزار يا مجد أنا كان قلبى مشعلل نار عليكم أنتم الإتنين،كويس إنى معرفتش إنك كنت عالباخره اللى كانت زينب مخطوفه فيها كان عقلى تار منى.
تبسم مجد يقول: امال بتستحملى إزاى غيابنا عنك معظم الوقت.
تبسمت هاله قائله: مفيش قدامى غير إنى أستحمل بيصبرنى أنى عارفه أنكم راجعنلى تانى، وبعدين بطل هبلك ده، زمانك مُجهد ورفعت كمان، يلا روحوا ناموا، وانا هرجع عند زينب، تصبحوا على خير.
تبسم مجد وقال: وانتى من أهله يا أحلى موزه.
بينما قال رفعت: أنا هكون فى الاوضه اللى جنب حضرتك أى حاجه تحتاجها زينب أنا صاحى.
تبسمت هاله له، بينما قال مجد: متخافش مش هتحتاج حاجه دى زى القطط بسبع أرواح
......ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحديقة السرايا بعد قليل.
تمدد رامى بجسدهُ على أريكه أسفل أحد المظلات القريبه من مبنى السرايا...
كانت هناك من رأته من شباك غرفتها تنهدت بآلم فيبدوا أن هناك من لم ينال سعادته الى الآن...
بالفعل نزلت من غرفتها وذهبت إليه وقالت بحنان:
نايم هنا ليه يا رامى وفين مروه،مرجعتش معاك ليه؟
نهض رامى وقال:أيه اللى مصحيكى لحد دلوقتي يا جدتى،المفروض تكونى نايمه.
جلست إنعام جوار رامى وقالت له:أنا بعد ما أطمنت على زوزى غفلت شويه،ومعرفش أيه اللى صحانى تانى،يمكن علشانك،فين مروه.
رد رامى:أنا سيبت مروه فى بيت أهلها،ومعرفش هترجع تانى أو لأ.
ردت إنعام:وأنت عاوزه ترجع ولا لاء.
نام رامى على ساق إنعام وقال بحيره:مش عارف أنا عاوز أيه،كل اللى عارفه مروه عندها شكوك فى دماغها وبس،وتعبت من الغيره والشك المزروعين فى دماغها،مبقتش قادر أستحملهم،آخر شئ كنت أتوقعه إنها تقول إنى مش زعلان علشان هى أجهضت البيبى،خلاص جبت آخرى،كتير برهنت على حبى ليها،وهى كل اللى فى دماغها أنها نزوه فى حياتى،خلتنى أفكر فى الإنفصال،يمكن نرتاح إحنا الإتنين.
ردت إنعام:بالأنفصال،تبقى برهنت لمروه فعلاً إنها كانت نزوه أو زهوه وإنتهت مع الوقت.
تنهد رامى قائلاً:طب قوليلي أعمل أيه أنا حاسس إنى تايه.
تبسمت إنعام وقالت:سيبها فى بيت أهلها شويه تتربى،متبقاش مدلوق زى ما كنت بتعمل وبتطاردها فى كل السكك قبل ما تتجوزها،سويها عالبارد،إحنا الستات مش بنحب الراجل المدلوق،عاوزين الراجل التقيل،وبكره تشوف مروه هى اللى هتطلب منك ترجعها لهنا فى حضنك من تانى.
تبسم رامى بموافقه وشعر براحه فى قلبه الحائر.
نظرت إنعام لبسمة رامى وقالت:بتبتسم على أيه يا مسخ،يلا قوم إطلع نام فى أوضتك.
تمسك رامى بساق إنعام وقال:لأ أنا عاوز أنام على رجلك وتلعبيلى فى شعرى زى زمان،أنا بحبك قوى يا جدتى.
تبسمت إنعام وملست على شعر رامى بحنان ثم شدته قوياً قليلاً وقالت: قولتلكم محدش يقولى يا جدتى دى تانى قولولى،يا تيتا،البت مروه برقابتك يا مسخ.
رغم شعور رامى بألم من شدها لشعره لكن تبسم ومسك يدها وقبلها قائلاً:بحبك يا جدتى،لسانى أتعود على كده.
ردت إنعام:إتمدن شويه يا مسخ وأتعود على تيتا إنعام.
.....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور شهر ونصف.
بمنزل صفوان المنسى
إنتهى المأذون من عقد القران وقال كلمته الشهيره"بارك الله لكم وجمع بينكم فى خير "
كان هنالك من كان من فرط سعادته يرقص، فهو قد عقد قرانه على السندريلا، أصبحت زوجته شرعاً
والآخر وسيم لم يكن أقل سعاده منه
كان عقد قران مختصر على أفراد العائله فقط وبدون أى مظاهر إحتفاليه، ليس مراعاةً لموت هاشم، بل فقط حتى لا يتداول أهل القريه ذالك بسوء، كانت مهره أيضاً موجوده معهم بالمنزل، وهنئتهم بمحبه،تدمعت عيناها للسعاده التى يشعر بها فرسانها الثلاث
أجل الثلاث
فا هو رامى بعد غياب شهر ونصف لم يتقابل مع مروه تركها بمنزل والدايها،اليوم جاء من أجل أن يكون شاهداً على عقدي القران،لكن بالحقيقه هذا ليس السبب الوحيد،هنالك سبب أقوى من ذالك
هو رؤية مروه التى لم يعُد قادراً على البُعد عنها أكثر من ذالك،يكفى هذا الوقت،مَثَل رامى عدم الأهتمام بمروه وأدعى أنه سيغادر
لكن حين شعرت مروه أنه سيتركها ويغادر بدونها،ذهبت خلفه سريعاً،ونادت عليه.
تبسم وهو يعطى لها ظهره
تحدثت مروه:على فين يا رامى.
رد رامى وهو مازال يعطى لها ظهره:كتب الكتاب خلاص المأذون خلص ومضيت كشاهد مبقاش له لازمه أفضل هنا.
ردت مروه:طب وأنا هتمشى وتسيبنى هنا،مش هتاخدنى معاك للسرايا تانى.
تبسم رامى وقال:محدش خرجك قبل كده من السرايا،إنتى اللى إختارتى حابه ترجعى براحتك.
إقتربت مروه من رامى وجذبته من ذراعه وجعلته يلتف لها وقالت له:إنت اللى سيبتنى ومشيت قبل كده.
رد رامى وهو يتمالك نفسك كى لا يجذبها الآن ويُقبلها بشوق:
وأنتى كمان إتهمتينى كتير وانا كنت مستحمل وبفوت.
ردت مروه:قصدك أيه،يعني حكاية الجميله والوحش خلصت بالفراق.
رد رامى:شايفه غير كده.
تدمعت عين مروه وقالت: أنا بحبك يا رامى، وعرفت إنى كنت غلطت كتير، بس أنا خلاص إتغيرت وبوعدك مش هشك فيك تانى، ولا أخنقك بغيرتى الزايده.
من داخله رامى يبتسم وسعيد من حديث مروه لكن حين تدمعت عيناها شعر بغصه وكاد يقفد تحكمه وبرودهُ أمامها لكن تماسك بذالك، مروه عليها التغير من نفسها وأن تثق بحبه الكبير لها.
صمت رامى
نزلت دموع مروه وقالت برجاء: أنا بحبك يا رامى من زمان جوايا خوف كان مسيطر عليا كان بيخلينى أتصرف بدون عقل، أرجوك سامحنى أنا عرفت قيمة نفسى أنا من غيرك مقدرش أعيش بلاش تبعدنى عنك، كفايه الفتره اللى فاتت، كنت بسهر تحت الشباك علشان أستنى أسمع صهيل الحصان زى زمان لما كنت بتجى بالحصان كل يوم تحت شباك اوضتى، كنت بفتح الشباك وأبص منه يمكن تكون واقف تحته، بس مكنتش بتجى، كنت بحس بآلم فى قلبى بعدها، آلم إنت دواه الوحيد يا رامى،بترجاك كفايه كده وخدنى أرجع أعيش معاك.
تنهد رامى وقال: والغيره والشك اللى عندك.
ردت مروه سريعاً: خلاص إتخلصت منهم كنت غلطانه، صدقنى أنا أتغيرت، ولو حسيت تانى بيهم إبقى سيبنى وأبعد عنى.
رد رامى: وقتها مش هيبقى فى فرصه تالته لقصة الجميله والمسخ.
تبسمت مروه وبرد فعل تلقائي إرتمت بحضن رامى.
رامى الذى حاول يتغلب على مشاعره لكن بالنهايه العاشق يسامح معشوقته الغيوره، وقام بضمها بقوه متنهداً بشوق،
إبتعد عنها قليلاً وجذبها من يدها، وسار الى أحد الغرف وبرد تلقائي قام بإلتهام شفتيها يُقبلها بشوق وشغف مازال قلبه يبرهن لها أن قلب المسخ مازال ينبض من أجلها.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور عام كامل
أنهى رفعت أتصاله وذهب الى ذالك السياج الخشبى، نظر لها بأعجاب وأفتتان، وهى تقترب من مكان وقوفه بداخل السياج،
تبسم لها قائلاً:
الدكتوره شكلها أتعلمت ركوب الخيل بسرعه!
تبسمت وهى توقف المُهره
أمسك رفعت اللجام ثم صعد خلفها على المُهره، وجعلها تسير بهم، فى البدايه ببطء
ثم أسرعها.، للحظه خشيت من سُرعة المُهره، لكن وضع "رفعت" يديه على يديها بقوه، هامساً اللجام فى إيدك، وأنتى المتحكمه فى المُهره، مش هى الى متحكمه فيكى، لو أيدك فلتت اللجام، هنوقع أحنا الأتنين من على المُهره.
قال هذا وترك يديها
بينما تشبثت زينب باللجام، وزادت من سرعه المُهره، تسابق الريح الخريفيه.
بعد قليل
أوقفت المُهره أسفل إحدى أشجار الجوافه، الموجوده بالمزرعه
قفز رفعت من على المهره الى الأرض، ثم رفع يديه، يحمل "زينب" من خصرها، ينزلها أرضاً هى الأخرى، لم تمانع ذالك وسمحت له، لكنه تعامل بخُبث،
حين حملها من خصرها، ينزلها، جعل توازنه يختل ليقع على القش الموجود أسفل الشجره، وتقع هى فوق جسده، للحظه أنخضت ثم مدت يدها حول عنقه ورفعت رأسها مبتسمه تقول: وقعت يا أبن الزهار.
تبسم يلف ذراعيه حول جسدها يقول: وقعت فى شجرتى الطيبه، أو بالأصح الشرسه، أنا اللى روضت عشقها ليا.
تبسمت زينب له ونهضت من فوق جسده بينما هو ظل نائماً على القش
وقالت : الشرسه صعب ترويضها، بس عشقت وإستسلمت لعشق الفارس الهمجى.
ضحك رفعت يقول:مفيش مره تكملى للآخر،انا عمرى ما سمعت عن صفة ل فارس أنه يكون همجى،دايماً يقولوا الفارس المغوار،أو الفارس النبيل.
تبسمت زينب ونظرت له وضيقت عينيها قائله بتكرار:
مغوار... نبيل... ماشى هقول مغوار... لكن نبيل دى عندى فيها شك فى فارس نبيل بيتجوز بغصب.. فاكر أنا أتجوزتك بالغصب وإتحملت وقاحتك كمان.
ضحك رفعت وقال: متأكده يا دكتوره إن جوازنا كان بالغصب، طب بذمتك مكنتيش معجبه بيا وبوقاحتى، ووقاحتى دى اللى خلتك عشقتينى.
نظرت له زينب وقالت بكذب: محصلش.
نهض رفعت وجلس يضحك قائلاً: طب عينى فى عينى وقولى لى حصل بلاش كذب يا دكتوره.
نظرت زينب لعين رفعت وتبسمت
جُن رفعت ببسمتها وأقترب منها وقام بضمها بين يديه وقبلها قُبلات شغوفه.
إستسلمت زينب لطوفان قُبلاته،لكن فجأه،وعت على مكان وجودهم،أبعدته عنها وقالت:ناسى إننا فى المزرعه وممكن حد من العمال يشوفنا،يلا بلاش وقاحه عالملأ كده،وقوم خليني أروح أشوف رضوان الزهار زمانه مغلب اللى فى السرايا وكمان علشان نجهز لحضور كتب كتاب طنط مهره وعمو نعمان،ناسى إنك هتكون الشاهد الأول، ناسى إنك أول واحد عرف حكايتهم القديمه، وكمان إنت اللى طلبت من طنط مهره توافق على الرجوع لعمو نعمان بعد ما طلب منها أكتر من مره وكانت بترفض.. رغم عشقها له اللى لسه فى قلبها له،دى لما كانت عيانه كانت بتهزى بأسمه.
تبسم رفعت وقال:عمتى مهره الوغد هاشم يمكن مات صحيح،بس سابها منزوعة الروح،جواها دايماً الإحساس بالهزيمه،هى إتهزمت فى بداية معركة العشق وأعلنت الرايه البيضه كمان وقتها يمكن كان ضعف منها بعدم وجود سند حقيقى ليها وقتها،طاغوت هاشم وعمها كمان،كانت فى معركة غير متكافئه بالنسبه لها وقتها،ودلوقتى حتى لما هاشم إنتهى جواها لسه شوية خوف غير قالتلى كلام الناس،هيقولوا ايه لما يشوفوها بتتجوز بعد سنه من موت جوزها ،
غير سنها، مبقتش صغيرة، وبقت جدة على اعتبار إن رضوان حفيدها. إزاي تتجوز مرة تانية؟
ردت زينب: طنط مهره مش كبيرة في العمر قوي، لسه مكملتش الخمسين. ودي حياتها، ولازم تدور على سعادتها. ربنا بعتلها فرصة تانية تعوضها قسوة هاشم. عمو نعمان شخص محترم وعنده أخلاق، عكس هاشم تمامًا. أنا اتعاملت معاه مباشر كذا مرة. أول مرة كانت يوم إصابتك، جالي المكتب وقالي إني لازم أصدق قلبي إنك هتعيش. حتى جابلي بونبوني من اللي أنت بتجبيه ليا. وأهو شوفت تعاونه الفترة اللي فاتت في مساعدة وسيم إنه يرجع تاني مزرعة الخيل بتاعته. هو وطنط مهره تبقي أفضل.
تبسم رفعت وقال بخبث: شايف هنا حد معجب بشخصية عمو نعمان.
تبسمت زينب وقالت بتلاعب: بصراحة معجبة بيه جدًا، ويمكن لو كان ظهر في حياتي قبل الهمجي كنت...
قطع رفعت حديث زينب حين انقض على شفتيها يُقبلها بتملك شديد. ترك شفاها حين شعرت بإنقطاع نفسها ودفعته بيدها.
