تحميل رواية «عشق بين نيران الزهار» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بالقاهرة، بشقة بمنطقة شبه راقية. كانت زينب تجلس برفقة أخيها، أرضاً يلعبان أحد الألعاب الإلكترونية على شاشة أمامهما. تذمر أخيها وترك ذراع التحكم باللعبة قائلاً: "إنتي بتغشي يا زوزي، مش لاعب معاكي." ضحكت زينب قائلة: "مجد، قولتلك بطل زوزي اللي بتقولها لي دي، وبغشك إيه يا فاشل، هو إنت كده لما تلاقي نفسك هتخسر تعمل لي الغباوة دي، طلع الفلوس يا ناصح أنا خلاص كسبت الجيم." رد مجد: "فلوس إيه يا حلوة إحنا بنلعب تسالي، مش بنلعب على فلوس كده يبقى قمار والقمار حرام، رجسٌ من عمل الشيطان." نظرت له قائلة: "رجسٌ...
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سعاد محمد سلامة
بسرايا الزهار، باستطبل الخيل.
كان يجلس رامي، يمسك بيده ذلك الخاتم المدموغ باسمه. هو كان له منذ الصغر، فوالدته هي من صنعت له ذلك الخاتم. منذ الصغر كان يوسعه حسب حجم إصبعه. كذلك رفعت له واحداً مدموغاً باسمه معه، يرتديه بإصبعه دائماً.
شرد عقله، كيف وصل هذا الخاتم لمروة؟ هو ظن أنه احترق يوم حريق المنزل. يشعر بحسرة في قلبه. من عاد من أجلها؟ الشكوك تساور عقله. شكوك، بل يقين أمامه واضح. مروة حاولت الانتحار كي لا تتزوج به. ليته ما عاد واحتفظ بذكريات الطفولة.
اهتدى عقله، أيبتعد مرة أخرى ويرحل عن هنا ويتركها تعيش حياتها كما تريد. لكن ماذا عن قلبه الذي يئِن من عشقها؟ لا، لن يتركها. لا تستحق هذا العناء بقلبه من أجلها. إن كان عاد من أجلها، فلأن. كما يقولون، شدة الحب قد تؤدي إلى شدة الكراهية. قلبه الآن يكرهها وسترى ذلك، وكل ما عليها هو الخضوع لأمره، حتى لو كان... غصباً.
على الهاتف.
تحدث وسيم مع مُهرة قائلاً:
بركات هشام الزهار ظهرت، وفرح رامي اتأجل. هو لسه مطول هنا؟ مش هيرجع إسكندرية تاني ولا إيه؟
ردت مُهرة:
والله ساعة ما شفته نازل من العربية قلبي قال لي مصيبة هتحصل. معرفش هيمشي إمتى، نفسي يغور من دلوقتي. بس رامي عامل إيه؟
رد وسيم:
أول مرة أشوف رامي بالشكل ده. حاسس إنه تايه ومتلخبط أو مصدوم. أنا مش فاهم حكايته مع مروة. ولما سألته مجاوبش. وكمان رفعت متعصب قوي على غير عادته. بارد. أنا عندي دلوقتي محاضرة هدخلها، ولما أخلصها هرجع على السرايا.
تنهدت مُهرة قائلة:
تمام.
أغلقت مُهرة الهاتف تتنهد، بينما جاء من خلفها هاشم الذي دخل للمنزل قائلاً بتهكم:
كنتي بتكلمي مين؟ أكيد المحروس ابن اختك. إيه عاجبه القعاد في سرايا الزهار ومش عاوز يرجع؟
ردت مهره:
خرجت ورجعت تاني بسرعة غريبة. إنت متعود تخرج مترجعش غير آخر الليل. وبعدين إيه يضايقك إن وسيم يقعد مع ولاد رضوان الزهار؟ متنساش إنهم أخواته. عالعموم يقعد في المكان اللي يريحه. عن إذنك لازم أروح أزور خطيبة رامي في الوحدة. بيقولوا فاقت.
تركت مُهرة هاشم وهو في قمة غضبه، الذي ازداد حين أتى لمكانه هشام أخيه قائلاً:
صباح الخير يا هاشم. يا ترى دبرت المبلغ اللي قلت لك عليه قبل كده.
رد هاشم بضيق قائلاً:
دبرت لك المبلغ، بس دي آخر مرة. بعد كده اتصرف بنفسك. أنا مش مسؤول عنك وعن ديونك. اللي بتخسرها في الرهانات الفارغة في سباقات الخيل. بدل ما تراهن على الخيل، ارجع لعقلك وروح عيش مع بناتك في اليونان. وبكده ترتاح من سداد فوائد القرض للبنك.
رد هشام:
أنا مرتاح هنا في إسكندرية. وبناتي هناك مع مامتهم مرتاحين.
همس هاشم لهشام قائلاً:
طبعاً مرتاحين وهما ماشيين على حل شعرهم هناك. صياعة وانفتاح. لو كنت سمعت كلامي وجبتهم عاشوا هنا يمكن كانوا شغلوا عقول ولاد رضوان وكنت استفدت من أموالهم. لكن هقول إيه. طبعاً إنت بالساهل تبتزني وتاخد اللي محتاجه. بس اعمل حسابك، دي آخر مرة. مزرعة الخيول عندي مبقتش تشتغل زي زمان. بقى فيه سلالات تانية أقوى من اللي عندي. ومحتاج إني أدخل السلالات دي لمزرعتي. وللأسف الفلوس مأثرة معايا. ولاد رضوان الزهار تقريباً بقوا هما اللي بيتحكموا في سوق الخيل في مصر.
تبسم هشام قائلاً:
أوعدك أعمل بنصيحتك. و(ريما، وآلما) هينزلوا مصر قريب. وبقى من الواضح كده أكيد فرح رامي مش هيتم دلوقتي.
تبسم هاشم بتهكم لذلك الأحمق توأمه.
بالرجوع للوحدة الصحية.
دخلت صفاء إلى مكتب زينب، بعد أن أذنت لها. تعجبت صفاء حين رأت رفعت يقف بالمكتب، وجهه متهجم، وزينب هي الأخرى تبدو عصبية.
تنحنحت صفاء قائلة:
دكتورة زينب، أنا جبت أمي للوحدة تعمل لي الأشعة على رجليها زي ما قولتي لي امبارح. وهي قاعدة قدام باب أوضة الأشعة.
ردت زينب:
تمام، اسبقيني وأنا ثواني وهحصلك.
خرجت صفاء من المكتب، وظل رفعت بالمكتب مع زينب التي قالت له:
اتفضل اخرج من مكتبي وانسى الغباء والهبل اللي قولته. وأنا عن نفسي هعتبر مسمعتوش.
تبسم رفعت رغم ضيقه قائلاً:
قبل الليلة ما تنتهي هتكوني مراتي يا دكتورة. وعد مني ليكي.
سخرت زينب ببسمة زائفة وتركته وخرجت من المكتب.
خرج رفعت من مكتب زينب وفتح هاتفه وقام باتصال هاتفي قائلاً:
هبعت لك عنوان اتنين عاوزهم يكونوا عندي هنا في الزهار قبل أذان العصر.
وضع رفعت نظارته الشمسية على عينيه وقال بتوعد:
هفضل سابقك بخطوات يا هاشم يا زهار. وأول خطوة الدكتورة. رغم إني مستغرب إنها مش من النوع اللي بتفضله، بس يمكن فيها شيء جاذبك ليها.
بمزرعة خيل هاشم الزهار.
رن هاتفه. نظر للشاشة بتأفف ورد قائلاً:
خير، بتتصل عليا ليه؟
رد الآخر برجفة قائلاً:
هاشم بيه، النيابة بتحقق في قضية موت بنتي واستدعتني تاني عشان أروح لها.
رد هاشم:
وإيه سبب الاستدعاء؟ مش خلاص بنتك التقرير قال سبب موتها اختناق من تسرب الغاز؟ وخلاص دفنتها.
رد الرجل:
ده فعلاً، بس أنا اتفاجئت بالاستدعاء ده وقولت أقول لحضرتك قبل ما أروح.
رد هاشم:
تمام، روح للنيابة. ولو جبت سيرتي من بعيد، عارف أنا ممكن أعمل إيه. مفيش أي ورقة تثبت إن بنتك كانت مراتي.
تعلثم الرجل خوفاً يقول:
حاضر يا هاشم بيه، أنا بس كنت بقولك.
تنهد هاشم قائلاً:
تمام، مش عاوز أسمع صوتك مرة تانية. أظن المبلغ اللي أخدته كافي. غير البيت اللي ماتت فيه بنتك كان باسمك.
أغلق هاشم الموبايل، وزفر أنفاسه، يتذكر كيف خرج من تلك الورطة. الفتاة حقاً كانت تستحق القتل لأنها خائنة. كيف حملت بأحشائها جنيناً، وهو تأكد أنه لن يقدر على الإنجاب. حاول بشتى الطرق، لكن كان الفشل هو النتيجة الوحيدة لذلك. أتت تلك الحمقاء الخائنة وتقول له أنها حامل. أقل عقاب لها هو الموت، لكن لن يُدان بموتها ولا يريد شوشرة. هو ملّ ذلك النوع من الزواج من القاصرات، لكن كانت فكرته عظيمة حين أخرج نفسه من تلك المشكلة بطريقة سهلة للغاية.
فلاش باك........
فتح هاشم أنابيب الغاز بالمنزل وتأكد من تسربها، وترك مفتاح المنزل في الباب من الخلف وتسحب وخرج من المنزل دون أن يراه أحد في ذلك الوقت وذهب إلى مكان بقاء سيارته بعيداً عن المنزل. وظل بها إلى أن أصبحت الساعة العاشرة صباحاً. ذهب إلى منزل والد تلك الفتاة، ودخل يحمل بعض الهدايا القيمة التي اشتراها، ومثل عليهم الترغيب قائلاً:
قلت قبل ما أروح البيت، أجى لهنا عشان نتفق بقى نكتب الكتاب عند المأذون طالما بنتك جابت السن القانوني.
تبسمت والدة الفتاة بانشراح قائلة:
ألف مبروك يا هاشم بيه، ربنا يرزقك بالذرية الصالحة من بنتي اللي تعوض صبرك خير.
تبسم هاشم برياء:
يارب. وقتها هتبقى هي الملكة. بس هي فين؟
تعجبت والدة الفتاة قائلة:
دي في بيتها من ليلة امبارح. قالت إنك اتصلت عليها وقولت لها إنك جاي.
رد هاشم:
آه فعلاً كنت اتصلت عليها، بس للأسف جالي شغل مفاجئ ولسه دوب واصل أهو. هقوم أروح لها. بس عاوز أعمل اللي قولتلكم عليه مفاجأة لها. إيه رأيكم حد منكم يجي معايا للبيت يقولها قبل ما أنا أدخل أقولها وأشوف فرحتها؟
تبسمت والدة الفتاة ببهجة قائلة:
أنا هاجي معاك يا هاشم بيه وهقولها بنفسي. هدخل أغير هدومي.
بالفعل بعد دقائق ذهب هاشم مع والدة تلك الفتاة، وأخرج مفتاح المنزل، وحاول وضعه بمقبض الباب لكن لا يدخل المفتاح. أخرج هاشم المفتاح ينظر له قائلاً:
غريبة، المفتاح مش بيدخل في الكالون. هي غيرت الكالون؟ هتصل عليها.
تعجبت والدة الفتاة هي الأخرى وتسرب إلى أنفها تلك الرائحة وقالت:
غريب، لأ مغيرتش الكالون. وكمان فيه ريحة غاز.
ادعى هاشم عدم الشم وقال:
طب والعمل إيه دلوقتي؟ أنا برن على بنتك أهو مش بترد عليا.
توجست المرأة بخوف وقلق وقالت:
مفيش غير إننا نكسر الباب. ليكون جرالها حاجة. ريحة الغاز قوية.
تشمم رفعت قائلاً:
فعلاً فيه ريحة غاز. وسعي كده وأنا هكسر الباب.
بالفعل كسر هاشم باب المنزل بعد عدة محاولات منه، لكن سريعاً وضع منديل على أنفه بسبب رائحة الغاز القوية وقال للمرأة:
أوعي تولعي نور. ريحة الغاز قالبة البيت. افتحي الشباك.
وضعت المرأة جزء من حجابها على أنفها وفتحت أحد الشبابيك وسارت خلف هاشم بالمنزل يتفقدوه إلى أن وصلوا إلى غرفة النوم. وجدت ابنتها ترتدي عباءة منزلية، وممددة على الفراش. بلهفة أم نست رائحة الغاز وجرت على ابنتها. حاولت إيقاظها لكن لا جدوى من ذلك. صرخت المرأة صرخة واحدة.
لم يقترب هاشم في البداية منها، وأخرج تلك القفازات وارتداها بيده ثم اقترب وحاول بتمثيل أن يوقظها، لكن مثل الحزن الشديد، وهو يقول:
عليه العوض.
ذهل عقل أم الفتاة وكادت تصرخ مرة أخرى، لولا أن وضع يده على فمها قائلاً:
اكتمي، بلاش فضايح. لو الناس سمعوا صريخك وشافوني هنا هيقولوا إيه. أنا همشي دلوقتي، وهتصل على جوزك يجيلك وهبقى أرجع تاني.
من شدة حزن المرأة على ابنتها صمتت ولم تستوعب هروبه بتلك الطريقة. بعد قليل جاء والد الفتاة وأحد الأطباء الذي كتب تقريراً مبدئياً أن الوفاة بسبب اختناقها بتسرب غاز، لكن حُوّل الأمر على النيابة.
للأسف هكذا ظن هاشم أن القضية انتهت، لكن لا يعلم أنه ترك بداخل الفتاة دليل من الممكن أن يدينه بسهولة لو تدخل الطب الشرعي.
عودة..
عاد هاشم يشعر بزهو ذكائه. لديه فريسة أخرى يفكر بها، يود أن يلوذ بها قريباً.
بينما بكلية الطب البيطري.
دخل وسيم المحاضرة. تفاجأ بجلوس ليلى بين زميلاتها. لا يعرف سبب لانشراح قلبه. هو لم يكن متوقعاً أن تأتي للجامعة في تلك الظروف. هي منذ ما يقارب على ثلاث أسابيع لم تحضر، وجاءت اليوم. نظر لها، تبدو بوضوح متهجمة الوجه وعيناها تبدو منتفخة وحمراء أسفل النظارة الطبية التي ترتديها. رجف قلبه، لكن تماسك نفسه وبدأ بإلقاء المحاضرة على طلابه، واستمع لأسئلتهم واستفساراتهم. تعجب من ليلى الصامتة، فهي كانت دائماً تسأل وتستفسر. اليوم صامتة، حتى أنه لم يرها تتحدث مع زملائها. بعد انتهاء المحاضرة تعمد أن يقف قليلاً مع بعض الطلاب يتحدث معهم ورأى ليلى التي جمعت كتبها وكانت ستخرج من قاعة المحاضرة بصمت. استأذن من الطلاب وذهب قبل أن تخرج من قاعة المحاضرة وقال:
آنسة ليلى، ممكن تجيلي مكتبي بعد خمس دقائق.
أومأت ليلى برأسها دون حديث.
بعد خمس دقائق.
سمع وسيم طرقاً على باب مكتبه، فأذن لها بالدخول متعجباً، فهي لأول مرة تطرق الباب قبل الدخول. سمح لها بالدخول. تحدث وهو يشعر بغصة في قلبه:
إزاي أختك النهاردة؟ أعتقد أنها فاقت.
ردت ليلى:
أيوا مروة فاقت، بس أكيد لسه مش وعيها بالكامل. وكمان المسكنات القوية اللي بيعطوهالها مأثرة عليها. حضرتك طلبتني، خير.
رد وسيم:
خير. مكنتش متوقع إنك تيجي للجامعة في الظروف دي. إنك كنتي غايبة الفترة اللي فاتت.
ردت ليلى:
أنا فعلاً مكنتش هاجي، بس لو فضلت في البيت أو روحت لمروة المستشفى ممكن عقلي يجن. فقولت أجي للجامعة أهو أحاول أفصل شوية. وكمان حضرتك بلغت زمايلي إنك هتحط درجات الحضور. وقولت كده كفاية، مش هتبقى من كل ناحية على ماما. مروة في المستشفى وأنا أشيل مادة عشان قلة الحضور.
تبسم وسيم على تلك الدبش كما ينعتها، لكن ربما ليست دبش، هي صريحة تقول ما يجول بخاطرها دون تذويق أو لف ودوران كما يفعل البعض. وقال:
لأ اطمني، دي كانت محاضرة عادية. أنا كان قصدي على السكشن العملي اللي حضرتك مش بتحضريه. بس أكيد متوقع إنك ممكن تكوني بتاخدي المحتوى من زملائك أو حتى من عالنت اللي ببلاش بسبب استغلالك لحرنکش.
رغم ألم قلب ليلى، لكن تبسمت قائلة:
حنكش! والله ياريت هو اللي كان وقع من عالسطح. يمكن كان مخه نضف شوية أو جاله تربنة ومخه ضاع على الآخر وارتاحت من غباوته.
تبسم وسيم قائلاً:
طب ولما حنكش مخه يضيع وقتها أبوه هيسيب لك وصلة النت ببلاش؟
ردت ليلى:
أكيد هيسيبها رحمة ونور على عقل ابنه. بس حضرتك مقلتش ليه طلبتني لمكتبي.
لم يستطع وسيم منع نفسه من الضحك وقال:
ليلى، أنا مكنتش أعرف إنك بتشتغلي في الصيدلية بعد ما بتخلصي محاضراتك.
ردت ليلى:
وأنا كمان مكنتش أعرف إنك بلدنا وتبقى ابن اخت الست مُهرة الزهار. بصراحة شفتك كذا مرة داخل لبيت هاشم الزهار. قولت يمكن بتشتغل عنده. تدخل دخل تاني جنب التدريس في الجامعة. ماهو التدريس برضو مكنش هيجيب لك عربية زي اللي معاك. وكمان طلعت قريب عيلة الزهار.
تبسم وسيم قائلاً:
ده نظام قر بقى ولا نق، ولا حسد.
رسمت ليلى بسمة طفيفة وقالت:
لا قر ولا نق، ولا حسد. ربنا يبارك لك. أنا الحمد لله راضية بعيشتي. طالما بحط دماغي آخر الليل مش بفكر غير في الستر والصحة والنجاح ليا ولأخواتي. بس يظهر ربنا كان له رأي تاني في الستر والصحة. لو مش وجودك الليلة إياه يمكن كان الحقير اغتصبني واتفضحت. وكمان مروة أختي رغم إن الأطباء قالوا إن كسورها مش قوية بدرجة كبيرة، بس هتاخد وقت على ما تخف، وتقف على رجليها من تاني. الحمد لله على كل شيء.
نظر وسيم لليلى بنظرة فسرها عقله أنها إعجاب. لا يعلم أنه يتسرب لداخل قلبه شعور آخر، قد ينمو مع الأيام.
بالوحدة.
بعد أن انتهت زينب من عمل تلك الأشعة لوالدة صفاء عادت إلى غرفة المكتب قليلاً ثم قامت بممارسة عملها بالوحدة، بين المرور بين أروقتها والكشف على بعض المرضى ومداواتهم. لكن أثناء سيرها بالوحدة تعجبت أن هاتفها لم تسمع رنيناً له طوال اليوم. الوقت اقترب على العصر، وهذا وقت مهاتفة والدتها لها. هل نسيت؟ بحثت بجيبها لم تجد هاتفها، قالت:
يظهر نسيت موبايلي في المكتب، هروح أشوفه. زمان ماما اتصلت عليّ أكتر من مرة ولما أرد عليها هتعمل لي محاضرة.
بالفعل توجهت إلى المكتب، بحثت عن هاتفها لم تجده. تعجبت كثيراً، فأين هو؟ اهتدى عقلها، ربما سقط منها بأي مكان بالوحدة. ماذا تفعل وأين تبحث عنه؟ فهي سارت تقريباً بكل أروقة الوحدة. رفعت سماعة ذلك الهاتف الأرضي الذي بغرفتها، وقامت بطلب رقم هاتفها علّ أحداً وجده.
بالفعل سمعت رنين هاتفها. انتظرت لبعض الوقت إلى أن رد شخص عليها. تحدثت له قائلة:
الفون اللي بترد عليا منه ده بتاعي. أنا الدكتورة زينب السمراوي مديرة الوحدة الصحية.
رد الطرف الآخر عليها قائلاً:
كويس، أنا لقيت الموبايل ده وأنا كنت في الوحدة، وكنت مستني صاحبه يتصل عليا عشان أرجعه له. أنا من أهل البلد يا دكتورة. نص ساعة والموبايل يكون عندك في الوحدة.
تبسمت زينب قائلة:
تمام، أنا منتظراك في مكتب مدير الوحدة.
وضعت زينب سماعة الهاتف الأرضي وتنهدت قائلة:
صحيح، المال الحلال مش بيروح. لو كنت طمعت في فون الواد مجد يمكن كان ضاع ومرجعش.
بينما على الطرف الآخر تبسم رفعت قائلاً:
تودي الموبايل للدكتورة الوحدة. ولو سألتك قول لها لقيته في الوحدة وأنا ماشي وكان عندي شغل مهم. ده اللي خلاني مسألتش اللي ماشيين في الوحدة. وبلاش تطول قصادها. ولما تطلع من عندها ترن عليا.
رد الشخص قائلاً:
حاضر يا رفعت بيه.
أخذ الشخص الهاتف وخرج من أمام رفعت الذي تبسم قائلاً:
أما أشوف تأثير المفاجأة اللي محضرها للدكتورة، هيكون ردها إيه.
بالوحدة.
بالغرفة الموجودة بها مروة.
كانت مروة شبه مستيقظة. وكانت تجلس فادية معها، تقرأ بعض آيات القرآن. إلى أن سمعت همس مروة بشبه أنين. صدقت وقامت ووضعت المصحف على إحدى الطاولات ثم توجهت إلى مروة قائلة بلهفة:
مروة، حاسة بوجع؟ أنادي للدكتورة زينب أو أي ممرضة تشوف لك مسكن.
ردت مروة بصوت ضعيف:
لأ يا ماما، أنا مش حاسة بوجع قوي.
نظرت فادية لمروة بعتاب قائلة:
كده يا مروة؟ عاوزه تحرقي قلبي عليكي. ليه ترمي نفسك من فوق السطح؟ عاوزة تموتي كافرة وأقعد أنا بحسرتك اللي باقي من عمري.
تعجبت مروة قائلة:
أنا عملت كده؟ أنا مش فاكرة. أنا آخر حاجة فاكراها لما كانت ليلى راجعة من الصيدلية واتقابلنا في مدخل البيت. هي قالت لي إنها مرهقة، وهتدخل تتعشى وتحصلني عالسطح. وأنا سبقتها. بعدها مش فاكرة إيه حصلي غير إني فقت لقيت نفسي هنا مربوطة ومتجبسة وحاسة جسمي كله بيوجعني. بس لما الدكتورة جت من شوية وعطتني الحقنة حسيت براحة شوية.
تعجبت فادية وكانت ستتحدث لولا سماعهن لطرق على الباب. سمحت فادية للطرق بالدخول.
ارتعشت فادية للحظة وهي تقول:
رامي.
رد رامي:
أنا جاي أطمن على مروة. حالتها إيه النهاردة.
ردت فادية:
الحمد لله. الدكتورة زينب وكمان دكتور العظام قالوا حالتها كويسة شوية عن امبارح.
نظر رامي لوجه مروة الذي عليه بعض آثار زرقاء، وقال باقتضاب يتلاعب بذلك الخاتم ببنصره:
ربنا يتم شفاء العروسة.
رغم ألم مروة، لكن وقع بصرها على ذلك الخاتم الذي ببنصر رامي. أغمضت عينيها، تشعر بألم ليس جسدي فقط بل نفسي. تأوهت بأنين خافت.
تلهفت فادية قائلة:
واضح إن مسكن الحقنة اللي الدكتورة عطتها لك، بدأ يروح. هروح أنادي للممرضة المسؤولة اللي الدكتورة وصتها عليكِ تيجي تديكي حقنة تانية. وكمان هجيب رقم موبايل الممرضة معايا.
نظرت فادية لرامي قائلة:
صفوان فين؟
رد رامي:
صفوان في مزرعة الخيل، بيشوف شغله طالما الزفاف اتأجل. روحي نادي للممرضة شكل مروة بتتألم. وأنا هنا على ما ترجعي.
نظرت فادية له ثم لمروة وخرجت من الغرفة، دون غلق الباب خلفها.
ذهب رامي وأغلق خلفها الباب واقترب من فراش مروة، وانحنى قليلاً يقول:
حمد الله على سلامتك يا مروة. فشلتي في الانتحار.
ارتعشت مروة من داخلها حين نظرت لعيون رامي التي اختفى لونها وأصبحت معتمة كليلة شتاء قاتمة. ابتلعت ريقها، وحاولت التحدث، لم تستطع صوتها ضاع.
نظر لها رامي قائلاً:
ساكتة ليه؟ مش بتردي ولا لسانك كمان بيوجعك زي بقية جسمك. سؤال واحد اللي هسأله ليكي ومش مستني منك إجابته. حاولت تنتحري عشان متتجوزينيش؟ أنا قدرك يا مروة اللي مفيش منه مهرب، حتى بالموت.
تحشرج صوت مروة وقالت:
ميه. عاوزة أشرب من فضلك.
نظر رامي لدورق المياه الموجود على طاولة بالغرفة، وذهب إليه وأفرغ القليل منه بكوب صغير ووضع شاليمو به وأقترب من مروة ووضع الشاليمو بفمها. سحبت بعض قطرات المياه. وقع بصرها مرة أخرى على ذلك الخاتم بيد رامي. ركزت به لثواني، ثم تركت الشاليمو.
أخذ رامي كوب المياه ووضعه بجوار الدورق، وعلم من نظرة عينيها ليده إنها رأت الخاتم ببنصره. فقال:
الخاتم ده ماما اللي كانت صنعاه بإيدها. اللي متعرفوش إن ماما كانت بتحب الشغل بالفضة. ونفس الخاتم ده في إيد رفعت. بس الخاتم ده مش من الفضة، ده من الدهب الأبيض. ومدموغ باسمي. وكانت ماما عاملاه إنه يستحمل يتوسع مع الوقت حسب كبر صباعي. الخاتم ده وصلك إزاي يا مروة؟ آخر مرة لبسته كان قبل يوم حريق السرايا بيوم واحد.
قبل أن تعطيه له مروة إجابة دخلت فادية ومعها تلك الممرضة، ورأين انحناء رامي قليلاً الذي استقام بمجرد دخولهن وقال:
زيارة المريض لازم تكون خفيفة. عن إذنكم.
غادر رامي تحت نظر مروة، التي تشعر بألم فتاك بقلبها. ماذا تخبره عن الخاتم؟ وماذا تقول أنها رأت والدها تلك الليلة يخرج من خلف المزرعة وبيده إحدى المهرات.
فلاش باك......
حين كانت مروة بالحادية عشر من عمرها.
أثناء لعب مروة مع رحمة أخت رامي، فهما بفضله أصبحتا صديقتين. الفرق بينهم أربع سنوات فقط بحكم تقارب عمرهن. أصبحت مروة تدخل إلى داخل السرايا وتلعب معها بلعبها القيمة، وأيضاً أوقات كثيرة كان ينضم لهن رامي باللعب.
ذلك اليوم لعبت مع رامي، الذي ربما دون انتباه منه وقع من يده ذلك الخاتم. التي تعثرت مروة به أثناء سيرها بحديقة السرايا. علمت سريعاً أنه لرامي، فهي رأته كثيراً بيده. كانت ستدخل تعطيه لها، لكن والدها نادى عليها وأخذها معه ليعود للمنزل، فوقت عمله انتهى ويريد الراحة. ذهبت معه على أمل أنها ستأتي بالغد وتعطي الخاتم لرامي.
بالفعل ذهبت مع والدها إلى المنزل. تناولت العشاء معه هو وأمها وأختيها الصغار. لكن تحدث والدتها قائلة:
البلد كلها بتتكلم عن العامل اللي سلمه هاشم الزهار بعد ما اتهمه بسرقة الخاتم بتاعه. والعامل بيقول إنه مسرقش حاجة. ده كان لاقاه وهو ماشي في المزرعة بالصدفة.
رد صفوان:
هاشم الزهار أكيد كذاب. هو واطي ومعندوش أخلاق. غير معرفش فيه بينه وبين رضوان الزهار خلاف معرفش ليه. عالعموم ملناش دعوة به. قومي اعملي لي كوباية شاي.
بعد وقت نام كل من بالمنزل. لكن عقل مروة الصغير هيأ لها أنه ربما يتهمها رامي بسرقة الخاتم مثل ذلك العامل. أصبحت في الفراش تتقلب يمين ويسار خائفة تهلوس بالشرطة تقبض عليها توضع بالحبس. اهتدى عقل الطفلة وقامت من الفراش وتسحبت وخرجت من المنزل. كان الوقت في الثانية عشر ليالي الصيف. سارت بالطريق خائفة، تقول:
أنا هرمي الخاتم من وراء السلك اللي حوالين السرايا والمزرعة ومحدش هيشوفني.
بالفعل اقتربت مروة من تلك الأسلاك الشائكة التي تلف حول السرايا والمزرعة. لكن فوجئت بلهيب نيران قوية تلتهم المكان بأكمله. نيران حارقة تلتهم الأخضر واليابس. حديقة السرايا أصبحت كتل نارية، تتطاير النيران بكل مكان. من يرى النار يقسم أن لن يخرج منها كائن حي. دخان النيران يتصاعد للسماء. الرؤية تعتم. النيران أصبح كل شيء يشتعل بسرعة. وضعت يدها على تلك الأسلاك، لكن الأسلاك حرقت كف يدها. عادت للخلف وكادت أن تقع على ظهرها، لولا أن اصطدمت بذلك الرجل الملثم الذي رأت عينيه بها انعكاس النيران. عيناه كوحوش أفلام الرعب. خافت وجرت مسرعة. خُيل لها أن ذلك الرجل يلحقها. كانت تقع وتنهض سريعاً، إلى أن اقتربت من باب خلفي لمزرعة الخيول. كانت الصدمة الثانية، والدها يخرج ويسحب بيده إحدى المهرات. ابتعد بها سريعاً عن المكان. كانت صدمة عمرها التي دمرت قلبها. والدها سارق، وهي أخذت ذلك الخاتم. سمعت أن السرايا لم يخرج منها سوى رفعت الزهار ورامي أخيه الذي احترق جسده بالكامل قد يواجه الموت هو الآخر. صديق طفولتها سيموت كما ماتت بقية عائلته. دعت له الله أن يترأف به، ويحيا بعيداً عنها ويكفيها ذلك الخاتم ذكرى منه، وذكرى نهاية طفولتهم وطريقهم.