تبسم رفعت لها وهو يراها تسحب الهواء لتتنفس. وقالت بتقطع:
همجي.
رد رفعت: بس بتحبيني أنا وبس.
ردت زينب بعناد: لأ مش بحبك يا همجي.
تبسم رفعت وجذب زينب مرة أخرى وقبلها، لكن بهدوء وعشق. ثم ترك شفاها. تنفست زينب من أنفاس رفعت وقالت له: للأسف ربنا بلاني بعشق الهمجي.
مساءً بمنزل مهره.
شعر نعمان بيد مهره الباردة وهي بين يدهُ أثناء عقد المأذون لقرانهما. لم تكن فقط باردة، بل ترتعش أيضًا وهي تردد خلف حديث المأذون، إلى أن انتهى من عقد القران.
سحبت يدها سريعًا من يد نعمان.
نعمان الذي شعر بتألم، لكن أعطى لها العذر. مهره مرت بالكثير في حياتها، كان السيء هو المسيطر عليها.
تلقى الاثنان التهاني من أفراد العائلة التي زادت فردًا جديدًا، يبدو أنه ورث من أبيه ليس فقط الملامح، بل المشاغبة وربما الوقاحة.
كانت زينب واقفة تحملهُ حين اقتربت تهنئ مهره ونعمان. بتلقائية طفل، ارتمى على مهره، التي استقبلته بترحاب ومحبة، فهي تعتبره حفيدها.
جلس على ساقيها يمرح لوقت، ولكن تذمر بسبب شعوره بالجوع.
تبسمت زينب وهي تعطي زجاجة الحليب لمهره كي تعطيها له. بالفعل التهمها ونعس على ساقيها...
شعور رائع شعرت به مهره وذلك الصغير يبتسم أثناء نومه.
جالت عيناها مبتسمة. اليوم جميع من تحبهم مجتمعون حولها يتمنون لها السعادة.
السعادة المفقودة، هل ستحصل عليها الآن؟
بالفعل بعد وقت، فتح نعمان باب منزله وتنحى جانبًا.
دخلت مهره إلى داخل المنزل. استنشقت أنفها تلك الرائحة، أغمضت عينيها، تستمتع بتلك الرائحة المنعشة.
لم تفتح عينيها إلا حين شعرت بيدي نعمان فوق كتفيها.
للحظة ارتجفت مهره. لا تعرف سبب هذا الشعور، هي كبرت عليه.
لكن تشعر أن بداخلها شعور فتاة بالعشرين من عمرها تُزف لأول مرة. شعور الحياء مسيطر عليها، ربما أكثر من زواجهما الأول.
أدار نعمان وجه مهره له، ونظر لوجهها. ما زالت بنظره فتاة التاسعة عشر التي عشقها من الوهلة الأولى، منذ أن تلاقت عيناه مع عينيها الصافية التي تشبه السماء الصافية، لكن بها بعض الغيوم، دمعة تود الفرار، لكن لا مكان لها الآن.
الآن حان وقت السعادة، مهره أكثر من تستحق السعادة.
ضم نعمان مهره بين يديه يحتضنها بحب وقال هامسًا جوار أذنها:
بحبك يا مهرة النعمان.
كانت مهره في البداية ترتجف، لكن همس نعمان لها جعلها تنسى ذاك الخوف. وشدت من ضم نعمان لها...
عاد نعمان للخلف ونظر لها مبتسمًا وقبل تلك الشفاه النديه قُبلات حنونة وعاشقة. سحبها من يدها خلفه ودخل لغرفة النوم. للحظات عادت خيالات تسكن رأس مهره، ذاك الوغد القاسي يعاملها بإشتهاء وقسوة وعنف، يمتلكها ويتركها طريحة الفراش بعد ذلك تشعر بالدونية.
شدت مهره يدها من يد نعمان بقوة قليلاً.
تعجب نعمان، لكن أعطى لها العذر. هو لديه خلفية عن معاملة هاشم لها. هاشم، مهره ما زالت جميلة، لكن تشعر بقلبها أنها أصبحت مشوهة. اقترب نعمان من مهره وقال:
مهره، إيه رأيك أنا جعان، معرفتش أتعشى كويس. ولاحظت إنكِ كمان معرفتيش تتعشي بسبب رضوان اللي مكنش عاوز يسيبك، حتى لما زينب جت تاخده منك كان بيعيط. إيه رأيك تيجي معايا المطبخ نتعشى تاني.
تبسمت مهره له وأومأت برأسها.
ذهب الاثنان للمطبخ. شد نعمان مقعدًا لمهره وقال: اتفضلي اقعدي يا مهرة النعمان.
تبسمت مهره وقالت: تاني مرة بتقول لي يا مهرة النعمان.
تبسم نعمان وقال: انتي مهرة النعمان من يوم ورايح، مش هنادي عليكي غير بمهرة النعمان.
تبسمت مهره بخجل وقالت: مش هنتعشى.
تبسم نعمان وقال: هنتعشى يا مهرة النعمان.
بالفعل بعد قليل جلس الاثنان يتناولان القليل من الطعام، لكن الكثير من الحديث حول ذكريات عام واحد مضى سعيد وتوج بزواجهم. شعرت مهره براحة. نعمان كان مزارعًا جيدًا، رمى بذرة الحب والمودة في قلبها الذي استسلم للعشق ونسيت تشوه روحها. عاد قلب المهره يزهر، مهرة النعمان بطيب المشاعر.
بعد مرور خمس سنوات.
بسرايا الزهار.
بغرفة رفعت وزينب.
نظر رفعت لانعكاس زينب النائمة بالمرآة خلفه.
اقترب من الفراش وصعد لجوارها وقام بتقبيل ظهرها.
قائلاً: اصحي يا زوزي، بقيتي كسولة قوي يا روحي.
تبسم رفعت ثم أكمل بوقاحة: قومي قبل ما أفتح باب الأوضة.
ولادك يدخلوا يقولوا لك نايمة عريانة ليه؟
فتحت زينب عينيها وقالت: الوقاحة اللي عندك مش هتبطل أبداً.
تبسم رفعت دون رد، بينما تمطت زينب ونهضت جالسة على الفراش قائلة: رفعت، أنا زهقانة وبفكر أطفش.
تبسم رفعت، وهو يعلم أن زينب تمر بتقلبات مزاجية بسبب قرب نهاية مدة الحمل.
وقال باستفزاز مرح: هتطفشي وتسيبى ابنك وبنتك، وكمان انتي حامل وخلاص قربتي تولدي يا زوزي. اعقلي يا روحي.
ردت زينب بتفكير: خلاص أنا بعد ما أولد أخلعك وأطفش بعدها، وأتصرف انت بقى مع عيالك الأوغاد.
تبسم رفعت وأمسك وجه زينب بين يديه وقام بتقبيل شفاها.
ثم قال بمرح: صباح الخير يا زوزي.
قال رفعت هذا ونهض من على الفراش وغادر الغرفة مبتسمًا.
بينما زينب جذبت هاتفها من جوار الفراش وفتحت هاتفها على إحدى تطبيقات المراسلة الجماعية، وأرسلت رسالة مختصرة:
أنا هولد بعد أسبوع، وبعدها طفشانة، هتيجوا معايا.
كان الجواب جماعي بالموافقة.
وكان هناك سؤال: أين سنذهب؟
ردت زينب: بيت الفيوم بتاع عمتي. أولد بس وبعدها نظبط هنطفش إزاي بدون ولاد الأشرار اللي في حياتنا.
تعجب رامي حين خرج من الحمام ووجد مروة مشغولة على الهاتف. يسمع صوت تبادل رسائل.
تحدث: بتراسلي مين عالصبح كده.
لم تنتبه مروة، كانت مشغولة بالرد على الرسائل.
اقترب رامي من مروة ونظر للهاتف. انتبهت مروة وقالت له: بتجسسي على رسايل موبايلي، مش فيه حاجة اسمها خصوصية.
تهكم رامي وقال: بقالي ساعة بكلمك مش بتردي، ووقت ما بصيت في الموبايل بقيت بنتهك خصوصيتك. بقولك بتراسلي مين عالصبح بدري كده وسرحانة معاه.
أغلقت مروة الهاتف وقالت: مفيش حد ولا اتنين. هقوم أدخل الحمام آخد شاور وأفوق، وبعدها أروح أصحى الولاد علشان أفطرهم قبل ما ييجي باص الحضانه.
قالت مروة هذا ووضعت هاتفها على طاولة جوار الفراش ودخلت إلى الحمام.
تنهد رامي يقول: يا ترى إيه التخطيط الجديد للجميلة. وماله، مفيش مانع لانتهاك الخصوصية. قال رامي هذا وجذب هاتف مروة، لكن لسوء حظه الموبايل مقفول بنمط خاص به.
بمنزل وسيم الشامي.
نهض وسيم من نومه على أصوات تلك الرسائل الهاتفية. نظر لجوارة ورأى بسمة ليلى.
تحدث بنعاس قائلاً: مين اللي بيبعتلك رسايل عالصبح كده.
ردت ليلى: عادي، ده شات مع صحباتي.
تذمر وسيم وقال: وصحباتك دول صاحيين بدري كده يراسلوا بعض بمناسبة إيه؟ يكونش النهاردة عيد الشات السنوي.
ردت ليلى قائلة: صاحي تتريق عالصبح. على العموم أنا هاخد موبايلي وأروح أشوف نعمان أصحيه علشان يفطر قبل ما باص الحضانه يوصل. وهسيبك تكمل نوم براحتك.
تعجب وسيم من ذاك ودخل لديه فضول معرفة مع من كانت تراسل ليلى. بالفعل نهض وخرج خلفها، وتبسم وهو يرى طفله صاحب الأربع سنوات يتذمر، ما زال يريد النوم. لكن ليلى قالت له بحزم:
نعمان، يلا ادخل اغسل سنانك وتعالى علشان تفطر، باص الحضانه على وصول.
قالت ليلى هذا ووضعت هاتفها فوق إحدى الطاولات ودخلت إلى المطبخ.
ذهب وسيم سريعًا قبل أن تغلق شاشة الهاتف، لكن نفذ الوقت وهناك نمط لفتح الهاتف. وقف حائرًا يشغل عقله الفضول.
بالقاهرة.
كانت هبة تجلس أرضًا جوار طفلها الذي يلعب بمجموعة ألعاب تناسب طفل بعمر العام والنصف.
وفي نفس الوقت ترد على تلك الرسائل.
بعد قليل أغلقت هاتفها وحملت طفلها الذي يتثائب، وقالت: تنام دلوقتي وتصحى لي في ورديتي معاك طول الليل. تعالى أوديك لطنط هالة تتصرف هي معاك. وأفضى أنا شوية كده لأبوك قبل ما يرجع للعوينيات تاني.
بالفعل ذهبت هبة بطفلها وأعطته لحماتها التي استقبلتهما بترحاب ومودة. وغادرت هبة بحجة أنها ستفعل بعض الأشياء بشقتها المقابلة لحماتها.
دخلت هبة وذهبت إلى تلك الغرفة كي تجمع تلك الألعاب بسلة الألعاب الخاصة بها. جلست أرضًا تلتقط لعب طفلها، وجمعتها، لكن انخضت حين سمعت مجد يتحدث خلفها:
فين صفوت جونيور؟
ردت هبة: وديته عند طنط هالة. هي وردية النهار وأنا وردية الليل. معرفش الواد ده طالع شقي لمين.
غمز مجد بعينيه وجلس أرضًا جوارها وقال: شقي لابوه. فرصة عظيمة ولازم نستغلها. أظن بكده مفيش حد هيقطع عليا وصلة الغرام مع السندريلا. ما تجيبى بوسة كده نستفتح بيها الصباح العسل ده.
تبسمت هبة بغنج قائلة: عاوز بوسة هات ألف دولار.
نظر مجد لها بخضة وقال: ليه؟ أنا لو هبوس الملكة كليوباترا مش هدفع الألف دولار.
نهضت هبة من جواره قائلة بتوعد: بتستخسر فيا، كده طب. أنا داخلة أنام وخلي الملكة كليوباترا بقى تبوسك ولا تنفعك.
نهض سريعًا خلفها يقول: طب نتفاهم طيب.
لم ترد عليه ودخلت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها في وجهه بقوة.
شعر بألم في مقدمة أنفه بسبب خبطها بالباب.
وضع يدهُ يدلك مكان الألم وقال:
خدى بالك إني ممكن أنحرف وأبوس سجاير كليوباترا. وأخسر صحتي وده مش في صالحك، لأن ممكن بعد كده أشرب سجاير حشيش وأضيع فلوسي على المزاج ومش بعيد أضرب مخدات.
فتحت هبة باب الغرفة وقذفته بإحدى الوسائد قائلة: خد مخدة أهي، اضرب فيها براحتك. واعمل حسابك إني طفشانة وإبقى خلي الملكة كليوباترا بقى تنفعك.
قبل أن تغلق هبة باب الغرفة، وضع مجد ساقه يمنعها من إغلاقها. تركت هبة الباب وتوجهت إلى الفراش وجلست عليه.
اقترب مجد وجلس لجوارها يلتصق بها، لكن هبة كانت تبتعد عنه، وكان يذهب خلفها. إلى أن قال مجد:
سندريلا، ليه زعلانة مني؟
ردت هبة: أنا هبة مش سندريلا. بعدين متكلمنيش تاني، مش مستخسر فيا ألف دولار.
تبسم مجد يقول بحنكة: مين ده اللي يستخسر فيكي يا هبة قلبي. بس انتي يا حبيبتي منفضانى أول بأول، بسبب تجهيزات الشقة والعفش اللي قبل ما أخلص منهم. كنتي خلفتي صفوت، وفلست بسبب حفاضات وألبان. معرفش ليه مرضاش يرضع من صدرك وفضل اللبن الصناعي، وده لوحده عاوز ميزانية خاصة. وكمان حطيت المبلغ اللي كان فاضل معايا في الفيلا اللي اشتريناها وتشطيباتها.
ردت هبة بظفر: أهو يبقى تسيبني أساعدك وأشتغل أنا كمان وأهو أساعد معاك، ووقتها مش هطلب منك تمن البوسة.
فهم مجد إلى ماذا ترنو إليه هبة.
قال: وهتشتغل إيه بقى؟
ردت هبة: مهندسة زيك بالظبط، ناسى إني درست هندسة بترول. وأنت بتشتغل في شركة بترول كويسة، وممكن تكلم أي حد من رؤسائك يتوسط لي وأشتغل معاك في نفس الشركة ونفس المكان.
وبدل ما بتيجي إجازات، هبقى معاك دايماً.