عادت مروة من ذكرى الماضي على شعورها بألم اختراق سن تلك السرنجة التي أعطتها لها الممرضة التي لم تخدر فقط وجع جسدها، بل خدرت معه عقلها لتعود للنوم، الذي ربما يغيب عقلها. لكن بداخلها مازالت تشعر أنها ابنة ذلك السارق وليس هذا فقط، فربما يكون والدها مشاركاً بإشعال تلك النيران.
بالوحدة الصحية.
دخل ذاك الشخص وقام بإعطاء الهاتف لزينب. شكرته وغادر سريعاً. تبسمت وهي تفتح الهاتف قائلة:
زمان ألف مكالمة مش بس من ماما وتلاقي بابا كمان ومش بعيد الواد مجد.
تعجبت حين لم تجد أي مكالمات فائتة، وتعجبت أكثر حين رنت هي على هاتف والدتها، يعطي رنيناً ولا يوجد. رد كذلك هاتف والدها. بدأ يساورها بعض القلق، فقامت بالاتصال على الهاتف الأرضي الخاص بهم، لكن لا رد. ازداد القلق. لكن دخلت إحدى العاملات تخبرها بوجود مريض بالمشفى، فنهضت وذهبت للكشف عليه وعادت بعد وقت.
عاودت الاتصال على والديها، لكن لا رد. فكرت أن تهاتف مجد ربما يعرف شيئاً، لكن أجلت الفكرة قليلاً، وجلست بين الحين والآخر تتصل عليهم وقامت بإشغال فكرها بالمرور على غرف الوحدة حتى لا تفكر بالسوء. إلى قبل المغرب بقليل دخلت إلى مكتبها. جلست زينب على المقعد مُنهكة تشعر بالإرهاق الشديد. هي تقريباً منذ يومان لم تنم بدرجة كافية.
أغمضت عينيها لثوانٍ قبل أن تفتحها وهي تسمع صوت رسالة أتت لهاتفها. نظرت للهاتف بتأفف وقامت بفتح الرسالة. لم تكن غير صورة، لكن مهلاً، الصورة بها منظر مخل لها مع ذلك الهمجي. ثم أتت عدة رسائل بصور مختلفة. سخِرت زينب منها وقامت بإرسال رسالة:
فاشل قوي اللي عمل للصور دي فوتومونتاج. غير المصمم شكله غبي وفاشل.
تبسم رفعت وهو يقرأ الرسالة. إذن الصور قد وصلت إليها، ورأتها ليرسل لها رسالة أخرى.
تنهدت زينب بزهق وفتحت تلك الرسالة، لتهب واقفة، قائلة:
لأ كده كتير، كتير قوي كمان. أنا هروح له بنفسي وهعرف إزاي أوقفه عند حده.
بالفعل بعد دقائق دخلت زينب إلى إحدى غرف الاستقبال بسرايا الزهار. تبسم رفعت الجالس على أحد المقاعد قائلاً ببرود:
اتأخرتي خمس دقائق. السكة من الوحدة للسرايا متاخدش الوقت ده كله. عالعموم مش مهم. المأذون مستني في الصالون الكبير ومعاه والدك الأستاذ صفوت السمراوي. كل شيء جاهز على إمضتك.
تحدثت زينب بتعجب وقوة قائلة:
بابا هنا في الصالون؟ فين ماما؟ يا رفعت، عارف لو بس صابها خدش أنا مش هيكفيني فيك عمرك.
تبسم رفعت ببرود:
اهدّي يا دكتورة، بلاش طريقتك دي. عاوزة تشوفي ماما يبقى تمضي على كتب الكتاب. بعدها نتفاهم. قبل ما تمضي على قسيمة الجواز، أنا مش هرد عليكي.
قال رفعت هذا ونهض من مكانه وسار بضع خطوات قائلاً:
على فكرة أنا طلبتك من باباكي وهو قال موافق، طالما دي رغبتك. وهو مستني دلوقتي في الصالون مع المأذون والشهود. ومعرفش طبعاً عن اختفاء والدتك.
اغتاظت زينب قائلة:
سهل أمضي على قسيمة الجواز، وسهل بعدها أطلق. بس صدقني إنت الخسران. أنا مش خسرانة حاجة. مجرد ورقة تتبدل بسهولة لما أقدم دعوة خلع منك وأفضحك في البلد قدام أهلها.
تبسم رفعت ببرود:
بعد ما تمضي على قسيمة الجواز، يحلها ربنا. بلاش كلام كتير. المأذون مستني في الصالون الكبير. يلا تعالي ورايا.
سارت زينب خلف رفعت، لو بيدها لقتلته بلا رفّة جفن لها. دخلت إلى غرفة الصالون، غرفة واسعة للغاية بها أكثر من أريكة ومقاعد كثيرة. رأت والدها يجلس يتحدث مع شابين رأتهم سابقاً بالوحدة ومعهم رجل ذو وقار. لابد أنه المأذون.
تبسم رفعت قائلاً:
آهى العروسة أخيراً وصلت. كان عندها شغل كتير بالوحدة. وأخيراً خلصته. اتفضل يا حضرة الشيخ خد موافقتها وأعقد القران.
نظرت زينب لوالدها الذي نهض مبتسماً يقول بلوم:
كده يا زينب تخضيني عليكي. وتبعتي لي رسالة إنك تعبانة ومحتاجة إني أجلك لهنا. ولما أجي ألاقي رفعت الزهار في انتظاري ويقول لي دي مزحة منكم عشان أجي وأوافق على كتب كتابكم. أنا كنت هرفض. بعد الخضة اللي اتخضيتها. بس هو قالي عامل الموضوع مفاجأة ليكي. وصدقته لما شوفت رسالتك اللي بعتيها لي عالـموبايل. كويس إني جيت من غير ما أقول لهالة كان زمان عقلها طار منها.
نظرت زينب لرفعت الذي يبتسم بزهو. راجع عقلها قول والدها عن رسالتين وصلتا له من هاتفها الذي كان مفقود. إذن هاتفها كان مع ذلك الوغد الذي نظم تلك الكذبة. ابتلعت حلقها وحاولت الثبات قائلة:
معلش يا بابا، هو كل شيء جه بسرعة. وكويس إنك مقلتش لهالة كانت هتتخض.
تبسم رفعت قائلاً:
أظن الأوراق قدامك يا حضرة الشيخ وافية لكتب الكتاب والاستاذ صفوت وكيل العروسة، والعروسة نفسها حضرت. بلاش تضييع وقت لأن بعد شوية هيبدأ المعازيم في الحضور.
تبسم المأذون قائلاً:
تمام، يلا نبدأ في عقد القران وبالرفاء والبنين. اتفضل حط إيدك في إيد والد العروس الدكتورة.
وضع رفعت يده بيد والد زينب وبدأ المأذون يتلو تراتيل الزواج وخلفه يرد رفعت ووالدها إلى أن أتم المأذون عقد القران وقال:
اتفضلي يا رفعت امضي مكان الزوج والاستاذ صفوت يمضي مكان وكيل العروس.
بالفعل مضى رفعت ثم مضى والد زينب. تبسم المأذون وقال:
اتفضلي امضي يا دكتورة ومن ثم الشهود. السيد رامي الزهار، والسيد وسيم الشامي.
تقدمت زينب، ونظرت لوالدها الذي يبتسم لها، ثم نظرت لرفعت الذي يبتسم هو الآخر. لا تعرف سبب لبسمته غير أنها زهو بما ناله. لكن مهلاً، هو مُخطئ، فعقد القران من السهل إبداله بورقة طلاق قبل نهاية سواد الليل.
مضت زينب على عقد القران، ومضى وسيم ورامي كشهود، وذهبوا وباركوا لرفعت. بينما احتضن صفوت زينب وهنأها قائلاً:
كان نفسي تبقى هالة حاضرة وكمان مجد أخوكي.
تبسم رفعت قائلاً:
إن شاء الله هنعمل حفلة تانية بحضورهم. ممكن آخد الدكتورة خمس دقائق بس وهنرجع تاني.
تبسم صفوت له بموافقة قائلاً:
خلاص مبقتش محتاج إذن. هي خلاص بكتب الكتاب بقت مراتك رسمي. انتهت ولايتي عليها.
تبسم رفعت قائلاً:
حضرتك هتفضل صاحب الكلمة والأمر عليها. هما خمس دقائق وراجعين تاني. عن إذنكم.
مد رفعت يده ومسك يد زينب التي كادت أن تقتله لولا تحكمت بنفسها، وسارت خلفه. دخل بها إلى إحدى الغرف بالسرايا عبارة عن غرفة نوم متوسطة.
بمجرد أن دخلا إلى الغرفة.
نظرت له زينب بحدة. ثم قامت بصفعه صفعة قوية. كادت نيران عينيه تحرقها لولا تحكم بها. قبل أن تقول له:
جوازنا بالغصب، يعني جواز باطل. بل الورقة واشرب ميتها عالريق.
لم تشعر بعدها إلا أنها ملقاة على الفراش يكتم أنفاسها بقبلاته العنيفة، التي أدمت شفتيها. حين تركها تلتقط أنفاسها، تبسم وهو يراها تصارع الهواء لتتنفس وهي مازالت نائمة بالفراش. بينما هو رفع نفسه عنها قليلاً ينظر لها بزهو قائلاً:
قبل ما تتكلمي أو تمدي إيدي، ابقي اعرفي مين اللي قدامك. مش ابن رضوان الزهار اللي يسيب إيد تتمد عليه. احمدي ربنا إنك مراتي وإن ده كان ردي.
رغم أنها تتنفس بصعوبة، لكن ردت قائلة:
مغتصب حقير.
تبسم بخبث، وهو يمد يده يفتح أزرار كنزتها.
وضعت يدها على يده قائلاً برعشة:
هتعمل إيه؟
شعر برعشة يدها على يده. تبسم بسخرية يقول:
أيد الدكتورة بترتعش. راحت فين شراستك؟ مش هتنفعك شراستك معايا. وردي على القلم، هو إني هحقق لك الكلمة اللي قولتيها. مغتصب. هغتصبك.
قال هذا وقيد يديها الاثنين، وأحكم جسدها أسفل جسده. وعاد يقبلها مرة أخرى. لكن فجأة نهض عنها.
يبتسم بسخرية قائلاً:
البسي هدومك يا دكتورة. ماليش مزاج أغتصبك النهاردة، بس ده كان مجرد درس صغير، للي يحاول يتحدى، رفعت الزهار. واطمني مامتك هنا في السرايا.
تنهدت زينب براحة قائلة:
والمأذون كمان أكيد لسه في السرايا. خلينا نطلق.
نظر لها رفعت ساخراً يبتسم وخرج دون رد.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سعاد محمد سلامة
طرق رفعت على باب إحدى الغرف.
لم تنتظر زينب أن يسمح بالدخول وفتحت مقبض الباب ودخلت، بلهفة سرعان ما تحكمت بها وهي ترى والدتها تجلس مع الجدة إنعام ومعهن محاسن وامرأة أخرى.
وقفت هالة مبتسمة، وحضنتها قائلة:
أخيرًا جيتِ من الوحدة، مش مستغربة أنا متوقعة تنزلي بكرة للوحدة تمارسي شغلك.
تبسم رفعت ولف يده حول خصرها قائلاً:
لأ زينب من الليلة إجازة لمدة أسبوع، مفيش خروج من السرايا.
للحظة تفاجأت وارتجفت زينب من وضع رفعت يده حول خصرها، ولكن تضايقت وحاولت أن تبعد يده عن خصرها، لكن هو تشبث بيده على خصرها.
تبسمت إنعام وقامت تضمها هي الأخرى قائلة:
أنا وزوزي خلاص هنبقى مع بعض طول الوقت. من أول مرة شوفتك فيها قولت هجوزك للواد رفعت حفيدي، مفيش واحدة هتعرف تربيه غيرك.
تبسمت مُهرة قائلة:
ليه كده بس يا مرات خالي، هو في زي رفعت ابن أخويا؟ خليني أعرف نفسي للدكتورة.
أنا مُهرة الزهار، أبقى بنت عم والد رفعت، يعني في مقام عمته، وكمان أبقى مرات هاشم الزهار.
قبل أن ترد زينب، مصمصة شفتاها إنعام قائلة بسخرية:
للأسف، مش عارفة كان فين عقلك، يلا كله من قلة البخت.
سئمت وجه مُهرة لكن تداركت القول وقالت:
مبروك يا دكتورة، سمعت عنك وبصراحة كان نفسي أتعرف عليكي، ومفيش مناسبة أحلى من كده، أهلاً بيكي في عيلة الزهار.
رسمت زينب بسمة، هذا الهمجي يضع يده حول خصرها كأن يده التصقت بخصرها، حتى حين جذبتها إنعام يده لم تفارق خصره.
مدت يدها ووضعتها بيد مُهرة قائلة:
أهلاً وسهلاً، اتشرفت بحضرتك.
تبسمت مُهرة قائلة:
إيه حضرتك دي كمان، قوللي يا عمتو.
تبسمت زينب دون رد، كل تفكيرها في كيف تتخلص من يد ذلك الهمجي الذي لا يستحي، وهو يضع يده على خصرها أمامهن. تود الاختلاء بوالدتها ومعرفة كيف أتت هي الأخرى إلى هنا وكيف تقبلت هي ووالداها أن تتزوج من هذا الهمجي الوقح. وبالفعل أتت نجدة لها حين دخلت إحدى الخادمات، واقتربت من رفعت قائلة بهمس:
رفعت بيه الميكيب آرتيست وصلت وكمان الفستان وصل، وفي الأوضة اللي حضرتك قلت عليها.
تبسم رفعت يومئ برأسه لها، ثم نظر لوالدة زينب قائلاً:
المفاجأة وصلت، ممكن يا مدام هالة أنتِ وزينب تيجوا معايا.
تبسمت هالة قائلة:
بلاش مدام هالة دي، خلاص بقينا أهل. ناسيني إني حماتك، قولي يا طنط، ويلا بينا عاوزة أشوف المفاجأة.
تبسم رفعت لها بود، وسحب زينب معه لتسير بجواره، وأمامهما هالة.
حين خرجت زينب من الغرفة، اقتربت من أذنه هامسة:
شيل إيدك من على وسطي لأحسن هكسرهالك، وبطل وقاحتك دي، متفكرش الشو ده هيدخل عليا. أنا مش عارفة إنت إزاي أقنعت ماما وبابا يوافقوا عليك ويرحبوا بالشكل ده، أكيد خدعتهم ببرودك، بس استنى عليا، بقى كتبت مؤخر الجواز مليون جنيه، أنا هخليك تدفعهم قبل شهر.
تبسم رفعت ببرود هامساً بأذنها:
هنشوف، وأهو الغلابة يستفادوا بالمبلغ.
وبالفعل ترك خصرها، ليفتح إحدى الغرف. دخلت أولاً هالة التي سعدت كثيراً، ثم دخلت خلفها زينب التي تعجبت، وهي ترى بالغرفة فتاة وهناك فستان ليس زفاف، ولكن يشبه فستان الزفاف بلون أبيض يميل لزرقة أمواج البحر، لامع وبه بعض التطريز اللامع رائع التصميم، كما أنه لديه حجاب من نفس لونه ونفس التطريز تقريباً. لا تنكر ذوق الفستان، لكن صمتت حين تحدثت والدتها قائلة:
ذوق الفستان شيك قوي وبسيط مش مبهرج، أنتم كنتم عاملين حساب كل حاجة، وكانت مفاجأة حلوة قوي.
تبسم رفعت يقول:
بصراحة الفستان كان مشاركة بيني وبين زوزي، اخترناه سوا من موقع على النت، بس أكيد هيبقى أجمل لما زوزي تلبسه. هستأذن أنا علشان أجهز وكمان تلحق الوقت. خلاص المغرب أذن وشوية والمعازيم هيبدأوا يحضروا.
تبسمت هالة قائلة:
كانت فكرة حلوة منك إنك تقعد إنت بين الرجالة في الصوان اللي في الجنينة، والستات تقعد هنا في السرايا.
تبسم رفعت يقول:
بصراحة مش فكرتي، دي فكرة زوزي. عن إذنكم.
قال رفعت هذا وغادر الغرفة، سريعاً، يعلم أنه لو بقي بالغرفة أكثر من هذا ستفسد زينب كل شيء خطط له.
بينما زينب همست بغيظ:
زوزي!
اغتاظت زينب من تلك الكلمة، ولكن اقتربت منها تلك الفتاة التي كانت بالغرفة قائلة:
اتفضلي ألبسي الفستان، علشان نلحق نعمل الميكب، الوقت خلاص قذف.
تنهدت زينب قائلة:
تمام، ممكن تسيبني أنا وماما لخمس دقايق من فضلك.
زفرت الفتاة قائلة:
تمام، بس مش أكتر من خمس دقايق.
أومأت لها زينب برأسها. خرجت الفتاة، وأغلقت خلفها الباب.
نظرت زينب لوالدتها قائلة باستفسار:
بابا قالي إن في حد اتصل عليه وقاله إني تعبانة ومحتاجة له، ولما جه لهنا قابل زفت، قصدي رفعت، وطلبني منه وأنا بعت له رسالة على الموبايل إني موافقة. وحضرتك جيتِ إزاي، بقى لهنا.
ردت هالة:
نفس اللي حصل مع باباكي. أنا كنت في شركة التأمينات وجالي رسالة منك إنك تعبانة، بس بعتت ليا عربية تحت شركة التأمينات علشان أوصل ليكي بسرعة. ركبتها ولما وصلت لهنا لقيت رفعت بيقولي إن ده كان فخ بينك وبينه علشان تجيبيني أنا وباباكي هنا. ولما بعت لموبايلك رسالة قولتلي موافقة، وقعدت شوية مع الست إنعام وبعدها جت مدام مُهرة. قعدنا مع بعض، ناس تدخل القلب من أول ما تشوفيها.
تنهدت زينب ثم زفرت نفسها قائلة:
يعني أنا موبايلي كان النهاردة، واخد دور الخاطبة. وحضرتك إنتي وبابا أول ما رفعت قالكم إننا هنتجوز، وافقتوا ورحبتوا بالأمر. هو أنا بلوة بتخلصوا منها بسهولة كده.
تبسمت هالة قائلة:
لأ يا حبيبتي، إنتي عارفة إني أنا وبابا قد إيه بنحبك وبنثق في قراراتك. وبعدين ناسيه إنك جبتينا قبل كده بنفس الطريقة لما كنتي هتكتبي كتابك مع سميح، بس فرق كبير. سميح أنا عمري ما ارتحت له ولا لأهله، إنما العكس مع رفعت، ده يدخل القلب وشخصية قوية، وأهله ناس عسل. وكفاية مش هيبقى ليكي حما، أبوه وأمه ميتين، مفيش غير الست إنعام دي وشكلها كده بتغيب، دي كل شوية تسألني إنتي مين، بس افتكرتك أول ما دخلتي.
تعجبت زينب قائلة:
وهي الأسباب دي اللي خلتكم توافقوا على الجوازة دي؟ مفيش أي شيء غريب لفت نظركم؟ تليفوني مثلاً يكون ضايع، وأن مش أنا اللي برد عليكم.
ردت هالة ببساطة وهي تتصل على هاتف زينب التي سمعت رنينه معها:
ما موبايلك بيرن في جيبك أهو، ضايع فين بقى. وبعدين بطلي رغي وتضييع وقت، يلا ادخلي خدي شاور دافي كده على السريع علشان تحسي بانتعاش، وأنا والميكب آرتيست هنخليكي قمراية، مع إنك قمراية، بس رفعت بقى قال إن حفلة الستات هتبقى لوحدها والرجالة لوحدهم، بس علشان خاطر خطيبة أخوه يا حرام بيقول في المستشفى واتزلقت على سلم بيتهم وقال إنهم كمان كانوا هيتجوزوا معاكم بس الظروف بقى، ولازم يراعي مشاعر أخوه.
تعجبت زينب قائلة:
كمان حكالكم على خطيبة أخوه، يا سلام رفعت ده ساحر.
بعد وقت من عقد القران
بسرايا الزهار
بمكان واسع وكبير جوار مضمار الخيل
كان صوان كبير للرجال
فكان المدعوين ما بين كبار رجال البلدة وبعض رجال السياسة بالمحافظة، ورجال الأعمال وبعض الضيوف المهمين.
كان رفعت يجلس يرتدي بزة رسمية بماركة شهيرة، يضع فوق كتفيه تلك العباءة العربية المطرزة بخيوط الذهب من على الكمين ومن الأمام، كان صاحب هيبة وحضور طاغٍ، حقاً عريس يليق باسم الزهار الكبير في سوق الخيول.
كان يجلس على يمينه وسيم وعلى اليسار رامي الذي نحى مشاعره كعاشق اختار القدر ألا يجتمع مع عشيقته الليلة، تأجل الوقت، لكن كان سعيد بزواج أخيه، فرب ضارة نافعة، تأجيل زواجه جعله يرى أخيه الذي كان يرفض الزواج. هو العريس.
كانت البسمة تزين وجوه الثلاثة فرسان، يلتقون التهانى ويرحبون بالمدعوين، إلى أن دخل هذان الأخوين إلى المكان.
كان رفعت شارد، كيف سيتعامل مع تلك الشرسه؟ ولماذا فعل كل هذا بهذا الوقت الصغير؟ مسافة ساعات، لو أحدًا قال له صباحًا مساءً سيكون عرسك ليلاً لقال له أجُننت. هو حقاً جن من أفعال تلك الشرسه، لكن هو روّض مُهرات وخيول، كان من الصعب التعامل مع شراستها، وتلك لن تكون أكثر جموحًا منهم.
تبسم وهو يتذكر رجفتها حين وضع يده حول خصرها، لكن عاد من شروده على قول رامي له:
رفعت شوف مين اللي حضروا، ربنا يستر، هاشم وهشام مع بعض.
تبسم رفعت بزهو قائلاً:
يا مرحب بيهم.
تعجب رامي وكذلك وسيم. وقفوا يستقبلونهما.
مد هشام الزهار يده أولًا يصافح وسيم ثم رفعت ثم رامي، كذلك فعل هاشم. رغم تحفظ رفعت لكن صافحه، وضغط بقوة على يده مرحبًا بفتور خفي:
أهلاً وسهلاً بكبار عيلة الزهار.
تبسم هشام قائلاً:
ويا ترى بقى إحنا كبار عيلة الزهار، قيمة ولا سن؟
رد رامي:
متفرقش، يا هشام باشا، أهلاً نورتوا الفرح.
تحدث هاشم قائلاً:
غريبة إزاي الفرح هيكمل والعروسة أعتقد لسه في الوحدة. غير فين صفوان المنسي مش باين في المكان.
رد وسيم:
ما هو فرح رامي اتأجل على العروسة ما تشد حيلها. إحنا في فرح رفعت.
تعجب هاشم وهشام بالأكثر، وقال:
فرح مين؟! رفعت هيتجوز!
رد رفعت:
وليه متجوزش؟ ناقص ولا عندي علة تمنع جوازي، ياااا هشام باشا.
تنحنح هشام قائلاً:
لأ أبدًا محدش يقدر يقول كده، بس استغربت. ويا ترى مين سعيدة الحظ اللي فازت بفارس عيلة الزهار.
نظر رفعت لوجه هاشم وقال:
معتقدش إنت هتعرف مين سعيدة الحظ، لكن هاشم الزهار أكيد هيعرفها. سعيدة الحظ هي.... الدكتورة زينب السمراوي. حتى والدها هنا وكان جانبي من شوية، بس بيرد على تليفونه وراجع تاني.
صدمة، لا بل صاعقة سمعها هاشم، أصمته، لدقيقة، تلجم لسانه. كيف حدث هذا؟ كيف سبقه ونال الطبيبة.
تبسم رفعت على قسمات وجه هاشم التي تغيرت بوضوح، ظهر عليها الغل. لكن تدارك هاشم قائلاً:
مش غريبة إنك تتجوز إنت والدكتورة في يوم وليلة كده.
رد رفعت بثقة:
مش غريبة ولا حاجة. الحب مش محتاج لوقت طويل. أنا والدكتورة من أول ما شوفنا بعض، ربنا زرع في قلوبنا ود ووفاق لبعضنا، وطلبت إيدها من والداها وهو وافق على موافقتها، وكنت ناوي أعملها مفاجأة في فرح رامي، بس للأسف إنت عارف اللي حصل لعروسة رامي. قولت يمكن دي إشارة من ربنا إني أسبق رامي وأتجوز قبله.
تبسم رامي، كذلك تبسم وسيم وقال:
فعلاً النصيب بينادي صاحبه، وده اللي حصل. إن الدكتورة تيجي هنا علشان تتقابل هي ورفعت وتكون من نصيبه.
نظر هاشم لثلاثتهم، لديه غل كافٍ بإحراق هؤلاء الثلاث الآن. كيف اتحدوا وتوافقوا مع بعضهم. رجوعهم الثلاث إلى البلدة له تأثير عليه وعلى قوته السابقة. كان هو صاحب الكلمة، لكن منذ عودة رفعت ورامي منذ سبع سنوات، تقاسمت ليس فقط البلدة ولا المحافظة إعجابها وتحيزها ما بينه وبين رفعت وظله رامي، والآن عاد هذا الثالث منحاز معهم. كيف يستطيع أن يسترد مكانته بالبلدة والمحافظة، بل بسوق الخيول بأكمله. فالثلاث لديه خبرة كافية بالخيول وكيفية التعامل معها. لابد من وقوع ذريعة بين هؤلاء الثلاث، فكما يقول المثل "فرق تسد".
بعد وقت انتهى حفل الزفاف.
دخل رفعت بصحبة رامي ووسيم إلى داخل السرايا، فقد انفضت النساء أيضًا. لكن بردهة السرايا تحدث رامي قائلاً:
أنا مستغرب، إنت أول مرة تمد إيدك وتسلم على هاشم الزهار مع إنه سبق ومد إيده لك يوم زفاف ابن النائب، وإنت اتجاهلت مدة إيده ورميت العصاية عليه.
رد رفعت ببساطة:
تعرف المثل اللي بيقول (إن جا لك عدوك دارك خاويه، وإن قابلك في الخلا خاليه). وكمان أنا ناوي أغسل إيدي بديول أطهرها.
تبسم رامي ووسيم الذي قال:
ها يا كبير ناوي تشرفنا الليلة مع الدكتورة.
تبسم رفعت قائلاً:
الدكتورة لو قربت منها الليلة دي بعد اللي عملناه، مش بعيد تقروا الفاتحة عليا قبل الفجر.
تبسم رامي قائلاً:
كبير عيلة الزهار خايف من ست! عيب عليك. إنت لفيت أبوها وأمها في دقايق وأقنعتهم بجوازك من بنتهم، هتقف هي قدامك؟ لو مش عارف خفاياك كنت قولت سلام يا رجولة.
تبسم رفعت قائلاً:
لأ متخافش الرجولة موجودة، بس أنا لسه قدامي هدف عاوز أوصله، مش عاوز أموت الليلة على إيد الدكتورة.
تبسم وسيم ورامي وهما يدخلان خلف رفعت إلى غرفة الصالون الكبيرة.
توقف رفعت يخفق قلبه بشدة وهو يرى تلك الأميرة البديعة الجمال. القليل من مساحيق الجمال أعطت لها توهجًا آخاذًا، كذبوا حين وصفوا أميرات الخيال، فتلك تفوقهن جمالًا وفتنة، بثوبها الذي يشبه أمواج البحر من بعيد. هي لا وصف يكفيها حقها.
تدارك رفعت نفسه ودخل مبتسمًا.
اقترب صفوت من زينب وقام بجذبها من يدها للسير معه، وتوقف أمام رفعت ومد يد زينب له قائلاً:
بأسلمك بنتي، أوعدني إنك تصون الأمانة.
مسك رفعت يد زينب وانحنى يُقبّل جبينها، ثم نظر لصفوت قائلاً:
أمانتك في رقبتي.
رأت زينب نظرات الثقة من والديها لرفعت. كم ودت أن تصفعه أمامهم قائلة:
هذا الكاذب يخدعكم. هي وافقت على ذاك الزواج بالإجبار والمساومة منه، لكن يبدو أن لديه طريقة في إقناع من أمامه بتمثيل الرجولة والشجاعة، لكن لن يدوم ذلك كثيرًا، ستظهر حقيقته عاجلًا أو آجلًا، ووقتها لن تشفع له أمامهم تلك الشجاعة الكاذبة.
أتت الجدة إنعام وشدت يد زينب من يد رفعت قائلة:
زوزي هتنام معايا الليلة.
تعجب الجميع وقالت مُهرة:
جرى إيه يا مرات خالي، إنتِ عارفة إن الليلة دخلة رفعت والدكتورة.
ردت إنعام بتصميم:
وماله بكره الليالي جاية كتير، أنا قولت زوزي هتنام في حضني الليلة، يعني هتنام في حضني، ومفيش اعتراض.
تبسمت زينب بمكر قائلة:
وأنا مقدرش أنفذ طلب لتيتا، هو أنا أطول أنام جنب تيتا إنعام الجميلة.
تبسمت إنعام قائلة:
حلوة تيتا منك مش زي الجلنفات اللي بيقولولي يا جدتي. يلا يا بسكوتي، أنا حاسة إن دماغي من السهر خلاص قربت تهنج.
تبسمت زينب وسارت جوار إنعام تبتسم بانتصار، لكن قبل ذلك همست في أذن رفعت قائلة بتشفى:
تصبح على خير، يا رفعت يا زهار..... عَدت الليلة وأنا مش مراتك.
تعجب الجميع، ولكن سرعان ما ابتسموا إلا رفعت الذي كان يود الاختلاء بزينب الليلة، ليس كزوجة، بل كان يريد فقط قربها والشعور بأنفاسها قريبة منه.
باستطبل هاشم.
كان صدى صهيل ذاك الجواد القوي يرج الاستطبل. كان العامل بالخارج يسمع صوت الجلدات عليه. للحظة فكر بالدخول للاسطبل ومنع هاشم من جلده، لكن خاف أن يترك الجواد ويجلده هو.
كان يجلد الجواد يزيد في جلده بقسوة حين يأتي إلى خياله تلك الطبيبة، يتراقص طيفها وهي تشاطر رفعت الفراش، يتخيلها معه تتطارحه الغرام، يقبلها يتمتع بها بين يديه، نيران تسحق قلبه. كيف ومتى أُعجبت الطبيبة برفعت؟ لا ليست فقط أُعجبت به، بل تزوجته. بهذه السرعة، كيف فاز رفعت بتلك الطبيبة؟ كيف وصل إليها قبله؟ كان هناك خطوة واحدة بينه وبين الطبيبة، لكن اختطفها رفعت قنصًا منه. صهيل الجواد يصرخ في الاستطبل كأنه يطلب الرحمة، لكن يطلبها ممن من قلب تجرد من الإنسانية، قلب حقود، كل ما يريده بالحياة هو الحصول على ما تشتهي نفسه من ملذات حتى لو كانت على حساب تحطيم غيره.