رد مجد: هتجى تشتغل معايا في الصحرا؟ هناك مفيش ستات خالص. حتى صبحة اللي كانت في فيلم "للرجال فقط" مش موجودة، دي كانت تهيؤات في الفيلم.
تبسمت هبة وقالت: عاوز تفهمني إن مفيش شغل للستات خالص عندكم في الشركة؟
رد مجد: لأ، في طبعاً، بس شغل إداري، مش فني.
ردت هبة: وماله، أشتغل في الإدارة.
فكر مجد بمكر وقال: أغير عليكِ يا روحي، الجمال ده يشتغل في إدارة مدرسة الحب، قسم سندريلا.
قال مجد هذا وانحنى كي يُقبّل هبة.
لكن قبل الوسادة، بعد أن نهضت هبة من على الفراش. لكن تركت هاتفها الذي أضاء بصوت رسالة.
مسك الهاتف ونظر للشاشة، علم أنها رسالة على إحدى تطبيقات المراسلة الجماعية. قبل أن يفتح الهاتف، عادت ليلى وقامت بخطف الهاتف منه وخرجت من الغرفة.
ضرب مجد رأسه بالوسادة.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في إسطبل الخيل التابع لرفعت الزهار.
رغم شعور زينب بألم مثل ألم المخاض، لكن تحاملت على نفسها وذهبت إلى الإسطبل. ورأت رفعت يمسك لجام مُهره صغيرة تركب على ظهرها طفلتها صاحبة الثلاث أعوام ونصف.
تبسمت بألم وهي تقترب منهم، قالت: صباح الخير.
ردت الطفلة: صباح النور يا ماما.
تنهدت زينب تقاوم الألم وقالت: مهرة، ماما مش هتروح الحضانة النهارده ولا إيه؟ رضوان خلص فطوره ومستنيكي جوه السرايا.
تبسمت الطفلة وقالت: رضوان بيعاكس رحمة بنت عمو رامي في الباص يا ماما، ورحمة بتضايق منه وبتشتكي عليه للميس، بس هو بيرشي الميس ويديها فلوس من مصروفه.
ضحك رفعت وقال هامساً بجوار أذن زينب بوقاحة:
الواد طالع لأبوه، بيعرف يصرف نفسه.
ردت زينب بألم وبهمس: الواد ده جنني خلاص يا رفعت، ده همجي. معرفش بيستحملوه إزاي في المدرسة دي. المفروض هو في سنة أولى ورحمة لسه كي جي واحد. المفروض يبقى في باص تاني. لكن ده مش بس بيرشي الميس، والسواق كمان... واللي يغيظ رحمة نفسها، عاجبها كده، ميغركيش التمثيلية اللي بتعملها دي.
ضحك رفعت يقول: واد مسيطر. وأنتي يا حبيبة بابا، أوعي تعملي زي رضوان وتصاحبي ولاد. هو همجي، لكن إنتي جميلة.
ردت مهرة: لأ يا بابي، أنا مش بصاحب ولاد. بس الميس في الحضانة بعتت لحضرتك استدعاء ولي أمر، علشان أنا ضربت واد زميلي في الحضانة بيغلس عليا وبيقولي يا سرسة.
ضحك رفعت وقال: قصدك شرسة.
أومأت مهرة برأسها وقالت: هو يستاهل الضرب يا بابي. بيضرب نعمان ابن عمو وسيم، ونعمان طيب. بس أنا ضربته شنكلته ووقع على الأرض وضربته أنا ونعمان. والمس قالت لينا: بكرة تجيبوا باباهاتكم معاكم.
نظرت لها زينب وقالت: في طفلة عندها مكملتش أربع سنين تقول شنكلته! أنا لو مودياكي حضانة شعبية مش هتقولي الكلمة دي. أنا خلاص يا رفعت زهقت منك ومن عيالك، وقررت.....
لم تكمل زينب الجملة، داهمها وجع قوي وشعرت بسيلان بين ساقيها، ومسكت طوق ملابس رفعت وقالت:
آه.. إلحقني يا رفعت، شكلي هولد النهارده.
تبسم رفعت وقال بهدوء: تولدي إيه؟ مش لسه أسبوع.
ردت زينب بتألم وقالت: هو كان مزاجي؟ إياك بقولك بولد.. آه.
ارتبك رفعت وقال: هو مفيش مرة تولدي في ميعاد حدده الدكتور؟ أمرى لله. يلا تعالي يا مهرتي، انزلي من على الفرس وادخلي لناناه محاسن تجهزك للحضانة، وأنا هاخد ماما ونروح المستشفى نفجرها ونرجع تاني قبل ما ترجعي من الحضانة.
تحدثت مهرة بهدوء طفلة: حاضر يا بابي. يعني هرجع من الحضانة ألاقي ماما جابت نونو صغير ألسوعه على قفاه زي ما ماما بتلسوع خالو مجد كده.
تبسم رفعت وقال: آه يا حبيبتي، نفس الجينات، ما شاء الله.
كزت زينب على أسنانها وقالت بألم: بولد قدامك وبتتهزر مع بنتك يا رفعت؟ ماشي، أولد بس وهتشوف بعدها هعمل إيه.
حاول رفعت رسم الهدوء وقال بوقاحة: بعدها نفكر في الرابعة يا حبيبتي، علشان تبقى قسمة العدل، ولدين وبنتين.
لم ترد زينب عليه، وصرخت بألم يشتد.
بعد قليل، كان رفعت بغرفة الولادة جوار زينب، يستقبلان مولودهما الثالث. وضعته الممرضة بين يديها.
نظرت له زينب بحنان.
تبسم رفعت يقول: نفس شبه أخواته التلاتة، بيشبهوني.
تبسمت زينب وقالت: ربنا رزقني بههمجي تالت.
تبسم رفعت وقال: ونستنا المهره الشرسه اللي في النص يا زوزو.
........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مر أسبوع.
في يوم سبوع أصغر أبناء عائلة الزهار، والذي أطلقت عليه مهرة الكبيرة اسم زيان. والتي أصرت مهرة على عمل السبوع له بمنزلها هي ونعمان، بعد أن قام بتوسيعه وإرفاق حديقة حول المنزل من أجل الأحفاد، ويوم زيارتهم الشهرية له.
كانت مظاهر مرحة بين الموجودين، وأكثر السعداء هما مهرة ونعمان، فرحان بالعوض الذي أتى لهم بعد سنوات من العذاب.
**********
بعد مرور أكثر من شهر ونصف.
بمنزل نعمان، اليوم هو يوم التجمع العائلي للشهر.
كان التجمع يسوده الود والمرح.
انتهى وقت الغذاء، ونهض الجميع لوقت راحة قليلة.
لكن الأطفال الخمس يلهون مع نعمان بالحديقة بين الزروع، يقوم بغرس بعض الزروع وهم يساعدونه في ذلك. منهم من يحمل دلو ماء صغير، ومنهم من يحمل بعض تقاوي الزرع، وآخر يساعد في نقل الشتلات. مجتمعون على هدف واحد هو متعة مساعدة جدهم بالغرس. ونعمان سعيد بهم حوله، حتى أنه يفضي الخلافات بينهم بهدوء، وهم يرحبون بذلك ببساطة. فهذا بالنسبة لعقولهم لهو ولعب. أما نعمان فهو ينمي روح التعاون والمحبة بينهم. يزرع بداخلهم حب الجماعة، وليس هذا فقط، يربطهم بحب الأرض، تعطي خير إذا اهتممت بها، ككل شيء في الحياة حين تحب وتهتم بما تحب، ستحصد مقابل ذلك السعادة.
....
تحت ظلال إحدى شجرات الحديقة، أرضاً كانت.
مهرة تجلس بجوار إنعام، وعلى ساقها صفوت الصغير. بينما إنعام وعلى ساقها أصغر الأحفاد، زيان.
بينما
اجتمع الأربع نساء
زينب، مروة، ليلى، هبة
بأحد الزوايا.
تحدثت هبة قائلة:
كنتي بتقولي هتولدي بعد أسبوع. بعدها هنطفش. ولدتي قبل ميعادك. ويقالك أكتر من إيه هتتراجعي؟
ردت مروة: لأ، أنا خلاص قررت أطفش. ولو النهارده يكون أفضل.
تبسمت ليلى هي الأخرى وقالت: فكرة حلوة نطفش النهارده. والولاد كده كده عند طنط مهرة وبيحبوها ومش بيشاغبوا. زي ما بينبهوا فينا. ها، إيه رأيكم؟
ردت هبة ومروة وليلى: موافقة طبعاً.
نظرن لزينب، وقالوا:
إيه؟ اتراجعتي ولا إيه؟
ردت زينب: طبعاً لأ، بس بفكر آخد ابني الصغير إزاي من تيتا إنعام؟ حرام، ده لسه صغنن قوي ومحتاجني. إنما الاثنين الثانيين، صحة وهنا على قلب أبوهم الهمجي... طنط مهرة مش هتطيقهم وهتطرد رفعت قبل منهم.
تبسمت هبة وقالت: وماله، أهو يبقى معانا راجل برضو.
نظرت زينب لهبة وقالت: بتتريقي يا مرات أخويا؟ يظهر إني أخدتك عليا. إنتي أكتر واحدة مدلعة فينا بسبب ماما. دي ساوت معاشها مخصوص من الشغل علشان تربي ابنك، فرحانة بأول حفيد ليها يتولد على إيدها، وكمان معاها في نفس المكان. بس فعلاً ابني راجل زي باباه، مش عيل سيس زي مجد أخويا. اللي بتلعبي بيه وهو برياله. قال سندريلا قال. إنتي آخرك كعب شوز السندريلا. يلا، واحدة فيكم تروح تجيب لي ابني من طنط مهرة بأي حجة وترجع بسرعة. هتصل على السواق في السرايا يجيب عربية لهنا، نطفش بيها ونروح بيت الفيوم بتاع عمتي.
بينما بمكان آخر في الحديقة قريب من مكان تجمعهن، جلس الأربعة رجال.
تحدث مجد يقول: قلبي مش مطمن للأربعة دول، حاسس إنهم بيدبروا لحاجة. هبة قالت لي هتطفش.
رد رفعت: وزينب قالت كده.
كذلك وسيم ورامي.
نظر الأربعة لبعضهم وقالوا بنفس الصوت: رسايل الموبايل عالصبح بدري.
تحدث رامي: كده اتأكدنا إنهم خلاص حسموا أمرهم. هنعمل إيه؟ هنسيبهم يطفشوا بجد؟
تبسم رفعت وقال بدهاء: طبعاً لازم نسيب لهم مساحة حرية اختيار يا جماعة.
على طاولة النساء، أتوا لزينب بطفلها المولود.
لكن تفاجؤ بتلك الخادمة وضعت أمامهم أكواب العصير.
تحدثت ليلى: كويس العصير ده جه في وقته. نشربه، يكون السواق وصل وبعدها نطفش.
وافقنها الثلاث الأخريات وبدأن بشرب العصير.
بعد وقت.
وقفت مهرة الكبيرة بين خمسة صغار وتحمل السادس على يديها، وقالت لهم بهدوء: اسمعوا كلامي والعبوا مع بعض بهدوء وبلاش تتخانقوا، وأنا وجدو نعمان نجيب لكم شوكولاتة وألعاب كتير كتير.
أومأت لها الصغار بموافقة.
قالت لهم: شطار. هدخل أنا أحضر الأكل، وبعد ما ناكل نلعب سوا بالألعاب اللي جدو نعمان جابها من شوية.
تبسم الأطفال لها بموافقة.
دخلت مهرة إلى داخل المنزل مبتسمة، ورأت نعمان يقف خلف باب زجاجي مطل على الحديقة.
تبسم نعمان حين اقتربت منه وقال:
تصدقي، فكرة رفعت إنهم يحطوا للبنات في العصير منوم، وكل واحد ياخد مراته ويروح يقضي يومين في أي مكان هادي، كانت فكرة حلوة. كفاية سابوا لينا العيال. هنلعب معاهم براحتنا لحد ما هما يرجعوا من الفسحة بتاعتهم.
تبسمت مهرة وهي تنظر للعبهم بالحديقة وقالت:
تفتكر يا نعمان، لو القدر كان اتغير، كان هيدينا سعادة أكتر من اللي أنا حاسة بها النهارده؟ حواليّ أولاد صحيح مش أولادي، بس أدوني محبة وحنان زي ما يكونوا أولادي فعلاً. وكمان آمنوني على أولادهم كأني جدتهم الحقيقة. حتى الأولاد نفسهم، يمكن مشاغبين زيادة عن اللزوم، بس هما كمان أدوني سعادة كبيرة، وأنا وسطهم حسيت إني رجعت طفلة زيهم، وبيلعبوني معاهم بلعبهم كمان.
تبسم نعمان واقترب من مهرة وقال:
ده عوض ربنا لينا. كان أكتر بكتير لو كان اتغير القدر. ربنا كافئنا بولاد وأحفاد، أكتر مما كنا نتمنى.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساءً.
وضعت هبة يديها حول رأسها تشعر بخمول وهي تستيقظ.
إلى أن فتحت عينيها تجول بالمكان.
نهضت تقول بخمول: إحنا وصلنا الفيوم أمتى؟
تبسم مجد الذي دخل إلى الغرفة وقال: الفيوم يا سندريلا؟ إحنا هنا في الجونة.
الجونة!
هكذا ردد عقل هبة، وكيف هي مع مجد. فآخر ما تتذكره هو صعودها لتلك السيارة بصحبة البقية من أجل الذهاب إلى الفيوم فراراً من مجد وطفلها. لكن مجد يقف أمامها بإبتسامته البلهاء التي تستفزها.
تحدثت هبة: جونة إيه وإزاي جينا للجونه؟ وفين أخواتي وزينب؟
اقترب مجد من الفراش وجلس بجوارها وقال:
الله أعلم هما فين. كل واحد خد الموزة بتاعته وطفش بيها. وأنا خطفت السندريلا وجيت هنا الجونة. معايا دعوة بأجازة مفتوحة ليومين من الشركة اللي بشتغل فيها. يعني هنقضي يومين في الجنة وببلاش يا سندريلا.
نظرت له هبة وقالت: مش فاهمة. لما كان معاك الدعوة دي، ليه مقلتليش قبل كده؟
رد مجد: كنت عاملها ليكي مفاجأة. بعد لقاء طنط مهرة الشهري، كنت هخطفك ونيجي على هنا وأفاجئك زي ما حصل كده.