لكن فجأة شعر بألم بيده وجثا على رسغيه يلهث، حتى أن الجواد كاد أن يدهسه وهو يتحرك، لكن تفادى ذلك وابتعد عنه، لكن دهس إحدى يديه، ليصرخ هو من شدة الألم.
باليونان
فتاة تستمتع مع شاب بالقبلات الحارقة، ليس هذا فقط بل تشاركه الفراش بمهارة.
قطع وصلة الغرام صوت ذاك الهاتف الذي لا يكف عن الرنين.
ابتعدت عن من معها بالفراش، وجذبت ذاك الهاتف، وأجابت وهي نائمة بتذمر قائلة باليونانية:
دادي... ده وقت اتصالك عليا، ألا تعلم فرق التوقيت.
رد عليها باليونانية أيضاً:
ليس هناك بين مصر واليونان فرق توقيت، نحن بنفس التوقيت. "ريما"، اتصلت عليكي لشأن هام لا يؤجل للصباح.
تأففت ريما قائلة:
وما هو هذا الأمر الخطير الذي لا ينتظر إلى الصباح، دادي.
رد هشام:
الأمر يخص رفعت، لقد تزوج رفعت الليلة.
اعتدلت ريما وقالت بالعربي:
قلت إيه؟ رفعت اتجوز الليلة؟ إزاي مش كنت بتقول رامي هو اللي هيتجوز.
رد هشام:
لما سألته قال أنه كان عاملها مفاجأة.
ردت ريما بغيره واستقلال:
شكلها إيه اللي اتجوزها رفعت دي؟ أحلى مني؟
رد هشام:
أنا مشوفتهاش، بس لما سألت هاشم عليها مردش عليا وكان مضايق، حتى مرجعش معايا للبيت، راح للاستطبل. بس حتى لو إنتي أحلى منها هي أصبحت مراته رسمي.
ردت ريما بثقة:
متقلقش دادى، هنزل لمصر قريب بعد ما أرتب أموري هنا، ووقتها رفعت هو اللي هيسيب الجربوعة اللي اتجوزها. إنت عارف مكانتي عند رفعت، جوازه من البنت دي مش أكتر من نزوة.
رد هشام بلوم:
قولتلك قبل كده، رفعت صعب تتوقع أفعاله. الليلة سلم على هاشم، بعد ما كان حتى مش بيقبل يبص في وشه. حاول ترتب أمورك وتنزل مصر في أقرب وقت. افرض البنت اللي اتجوزها دي بقت حامل منه وقتها هيبقى صعب يتخلى عنها. كمان سمعت إنها دكتورة، يعني مش مجرد بنت عادية.
ردت ريما:
خلاص، يا دادى قولتلك في أقرب وقت هنزل مصر. يلا باي.
أغلقت ريما الهاتف، ونهضت من الفراش وتركت الآخر، وارتدت مئزر خفيف على جسدها، وذهبت إلى ذاك البار الذي بالغرفة وملأت كأس وأخذت معها زجاجة الخمر، وأخذته واتجهت إلى شرفة الغرفة. نهض خلفها الشاب، وأخذ هو الآخر كأس من زجاجة أخرى، وذهب إلى خلفها بالشرفة وأزاح ذاك المئزر عن كتفها قليلاً وقبلها قائلاً:
ما بيكي ريما؟ كنتِ تستمتعين معي، ماذا سمعتي بالهاتف.
ابتعدت ريما عنه قائلة:
لا شيء فابيو، فقط أرادت احتساء كأس وتدخين سيجارة، من فضلك اتركني وحدي.
رغم تعجب فابيو لكن تركها وعاد مرة أخرى لداخل الغرفة، بينما هي تجرعت الكأس مرة واحدة، وليس هذا فقط، بدأت في الاحتساء من الزجاجة نفسها. تنعى خيبتها برفعت، كيف تزوج بغيرها الآن، عليها العودة لاسترداده مرة أخرى، صور لها عقلها أنها ما زال يهواها، وتلك هي نقطتها الرابحة أمام الأخرى.
بسرايا الزهار.
تسحب رفعت إلى غرفة جدته وفتح الباب بشويش، ودخل إلى الغرفة.
تبسم حين رأى زينب تنام على إحدى يدي جدته، تبدوان وهما نائمتان كجدة وحفيدتها. أعادت لذاكرته ذكرى قديمة، حين كانت جدته تأخذ أخته تنام معها بغرفتها حين كانوا بزيارتهم لها بالإسكندرية وهم صغار. ما الذي بزينب يشد جدته إليها؟ تلك الشامة التي بيدها مثل التي كانت بيد (رحمة) هذا فقط وجه الشبه بينهم. ربما أن زينب بنفس عمر رحمة، أو أصغر منها ببضع أشهر، ربما.
تبسم وهو يرى جدته تشد الغطاء على زينب وهي ناعسة، تعجب كيف نامت زينب بتلك الراحة، هو توقع أن يجافيها النوم، لكن هي ناعسة بهدوء وبوجه بشوش.
تنهد مبتسمًا يقول: وكيف لا تنام بسهولة، وهي ليس هناك ما يشغل بالها، ولا يؤرق ضميرها. فمن مدة معرفته بها القليلة، هي شجاعة بالحق، تريد الخير للآخرين الضعفاء المحتاجين. تبسم وقال:
تشبهين روبن هود، لكن لا يوجد مكان للأبطال الآن.
بعد مرور يومين
سطعت شمس جديدة.
بسرايا الزهار
في حوالي السابعة صباحًا.
شعرت زينب بالضجر، هي تلازم تلك الغرفة منذ ليلة أمس، هي من اختارت المبيت فيها. تعجبت من ترك رفعت لها، حتى أنه لم يعارضها، وتركها تنام بغرفة مستقلة عنه. من الجيد أنه تجنبها. بعدما ترك والداها السرايا وعادوا للقاهرة، لم تخرج من تلك الغرفة سوى للمكوث قليلاً مع الجدة إنعام التي تحكي لها حكاية واحدة، هي حكاية زواجها من ذاك الفلاح الذي رآها على أحد شواطئ الإسكندرية وتزوجها وأنجبا فتاة واحدة، هي والدة ذاك الهمجي، ثم يعود عقلها يغيب مرة أخرى، حتى أنها تتناول الطعام بتلك الغرفة وحدها.
سئمت ذاك. لابد أن تعود لعملها بالوحدة مرة أخرى.
ذهبت إلى الحمام المرافق للغرفة وأخذت حمامًا دافئًا ثم خرجت. فتحت تلك العلبة الصغيرة ووضعت إحدى العلكات المنكهة بالقرنفل بفمها، وبدأت تمضغها وهي تمشط شعرها، ثم ذهبت إلى الدولاب وفتحته. لم يعجبها شيء من تلك الملابس الموضوعة بالدولاب. فذهبت إلى تلك الحقيبة التي اتصلت على صفاء وطلبت منها أن تأتي لها بها من السكن المرافق للوحدة. وبالفعل أتت بها. فتحت الحقيبة وأخرجت ملابس خاصة بها، وارتدت بلوزة من الحرير بنفسجية اللون، وبنطال جينز أسود، وارتدت معطفًا من اللون الرمادي فوقهم وخرجت من الغرفة واتجهت إلى بوابة السرايا.
وقفت أمام أحد الحراس وقالت له:
افتح البوابة.
تحدث الحارس باحترام:
متأسف يا دكتورة، عندي أوامر من رفعت بيه إني ما أفتح البوابة لحضرتك.
تعجبت زينب قائلة:
قصدك إيه؟ يعني أنا محبوسة هنا؟ لأ بقى كده كتير، بقولك افتح أحسن لك.
رد الحارس:
متأسف يا دكتورة، رفعت بيه لسه في السرايا. تقدري حضرتك تخليه يأمرنا نفتح البوابة، لكن من غير أمره متأسف.
تضايقت زينب بشدة قائلة بتوعد:
ماشي يا همجي، مفكر لما تأمرهم على البوابة ما يفتحوش البوابة ليا بكده هتفرض سيطرتك عليا؟ بس أنا هوريك، بس الصبر.
تحدثت زينب بضيق قائلة:
وفين رفعت ده دلوقتي.
رد الحارس:
معرفش يا دكتورة، اسألي الشغالين اللي جوه السرايا.
بالفعل دخلت زينب إلى داخل السرايا بضيق. قابلت إحدى الخادمات قالت لها بضيق:
فين زفت، قصدي فين رفعت؟
ردت الخادمة:
رفعت بيه في البيسين.
ردت زينب بضيق قائلة:
فين البيسين ده كمان؟ ما أنا حاسة إني زي اللي وقع في حصن معرفش أوله من آخره.
أشارت لها الخادمة عن مكان حمام السباحة.
ذهبت زينب للمكان ودخلت، رأت غرفة واسعة مغلقة بها مغطس كبير.
نظرت إلى المغطس، رأت رفعت يعوم على ظهره.
تبسم حين رآها، فهي تبدو بوضوح أنها غاضبة.
تحدث هو أولاً:
صباح الخير.
ردت زينب:
ليه مانع حرس البوابة إن يخرجني من هنا؟ عاوزة أروح الوحدة.
تبسم رفعت قائلاً:
عاوزة تروحي للوحدة بعد يومين من جوازنا؟ عاوزهم يقولوا عليا إيه في البلد؟
نظرت له قائلة:
يقولوا اللي يقولوه ميهمنيش. إنت عارف حقيقة جوازنا إنها كذبة بالغصب. اتصل على حارس البوابة خليه يفتح لي البوابة.
تبسم رفعت ماكرًا:
طب ممكن تناوليني الفوطة اللي على الشيزلونج اللي عندك ده.
ردت زينب بغيظ:
اطلع من المية خدها بنفسك.
تبسم رفعت قائلاً:
مش هينفع أطلع من المية، لأني مش لابس أي هدوم. عالعموم ممكن أطلع عادي.
نظرت له زينب بغيظ قائلة:
تمام هجيبهالك.
أخذت زينب المنشفة، واقتربت من المغطس. مدت يدها بالمنشفة قائلة:
اتفضل الفوطة أهي واطلع كلم الحيوان اللي على البوابة خليه يسيبني أخرج.
مد رفعت يده لكن لم يأخذ المنشفة. مسك معصم زينب وجذبها بقوته، ليختل توازنها وتسقط في مياه المغطس.
أخرجت زينب وجهها من الماء تستنشق الهواء، لدقيقة إلى أن قدرت على الحديث. ضربت المياه بيدها قائلة بعصبية:
همجي حقير! افرض مش بعرف أعوم وغرقت.
تبسم رفعت وهو يقترب منها قائلاً:
كنت هنقذك طبعاً.
نظرت له زينب بعصبية قائلة:
بطل طريقتك الهمجية دي معايا، بقولك، عاوزة أخرج من هنا اتخنقت.
تبسم رفعت وهو يقترب من زينب أكثر قائلاً بوقاحة:
بقى يا زوزي في عروسة كانت دخلتها من يومين، وعاوزاها تخرج تروح الوحدة تشتغل قدام الناس؟ يقولوا عليا إيه، مش قايم بالواجب مع مراتي.
نظرت زينب له قائلة:
بطل وقاحتك دي بقولك، وخليهم يسيبوني أخرج من هنا، بدل ما أنط من على السور.
ضحك رفعت وأصبح لا يفصله عن زينب شيء. اقترب من أذنها هامسًا:
قرنفل.
تعجبت زينب قائلة:
إيه قرنفل ده!
نظر رفعت لشفاه زينب قائلاً:
طعم شفايفك قرنفل. قال هذا وجذبها من رأسها يُقبّل شفاها.
تفاجأت زينب بذلك في البداية، ولكن ما هي إلا ثوانٍ، قامت بدفع رفعت ليبتعد عن شفتاها.
استنشقت الهواء قائلة:
همجي بأي حق بتبوسني؟ آخر مرة هسمحلك تقرب مني، بعد كده هيكون ليا رد تاني.
تبسم رفعت يقول:
ويا ترى إيه هو الرد التاني ده؟ عاوز أعرفه ودلوقتي.
قال رفعت هذا وجذبها مرة أخرى سريعًا وعاود تقبيلها، ومسك يديها التي تحاول إبعاده عنها، ثم ترك إحدى يديها وجذبها من خصرها وقربها بشدة منه، ولم يكتفِ بهذا، بل مد يده أزاح ذاك الحجاب من على رأسها وأسدل شعرها خلف ظهرها، ثم ترك يدها الأخرى، وبدأ في فتح أزرار كنزتها.
بينما زينب كأن قبلاته خدرتها لدقائق، لم تفق سوى على صوت من خلف ظهر رفعت الذي بمجرد أن سمع صوت رامي، وقف ثابتًا بجسده يُخفي جسد زينب أمامه.
بينما شعر رامي بالحرج، وقال:
آسف، مكنتش أعرف إن زينب معاك هنا. أنا كنت جاي أقولك إن عمتي مُهرة هنا في السرايا.
أشار رفعت بأصابعه لرامي دون تحدث لينصرف. رامي سريعًا.
بينما زينب تشعر بالغضب، كيف سمحت لذاك الهمجي أن يتعامل معها بتلك الطريقة الحميمية، فقامت بضربه بيدها في منتصف بطنه قائلة:
ابعد عني يا همجي، وبعد كده متقربش مني خالص، واوعى من وشي خليني أطلع من المية، كفاية قلة أدب.
تبسم رفعت وابتعد قليلاً وترك زينب التي خرجت من الماء ثم خرج خلفها، يقول بوقاحة:
عاوزة توصليلي إن بوستي ليكي مكنتش عجباكي، وإنك تتمني بوسة تانية.
استدارت زينب له وكادت تصفعه، لكن رفعت مسك معصمها بقوة قائلاً بحِدة قليلاً:
قولتلك قبل كده مفيش إيد تتمد على رفعت الزهار، وإن كنت سامحت مرة مش هسامح تاني، مفهوم.
ردت زينب قائلة:
مش مفهوم، وسيب إيدي وخلي الحرس يفتحولي البوابة.
رد رفعت، وهو يجذبها للسير معه قائلاً:
هنا أوامري أنا بس اللي بتتنفذ، ومافيش خروج من السرايا غير بعد أسبوع.
شهقت زينب قائلة بتحدي:
ده في أحلامك، أنا محدش يقدر يتحكم فيا.
رد رفعت:
أنا أقدر أتحكم في كل شيء يخصك، ناسيه إني جوزك، وكلك ملكي.
ردت زينب بتهكم:
إنت صدقت اللعبة ولا إيه؟ إنت لو آخر راجل في الدنيا مستحيل أكون مراته حقيقي. خلينا ننهي اللعبة دي ونخلص.
قهقه رفعت بسخرية:
مين اللي قالك إن جوازنا لعبة؟ جوازنا حقيقة، وأوعدك في أقرب وقت أجيبك تحتي، وآخد حقي الشرعي وبمزاجك.
قهقهت زينب بسخرية قائلة:
ابقى اتغطى كويس، وسيب إيدي.
تبسم رفعت بتوعد دون رد على سخريتها، لكن قال:
تعالي معايا من هنا في سلم بيطلع على الدور الثاني للسرايا، وبلاش تطلعي من الباب ده علشان محدش يشوفك وهدومك لازقة في جسمك بالشكل ده ومحددة معالم الأنوثة لعقل خالي من الأنوثة.
نظرت له زينب بسحق على فظاظته وسارت معه، وصعدوا إلى الدور الثاني عبر ذاك السلم.