تبسمت هبة بداخلها وقالت: والولد فين؟
رد مجد بوقاحة: ولد مين يا سندريلا؟ دي أجازة خاصة لإثنين وبس. أنا مغفل أجيب معانا اللي منغص عليا أجازاتي، وكل ما أقرب منك زي ما يكون ظابط وقته، وأنتي تتحججي بيه. اليومين دول أنا والطبيعة والوجه الحسن اللي هي السندريلا.
تدللت هبة وقالت: مجد، في حاجة كنت عاوزة أقولك عليها بس مش عارفة هتعجبك ولا لأ.
تبسم مجد يقول: أي حاجة منك تعجبني. بس بلاش تقولي لي: عاوزة أشتغل في الشركة معاك.
مثلت هبة الخجل وقالت: لأ، دي حاجة اكتشفتها صدفة من يومين كده.
رد مجد: وأيه هي الحاجة دي؟
تبسمت هبة وقالت: أنا كنت حسيت بشوية أعراض مش غريبة عليا. حسيتها قبل كده بسبب صفوت.
وحسيت تاني بنفس الأعراض دي.
قاطعها مجد وقال: وأيه هي الأعراض دي؟ اختصري يا سندريلا، بلاش لف ودوران.
ردت هبه: من الآخر، أنا حامل.
تبسم مجد وقال: طب ما أنا عارف يا سندريلا، وكان عندي شك من الإجازة اللي فاتت. وبدعي ربنا يرزقني بسندريلا تانية تدلعني، بدل الأولى منفضة ليا، والبوسة عندها بألف دولار، سندريلا التانية هتبوسني ببلاش وأدلعها.
نظرت له هبه قائلة بغيرة: سندريلا مين التانية دي كمان؟ مافيش غير سندريلا واحدة بس اللي هي أنا، وممنوع تدلع واحدة غيري يا مجد، فاهم.
غمز مجد عينيه وقال بمكر: دي غيرة بقى، طب هاتي بوسة بقى يا سندريلا، عربون اتفاق إني مدلعش سندريلا غيرك.
قال مجد هذا واقتنص الفرصة وقبل هبه قبلات، ليس هذا فقط بل ذهب معها في دروب الخيال.
******
استيقظت ليلى تتمطى بيديها، شعرت بخبط يدها بأحد نائم جوارها، كانت الغرفة مظلمة فقالت:
إحنا وصلنا للفيوم والنور قاطع ولا إيه.
أشعل مجد ضوء أباجورة جوار الفراش وتبسم قائلاً: إحنا في مرسى مطروح يا لولا.
نظرت ليلى لوسيم وقالت بخضة: وسيم، وأيه اللي جابنا هنا مرسى مطروح؟ أنا مش فاكرة إزاي جيت لهنا.
رد وسيم: ما أنتي كنتي نايمة يا حبي طول الطريق.
تبسمت ليلى وقالت: طب وليه جينا مرسى مطروح؟
رد وسيم: يومين عسل بعيد عن الدوشة أنا ولولتي وشط الهوا.
تبسمت ليلى قائلة: ونعمان فين؟
رد وسيم: بقولك يومين عسل على شط الهوا أجيب فيهم نعمان ينغص عليا، نعمان مع جدته مهره، وأنا بقى هقضي يومين في شط الهوا، مع لوللتي، نستعيد بداية جوازنا.
تبسمت ليلى قائلة: وسيم عندي لك خبر سعيد.
رد مجد بفضول: وأيه هو الخبر السعيد ده.
ردت ليلى: أنا من فترة كنت شاكة في موضوع كده، بس أنا قطعت الشك باليقين واتأكدت.
تحدث وسيم بفضول: اتأكدتي من إيه.
ردت ليلى: اتأكدت إني حامل. بصراحة أنا بعد ما خلفت نعمان كنت لسه فاضلي سنتين في الدراسة وخوفت أحمل تاني بسرعة عليه، وإنت عارف إني كنت باخد مانع حمل حتى بعد ما خلصت دراسة وبدأت أعمل دراسات عليا، بس من سنة كده بطلت أخد أي مانع حمل، بس كل شهر كنت بعمل اختبار حمل، كان بيطلع سلبي وبصراحة مع الوقت خوفت يكون مانع الحمل أثر عليا ومخلفش تاني غير نعمان، وكنت بتعصب وبضايق، بس اتفاجئت من كم يوم بشوية تعب كده وعملت اختبار حمل وطلع إيجابي الحمد لله.
تبسم وسيم وقال: مبروك يا حبيبتي، والموضوع ده اللي كان معصبك ومضايقك الفترة اللي فاتت طبعاً، غلطانة يا قلبي ليه تتعصبي وتتضايقي، ربنا عطانا نعمان نعمة كبيرة في حياتنا غيرنا مش لاقيها. وعطانا بزيادة أهلنا، معطناش، يبقى نحمد ربنا.
تبسمت ليلى وقالت: الحمد لله بس أنا عارفة إنك كنت وحيد وكنت عايزة أجيبلك عزوة.
تبسم وسيم: أنا عمري ما حسيت إني كنت وحيد، كان في رامي ورفعت زي إخواتي بالظبط، يمكن بينا علاقة أقوى من الإخوات كمان.
قال وسيم هذا ونظر لليلى وقال بمكر: بس قوليلي ليه لما كنتي بتتعصبي كانت خدودك بتبقى شبه الفراولة، وكان بيبقى نفسي أقطفهم كده.
قال وسيم هذا وقال بتقبيل عاشقاً يتوه معها بليالي العشق.
******
استيقظت مروه كان هناك ضوء قمر بالغرفة.
تمطت قائلة: القمر منور في الفيوم.
سمعت من رد عليها: لأ، دا الجميلة منورة بإسكندرية.
نظرت مروه وقالت بذهول: رامي، عرفت منين إني في الفيوم؟
ضحك رامي وقال: بس إحنا مش في الفيوم، إحنا في بيت إسكندرية. قال رامي هذا وأشعل ضوء الغرفة.
نظرت ليلى حولها، بالفعل هذه هي غرفتهم بهذا المنزل، تعجبت قائلة: أنا إزاي جيت لهنا، من غير ما أحس.
تبسم رامي واقترب من الفراش وجلس جوار مروه قائلاً بخباثة: أيه حكاية الفيوم دي؟ نفسك تروحي الفيوم.
تلعثمت مروه قائلة: الفيوم، أنا قولت الفيوم مش فاكرة، بس أنا آخر حاجة فاكراها إني كنت في العربية بعدها محسيتش الأ دلوقتي، فين الولاد؟
تبسم رامي وقال: الولاد مع عمتي مهره في الزهار، إحنا هنا لوحدنا في إسكندرية.
المسخ خطف الجميلة للقلعة بتاعته يومين بعيد عن العالم كله.
تبسمت مروه وقالت: فين المسخ ده؟ أنا مش شايفة قدامي غير الأمير الوسيم اللي عشقته الجميلة.
تبسم رامي واقترب أكثر من مروه وجذبها يُقبلها، رحبت بقبلاته.
ترك رامي شفاه مروه.
تبسمت مروه وقالت:
رامي هقولك على حاجة بس والله ما أعرف إزاي حصلت.
تبسم رامي وقال: أيه هي الحاجة دي؟
ردت مروه: أنا اتفاجئت إني حامل، إزاي معرفش مع أني كنت واخده احتياطي.
تبسم رامي وقال: وفيها إيه لما تكتشفي إنك حامل، ربنا يزيد ويبارك. بس ليه حاسس إنك زي ما تكوني خايفة من الحمل ده؟
ردت مروه: بصراحة أنا بعد مروان ابننا قولت كفاية ولد وبنت نعمة من عند ربنا، بس اتفاجئت من كام، وبصراحة خايفة يقولوا إني غيرت من سلفتي عشان خلفت للمرة التالتة إني سبت نفسي عشان ميبقاش عندها ولاد أكتر مني.
تبسم رامي وقال: تفكيرك غلط يا مروه، الولاد والمال رزق من عند ربنا هو اللي بيبعته مش إحنا اللي بنتحكم فيه، ويا ريت كل الغيرة تبقى كده.
ربنا يرزق الجميع.
تبسمت مروه له.
رد رامي عليها البسمة والتهَم شفاها بقبلات شغوفة.
تتراقص نغمات العشق بموسيقى رقصة الجميلة والوحش.
******
استيقظت زينب على صوت بكاء صغيرها، نهضت تنظر جوارها لكن لم تجده، ومازال يبكي، نظرت أمامها تفاجئت برفعت يحمل الصغير يحاول إسكاته بوضع تلك اللهاية بفمه، لكن الصغير يرفضها.
شعرت زينب ببعض الخمول وقالت: عرفت إزاي إني في الفيوم يا رفعت، هات الولد زمانه جعان.
تبسم رفعت وهو يعطي الصغير لزينب وقال بمزح: زيان فتّن عليكي.
تبسمت زينب وهي تنظر لطفلها وقالت له: كده يا زيان تفتن عليا، وأنا اللي سيبت الأوغاد التانيين وجبتك معايا.
تبسم ذلك الصغير وهو يشعر بحنان صدرها حتى أنه استسلم للنوم مبتسماً.
تبسم رفعت وقال: بقى له أكتر من ساعة مغلبني ووقت ما خدتيه ورفقتيه لصدرك نام. كويس أهو آخد وقت مستقطع معاكي، بقالي فترة كنت قاعد على دكة الاحتياطي.
تبسمت زينب وقالت: أنا إزاي جيت لهنا؟ آخر حاجة فاكراها العربية وبعد كده.
توقفت زينب ثم قالت: العصير!
العصير كان فيه منوم.
تبسم رفعت وقال: كنت بساعدك يا حبيبتي إنك تطفشي، وأهو أنا كمان طفشت معاكي، بس مش لوحدنا زي البقية، البقية كل واحد ومراته وبس، إنما أنا معايا زيان بيه الزهار وده نومه خفيف لو نكشنا جنبه هيصحى من تاني وينهي الوقت المستقطع وأرجع لدكة الاحتياطي من تاني.
تبسمت زينب ورفعت يمد يديه يأخذ منها الصغير بهدوء وقام بوضعه بتخت صغير معهم بالغرفة.
عاد رفعت وصعد جوار زينب على الفراش وقام بضمها لصدره مبتسماً يقول: كنتي عايزة تطفشي مني، مش عارفة إننا في بين شعور موصول بقلوبنا.
تبسمت زينب وقالت: كنت عارفة إنك هتجي ورايا، بس إنت جيت معايا، أنا مقدرش أطفش منك يا رفعت خلاص مبقتش أقدر أعيش في مكان من دونك. الولاد أكيد مع طنط مهره.
تبسم رفعت وقال: مش بس ولادنا، عمتي مهره هتفتح بيهم حضانة بعد كده.
تبسمت زينب وقالت: وهتفرح قوي بالدفعة الجديدة اللي جاية في السكة، زيان بيه حلف ما يكونش آخر نسل الزهار ولا السمراوي.
تبسم رفعت يقول: قصدك إيه.
تبسمت زينب دون رد.
تحدث رفعت: يعني التلاتة حوامل.
أومأت زينب رأسها بموافقة.
تبسم رفعت وقال: وإنتي.
ردت زينب: أنا إيه؟ أنا مبقاليش شهرين والده، وخلاص على كده استكتفيت، رضا من ربنا قوي، أنا كان متوقع إني مخلفش من الأساسه بس ربنا كرمه عليا فاض بزيادة.
تبسم رفعت وقال: وقسمة العدل، لازم يكونوا ولدين وبنتين.
تبسمت زينب وهزت رأسها بنهي.
تبسم رفعت وقال: براحتك، كلها سنة وإنتي اللي هتقوليلي عايزة بنوتة تانية زي ما قولتي قبل كده، نفسي يبقى عندي أكتر من طفلين.
تبسمت زينب وقالت: وقتها لكل مقام مقال يا رفوعة، دلوقتي ربنا يعيني على زيان بيه هو والأوغاد التانيين. وأبوهم الهمجي.
تبسم رفعت يلتقط شفاه زينب بقبلات عاشقة، ثم ترك شفاها وقال:
الهمجي عشق الشرسه اللي عمره ما عرف طريقه يروضها بيها، بس هو عاشق شراستها.
بحبك يا زينب، بحبك يا شجرتي الطيبة اللي استظليت بها.
أكمل رفعت باقي حديثه قبلات ينثرها على وجه وعنق زينب، يبث لها عشقه في ليالي انطفأت فيها النيران وتوهج العشق.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سعاد محمد سلامة
قبل الظهر بقليل
كانت تجلس بحديقة تلك الڤيلا تتناول طعام الفطور. جاء إليها رسالة على هاتفها، فتحتها لتجد بعض الصور. كانت لرفعت يحمل فتاة ويسير لجوازه. تلك الحمقاء تحمل طفل صغير. كذلك يسير أمامهم طفل ثالث. يبدون عائلة سعيدة. شعرت بنيران حارقة بقلبها. رفعت رفض حبها وتخلى عنها حين عادت من أجل أن تصل الحب القديم بينهم. من أجل تلك الحمقاء. لتعود لبراثن ذالك الوغد فابيو، الذي انتهت حياته. ظنت أنها ستجد راحتها، لكن كانت واهمة. تلك الحياة التي اختارتها من البداية لا تنتهي إلا بطريق واحد هو... الموت. فبعد قتل والدها لوالدتها وهو يقطن بأحد دور الرعاية النفسية تحت حراسة خاصة من الشرطة. كذلك توأمتها التي لا تعلم إن كانت حية أو ميتة. الظن الأكبر أنها ميتة. كان لابد أن تبحث عن القوة كي تستطيع تكملة حياتها بنفس المستوى التي عاشت به. كان هنالك طريق واحد أن تخضع لجبروت آخر من فصيلة السادي. فابيو، ابن عمه الذي اتخذ مكانه ومكانته وسط المجتمع اليوناني، وكذلك ورث أعماله القذرة.
شردت في الماضي. أغمضت عيناها تتخيل أوقاتها الحميمية القليلة التي قضتها مع رفعت. كانت هادئة خالية من العنف الذي كان يمارسه فابيو. كذلك ذالك الحقير الآخر "فبريجاس".
فاقت من ذالك الشرود حين شعرت بيد توضع على كتفها بقوة. أيقظتها من ذالك التخيل، على واقع أليم اختارته بإرادتها وهي تسعى خلف قوة تحتاجها كي تواجه الحياة وتلبي كل ما تشتهيه من سطوة وقوة. تعلم أنها زائفة.
ردت باليونانية ترسم بسمة دهاء:
صباح الخير حبيبي فابري.
ضحك فبريجاس قائلاً:
في ماذا كنتِ شارده. لقد ناديت عليكِ أكثر من مرة... أتمنى أن تكوني صادقة في الرد عزيزتي.