دخلت زينب إلى الغرفة التي تمكث بها، وقفت بعصبية تنزع تلك الملابس عن جسدها، وتلقيها أرضًا، تود الفتك بذلك الهمجي الذي يفرض تحكماته ووقاحته عليها. اقتربت من المرآة، ونظرت إلى شفاها، وضعت ظهر كف يدها تمسحها بقوة قائلة:
همجي حقير.
لكن أتى صوت من خلف باب الغرفة قائلاً:
زينب، إن كنتِ غيرتي هدومك خلينا ننزل.
تعجبت زينب قائلة:
لحق يلبس هدومه ده إمتى؟ ردت زينب بحِدة: مش نازلة، انزل لوحدك.
تحدث رفعت قائلاً:
إخلصي يا زينب وخلينا ننزل نستقبل عمتي، هي جاية تصبح علينا.
ردت زينب بحِدة أقوى:
قولتلك مش نازلة، غور لوحدك.
فتح رفعت الباب فجأة قائلاً:
قولت......
توقف رفعت عن الحديث ونظر إلى زينب الواقفة أمامه شبه عارية يستر جسدها فقط بعض ملابسها الداخلية.
سرعان ما جرت زينب وشدت غطاء الفراش ولفته على جسدها، يسترها من رأسها إلى أخمص أصابع قدميها، وقالت بغضب:
إيه دخلك لاوضتي بدون استئذان؟ اتفضل اطلع بره، هلبس هدومي وأحصلك.
رد رفعت بهدوء عكسي:
تمام أنا هستناكي قدام الباب، بس ياريت تلبسي هدوم شيك، بلاش لبس البوابين بتاعك ده. عنده ستاند كامل في الدولاب فيه هدوم شيك وعصرية ومريحة.
فتحت زينب شفاها بسخرية.
تبسم رفعت وخرج من الغرفة، وأغلق خلفه الباب. وقف على جانب الباب، وضم جسده للحائط يتنهد، وأغمض عينيه بطوق، لا يعرف لماذا تبرجل ليس عقله، فقط حين رأى زينب شبه عارية، كم ود أن يجذبها ويقبل كل إنش بجسدها يدمغه ببصمات يديه وشفاه. لكن فتح عينيه على صوت زينب التي قالت:
خلينا ننزل نستقبل ضيفتك، وبعدها ليا تصرف تاني على همجيتك.
تبسم رفعت وهو يرى زينب فعلت عكس ما قال، هي ارتدت ملابس من ملابسها القديمة، لكن لا يهم.
بعد دقيقة، دخل رفعت إلى غرفة الصالون يقول:
عمتي مُهرة الجميلة.
تبسمت له مُهرة وهو ينحني يُقبل يدها قائلة:
بطل حركاتك دي، لا الجميلة اللي وراك تزعل منك.
تبسم رفعت يقول:
لأ اطمني زوزي عارفة إنك أختي الكبيرة.
تبسمت مُهرة قائلة:
أنا جايه أصبح على زوزي الجميلة، مرات ابن أخويا، وكمان أقولها لو زعلتها تقول لي، وشوف أنا هعمل فيك إيه وقتها، أقل ما فيها هزعل منك.
تبسم رفعت قائلاً:
مقدرش على زعل عمتي مُهرة.
بينما زينب تعجبت من حديث رفعت الراقي مع عمته، بينما هو معها منذ أول لقاء أظهر همجيته.
جلس ثلاثتهم يتحدثون معًا لمدة، إلى أن دخل رامي قائلاً:
أنا جاهز يا عمتي، يلا علشان نزور مروة بالوحدة.
نهضت مُهرة وهي تنظر لزينب قائلة:
أنا ارتحت للحديث معاكي جدًا، وبتمنى لقائنا ده يتكرر، هستنى تشرفيني في بيتي.
قبل أن ترد زينب رد رفعت بحسم:
لأ، تقدري تقابلي زينب في أي مكان ما عدا بيت هاشم الزهار.
شعرت مُهرة ببعض السوء وقالت:
تمام، أنا أخدت رقم زينب وبعد كده هأتفق معاها نتقابل. يلا سلام عليكم، كمان زيارة العرسان لازم تكون خفيفة، ربنا يهنيكم ويرزقكم الذرية الصالحة.
تبسم رفعت، بينما سخرت زينب بين نفسها، لكن تعجبت لما قال رفعت هذا ولما لم تعقب مُهرة على ذاك، ما السر بينه وبين هاشم الزهار.
غادرت مُهرة، بينما نظرت زينب لرفعت الذي قال:
أنا رايح استطبل الخيل، لو تحبي تيجي معايا تتفرجي عالخيل.
ردت زينب:
مع إني عمري ما ركبت خيل غير مرة واحدة، بس ما عنديش مانع أه، على الأقل أتنفس هوا بعيد عن الحصن ده.
بعد قليل بالوحدة الصحية.
دخل رامي ومعه مُهرة التي قالت:
أنا عارفة إني اتأخرت في الزيارة، معلش.
تبسمت فادية قائلة:
لأ أبداً، شرفتينا وكفاية سؤالك كل يوم بالتليفون.
تبسمت مُهرة قائلة:
لأ ده أقل من الواجب، مروة تبقي خطيبة رامي، ورامي زي وسيم ابن أختي. بتمنى ربنا يشفيها بسرعة يارب.
تبسمت فادية لها، وآمنت على دعائها.
بينما رامي، كانت عيناه تنظر لمروة بنظرات عشق مغلفة بقسوة زائفة، يتوجع قلبه من رؤيتها ترقد بهذا الشكل في الفراش.
بينما بأحد أروقة الوحدة
كانت تسير ليلى مع ذاك الكهل تتدلل عليه قائلة:
كنت فين يا خالو الأيام اللي فاتت؟ ليه مشيت وسيبت الزهار؟ يعني لو ماكنتش قولتلك من وراء ماما على اللي حصل لمروة مكنتش رجعت تاني.
تبسم لها قائلاً:
لأ كنت راجع، كان عندي شوية أعمال مهمة خلصتها وخلاص قررت هفضل هنا في الزهار جنبكم وجنب أختي فادية.
تبسمت ليلى قائلة:
وأنا أوعدك يا خالو، كل يوم هاجيلك البيت أنضفه وأطبخلك بس بلاش تبعد عن هنا من تاني، أحنا لو ماكنش التليفون مكوناش هنعرف إن عندنا خال عايش في الغربة من سنين.
تبسم لها قائلاً:
فادية أختي طول عمرها هي اللي كانت بتمد وتوصل بيني وبينها، بس كفاية بعد بينا بقى.
تبسمت ليلى قائلة:
ماما هتنبط لما تشوفك وكمان هتنبط أكتر لما تعرف إنك نويت خلاص تفضل وتعيش معانا هنا في الزهار.
خلاص وصلنا لأوضة مروة.
طرقت ليلى الباب ودخلت إلى الغرفة، ثم دخل خلفها خالها، الذي ألقى السلام.
لكن وقفت مُهرة تقول بذهول:
نعمان!
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور أربع أيام.
صباحاً، بأستطبل الخيول لرفعت الزهار
كان رفعت بالمضمار الموجود بالمزرعه، يمتطى جوادهُ،الذى يقفر فوق الحواجز تبسم وهو يرى زينب تأتي من قريب، بإتجاههُ، وجهها يبدوا عليه التجُهم بوضوح، فهى فعلت ككل يوم، تذهب الى بوابة المزرعه، تطلب من الحرس الخروج، وهم يرفضوا، ذالك بناءً على أوامرهُ لهم، الآن ستخرج بعض العصبيه ككل يوم ستهدأ بعدها قليلاً
بينما هى عيناها نيران لو طلقت ألسنتها لحرقت ذالك الهمجى، وما تركته الأ رمادً
أصبحت قريبه للغايه منه، نظرت له هو يقفز بالجواد من فوق بعض الحواجز المعدنيه، لا تنكر إعجابها بمهارته بالفقز بالجواد، فهو بالتأكيد متمكن من ذالك، لديه قلب شُجاع.
لامت نفسها قائله: أنتى جايه تهزأيه ولا جايه تُعجبى بيه،قلب شجاع قال،ده واحد همجى مُتسلط،معرفش ليه ربنا سلطهُ عليا،أكيد ده دُعا الواد مجد عليا،علشان بفترى عليه،وبقلبه فى فلوس ومش برجعهم تانى،وهو بيدعى عليا وقلبه محروق على فلوسه،ماشى يا مجد الكلب،لما أشوفك،هقولك متدعيش عليا تانى،شكله مكشوف عنه الحجاب.
أثناء هيامها بالنظر الى رفعت لم تلاحظ إقترابهُ منها، فوجئت به يقف بالجواد أمامها حتى أنه كاد أن يصتطدم بها، لولا تجنبت منه قليلاً و وقعت بظهرها على أكوام القش بعيداً عن منطقة سيره بالجواد
لا يعرف لما إنخض أن يكون أصابها مكروه أوقف الجواد ونزل من عليه سريعاً، وتركه وذهب الى مكان وقوع زينب،
لكن تبسم وهو يراها تنهض، تنفض بقايا القش عن ملابسها وبدأت بوصلة السب، قائله:
هتفضل همجى، المره اللى فاتت رِجلى إنكسرت بسببك، وقولت ظهرت قدام الحصان فجأه إتبرجل المره دى هتقول أيه كمان؟
تبسم وهو يقترب منها قائلاً: لأ المره دى كنت قاصدها، وكمان الشمس زغللت عين الحصان.
نظرت له بغيظ قائله: البجم بتاعك اللى عالبوابه مرضاش يفتحلى البوابه هفضل محبوسه هنا لحد إمتى.
تبسم رفعت قائلاً: فى عروسه جديده بتخرج من بيتها قبل ما يخلص شهر العسل وتربعن كمان.
شهقت زينب قائله: شهر أيه، وأربعن ايه، إنت بتحلم انا مكملتش أسبوع وزهقت وطهقت وعاوزه أخرج من الحِصن ده انا حاسه انى زى ما أكون فى الجيش و داخل دوشمه حربيه ممنوع أخرج منها غير بأذن من القائد.
ضحك رفعت على تشبيهها للسرايا قائلاً من بين ضحكاته: فعلاً لو فتحوا الجيش للبنات هتكونى أول المتطوعات.
سخرت منه قائله: سخيف وهمجى، أنا عاوزه أخرج خلاص جبت آخرى من الحبسه دى .
تبسم رفعت دون رد
لكن آتى الجواد عليه مره أخرى مُسرعاً تقدم خطوه للأمام بأتجاه وقوف زينب حتى لا يحف الجواد به،بتلقائيه عادت زينب للخلف تلك الخطوه،لكن لسوء الحظ إختل توازها،مدت يدها تُمسك يد رفعت،علها لا تسقط مره أخرى،لكن عدم إنتباه رفعت جعله هو الآخر يختل توازنهُ،ووقع بثُقل جسده عليها،لتقع مره أخرى فوق كومة القش،لكن هذه المره كان رفعت يجثو فوقها، أغمضت عينيها وشعرت بألم طفيف بظهرها،حين وقع رفعت فوقها،تألمت بخفوت،بينما رفعت،رفع ثُقل جسده عنها قليلاً،
فتحت عينيها وتلاقت عينيها مع عيني، رفعت الذى لا يعرف سبب لذالك الشعور الذى يُسيطر عليه حين يكون قريب منها، يود الالتحام معها، ليست شهوه، فهو رغم علاقاته النسائيه، ليس شهوانى،كان يستطيع التحكم بنفسه أمام إغراء الآخريات، وهى ليست شهوه،يحب مشاغابتها وعنادها ، ذالك ما يُخبره به عقلهُ، ماذا تعنى له منذ أن رأها ذالك اليوم، يوم ان كاد يدهسها أسفل أقدام جواده، رغم أنها سبتهُ، ما بها دون عن غيرها، تجعله يتنحى عن سبها له بل ويتقبله مبتسماً، لما أصبحت تغزو تفكيرهُ، لما يريد الآن أن يُقبل تلك الشفاه التى ترتجف أمامه، رفع إحدى يديه ومرر سبابته على وجنتيها ثم شفاه وهمس بشعور لا يعرفه:
إنتِ ليه دخلتى لحياتى،ليه القدر وقعك قدامى.
قال هذا وكاد يُقبلها لولا أن قاطعه رنين ذالك الهاتف المُزعج.
بينما هى حين سقط بجسدهُ فوق جسدها، رغم انها شعرت بألم من ثُقل جسده، لكن شعرت بتذبذب بعقلها وبدل من أن تدفعه لينهض من فوقها صمتت، وكلماتهُ برجلت عقلها لولا صوت رنين هاتفها أعاد لها عقلها، نظرت له بحِده، وقبل أن تلذعهُ بلسانها نهض عنها واقفاً يقول: مين اللى بيتصل عليكى عالصبح كده.
إبتلعت ريقها ونهضت تخرج الهاتف من جيب معطفها الأسود قائله:وإنت مالك مين اللى بيتصل عليا.
كان رفعت سيرد على حِدتها لكن، راى مجئ أخيه عليه، صمت بينما هى نظرت لشاشة هاتفها، وعبس وجهها، فكرت الا ترد، لكن عاد رفعت قوله:
مين اللى بيتصل عليكى، سايباه يرن ليه مش بتردى عليه.
نظرت له ثم إبتعدت بضع خطوات منه، وردت على هاتفها بجفاء، لولا وجود رفعت لم تكن لترد على من يتصل عليها:
ألو أيوا يا سميح صباح الخير.
تبسم سميح قائلاً:صباح النور،إزيك يا زينب من زمان متكلمناش ولا جيتى للفيوم.
تنهدت زينب قائله:مشاغل،خير متصل عليا ليه،عالصبح كده،وجبت رقمى موبايلى منين.
تنهد سميح بعشق قائلاً:جبت رقمك من العامل اللى بينضف بيت مرات عمى الله يرحمها من فتره للتانيه.
ردت زينب: وخير أيه سبب إتصالك بيا؟
ردت سميح: الموضوع مش شخصى و مينفعش نتكلم فيه عالموبايل، ممكن أجى للقاهره نتكلم فيه باستفاضه.
ردت زينب: بس للأسف انا إتنقلت من القاهره ومنتدبه فى الشرقيه، ومعرفش هنزل للقاهره إمتى، قول الموضوع اللى عاوزنى فيه عالموبايل.
تبسم سميح: قولت مش هينفع عالموبايل، انا ممكن أجيلك الشرقيه، ونتكلم فى الموضوع ده، براحتنا، أنا عندى أجازات كتير مكنتش أخدتها مش هيجرى حاجه لو أخدت اجازه يومين وجيت لحد عندك نتكلم وش لوش، لو مكنش يضايقك.
ردت زينب: أيه اللى يضايقنى، قولت أنه موضوع مهم، طالما مش شخصى خلاص أوكيه براحتك.
تنهد سميح: تمام فى أقرب وقت هكون عندك فى الشرقيه نتكلم فى الموضوع ده، وكمان يمكن يكون بدايه لعودة صداقتنا القديمه.
ردت زينب: تمام لما تحدد الوقت إبقى إتصل عليا قبلها، سلام.
رغم أن زينب كانت تتحدث معه بدبلوماسيه، لكن بداخله أمل أن يُصلح ما أفسدهُ بالماضى، يُمنى نفسه، بعودتها إليه.
بينما زينب أغلقت الهاتف، ولم يُشغل بالها الأمر الذى يريدهُ سميح، هى عقلها منشغل، بهمس هذان الاخوين لبعضهما، إقتربت منهم مره أخرى، لكن، أنهى رفعت قوله لأخيه: تمام عالمغرب هكون عندك.
تبسم رامى ونظر ل زينب قائلاً: صباح الخير يا زينب، شايفك بقيتى بتحبى تتمشى كتير فى المزرعه.