نهضت ريما بدلال وتصنع:
ولما أكذب حبيبي. كنت شارده فيك أنت بدلت حياتي.
تبسم لها ماكرًا:
بدلتها للأحسن أم للأسوء.
ردت بدلال:
للأحسن بالطبع عزيزي.
جذبها من خصرها بقوة لتلتحم بصدره وقام بتقبيلها قُبلة قوية. تركها بعد أن كادت تلفظ نفسها الأخير. سعلت بشدة. بينما هو تبسم بزهو قائلاً:
بالتأكيد عزيزتي لولا أني أنتشلك من مصيرك السيء لـ كنتِ الآن عاهرة بـ فراش أحد رجال فابيو. بمناسبة كلمة عاهرة، أريدك الليلة عزيزتي في تلك الصالة نستمتع سوياً.
إرتجفت أوصال ريما لكن رسمت بسمة ترحيب غصبًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
بسرايا الزهار
في حوالي الواحدة والنصف ظهرًا
بحديقة السرايا
تبسم رفعت لـ زينب أثناء دخولها. الاثنان إلى السرايا. نظر لساعته وقال:
غريبة الساعة واحدة ونص. لسه على ميعاد الانصراف من الوحدة نص ساعة.. ده تسيب وإستهتار وتقاعص عن أداء العمل يا دكتورة.
تبسمت زينب قائلة:
بتتريق. بس ده مش تسيب ولا إستهتار ولا تقاعص. ده حاجة عادية. ناسي إن عندي ساعة رضاعة، وقولت أستغلها، وأجي أطمن على ابنك الوغد الصغير... الصبح كان سخن شوية بيسنن، وعلى ما السِنة تطلع هيطلع روحي أنا ودادا محاسن معاه.
تبسم رفعت وأشار لها بالدخول أمامه.
دخلت مبتسمة. استقبلتهما محاسن التي تحمل أصغر أبنائهم.
تبسمت لـ زينب قائلة:
يلا يا زيان نفرج مامي على السِنة اللي طلعت.
تبسمت زينب بتنهيدة قائلة:
أخيرًا ظهرت السِنة الحمد لله.
تبسمت لها محاسن وهي تعطيها الصغير قائلة:
الحمد لله طلعت والسخونية راحت. هروح المطبخ أقولهم يجهزوا الغدا. رامي بيه ومراته هيتغدوا عند حماه، وزمان الولاد على وصول، وكمان الست إنعام كانت طلبت مني أعملها بسبوسة وخايفة تكون قالت لواحدة من الشغالين من ورايا تعملها لها بسمنة وتكتر في أكلها وتتعب.
تبسمت لها زينب.
غادرت محاسن وتركت زينب التي أنزلت الطفل عن يدها وأوقفته أرضاً قائلة:
يلا يا زيان فرج بابي وقول له إني طلع لي سنة وكمان بقيت بعرف أمشي.
تبسم رفعت لها، وهو يراها تمسك يدي الصغير.
في ذالك الوقت
دخلت تلك الشرسة الصغيرة "مهره" إلى السرايا تهرول سريعاً بإتجاه رفعت الذي يقف جوار زينب التي تمسك يدي أصغر أطفالهما تساعده على مشي خطواته الأولى بتبسم.
إنحنى رفعت وإلتقط تلك الصغيرة التي إرتتمت بحضنه. حملها ووقف يقبل وجنتيها، بينما الصغيرة، اقتربت من أذن والداها وهمست له بشيء.
تبسم رفعت يقول:
بس كده يا مهره بابي تؤمر وأنا أنفذ.
تبسمت الصغيرة وقبلت رفعت قائلة بطفولة:
وكمان خلي مامي هي اللي تكشف على ابن الدادا.
تبسم رفعت ينظر لـ زينب التي يبدو عليها الفضول، تريد معرفة ماذا همست تلك الصغيرة لـ رفعت.
وجهت الصغيرة الحديث لـ زينب قائلة:
مامي ابن الدادا يا حرام عنده خُرم في القلب والدادا كانت بتعيط وأنا قولت لها مامي دكتورة هاتيه تكشف عليه، وكمان هو محتاج لعملية بفلوس خمسين جنيه وبابي خلاص هيدفعهم لها عشان مش تعيط تاني.
نظرت زينب لها وقالت بتهكم:
بعد ما قولتي خُرم دي ملهاش لازمة مامي دي، وبعدين عملية إيه دي اللي بخمسين جنيه. عملية خُرم إبرة دي ولا إيه... بعدين هدومك إيه اللي مبهدلة غير أنها مش نضيفة.
ردت الصغيرة ببراءة:
وقعت في الجنينة بتاع الحضانة، كنت عايزة أقطف وردة، عشان أجيبها لجدو نعمان يزرعها.
سندت زينب طفلها الصغير على ساقيها ومسكت يد طفلتها. رأت بعض الجروح. نظرت لـ رفعت وتنهدت قائلة:
حالاً، رضوان بيه يجي لي بمصيبة عاملها هو كمان. أنا عندي السكر، بس بقيت متأكدة إنه بقى عندي سكر وضغط. منك ومن عيالك يا رفعت..
أنا بفكر أخلعك وأسيبلك عيالي وأهج.
غمز رفعت بعينيه وقال بمرح ووقاحة:
تهجي لوحدك من غيري. طب إيه رأيك أخطفك يومين كده ناخد وقت مستقطع من ولاد الهمج دول.
حملت زينب الصغير وقالت له:
بطل وقاحتك دي خلاص بقيت أب لتلات أوغاد لازم تبقى قدوة حسنة لهم.
تبسم رفعت، وأنزل طفلته قائلاً:
يلا يا مهرتي روحي اغسلي إيدك وتعالي نتغدى.
هرولت الصغيرة.
بينما غمز رفعت بعينيه وقال:
طب ما أنا قدوة حسنة ولا عندك اعتراض يا زوزي، ها إيه رأيك ناخد وقت مستقطع بعيد عن هنا، نرتاح من الأوغاد دول.
تبسمت زينب وقالت:
أفكر بعد الغدا لأني دلوقتي جعانة ولما بجوع مبعرفش آخد قرار.
تبسم رفعت، لكن في ذالك الوقت صدح رنين هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر للشاشة. ثم نظر لـ زينب لكنها كانت غير منتبهة له بسبب انشغالها في طفلهما.
رد على المتصل، شعر بتوجس مما قاله، لكن بصعوبة تحكم في رد فعله، وقال:
تمام نص ساعة وأكون عندك.
نظرت زينب لـ رفعت قائلة:
هتروح فين. مش هنتغدى سوا. زمان باص رضوان على وصول.
رد رفعت بثبات:
لأ ده شغل مهم. اتغدوا أنتم أنا مش جعان.
لم ينتظر رفعت رد زينب وخرج مسرعاً. تعجبت زينب من ذالك لكن نفضت عن رأسها بسبب بكاء طفلها الصغير. تبسمت له قائلة:
زيان بيه مش قد الجوع. خلينا إحنا نروح نتغدى و بعدين نبقى نشوف سبب خروج بابي بالسرعة دي.
بعد قليل بإحدى المدارس الخاصة.
وقف رفعت يقول بحِدة وعصبية:
يعني إيه طفل عنده سبع سنين يهرب من المدرسة. فين أمن المدرسة وإزاي خرج بدون ما حد يشوفه.
رد مدير المدرسة:
من فضلك يا رفعت بيه إهدى. واضح إن ابن حضرتك تقريباً مدخلش المدرسة. إحنا جبنا كل الكاميرات الخارجية ومفيش كاميرا صورت دخوله، غير في كمان حاجة غريبة في بنت وولد زملاء له كمان متغيبين.
رد رفعت:
يعني إيه. قصدك إنهم هربوا قبل ما يدخلوا المدرسة. طب إزاي مش الباص بيدخل بالتلاميذ لحد حوش المدرسة.
رد المدير:
فعلاً يا أفندم، بس أوقات الباص بينتظر قدام باب المدرسة ينتظر خروج الباص التاني. ممكن يكونوا اتسحبوا ونزلوا في الوقت ده من غير ما حد من المشرفين ينتبه عليهم. أنا بلغت حضرتك وكمان بلغت أهل الاثنين الثانيين، وزمانهم على وصول.
تنهد رفعت بغضب كبير، وقال:
ومشرفين مسؤوليتهم إيه.
غير ينتبهوا على الأطفال.
أخرج رفعت هاتفه الذي صدح برنين. رأى من تتصل عليه. فكر في عدم الرد عليها لكن ربما بعدم رده يدخل إلى قلبها القلق. لكن رد وحاول الهدوء.
تعجب وهو يسمع صوتها تقول:
تعالى يا رفعت شوف خلفتك السو. ابنك الهمجي البكري هربان من المدرسة وجايب معاه اتنين يفرجهم عالخيل في الإسطبل.
إنشرح قلب رفعت وقال:
رضوان في الإسطبل. طب أنا جاي فوراً.
أغلق رفعت الهاتف، ونظر للمدير ببعض الخزي قائلاً:
رضوان وزمايله عندي في إسطبل الخيول. بعتذر إن كنت احتديت عليك.
تبسم المدير براحة:
لأ مفيش مشكلة، الحمد لله إننا عرفنا مكانهم وأهو أولياء أمور زمايله وصلوا.
تبسم رفعت وقال لهم:
إطمنوا الأولاد بخير هما عندي في السرايا اتفضلوا معايا.
بعد قليل بالسرايا
دخل رفعت ومعه اثنان.
تقابل مع زينب.
تحدث بهدوء:
الولاد فين؟
ردت زينب:
في أوضة السفرة بيتغدوا.
أشار رفعت لذالك الضيفين وقال:
اتفضلوا معايا.
دخل بهم رفعت إلى غرفة السفرة.
بعد قليل غادر الطفلان بصحبة ذويهم.
نظرت زينب لـ رضوان قائلة:
اختفى من وشي يا همجي. إنتم هتجيبوا أجلي بدري. ومتفكرش إن هروبك من المدرسة هيفوت بالساهل.
رغم فزع رفعت قبل قليل لكن حين رأى طفله شعر براحة وطمأنينة، وتبسم على وعيد زينب له. لولا ما شعر به من خوف عليه قبل قليل ربما كان له رد فعل أقسى، لكن تغافل عن عقاب هذا الصغير. وقال لـ زينب:
أيه عرفك إن رضوان وزمايله كانوا عند الخيل.
ردت زينب:
البيه هو وزمايله هربوا من باص المدرسة بدون ما حد يلاحظهم وجُم على هنا، وطبعاً قضوا الوقت في اللعب، ولما الجوع قرص بطنهم جابهم عشان يتغدوا في تكية أبوه.
تبسم رفعت وقال:
قولت لك ناخد وقت مستقطع ها فكرتي في الرد.
ردت زينب:
أنا بعد اللي ابنك عمله وهروبه من المدرسة مش قررت أطفش بس لأ. قررت أتبرى منهم والتلاتة كمان ومعنديش مانع أروح معاك حتى الكاريبي.
تبسم رفعت وقال:
لأ مش هنروح الكاريبي، هنروح مكان تاني، خليه مفاجأة يا زوزي.
.......ــــــــــــــــــــــــ
مساءً بنفس اليوم
تعامل رفعت بمكر مع زينب حين خرجوا من السرايا بسيارته وقام بوضع منوم لها في إحدى العصائر.
إلى أن وصل لوجهته، حملها ودخل بها إلى إحدى الغرف وبدأ بإيقاظها.
بعد وقت قليل فاقت زينب.
تبسم رفعت لها وقال:
أخيرًا صحيتي يا زوزي. أنتي أخدتي السكة كلها نوم.
تعجبت زينب من ذالك وقالت:
إزاي نعست. أنا بعد ما شربت العصير محستش بحاجة.
تبسم رفعت يقول:
أكيد نمتي بسبب الإرهاق. عالعموم يا روحي إحنا خلاص وصلنا.
تبسمت زينب وقالت:
ووصلنا فين بقى.
تبسم رفعت وأتى بشريطة وقال:
مفاجأة يا زوزي. هتنبهرى لما تعرفي إحنا فين.
ربط حول عينيها شريط بنفسجي اللون وسحب يدها يوجهها إلى المكان الذي سيذهبان إليه. سارت معه إلى أن توقف.
وقف خلفها يُزيل ذالك الشريط.
فتحت عينيها وأغمضتها عدة مرات كي تستوعب أين هي، ثم نظرت له قائلة:
قولي اللي أنا شيفاه ده مش حقيقي.
تبسم رفعت وهو يضع يديه حول خصرها يقول:
أنا وأنتي يومين مش هيتنسوا يازوزي وإحتمال بعد اليومين دول نجيب الرابع.
أنهى حديثه بقُبلة عشق.
أبعدته عنها قائلة:
رابع إيه اللي هنجيبه. أنا لو قضيت هنا ليلة واحدة هقطع الخلف. خلينا نرجع الزهار أنا هموت من البرد.
إقترب بوقاحته يقول:
وأنا لازمتي إيه. هدَفيكِ يا روحي. هنا أفضل مكان يجمعنا، مش هتبعدي عن حضني لحظة واحدة، لمدة يومين. ومفيش أي حجة بسبب الأوغاد اللي عاملين زي برج المراقبة في الكمين.
ردت زينب:
ده الكمين أرحم من المكان ده يا رفعت. أحسن في قلب البحر في الجو السقعة ده، غير إن أكيد الرياح قوية وممكن تقوم عاصفة. رجعنا للشط يا رفعت أنا عندي عيال عايزة أربيهم.
ضحك رفعت قائلاً:
مش العيال دول اللي عايزة تطفشي منهم. أهو نقضي يومين سوا بعيد عنهم، أنا وأنتي والبحر ونجوم السما.
نظرت زينب للسماء وقالت:
هي فين النجوم دي. السما سودة يا رفعت مفيهاش حتى نجمة واحدة. خلينا نرجع.
إقترب رفعت من زينب وقال:
لأ في نجمة هناك أهي بعيدة.
نظرت زينب إلى ما أشار نحوه رفعت وقالت:
دي مش نجمة دي نقطة في السما. رفعت رجعنا للشط. أنا شفت فيلم زمان اسمه العاصفة المثالية كان على سفينة وقامت عاصفة غرقتهم.
ضحك رفعت.
بينما تذمرت زينب.
لكن
أصمتها رفعت بقُبلة، بل قُبلات يضمها بين يديه يسحبها للسير معه، إلى أن وصل إلى إحدى غرف المكان، ترك شفتيها ليتنفس الاثنان. نظرت زينب للغرفة.
مبتسمة الغرفة ذات إضاءة باللون البنفسجي يمتزج بها عطر الزهور المنبعث من تلك الشموع التي تنير الغرفة.
تبسمت زينب ووضعت يديها حول عنق رفعت قائلة بدلال:
كويس إن لون الأوضة بنفسجي. لو كان أحمر كنت قلت الهمجي بقى سادي بسبب المكان اللي جبتنا فيه ده وسط البحر.
تبسم رفعت يقول:
سادي... فكرة برضو. المكان خالي ومناسب جداً وأنا وانتي لوحدينا وفي شموع كتير في الأوضة وإحنا في وسط البحر وصوت الأمواج يعمل شغل عالي.
نظرت زينب لـ رفعت ببسمة ثقة. أنه غير قادر على تحمل إيذائها بخدش.
تبسم رفعت يقول:
وايه معنى البسمة دي. متنسيش أنا مروض خيول ماهر وأحياناً كتير القسوة مطلوبة في الترويض.
تبسمت زينب قائلة:
وأنا الشرسة غير قابلة للترويض.
ضمها رفعت قويًا وقال:
الليلة الفارس كل اللي بيفكر فيه هو أنه يعبر عن عشقه للشرسة اللي غيرت حياته، ورسمتها بشكل تاني.
أنهى رفعت حديثه بقُبلة شغوفة مغلفة بالعشق. أنسى زينب ذالك الخوف من المكان. تلاطمت أصوات أمواج البحر مع شغفهم ببعضهم بين القُبلات واللمسات.
تبادلا العشق.
بعد قليل تبسم رفعت وهو يرى زينب تقترب منه وتنام على صدره. ضمه بين يديه قويًا.
تنهدت زينب.
تحدث رفعت:
ليه التنهيدة دي.
تحدثت زينب:
الأوغاد وحشوني. رغم أنهم كم ساعة غابوا عن عيني بس وحشوني.
تبسم رفعت يقول:
لا بحبك ولا بقدر على بعدك.
تبسمت زينب:
أنا بحبهم قوي يا رفعت.
تحدث رفعت بـ غرور:
بتحبيهم طبعاً عشان جبتيهم مني. تعالي أقولك إزاي. يمكن نجيب الرابعة قريب.
تبسمت زينب وضربته بخفة على صدره قائلة:
بطل وقاحة. دول ولادي أنا اللي شيلتهم جوايا. عارف يا رفعت أنا كان عندي هاجس قوي إني مش هخلف خالص. وده يمكن اللي خلاني خدت فترة على ما عرفت إني حامل في رضوان بالصدفة. رغم كان عندي شك بس كنت بكدبه وأنا خايفة أتعلق بوهم.
تعجب رفعت قائلاً:
وأيه كان سبب الخوف ده. عشان عندك السكر من وأنتي صغيرة.
ردت زينب:
يمكن ده كان سبب من الأسباب. بس لما عرفت إني حامل حسيت بفرحة كبيرة. بس منهم لله فابيو وهاشم خطفوني يومها. ولو مش أنقذتني في الوقت المناسب يمكن كان زماني...
وضع رفعت يدهُ على فم زينب يمنعها من مواصلة الحديث، وقال:
زينب إنتي اللي أنقذتيني من سراب كنت ماشي وراه. انتقام كان بسهولة ممكن يحرقني. كنتِ زي المرهم اللي بيحطوه على الحروق بيبرد مكانه. عشقك برد نار قلبي، نساني كل الألم اللي عشت بيه سنين. خوفت في لحظة تتحرقي بالنار اللي كانت شاعلة جوايا.
تبسمت زينب وقلبت مجرى الحديث قائلة:
فين النار دي دلوقتي تدفينا في إحنا في وسط البحر في التلج ده.
تبسم رفعت.
بينما زينب سارت بسبابتها على صدره تخط اسمه صدره بأناملها.
تبسم رفعت يقول:
زينب.
رفعت رأسها وقالت:
عرفت إزاي إني كتبت اسمي على صدرك.
تبسم رفعت يقول:
لأنك اسمك موشوم بقلبي يا زينب.
تبسمت له وهو
يسحب يديه من عليها ويبتعد عنها، مما جعلها ممدة فوق الفراش، وسار بأنامل يدهُ فوق عنقها، ثم كتب شيئًا، ونظر لعين زينب التي تبسمت وقالت:
بحبك.
تبسم لها وقال:
لأ بعشقك.
أنهى قوله يُطبق بشفتيه على شفتيها ويديه تقربها منه أكثر.
يسبح الاثنان في بحر العشق يشعران بالدفء، عكس الطقس خارج اليخت.
لتسطع عليهم شمس يوم جديد.
تداعب عيني زينب من خلف ذالك الشباك الزجاجي للغرفة.
إستيقظت زينب، تشعر ببعض البرودة، بسبب عدم وجود رفعت جوارها، لكن سرعان ما سمعته يقول:
صباح الخير يا دكتورة. بقينا الضهر. الدكتورة بقت كسولة قوي... فين أيام ما كانت تصحى من الفجر تروح الوحدة.
تبسمت زينب ونهضت تسحب الغطاء عليها قائلة:
صباح النور. الدكتورة اتبدلت على لما عشقت الهمجي. أنا جعانة.
تبسم رفعت الذي أقترب منها وقال:
جهزت لك الفطور، بس إعملي حسابك الخدمة هنا مش مجانية كل شئ بتمنه.
تبسمت زينب:
وأيه تمن الفطور بقى. أنا لا أملك شيئ مرتبي بيخلص بعد أسبوع بالظبط من القبض وبقية الشهر بعيش عالتقليب.
ضحك رفعت وجلس على الفراش يقول:
مش كل حاجة تمنها فلوس يا دكتورة. في حاجات تمنها أغلى من كنوز الدنيا كلها.
تبسمت زينب بمكر وقالت:
وأيه هي الحاجات الغالية دي بقى.
إعتلى رفعت جسد زينب وقال:
العشق يا شجرتي الطيبة.
تبسمت زينب ولفت يديها حول رفعت تنظر لعينيه بعشق قائلة بتكرار:
العشق يا قدري.
بعد قليل وقفت زينب على سطح اليخت تلف جسدها بدثار ثقيل تنظر إلى تلك الشمس الساطعة.
ضمها رفعت من الخلف.
تحدثت زينب:
شايف انعكاس الشمس على موج البحر. تحس إن الأمواج هديت أصواتها وقوتها عن بالليل.
تبسم رفعت يقول:
زي وجودك في حياتي يا زينب. معاكي رجعت أحس تاني بالعيلة وفرحة لمّتها.
بعد مرور يومان.
إنتهت تلك الرحلة. لكن العشق مازالت ناره متقدة وتتقد أكثر مع مرور الوقت.
نزل رفعت من على اليخت على رصيف الميناء يمسك بيد زينب يسيران سوياً على الرصيف. من يراهما يقول عشاق في بداية عشقهما.
لكن كان هناك كاميرا تقوم بتصويرهما منذ أن نزلا من اليخت.
في ظرف دقائق كانت ترسل الصور إلى وجهتها.
بينما صعد رفعت وزينب إلى السيارة. لكن قبل أن يقود رفعت السيارة، صدح رنين هاتفه.
تبسمت زينب قائلة:
كنا مرتاحين اليومين اللي فاتوا من رن التليفونات.
تبسم رفعت واخرج هاتفه ونظر للشاشة بتعجب ثم رد.
للحظة لاحظت زينب سآم وجه رفعت وردهُ المقتضب. بعد أن أغلق الهاتف قالت له:
مين اللي بيتصل عليك.
رد رفعت:
ده عامل من الإسطبل بيسأل هرجع إمتى.
ردت زينب:
طب مال وشك قلب كده ليه.
رد رفعت:
مفيش وشي مقلبش ولا حاجة، يمكن عشان انتهى اليومين بسرعة. خلينا نرجع الزهار للأوغاد من تاني.
تبسمت زينب قائلة:
فعلاً كانوا يومين حلوين. المرة الجاية لما أحب أطفش أنا وأنت أنا اللي هختار المكان حسب الطقس. أنا حاسة إني عضمي كله بيوجعني.
غمز رفعت بعينيه:
بس الوجع ده مش بسبب الطقس يا زوزي. ده بسبب شقاوتك... اللي بعشقها يا شجرتي الطيبة واللي بسببها جبنا الأوغاد اللي راجعين لهم من تاني.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الأربعون 40 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد
مرور خمس سنوات
بسرايا الزهار
بغرفة رفعت وزينب.
نظر رفعت لإنعكاس زينب النائمه بالمرآه خلفه
إقترب من الفراش وصعد لجوارها وقام بتقبيل ظهرها
قائلاً: إصحى يا زوزى بقيتى كسوله قوى يا روحى.
تبسم رفعت ثم أكمل بوقاحه: قومى قبل ما أفتح باب الأوضه.
وولادك يدخلوا يقولولك نايمه عريانه ليه؟
فتحت زينب عينيها وقالت: الوقاحه اللى عندك مش هتبطل أبداً.
تبسم رفعت دون رد، بينما تمطئت زينب ونهضت جالسه على الفراش قائله: رفعت أنا زهقانه وبفكر أطفش.
تبسم رفعت، وهو يعلم أن زينب تمر بتقلبات مزاجيه بسبب قُرب نهاية مدة الحمل.
وقال بإستفزاز مرِح: هتطفشى وتسيبى إبنك وبنتك وكمان أنتى حامل وخلاص قربتى تولدى يا زوزى،أعقلى يا روحى .
ردت زينب بتفكير: خلاص أنا بعد ما أولد أخلعك وأطفش بعدها،وأتصرف إنت بقى مع عيالك الأوغاد.
تبسم رفعت وأمسك وجه زينب بين يديه وقام بتقبيل شفاها
ثم قال بمرح: صباح الخير يا زوزى.
قال رفعت هذا ونهض من على الفراش وغادر الغرفه مبتسماً.
بينما زينب جذبت هاتفها من جوار الفراش وفتحت هاتفها على إحدى تطبيقات المراسله الجماعيه، وأرسلت رساله مُختصره
أنا هولد بعد أسبوع وبعدها طفشانه هتيجوا معايا.
كان الجواب جماعى... بالموافقه.
وكان هنالك سؤال.. أين سنذهب.
ردت زينب: بيت الفيوم بتاع عمتى... أولد بس وبعدها نظبط هنطفش إزاى بدون ولاد الأشرار اللى فى حياتنا.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعجب رامى حين خرج من الحمام ووجد مروه مشغوله على الهاتف يسمع صوت تبادل رسائل.
تحدث: بتراسلى مين عالصبح كده.
لم تنتبه مروه كانت مشغوله بالرد على الرسائل.
إقترب رامى من مروه ونظر للهاتف، إنتبهت مروه وقالت له: بتجسس على رسايل موبايلى، مش فى حاجه إسمها خصوصيه.
تهكم رامى وقال: بقالى ساعه بكلمك مش بتردى ووقت مبصيت فى الموبايل بقيت بنتهك خصوصيتك،بقولك بتراسلى مين عالصبح بدرى كده وسرحانه معاه.
أغلقت مروه الهاتف وقالت:مفيش حد ولا إتنين،هقوم أدخل الحمام آخد شاور وأفوق وبعدها أروح أصحى الولاد علشان أفطرهم قبل ما يجى باص الحضانه.
قالت مروه هذا ووضعت هاتفها على طاوله جوار الفراش ودخلت الى الحمام.
تنهد رامى يقول: يا ترى أيه التخطيط الجديد للجميله، وماله مفيش مانع لإنتهاك الخصوصيه، قال رامى هذا وجذب هاتف مروه، لكن لسوء حظه الموبايل مُغلق بنمط خاص به.
....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل وسيم الشامى.
نهض وسيم من نومه على أصوات تلك الرسائل الهاتفيه، نظر لجواره ورأى بسمة ليلى.
تحدث بنعاس قائلاً: مين اللى بيبعتلك رسايل عالصبح كده.
ردت ليلى: عادى ده شات مع صحاباتى.
تذمر وسيم وقال:وصحاباتك دول صاحين بدرى كده يراسلوا بعض بمناسبة أيه،يكونش النهارده عيد الشات السنوى.
ردت ليلى قائله:صاحى تتريق عالصبح،عالعموم أنا هاخد موبايلى وأروح أشوف نعمان أصحيه علشان يفطر قبل ما باص الحضانه يوصل...وهسيبك تكمل نوم براحتك.
تعجب وسيم من ذالك ودخل لديه فضول معرفة مع من كانت تتراسل ليلى... بالفعل نهض وخرج خلفها، وتبسم وهو يرى طفله صاحب الأربع سنوات يتذمر مازال يريد النوم، لكن ليلى قالت له بحزم:
نعمان يلا إدخل أغسل سنانك وتعالى علشان تفطر باص الحضانه على وصول.
قالت ليلى هذا ووضعت هاتفها فوق إحدى الطاولات ودخلت الى المطبخ...
ذهب وسيم سريعاً قبل أن تغلق شاشة الهاتف، لكن نفذ الوقت وهنالك نمط لفتح الهاتف، وقف حائراً يُشغل عقله الفضول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالقاهره
كانت هبه تجلس أرضاً جوار طفلها الذى يلعب بمجموعة ألعاب تناسب طفل بعمر العام والنصف
وفى نفس الوقت ترد على تلك الرسائل
بعد قليل أغلقت هاتفها وحملت طفلها الذى يتثائب، وقالت، تنام دلوقتي وتصحالى فى ورديتى معاك طول الليل تعالى أوديك لطنط هاله تتصرف هى معاك، وأفضى أنا شويه كده لابوك قبل ما يرجع للعوينيات تانى.
بالفعل ذهبت هبه بطفلها وأعطته لحماتها التى إستقبلتهما بترحاب وموده، وغادرت هبه بحجة أنها ستفعل بعض الأشياء بشقتها المقابله لحماتها.
دخلت هبه وذهبت الى تلك الغرفه كى تُجمع تلك الالعاب بسلة الالعاب الخاصه بها، جلست أرضاً تلتقط لعب طفلها، وجمعتها، لكن إنخضت حين سمعت مجد يتحدث خلفها:
فين صفوت جونيور .
ردت هبه: وديته عند طنط هاله، هى وردية النهار وأنا وردية الليل...معرفش الواد ده طالع شقى لمين.
غمز مجد بعينيه وجلس أرضاً جوارها وقال:شقى لابوه،فرصه عظيمه ولازم نستغلها أظن بكده مفيش حد هيقطع عليا وصلة الغرام مع السندريلا... ما تجيبى بوسه كده نستفتح بيها الصباح العسل ده.
تبسمت هبه بغنج قائله: عاوز بوسه هات ألف دولار.
نظر مجد لها بخضه وقال: ليه أنا لو هبوس الملكه كليوباترا مش هدفع الالف دولار.