رسمت زينب بسمه قائله:المشى رياضه،وبشغل وقتى،بينما هى الحقيقه بداخلها تتمشى بالمزرعه بحثاً عن نقطة ضعف بالمزرعه علها تستطيع إستغلالها وتخرج من هذا الحِصن كما تطلق عليه،لم تجد نقطة ضعف بالمكان،سوى بوابه حديديه صغيره بين الأسوار بالكاد يستطيع فرد واحد الدخول والخروج منها كما أن أسفلها ماسورة ضخمه يدخل منها مياه تصب بمجرى مائى صغير بالمكان تُغذى المزرعه بالماء الأزم لها .
تبسم رامى وقال بأستئذان: هستأذن أنا، سلامُ عليكم.
رد الاثنان عليه السلام.
نظر رفعت لزينب قائلاً: مين اللى كان بيكلمك عالموبايل؟
ردت زينب: وإنت مالك باللى يكلمني، شئ ميخصكش.
مسك رفعت زينب من عضدها بقوه قائلاً: بقولك مين اللى كان بيكلمك تردى مش تقوليلى ميخصكش.
نفضت زينب يد رفعت عنها قائله بحِده:
فعلاً ميخصكش انا كنت بكلم مين،وسيب إيدى ومش مسموح لك تكلمنى بالطريقه دى تانى.
ردت رفعت بعصبيه: ومسموحلى بأى طريقه اكلمك ناسيه إنك مراتى، بقولك مين اللى كان بيكلمك ردى؟
ردت زينب: إنت صدقت الكدبه ولا أيه؟
اطلق رفعت ضحكة إستهزاء قائلاً:هو فى جواز بيبقى لعبه،جواز آمر واقع يا دكتوره وعاجلاً او آجلا هيتم كل الآركان،متفكريش إنى سايبك تنامى فى أوضه لوحدك علشان خايف منك،ومن شراستك،أنا سايبك لحد ما تجى إنتى لوحدك لحد أوضتى،ووقتها هتتأكدى إن جوازنا مش لعبه،دلوقتي قوليلى مين اللى كان بيتصل عليكى،بدل ما أمنع خروجك من هنا من السرايا وأظن لسه جايه من شويه من عند البوابه والحرس مرضاش يفتحلك البوابه،كل شئ يُخصك هنا بيتم بس بأمرى،يعنى بلاش تناطحى معايا.
تحدثت زينب ساخره:أناطح معاك،قصدك ايه إنى محبوسه هنا،أنا بتلفون منى أجيبلك البوليس قلب المزرعه وأطلع منها قدام عنيك غصب عنك.
تبسم رفعت ساخراً وخطف من يدها الهاتف قائلاً:موهومه يا دكتوره،وأنا هعرف مين اللى كان بيتصل عليكى عن إذنك ممكن أفتح موبايلك.
لم يتنظر رفعت رد زينب وفتح الهاتف،وآتى بأخر إتصال عليها،ورأى إسم سميح تملكت منه غيره،حاول السيطره عليها وقال بسؤال:
مين سميح ده وكان عاوز منك أيه.
صمتت زينب بغيظ منه.
بينما عاود رفعت الحديث بحِده: بقولك مين سميح ده.
ردت زينب بأغاظه:سميح كان خطيبى وكنا بنحب بعض قبل ما أجى لهنا.
.....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالوحده الصحيه بعد وقت قليل.
فتح رامى باب الغرفه الموجود بها مروه ودخل،لحُسن حظه أن هذا الوقت هى وحدها بالغرفه أو ربما هذا ترتيب منه ،،فأختيها كل منهن ذهبت الى دراستها ووالداتها ذهبت للمنزل لقضاء بعض الأشغال،وستعود بعد وقت،ووالداها بعمله بالمزرعه.
حين رأته مروه إعتدلت قليلاً بالفراش، ونظرت لعيناه التى كانت سابقاً تنضخ لها بعشق، الآن تبدوا بوضوح عيناه حانقه وبها توعد.
تبسم رامى بزهو وهو يرى تلك النظرة بعين مروه،نظرة سؤال وخوف،لا تعرف سببه لكن ها هو يجيب على سؤال عيناها:
طبعاً هتقولى أيه اللى جابنى فى الوقت ده،أقولك،أنا كنت جاى لنائب مدير الوحده،علشان يخلصلى الكشف الطبى اللى بيتعمل قبل كتب الكتاب،أصل النهارده كتب كتابى.
إرتجف قلب مروه وأهتز جسدها بالكامل،ماذا يقول،كتب كتابه!
هل سيتزوج بأخرى غيرها!
أغمضت عينيها فرت دمعه هاربه لا تعرف لها سبب.
رأى رامى تلك الدمعه التى فرت من عين مروه،للحظه شفق قلبهُ عليها،لكن تذكر أنها
حاولت الإنتحار حتى لا تتزوج به.
حاولت مروه التحكم فى صوتها،وخرج خافتاً:مبروك.
رسم رامى بسمة أستفزاز قائلاً:مبروك لينا إحنا الاتنين،ما هو إنت العروسه،اللى هيتكتب كتابها النهارده قبل ما يخلص النهار هتكونى على ذمتى،يعنى محاولتك للانتحار علشان تتخلصى منى،بدل ما تبعدنى عنك قربتك أكتر منى،أنا عارف إنك مفكره إن حبى ليكى كان نزوه وزهوه هيضيعوا مع الوقت،فعلاً حبى ليكى كان زهوه بس لسه مخلصتش،ولا إنتهت،هتنتهى لما أوصل للى عاوزه منك.
ردت مروه بخفوت:وأيه اللى عاوزه منى،أنا معنديش حاجه أديهالك.
إقترب رامى من الفراش وقال:لأ عندك قلبك،قلبك ده ملكى وكلك هتبقى ملكى،وهو شوية وقت وهزهق وها مل منهم ووقتها متخافيش هتطلعى بقرشين حلوين،يطمعوا أى راجل تانى فيكى،زى المدرس اللى كنت عاوزه تتجوزيه.
دمعه أخرى إنسابت من عين مروه وقالت:أنا مش فاكره إنى كنت هنتحر،وحتى لو كنت هنتحر،ده سبب،يخليك تبعد عنى متقربش منى وتسيبنى فى حالى.
تبسم بسخريه يشعر بغصه بقلبه من دمعتها قائلاً:مش رامى الزهار اللى يسيب حاجه نفسه فيها قبل ما يدوقها،آخر كلام عندى النهارده كتب كتابنا،والفرح لما تبقى تخف كل الكسور اللى لسه فى جسمك،اعتقد إيدك اليمين سليمه هو كان حرج صغير فيها،تعرفى تمسكى قلم وتمضى عالقسيمه.
ردت مروه قائله:وإن رفضت كلامك ده.
تبسم رامى يقول:وقتها هسجن باباكى،بالخاتم اللى كان معاكى ومعرفش إزاى وصلك،ومش بعيد أتهمه كمان أنه كان عاوز يسرق السرايا بس الآمن تعامل معاه وشوفى وقتها سمعته وسمعة أخواتك هتكون شكلها ايه فى البلد،انا بقول إمضى مش هتخسرك كتير،بالعكس دى ممكن تنفعك إنتى وأخواتك،شوفى لما ينتشر فى البلد أن رامى الزهار إتنازل وإتجوز بنت عامل عنده،بنات البلد كلها هتحسدك.
شعرت مروه بالمهانه من حديث رامى المُتعسف،وقالت:هوافق على كتب الكتاب يا رامى،بس ده مش هيغير من مشاعرى ليك حاجه،هتفضل فى نفس المكانه عندى،صديق طفوله مش أكتر.
رد رامى: إنسى ذكريات الطفوله، إنتهت عندى ما يوم ما طلعت من الحريق وبقيت مسخ مشوه، زى ما بتقولى، اللى قدامك، رامى رضوان الزهار، اللى طلع من الحريق بعد ما حرق قلبهُ البرئ،كنتى إنتى الحاجه الوحيدة الحلوه اللى فضلتلى من الماضى، بس طلعت علقم شربته وانا اللى كنت مفكر أن بعد السنين ده كلها هنسى معاكى طعم المر، جيتى أنتى وزودتى العلقم فى حلقى، خلينا نعيشه سوا شويه.
.... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل هاشم الزهار.
على طاولة الإفطار.
تحدث وسيم وهو ينظر الى هاشم قائلاً: نفسى اعرف كانت فين رحمة قلبك وإنت بتجلد الجواد، بلاش رحمة قلبك كان فين عقلك، الجواد ده من سُلاله قويه واللى عملته فيه أكيد هيسيب أثر فيه ومستحيل يرجع بنفس القوه القديمه تانى، نفسى أعرف سبب لضربك له.
رد هاشم وهو يرفع يدهُ أمام وسيم، مش شايف صوابع أيدى كلها متجبسه قولتلك هو دهس أيدى وإتعصبت عليه.
سخر وسيم قائلاً: إتعصبت عليه علشان دهس إيدك وضربته الضرب ده وأنت مش حاسس بوجع إيدك، غريبه والله عالعموم أنا بحذرك بعد كده ممنوع تأذى أى جواد أو مُهره فى الاستطبل وبعد كده أنا المسئول صحة الخيل بالاستطبل.
سَخر هاشم قائلاً:
وده من امتى ومين اللى عطاك المسؤليه دى؟
ردت مهره التى دخلت عليهم قائله:أنا،بصفتى بملُك تلت المزرعه ووسيم التلت التانى،بكده هو المسئول الاول عن المزرعه،يا هاشم.
صُعق هاشم،قول مُهره معناه ان يتنفى هاشم عن إدارة المزرعه ويبقى بيده فقط ثلث المزرعه،نهض هاشم بغضب قائلاً:
متفكرش اللى درسته بالكتب والطب البيطرى هيعطوك قدره جباره فى إدارة المزرعه والخيل،الخبره أهم من الدراسه،يا دكتور،أنا عندى خبره أكتر من خمسين سنه قضيتها بين الخيول،متفكرش إنى فاشل زى المرحوم والدك وهقع من على حصانى يقتلنى،قبل الحصان ما يقتلنى هكون ضربه ولا انا زى خيل الحكومه لما بتعحز وتستنى
رصاصة الرحمه،أنا اللى هضرب رصاصة الرحمه.
قال هاشم هذا وترك الغرفه.
جلست مُهره تشعر بسوء لا تعرف سببه،بينمل وسيم بدأ يترسب له يقين والده لم يقتلهُ جوادهُ بأرادته.
......ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل المغرب بحوالى ساعه ونصف
بسرايا الزهار
كادت زينب أن تتصادم مع رامى،وهى تحمل كوباً من القهوه،لكن هو تفادها،
تحدثت زينب قائله:آسفه مأخدتش بالى.
تبسم رفعت قائلاً من خلفه:فال حلو مش بيقولوا دلق القهوه خير،يبقى كتب الكتاب هيتم بخير.
نظرت له زينب قائله بأستفسار:
كتب كتاب مين.
رد رفعت:كتب كتاب مروه ورامى،إحنا رايحين الوحده دلوقتي نكتبه حتى المأذون إتصل عليا وقال إنه وصل للوحده.
تعحبت زينب قائله:مروه دى البنت اللى بسببها إتجوزتنى،بس إزاى هينكتب كتابها دى أكيد لسه حالتها متسمحش.
رد رفعت:وليه متسمحش عادى جداً شوية كسور،إنما عقلها بخير،وبعدين رامى جاب الشهادات الطبيه وخلاص كده مش فاضل غير كتب الكتاب.
ردت زينب:ومنين جبت الشهادات الطبيه يا سيد رامى؟
رد رامى:من وحدة بلدنا،يا دكتوره.
ردت زينب:وإزاى أخدت الشهادات دى المفروض أنى امضى عليها.
رد رامى:قولت أريح مرات أخويا وهى فى شهر العسل مش معقول أتعبها،واقطع عليها العسل هى وأخويا وأتصرفت،طارق موحود بالانابه عنك يا دكتوره،متأسف مش هقدر أفضل اكتر من كده مش يلا يا رفعت زمان وسيم سبقنا على الوحده.
تبسم رفعت وهو يسير جوار رامى مروراً جوار زينب التى يشت عقلها،رمت كوب القهوه بقوه بالحائط قائله:واضح إن كل ولاد الزهار،أغبيه ومتخلفين وهمجيين،وعايشين بغصب غيرهم على معاشرتهم،بس مش هفضل محبوسه هنا كتير،لو وصلت هقتلك يا رفعت.
... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما بعد قليل
بالوحده الصحيه
كانت غرفة مروه يوجد بها
كل من أختيها ووالديها وخالها نُعمان
لكن فُتح الباب، لتدخل تلك المُهره التى مازالت تحتفظ ببهائها القديم، ومعها وسيم
الذى تبسم قائلاً:
رامى إتصل عليا وهو على وصول هو ورفعت، ومعاهم المأذون، ألف مبروك، أنا وسيم الشامى إبن عمة رامى ورفعت ومُهره تبقى خالتى.
قال هذا وهو ينظر لليلى، التى تبسمت له،كأنه يقصد إخبارها بذالك مره أخرى، بعد أن قالت له أنها ظنت انه يعمل لديهم، يود إخبارها أنه قريب منهم للغايه.
تبسمت لهم فاديه قائله: أهلا بيك يا أبنى، إتفصل إقعد الكراسى فى الاوضه كتير، حتى الاوضه دى من يوم ما دخلتها مروه محدش تانى دخلها معانا.
تبسم وسيم وشد مقعد لمُهره جلست عليه
لكن قبل أن يقع نظر نُعمان على مُهره
وقع نظره على ليلى التى كانت تختلس النظر، لذالك الشاب والذى هو إسم على مسمى، وسيم، تبسم بغصه
كآن الماضى يُعيد نفسهُ بالحاضر
قديما هو كان يختلس النظر الى مُهره، لكن هنالك فرق كبير، بين وسيم ومُهره
وسيم يبدوا أحمق، عيناه تفضحه، هو يكن إحساس ل ليلى، لكن ربما يُفسرهُ على أنه مجرد إعجاب، لكن من السهل أن يتحول الإعجاب الى عشق يغزو قلبهُ، كما حدث بالماضى، بينه وبين مُهره التى كانت هى أول من أعترفت بعشقها للبستانى، الذى كان يزرع زهرة النُعمان التى لا تُزهر سوى بالربيع، وتتفتح زهرتها نهاراً فقط وتغلق ليلاً، وهذا ما حدث ووأد عشق كاد أن يتحدى الأعراف، بمجرد أن تفتح العشق آتى الليل لتُغلق زهرة النُعمان أوراقها وتسير بظلام ولا ترى النور مره أخرى، لتظهر حقيقه واحده
كيف ل مُهره جميله أن تعشق بستانى يداه ملوثه بطين الأرض التى تدهس عليه بقدميها ليقتنصها ذئب فاجر .
عاد بنظرهُ الى معشوقته القديمه والوحيده التى نبض قلبه بها،مازالت تلك الجميله صاحبة التاسعة عشر عامً،بل إزادات جمالاً وفتنه،لكن أصبحت بعيده،وعيونها إنطفئ شموخها القديم،الزمن سرق منهما الشباب،هو أصبح كهلاً،لم يشعر بشبابه الذى دفنه وهو بالغُربه يبحث عن النسيان،وحتى هى ليست أقل منه،لامت نفسها هى حاولت أن تعتذر لرامى عن المجئ، لكن هو اصر عليها،وقال انها بمقام والداته،لكن هى حاولت من أجل الأ ترى نُعمان،ويعود الماضى التى إعتقدت ان الزمن انساه لها،لكن هنالك ذكريات يحتفظ بها العقل من الصعب،الصعب جداً نسيانها،هى ليست محفوره بالذاكره فقط هى بالقلوب وشم صعب محوه بغير النيران.