نهضت هبه من جواره قائله بتوعد: بستخسر فيا، كده طب ، أنا داخله أنام و خلى الملكه كليوباترا بقى تبوسك ولا تنفعك.
نهض سريعاً خلفها يقول: طب نتفاهم طيب.
لم ترد عليه ودخلت الى الغرفه وأغلقت الباب خلفها فى وجهه بقوه.
شعر بألم فى مقدمة أنفه بسبب خبطها بالباب.
وضع يدهُ يُدلك مكان الألم وقال:
خدى بالك إنى ممكن أنحرف وأبوس سجاير كليوبترا... وأخسر صحتى وده مش فى صالحك لان ممكن بعد كده أشرب سجاير حشيش وأضيع فلوسى على المزاج ومش بعيد أضرب مخدات.
فتحت هبه باب الغرفه وقذفته بإحدى الوسائد قائله: خد مخده أهى أضرب فيها براحتك وأعمل حسابك إنى طفشانه وإبقى خلى الملكه كليوباترا بقى تنفعك.
قبل أن تغلق هبه باب الغرفه، وضع مجد ساقه يمنعها من إغلاقها، تركت هبه الباب وتوجهت الى الفراش وجلست عليه.
إقترب مجد وجلس لجوارها يلتصق بها، لكن هبه كانت تبتعد عنه، وكان يذهب خلفها... الى أن قال مجد:
سندريلا ليه زعلانه منى.
ردت هبه: أنا هبه مش سندريلا، بعدين متكلمنيش تانى مش مستخسر فيا ألف دولار...
تبسم مجد يقول بحنكه: مين ده اللى يستخسر فيكى يا هبة قلبى، بس أنتى يا حبيبتى منفضانى أول بأول، بسبب تجهيزات الشقه والعفش اللى قبل ما أخلص منهم، كنتى خلفتى صفوت، وفلست بسبب حفاضات وألبان معرفش ليه مرضاش يرضع من صدرك وفضل اللبن الصناعى، وده لوحده عاوز ميزانيه خاصه... وكمان حطيت المبلغ اللى كان فاضل معايا فى الڤيلا اللى إشتريناها وتشطيباتها.
ردت هبه بظفر: أهو يبقى تسيبنى أساعدك وأشتغل أنا كمان وأهو أساعد معاك ووقتها مش هطلب منك تمن البوسه.
فهم مجد الى ماذا ترنو اليه هبه، وقال: وهتشتغلى أيه بقى؟
ردت هبه: مهندسه زيك بالظبط ناسى أنى درست هندسه بترول، وأنت بتشتغل فى شركة بترول كويسه وممكن تكلم اى حد من رؤسائك يتوسط ليا وأشتغل معاك فى نفس الشركه ونفس المكان
وبدل ما بتيجى أجازات هبقى معاك دايماً.
رد مجد: هتجى تشتغلى معايا فى الصحرا، هناك مفيش ستات خالص حتى صابحه اللى كانت فى فيلم للرجال فقط مش موجوده، دى كانت تهيؤات فى الفيلم.
تبسمت هبه وقالت: عاوز تفهمنى إن مفيش شغل للستات خالص عندكم فى الشركه.
رد مجد: لأ فى طبعاً، بس شغل إدارى، مش فنى.
ردت هبه: وماله أشتغل فى الأداره.
فكر مجد بمكر وقال: أغير عليكى يا روحى الجمال ده يشتغل فى إدارة مدرسة الحب قسم سندريلا.
قال مجد هذا وإنحنى كى يُقبل هبه..
لكن قبل الوساده، بعد أن نهضت هبه من على الفراش، لكن تركت هاتفها الذى أضاء بصوت رساله.
مسك الهاتف ونظر للشاشه، علم أنها رساله على إحدى تطبيقات المراسله الجماعيه، قبل أن يفتح الهاتف عادت ليلى وقامت بخطف الهاتف منه وخرجت من الغرفه.
ضرب مجد رأسهُ بالوساده.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بإستطبل الخيل التابع لرفعت الزهار
رغم شعور زينب بألم مثل آلم المخاض، لكن تحاملت على نفسها وذهبت الى الإستطبل، ورأت رفعت يمسك لجام مُهره صغيره تركب على ظهرها طفلتها صاحبة الثلاث أعوام ونصف
تبسمت بآلم وهى تقترب منهم قالت: صباح الخير
رد الطفله: صباح النور يامامى.
تنهدت زينب تقاوم الآلم وقالت: مهرة مامى مش هتروح الحضانه النهارده ولا أيه، رضوان خلص فطوره ومستنيكى جوه السرايا.
تبسمت الطفله وقالت: رضوان بيعاكس رحمه بنت عمو رامى فى الباص يامامى، ورحمه بتضايق منه وبتشتكى عليه للمس بس هو بيرشى المس ويديها فلوس من مصروفه.
ضحك رفعت وقال: هامساً جوار أذن زينب بوقاحه:
الواد طالع لابوه بيعرف يصرف نفسه.
ردت زينب بألم وبهمس: الواد ده جننى خلاص يا رفعت، ده همجى، معرفش بيستحملوه إزاى فى المدرسه دى، المفروض هو فى سنه اولى ورحمه لسه كيچى واحد، المفروض يبقى فى باص تانى لكن ده مش بس بيرشى المس، والسواق كمان... واللى يغيظ رحمه نفسها عاجبها كده ميغركش التمثليه اللى بتعملها دى.
ضحك رفعت يقول: واد مسيطر وأنتى يا حبيبة بابا أوعى تعملى زي رضوان وتصاحبى ولاد هو همجى لكن إنتى جميله.
ردت مهره: لأ يا بابى أنا مش بصاحب ولاد بس المس فى الحضانه بعتت لحضرتك إستدعاء ولى أمر، علشان أنا ضربت واد زميلى فى الحضانه بيغلس عليا وبيقولى يا سرسه.
ضحك رفعت وقال: قصدك شرسه.
أمائت مهره برأسها وقالت: هو يستحق الضرب يا بابى، بيضرب نعمان إبن عمو وسيم، ونعمان طيب بس أنا ضربته شنكلته ووقع عالارض وضربته انا ونعمان، والمس قالت لينا بكره تجيبوا باباهاتكم معاكم.
نظرت لها زينب وقالت: فى طفله عندها مكملتش أربع سنين تقول شنكلته، انا لو مودياكى حضانه شعبيه مش هتقولى الكلمه دى، أنا خلاص يا رفعت زهقت منك ومن عيالك، وقررت .....
لم تكمل زينب الجمله داهامها وجع قوى وشعرت بسيلان بين ساقيها ومسكت طوق ملابس رفعت وقالت:
آه.. إلحقنى يا رفعت شكلى هولد النهارده.
تبسم رفعت وقال بهدوء: تولدى أيه مش لسه أسبوع.
ردت زينب بتآلم وقالت: هو كان مزاجى إياك بقولك بولد.. آه.
إرتبك رفعت وقال: هو مفيش مره تولدى فى ميعاد حدده الدكتور، أمرى لله، يلا تعالى يا مهرتى إنزلى من على الفرسه وإدخلى لناناه محاسن تجهزك للحضانه وأنا هاخد ماما ونروح المستشفى نفجرها ونرجع تانى قبل ما ترجعى من الحضانه.
تحدثت مهره بهدوء طفله: حاضر يا بابى، يعنى هرجع من الحضانه الاقى ماما جابت نونو صغير ألسوعه على قفاه زى ما مامى بتلسوع خالو مجد كده.
تبسم رفعت وقال: آه يا حبيبتي نفس الچينات مشاء الله
كزت زينب على أسنانها وقالت بآلم: بولد قدامك وبتهزر مع بنتك يا رفعت، ماشى أولد بس وهتشوف بعدها هعمل أيه.
حاول رفعت رسم الهدوء وقال بوقاحه: بعدها نفكر فى الرابعه يا حبيبتي، علشان تبقى قسمة العدل ولدين وبنتين.
لم ترد زينب عليه وصرخت بألم يشتد...
بعض قليل كان رفعت بغرفة الولاده جوار زينب يستقبلان مولودهما الثالث، وضعته الممرضه بين يديها،
نظرت له زينب بحنان،
تبسم رفعت يقول: نفس شبه أخواته التلاته بيشبهونى.
تبسمت زينب وقالت: ربنا رزقنى بهمجى تالت.
تبسم رفعت وقال: ونستى المهره الشرسه اللى فى النص يا زوزى.
........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مر أسبوع
فى يوم سبوع أصغر أبناء عائلة الزهار والذى أطلقت عليه مهره الكبيره إسم زيان...والتى أصرت مهره على عمل السبوع له بمنزلها هى ونعمان بعد أن قام بتوسيعه وإرفاق حديقه حول المنزل من أجل الأحفاد،ويوم زيارتهم الشهريه له .
كانت مظاهر مرحه بين الموجودين، وأكثر السعداء هما مهره ونعمان فرحان بالعوض الذى أتى لهم بعد سنوات من العذاب.
**********
بعد مرور أكثر من شهر ونصف.
بمنزل نعمان،،اليوم هو يوم التجمع العائلى للشهر
كان التجمع يسوده الود والمرح
إنتهى وقت الغذاء، ونهض الجميع لوقت راحه قليله
لكن الأطفال الخمس يلهون مع نعمان بالحديقه بين الزروع يقوم بغرس بعض الزوع وهم يساعدوه فى ذالك منهم من يحمل دلو ماء صغير ومنهم من يحمل بعض تقاوى الزرع وآخر يساعد فى نقل الشتلات، مجتمعون على هدف واحد هو متعة مساعدة جدهم بالغرس، ونعمان سعيد بهم حوله حتى أنه يفض الخلافات بينهم بهدوء، وهم يرحبون بذالك ببساطه، فهذا بالنسبه لعقولهم لهو ولعب، أما نعمان فهو يُنمى روح
التعاون والمحبه بينهم، يزرع بداخلهم حب الجماعه وليس هذا فقط يربطهم بحب الأرض تعطى خير إذا إهتممت بها ككل شئ فى الحياه حين تحب وتهتم بما تحب ستحصد مقابل ذالك السعاده.
....
تحت ظلال إحدى شجرات الحديقه، أرضاً كانت
مهره تجلس جوار إنعام وعلى ساقها صفوت الصغير، بينما إنعام وعلى ساقها أصغر الأحفاد، زيان
بينما
إجتمع الأربع نساء
زينب، مروه، ليلى، هبه
بأحد الزوايا.
تحدثت هبه قائله:
كنتى بتقولى هتولدى بعد أسبوع بعدها هنطفش وولدتى قبل ميعادك ويقالك أكتر من أيه هتتراجعى.
ردت مروه:لأ أنا خلاص قررت أطفش ولو النهارده يكون أفضل.
تبسمت:ليلى هى الآخرى وقالت:فكره حلوه نطفش النهارده،والولاد كده كده عند طنط مهره وبيحبوها ومش بيشاغبوها زى ما بيناهدوا فينا،ها أيه رأيكم.
ردت هبه ومروه وليلى،موافقه طبعاً
نظرن لزينب،وقالوا:
ايه اتراجعتى ولا ايه؟
ردت زينب:طبعاً لاء بس بفكر أخد إبنى الصغير إزاى من تيتا إنعام،حرام ده لسه صغنن قوى ومحتاجلى إنما الإتنين التانين،صحه وهنا على قلب أبوهم الهمجى...طنط مهره مش هطيقهم وهتطرد رفعت قبل منهم.
تبسمت هبه وقالت:وماله أهو يبقى معانا راجل برضو.
نظرت زينب لهبه وقالت:بتتريقى يا مرات أخويا يظهر إنى أخدتك عليا،إنتى أكتر واحده مدلعه فينا بسبب ماما دى ساوت معاشها مخصوص من الشغل علشان تربى إبنك،فرحانه باول حفيد ليها يتولد على ايدها،وكمان معاها فى نفس المكان،بس فعلاً إبنى راجل زى باباه مش عيل سيس زى مجد أخويا،اللى بتلعبى بيه وهو برياله قال سندريلا قال..انتى أخرك كعب شوز السندريلا،يلا واحده فيكم تروح تجيبلى إبنى من طنط مهره بأى حجه وترجع بسرعه،هتصل على السواق فى السرايا يجيب عربيه لهنا نطفش بيها ونروح بيت الفيوم بتاع عمتى.
بينما بمكان أخر فى الحديقه قريب من مكان تجمعهن جلس الاربع رجال.
تحدث مجد يقول:قلبى مش مطمن للأربعه دول حاسس أنهم بيدبروا لحاجه...هبه قالتلى هتطفش.
رد رفعت:وزينب قالت كده
كذالك وسيم ورامى.
نظر الأربع لبعضهم وقالوا بنفس الصوت:رسايل الموبايل عالصبح بدرى.
تحدث رامى:كده اتاكدنا أنهم خلاص حسموا أمرهم،هنعمل أيه،هنسيبهم يطفشوا بجد.
تبسم رفعت وقال بدهاء:طبعاً لازم نسيب لهم مساحة حريه إختيار يا جماعه.
بطاولة النساء،آتوا لزينب بطفلها المولود،
لكن تفاجؤ بتلك الخادمه وضعت أمامهم أكواب العصير
تحدثت ليلى:كويس العصير ده جه فى وقته،نشربوا يكون السواق وصل وبعدها نطفش.
واقفنها الثلاث الاخريات وبدأن بشرب العصير.
بعد وقت
وقفت مهره الكبيره بين خمس صغار وتحمل السادس على يديها، وقالت لهم بهدوء تسمعوا كلامي وتلعبوا مع بعض بهدوء وبلاش تتخانقوا وأنا وجدو نعمان نجيب لكم شكولاته وألعاب كتير كتير.
أماء لها الصغار بموافقه.
قالت لهم شُطار،هدخل أنا أحضر الأكل وبعد ما ناكل نلعب سوا بالالعاب اللى جدو نعمان جابها من شويه
تبسم الأطفال لها بموافقه.
دخلت مهره الى داخل المنزل مبتسمه ورأت نعمان يقف خلف باب زحاحى مُطل على الحديقه
تبسم نعمان حين إقتربت منه وقال
تصدقى فكرة رفعت أنهم يحطوا للبنات فى العصير منوم وكل واحد ياخد مراته ويروح يقضى يومين فى أى مكان هادى، كانت فكره حلوه، كفايه سابو لينا العيال، هنلعب معاهم براحتنا لحد ما هما يرجعوا من الفسحه بتاعتهم
تبسمت مهره وهى تنظر للعبهم بالحديقه وقالت:
تفتكر يا نعمان لو القدر كان إتغير كان هيدينا سعاده أكتر من اللى أنا حاسه بها النهارده...حواليا ولاد صحيح مش ولادى،بس ادونى محبه وحنان زى ما يكونوا ولادى فعلاً، وكمان آمنونونا على ولادهم كأنى جدتهم الحقيقه، حتى الولاد نفسهم يمكن مشاغبين زياده عن اللزوم بس هما كمان أدونى سعاده كبيره وأنا وسطهم حسيت إنى رجعت طفله زيهم،وبيلعبونى معاهم بلعبهم كمان.
تبسم نعمان وإقترب من مهره وقال:
ده عوض ربنا لينا كان أكتر بكتير لو كان أتغير القدر، ربنا كافئنا بولاد وأحفاد، أكتر مما كنا نتمنى.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساءً
وضعت هبه يديها حول رأسها تشعر بخمول وهى تستيقظ،
الى أن فتحت عينيها تجول بالمكان
نهضت تقول بخمول: إحنا وصلنا الفيوم أمتى.
تبسم مجد الذى دخل الى الغرفه وقال: الفيوم يا سندريلا، إحنا هنا فى الجونه.
الجونه!
هكذا ردد عقل هبه، وكيف هى مع مجد فآخر ما تتذكره هو صعودها لتلك السياره بصبحةالبقيه من أجل الذهاب الى الفيوم فِرارًا من مجد وطفلها، لكن مجد يقف أمامها بإبتسامته البلهاء التى تستفزها .
تحدثت هبه: جونة أيه وإزاي جينا للجونه وفين، أخواتى وزينب.
إقترب مجد من الفراش وجلس جوارها وقال:
الله أعلم هما فين كل واخد خد الموزه بتاعته وطفش بيها، وانا خطفت السندريلا وجيت هنا الجونه معايا دعوه بأجازه مفتوحه ليومين من الشركه اللى بشتغل فيها، يعنى هنقضى يومين فى الجنه وببلاش يا سندريلا.
نظرت له هبه وقالت: مش فاهمه، لما كان معاك الدعوه دى ليه مقولتليش قبل كده.
رد مجد: كنت عاملها ليكى مفاجأة بعد لقاء طنط مهره الشهرى كنت هخطفك ونجى على هنا وافاجئك زى ما حصل كده.
تبسمت هبه بداخلها وقالت: والولد فين؟
رد مجد بوقاحه: ولد مين يا سندريلا دى أجازه خاصه لأتنين وبس، انا مغفل أجيب معانا اللى منغص عليا أجازاتى، وكل ما أقرب منك زى ما يكون ظابط وقته، وأنتى تتحججى بيه، اليومين دول أنا والطبيعه والوجه الحسن اللى هى السندريلا.
تدللت هبه وقالت: مجد فى حاجه كنت عاوزه أقولك عليها بس مش عارفه هتعجبك ولا لاء.
تبسم مجد يقول: أى حاجه منك تعجبنى بس بلاش تقوليلى عاوزه أشتغل فى الشركه معاك.
مثلت هبه الخجل وقالت: لأ دى حاجه أكتشفتها صدفه من يومين كده.
رد مجد: وأيه هى الحاجه دى.
تبسمت هبه وقالت: أنا كنت حسيت بشويه أعراض مش غربيه عليا حسيتها قبل كده بسبب صفوت، وحسيت تانى بنفس الأعراض دى.
قاطعها مجد وقال: وأيه هى الأعراض دى إختصرى يا سندريلا بلاش لف ودوران.
ردت هبه: من الآخر أنا حامل..
تبسم مجد وقال: طب ما أنا عارف يا سندريلا وكان عندى شك من الأجازه اللى فاتت... وبدعى ربنا يرزقنى بسندريلا تانيه تدلعنى، بدل الاولى منفضه ليا، والبوسه عندها بألف دولار، سندريلا التانيه هتبوسنى ببلاش... وأدلعها.
نظرت له هبه قائله بغيره: سندريلا مين التانيه دى كمان، مفيش غير سندريلا واحده بس اللى هى أنا وممنوع تدلع واحده غيرى يا مجد فاهم.
غمز مجد عينيه وقال بمكر: دى غيره بقى، طب هاتى بوسه بقى يا سندريلا عربون إتفاق إنى مدلعش سندريلا غيرك.
قال مجد هذا وإقتنص الفرصه وقبل هبه قُبلات، ليس هذا فقط بل ذهب معها فى دروب الخيال
...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إستيقظت ليلى تتمطئ بيديها، شعرت بخبط يدها بأحد نائم جوارها، كانت الغرفه مُظلمه فقالت:
إحنا وصلنا للفيوم والنور قاطع ولا أيه.
أشعل مجد ضوء أباچوره جوار الفراش وتبسم قائلاً: إحنا فى مرسى مطروح يا لولا.
نظرت ليلي ل وسيم وقالت بخضه: وسيم، وأيه اللى جابنا هنا مرسى مطروح،أنا مش فاكره إزاى جيت لهنا.
رد وسيم: ما أنتى كنتى نايمه يا حُبي طول الطريق.
تبسمت ليلى وقالت: طب وليه جينا مرسى مطروح.
رد وسيم: يومين عسل بعيد عن الدوشه أنا ولولتى وشط الهوا.
تبسمت ليلى قائله: ونعمان فين؟
رد وسيم: بقولك يومين عسل على شط الهوا أجيب فيهم نعمان ينغص عليا، نعمان مع جدته مهره، وأنا بقى هقضى يومين فى شط الهوا، مع لوللتى، نستعيد بداية جوازنا.
تبسمت ليلى وقالت: وسيم عندى لك خبر سعيد.
رد مجد بفضول: وأيه هو الخبر السعيد ده.
ردت ليلى: أنا من فتره كنت شاكه فى موضوع كده، بس أنا قطعت الشك باليقين وإتأكدت.....
تحدث وسيم بفضول: إتأكدتى من أيه.
ردت ليلى: إتأكدت إنى حامل، بصراحه أنا بعد ما خلفت نعمان كنت لسه فاضل لى سنتين فى الدراسه وخوفت أحمل تانى بسرعه عليه، وإنت عارف إنى كنت باخد مانع حمل حتى بعد ما خلصت دراسه وبدأت اعمل دراسات عليا، بس من سنه كده بطلت أخد أى مانع حمل، بس كل شهر كنت بعمل إختبار حمل، كان بيطلع سلبى وبصراحه مع الوقت خوفت يكون مانع الحمل آثر عليا ومخلفش تانى غير نعمان،وكنت بتعصب وبضايق، بس إتفاجئت من كم يوم بشوية تعب كده وعملت إختبار حمل وطلع إيجابي الحمد لله.
تبسم وسيم وقال: مبروك يا حبيبتى، والموضوع ده اللى كان معصبك ومضايقك الفتره اللى فاتت طبعاً، غلطانه ياقلبي
ليه تتعصبى وتتضايقى، ربنا عطانا نعمان نعمه كبيره فى حياتنا غيرنا مش لاقيها. وعطانا بزياده أهلاً، معطناش ، يبقى نحمد ربنا.
تبسمت ليلى وقالت: الحمد لله بس أنا عارفه إنك كنت وحيد وكنت عاوزه أجيبلك عزوه.
تبسم وسيم: أنا عمرى ما حسيت إنى كنت وحيد، كان فى رامى ورفعت زى اخواتى بالظبط، يمكن بينا علاقه أقوى من الأخوات كمان...
قال وسيم هذا ونظر لليلى وقال بمكر: بس قوليلى ليه لما كنتى بتتعصبى كانت خدودك بتبقى شبه الفراولة، وكان بيبقى نفسى أقطفهم كده.
قال وسيم هذا وقال بتقبيل عاشقاً يتوه معها بليالى العشق.
..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إستقيظت مروه كان هناك ضوء قمر بالغرفه
تمطئت قائله: القمر فى منور فى الفيوم
سمعت من رد عليها: لأ دا الجميله منوره بأسكندريه
نظرت مروه وقالت بذهول: رامى عرفت منين إنى فى الفيوم؟
ضحك رامي وقال: بس إحنا مش فى الفيوم إحنا فى بيت إسكندريه قال رامى هذا وأشعل ضوء الغرفه
نظرت ليلى حولها، بالفعل هذه هى غرفتهم بهذا المنزل، تعجبت قائله: أنا إزاى جيت لهنا، من غير ما أحس.
تبسم رامى وإقترب من الفراش وجلس جوار مروه قائلاً بخباثه: أيه حكاية الفيوم دى نفسك تروحى الفيوم.
تعلثمت مروه قائله: الفيوم، أنا قولت الفيوم مش فاكره، بس أنا آخر حاجه فكراها إنى كنت فى العربيه بعدها محستش الأ دلوقتي، فين الولاد
تبسم رامى وقال: الولاد مع عمتى مهره فى الزهار، أحنا هنا لوحدنا فى إسكندريه
المسخ خطف الجميله للقلعه بتاعته يومين بعيد عن العالم كله .
تبسمت مروه وقالت: فين المسخ ده أنا مش شايفه قدامى غير الأمير الوسيم اللى عشقته الجميله.
تبسم رامى وأقترب أكثر من مروه وجذبها يُقبلها، رحبت بقبلاته.
ترك رامى شفاه مروه
تبسمت مروه وقالت:
رامى هقولك على حاجه بس والله ما أعرف إزاى حصلت.
تبسم رامى وقال: أيه هى الحاجه دى؟
ردت مروه: أنا أتفاجئت إنى حامل، إزاى معرفش مع أنى كنت واخده إحتياطي.
تبسم رامى وقال: وفيها أيه لما تكتشفى إنك حامل، ربنا يزيد ويبارك...بس ليه حاسس إنك زى ما تكونى خايفه من الحمل ده
ردت مروه: بصراحه أنا بعد مروان إبننا قولت كفايه ولد وبنت نعمه من عند ربنا، بس إتفاجئت من كام، وبصراحه خايفه يقولوا إنى غيرت من سلفتى علشان خلفت للمره التالته إنى سيبت نفسى علشان ميبقاش عندها ولاد أكتر منى.
تبسم رامى وقال: تفكيرك غلط يا مروه الولاد والمال رزق من عند ربنا هو اللى بيبعته مش إحنا اللى بنتحكم فيه، وياريت كل الغيره تبقى كده
ربنا يرزق الجميع.
تبسمت مروه له
رد رامى عليها البسمه وإلتهم شفاها بقبلات شغوفه
تتراقص نغمات العشق بموسيقى رقصة الجميله والوحش.
....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إستيقظت زينب على صوت بكاء صغيرها، نهضت تنظر جوارها لكن لم تجده، ومازال يبكى، نظرت أمامها تفاجئت برفعت يحمل الصغير يحاول إسكاته بوضع تلك اللهايه بفمهُ، لكن الصغير يرفضها،
شعرت زينب ببعض الخمول وقالت: عرفت إزاى إنى فى الفيوم يا رفعت، هات الولد زمانه جعان.
تبسم رفعت وهو يعطى الصغير لزينب وقال بمزح: زيان فتن عليكى.
تبسمت زينب وهى تنظر لطفلها وقالت له: كده يا زيان تفتن عليا، وأنا اللى سيبت الاوغاد التانين وجبتك معايا.
تبسم ذالك الصغير وهو يشعر بحنان صدرها حتى أنه إستسلم للنوم مبتسماً
تبسم رفعت وقال: بقى له أكتر من ساعه مغلبنى ووقت ما خدتيه ورفقتيه لصدرك نام... كويس أهو آخد وقت مستقطع معاكى، بقالى فتره كنت قاعد على دِكة الإحتياطى.
تبسمت زينب وقالت: أنا أزاى جيت لهنا آخر حاجه فكراها العربيه وبعد كده.......
توقفت زينب ثم قالت: العصير!
العصير كان فيه منوم.
تبسم رفعت وقال: كنت بساعدك يا حبيبتى إنك تطفشى، وأهو أنا كمان طفشت معاكى، بس مش لوحدنا زى البقيه البقيه كل واحد ومراته وبس إنما أنا معايا زيان بيه الزهار وده نومه خفيف لو نكشنا جنبه هيصحى من تانى وينهى الوقت المستقطع وأرجع لدِكة الأحتياطى من تانى...
تبسمت زينب ورفعت يمد يديه يأخذ منها الصغير بهدوء وقام بوضعه بتخت صغير معهم بالغرفه.
عاد رفعت وصعد جوار زينب على الفراش وقام بضمها لصدره مبتسماً يقول: كنتى عاوزه تطفشى منى، مش عارفه إننا فى بين شعور موصول بقلوبنا.
تبسمت زينب وقالت: كنت عارفه إنك هتجى ورايا، بس إنت جيت معايا، أنا مقدرش أطفش منك يا رفعت خلاص مبقتش أقدر أعيش فى مكان من دونك...الولاد أكيد مع طنط مهره
تبسم رفعت وقال: مش بس ولادنا عمتى مهره هتفتح بهم حضانه بعد كده.
تبسمت زينب وقالت: وهتفرح قوى بالدفعه الجديده اللى جايه فى السكه زيان بيه حلف ميكونش آخر نسل الزهار ولا السمراوى.
تبسم رفعت يقول: قصدك أيه.
تبسمت زينب دون رد
تحدث رفعت: يعنى التلاته حوامل.
أمائت زينب رأسها بموافقه.
تبسم رفعت وقال: وأنتى.
ردت زينب: أنا أيه أنا مبقاليش شهرين والده، وخلاص على كده إستكفيت، رضا من ربنا قوى، أنا كان متوقع إنى مخلفش من أساسه بس ربنا كرمه عليا فاض بزياده.
تبسم رفعت وقال: وقسمة العدل، لازم يكونوا ولدين وبنتين.
تبسمت زينب وهزت رأسها بنهى
تبسم رفعت وقال: براحتك كلها سنه وأنتى اللى هتقوليلى عاوزه بنوته تانيه زى ما قولتى قبل كده نفسى يبقي عندى أكتر من طفلين.
تبسمت زينب وقالت: وقتها لكل مقام مقال يا رفوعه، دلوقتى ربنا يعينى على زيان بيه هو وألاوغاد التانين... وأبوهم الهمجى.
تبسم رفعت يلتقط شفاه زينب بقبلات عاشقه، ثم ترك شفاها وقال
الهمجى عشق الشرسه اللى عمره ما عرف طريقه يروضها بيها، بس هو عاشق شراستها
بحبك يا زينب ، بحبك يا شجرتى الطيبه اللى إستظليت بها.
أكمل رفعت باقى حديثه قبلات ينثرها على وجه وعنق زينب، يبث لها عشقه فى
ليالى إنطفئت فيها النيران و توهج العشق.
........... .....