بعد دقائق.
دخل رامى وخلفه المأذون ثم دخل رفعت خلفهم.
حاولت مروه ان تتلاشى النظر لرامى،وهو كان يتعمد النظر لها،ولفت إنتباهها،لكن تعمدها عدم إلتقاء عينيها بعيناه، يُدخل لقلبه يقين مروه لا تكن له مشاعر عشق، هى تمتثل فقط لتهديده، لكن لا يهُمه الآن مشاعرها، فهو الآخر مروض خيول، وقادر أن يجعل أسرش الخيول تستجيب له، وتخضع له.
فتح المأذون دفتره مُسمياً بأسم الله، ثم قال
ياريت العريس ووكيل العروسه يجوا هنا جانبى.
نهض رامى وجلس على يمين المأذون، بينما قال المأذون: من وكيل العروس.
ردت مروه سريعاً: وكيلى هو خالى نُعمان.
رغم ان صفوان لم يكن يوماً والداً بالمعنى الحقيقى لبناته، لكن شعر بغصة كبيره بقلبة إبنته أختارت رجُل لم تقابلهُ بحياتها، سوى من أيام، حتى إن كانت على تواصل معه على الهاتف، يظل هو أحق بوكالتها منه.
بينما وصلت رسالة مروه لرامى، لا تعتقد أنى بلا ظهر فكما يقولون الخال والد، والفرق واضح أمامه بين الأثتين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليلاً
شعرت زينب بالضجر من غرفتها ذالك الهمجى، يُعطى اوامر للحرس الا تخرج من السرايا، إنتهت قدرتها على تحمل هذا السجن، تذكرت سخريته وهو يُخبرها، انه فاز بالتحدى، وبالنهايه عقد أخيه قرانه على تلك الفتاه التى تسببت فى زواجه منه، ذالك الهمجى يكسب كل تحدى أمامها، لكن لا سينتهى ذالك والآن، حتى لو قتلته.
دخلت الى غرفة الحمام الحمام وفتحت حقيبة الإسعاف، وبحثت بين محتواياتها، عن ضالتها وها هى وجدتها ذالك المشرط الطبى، لو طالت ستذبحه وتخرج من ذالك الحِصن على جثتهُ
وبالفعل أخفت ذالك المشرط بكم ملابسها وخرجت من غرفتها.
تسللت الى غرفته خلثه
لم تُشعل الضوء
أقتربت من فراشه نظرت له ببُغض كبير
أخرجت ذالم المشرط الطبى من كُم منامتها وصعدت على الفراش
قامت بوضع المشرط الطبى على عنقه قائله :
عارفه أنك صاحى
كويس علشان تعرف أنى هاخد تارى منك وأنت واعى.
ضحك وهو يمُسك يدها التى تضعها على عنقه
قائلاً:
أما تُحطى المشرط على رقبة حد بلاش أيدك ترعش.. أمال دكتورة جراحه أزاى
ولو قادره تدبحينى أعمليها من غير ما تتكلمى
فى ثانيه كان يبدل وضعهم ويجعلها هى أسفله
ومازال المشرط بيدها على عنقه
نظر لعيناها
تحدثت هى بحده: أنت جبتنى هنا علشان تسيطر عليا.. بس أنا زرع شيطانى.. هالوك.
ضحك وهو يقول.. أن كنتى أنتى زرع شيطانى
أنا الشيطان نفسه
أنهى قوله وهو ينحني يُقبلها بقوه
قبله كادت أن تقطع أنفاسها ومع ذالك مازال المشرط على عنقه
ضحك وهو يراها تُصارع أنفاسها المسحوبه
أخذ المشرط الطبى من يدها وألقاه على طول يدهُ،
لتسمع هى صوت رنين المشرط الطبى على أرضيه الغرفه
وكان صوت ذالك المشرط هو أخر ما سمعت
قبل أن يعود لتقبيلها مره أخرى ويستبيح جسدها
لينهض بعد وقت عنها نائماً على الفراش بظهره يُفكر فيما حدث
بينما هى تشعُر بتوهه.. كيف أستسلمت لمن أرادت قتله
ضحك عالياً يقول: قولتلك هجيبك تحتى وبأرادتك
ضحكت قائله : بمزاجى وده أنتقام جديد منى
وأنتى وقعت فيه
هترجع تتشهانى تانى ومش هطولنى
ضحك بسخريه قائلاً: ومش يمكن سيبت سمى فى جسمك وتشيلى بحشاكى جمره من جمرات
الزهار تحرقك قبلى
ومش أنا الى أشتهى أكله سبق ودوقتها ومتكيفتش منها
نظرت له بغيظ،وقالت بتحدى:
هنشوف،يأبن الزهار.
قالت هذا ولمت غطاء الفراش،تستتر به،لكن
شد رفعت الغطاء،قائلاً بطريقه فظه:
بتغطى أيه مفيش فيكى حاجه تغري،زى أى جسم ملكان من الخشب،خالى من الروح.
فكرت زينب لما لا تقوم وتأتى بذالك المشرط وتذبحه على قوله الفظ فى حقها، لكن مهلاً، ذالك الهمجى، سيندم لاحقًا على ما تفوه به.
قالت زينب: طب طالما جسمى مفيش فيه شئ يغريك، ليه عاوزه مكشوف قدامك، عالعموم، هدومى أهى هلبسها، ومش محتاجه للغطا خليه لك، إستر بيه غرورك، يارفعت يا زهار.
إرتدت زينب ملابسها وسارت، باتجاه باب الغرفه، لكن داست قدمها على ذالك المشرط الطبى، إنحنت، وأخذت المشرط، وقامت بألقائه على رفعت قائله:
المغرورين المتغطرسين اللى زيك، ميستهلوش ألوث إيدى بدمهم، لو دبحتك أبقى بريحك، خليك للنار اللى جواك هى هتحرقك لوحدها، ووقتها يمكن تحتاج للمشرط ده، تنهى بيه حياتك علشان ترتاح من قوة النار بيك.
قالت زينب هذا وغادرت الغرفه، تركته، ينظر لذالك المشرط الطبى، الأ تعلم إن قلبهُ قُتل منذ سنوات، تمنى أن تنتهى حياتهُ، يعيش فقط من أجل الإنتقام، أيقن عقلهُ، تلك الطبيبه ما كان عليه إدخالها لحياته، الملتهبه، هو كذب،
هو معها عاد يشعر بالحياه، قلبهُ كان ينبض، وهى بين يديه، ينهل منها، يريد أن تعود له، يتنفس من أنفاسها، يغوص معها بنهر عشق بارد، يطفئ لهيب قلبهُ المشتعل، بنيران الماضى
لكن عليه اختيار أهون الشرين
إما العشق، أو النيران.
....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما بمنزل هاشم الزهار
كانت مُهره تجلس أمام المرآه سارحه بخيالها تصفف شعرها الذهبى الذى غزاه بعض شعرات الشيب لكن بالمُجمل مازال لونه الذهبى هو المسيطر علي خُصلات شعرها، تنهدت بشعور قديم إفتقدته، شعور الشوق لرؤية المعشوق، لكن وسط سرحانها، لم تشعر بذالك الذى دخل الى الغرفه، لم تشعر به سوا بعد أن صفع خلفه باب الغرفه.
إنخضت ونهضت قائله: هاشم.
رد هاشم: لا خياله، سرحانه فى ايه أيه اللى واخد عقلك.
ردت مُهره: ولا حاجه، مش سرحانه، بس إنت جاى متأخر منين.
رد هاشم: هكون كنت فين كنت فى الاستطبل ولا مفكره كلام إبن اختك الاهبل هنفذه وأعيش زى خيل الحكومه، لأ إنسى يا مُهره، أنا هاشم الزهار، وهفضل واقف على رجلى لأخر يوم فى عمرى، وكلامك اللى قولتيه عن إن وسيم له التلتين ده تنسيه، لو باقيه عليه،ولا مفكره انى مش عارف برحوع نُعمان الجناينى للبلد من تانى .
إرتجفت مُهره، وقالت له: إبعد عن وسيم يا هاشم، كفايه الماضى مش هيتعاد تانى، ومش هضعف بتهديدك زى زمان، كفايه عشت أكتر من تلاتين سنه من عمرى فى سجنك.
تبسم هاشم وأقترب من مُهره وقام بوضع يده السليمه حول عنق مُهره قائله:
اللى حصل من تلاتين سنه سهل اعيده تانى الليله وأسوء من الماضى وده فعلاً اللى هيحصل دلوقتى
ضيق هاشم يده حول عنق مُهره وكاد ان يخنقها وهو يجذبها من عُنقها خلفه، حاولت الصراخ لكن كتلك الليله القديمه صوتها لا يخرج منها، رمى هاشم مُهره على الفراش، تلتقط أنفاسها، لكن قبل أن تهدأ أنفاسها كان يجثو بجسدهُ فوق جسدها، ينهشهُ كالذئب وإن كان الذئب لا ينهش لحم ذويه، هذا الحقير، إستباح قديماً جسدها، وفرق بينها وبين زوجها، بحجة انها مازالت تحت الوصايه وأن هذا الزواج باطل، فهو تم من دون موافقة الوصي عليها.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سعاد محمد سلامة
دخلت فادية إلى غرفة بناتها وقامت بفتح شباك الغرفة، ليدخل النور والشمس إلى الغرفة. هبت نسمة هواء قوية، رغم أن الطقس في منتصف الربيع، لكن أحياناً يتقلب الطقس ويعود للشتاء. وبالفعل، الطقس ليس فقط بارد، لكن هناك صوت لهطول بعض الأمطار.
أغمضت مروة عينيها بسبب دخول الهواء، لكن أتى طيف إلى خيالها، سرعان ما ذهب عنها. تعجبت من ذلك الطيف. رأت نفسها كانت تقف على سور المنزل ووالدها يُحدثها. سألت نفسها: هل بالفعل حاولت الانتحار كما يقولون؟ لكن هي ليست بهذا الضعف أن تقتل نفسها وتزيد من ذنوبها. يكفي ذلك الذنب الذي تتحمله عن أبيها، وهو الذنب الذي يقف بينها وبين حبها، بل عشقها لرامي، الذي حاولت كثيراً أن تبعده عن حياتها.
مازالت تتذكر ذلك اليوم التي علمت أنه عاد مرة أخرى للبلدة. هو لا يعلم أنها ذهبت ذات مرة من أجله إلى الإسكندرية، خلف أبويها، وقت أن كانت تدرس بالثانوية. انتهزت تلك الرحلة وذهبت من أجل أن تراه. هي كانت تعلم عنوان منزل جدته بالإسكندرية، صدفة أخبرتها به رحمة، أخته، وكتبته لها في ورقة احتفظت بها وقتها. كانت حين تسمع منهم عن جمال بحر الإسكندرية، كانت تود الذهاب معهم. فهم كانوا سيذهبون إلى الإسكندرية لقضاء عطلة الصيف، لكن ذلك الحريق أنهى تلك الرحلة للبعض. والبعض الآخر ذهب ليعيش مؤقتاً بالإسكندرية مع جدتهم. بعد الحريق، ادخرت ثمن الرحلة من مصروفها الخاص، وذهبت مع زميلاتها إلى عروس البحر الأبيض التي كانت تسمع عنها من رامي ورحمة.
فلاش باك... الإسكندرية قبل تسع سنوات. كانت مروة بعمر السابعة عشر، وقتها كانت بالصف الثالث الثانوي. رحلة قامت بها مع بعض زميلاتها بالمدرسة. حين وصلوا بالقطار إلى محطة الإسكندرية، توهت من زميلاتها وخرجت من محطة القطار. أشارت لأحد سيارات الأجرة، توقفت لها، فصعدت به ومدت يدها بورقة قائلة للسائق: "ممكن توصلني للعنوان ده يا أسطى لو سمحت."
أخذ السائق منها الورقة وقرأها وقال لها: "تمام."
بعد وقت، كانت تقف أسفل إحدى البنايات الفاخرة الضخمة. نظرت بذهول إلى ذلك المبنى السكني الراقي. اقتربت من مكان دخول العمارة، لكن أوقفها البواب قائلاً: "إنتي جاية لمين هنا يا بنتي؟"
ردت مروة: "أنا جايه لرامي الزهار، هو مش ساكن هنا مع جدته."
نظر البواب لها نظرة شمولية وقال باستغراب: "فعلاً رامي بيه ساكن هنا مع مدام إنعام جدته. عاوزة رامي بيه في إيه؟"
ردت مروة: "هو ساكن في الدور الكام."
رد البواب: "بقولك عاوزاه ليه؟ الست إنعام مانعة أي بنت تطلع للشقة. عاوزة رامي بيه، تقدري تقابليه في الجامعة، مش إنتي زميلته برضه."
تلبكت مروة قائلة: "آه، لا مش زميلته، أنا قريبة. طب ممكن تقولي هو في جامعة إيه؟"
نظر البواب لها بازدراء قائلاً: "رامي بيه خرج من شوية، هتلاقيه في كلية العلوم."
انسحبت مروة من أمام البواب، وأشارت لسيارة أجرة أخرى وركبتها وذهبت إلى كلية العلوم بالإسكندرية. وليتها ما ذهبت.
وسط تدافع لدخول الطلاب من بوابة الجامعة، دخلت معهم دون أن يوقفها أمن الجامعة. تجولت بأروقة الجامعة، تسير باستغراب وهي ترى البنات والشباب بينهم ألفة في الحديث مع بعضهم. مجتمع لأول مرة تراه بالواقع. رأت جزءاً منه بالتلفاز ببعض الأفلام والمسلسلات الدرامية. كان هناك أيضاً أشياء تثير دهشتها. بعض البنات يجلسن جوار الشباب دون فاصل بينهم بمواقف شاذة، لكن ذلك كان قليلاً. الجامعة كبيرة، أين تبحث عن رامي؟ في كل هذا الكم من الطلاب. لكن ربما ليزداد سوء الحظ، لمحت ذلك الفتى الأسمر، يسير جوار فتاة جميلة يتحدثان بتألف وانسجام. هي الشاب به ملامح رامي التي نضجت، أصبح شاباً يافعاً. سارت خلفه، كادت تنادي عليه، لكن رأته يدخل لمنعطف بعيد بالجامعة. ذهبت خلفه، راته يجلس مع تلك الفتاة بأحد الأماكن بالجامعة، كانا يجلسان متلاحمين، يتحدثان بانسجام. من يراهما يعتقد أنهما عاشقين، لا زملاء.
لكن سمعت من خلفها ما ذبح قلبها الصغير. شابان يتحدثان معاً بسخرية: "شايف رامي الزهار، دون جوان الجامعة مش بيضيع وقت. يسيب دي يمسك في غيرها. معرفش إيه يغري البنات يخليها توقع فيه، وهو ولا على باله أي واحدة. صحيح محظوظ."
تحدث الآخر قائلاً: "فعلاً محظوظ، وخلاص دي آخر سنة له هنا في الجامعة، فواخد راحته على الآخر. لأ والغريب، أي بنت بتتعلق بيه عارفة إن آخرها زي غيرها. كم خروجة حلوة، وكلمتين حلوين، وفي الآخر هتاخد رقم في ليستته ويبص لغيرها."
رد الآخر: "مش عارف سبب تهافت البنات عليه إيه. سمعت إنه كان ابن تاجر خيول كبير وساب له ثروة كبيرة هو وأخوه، وأخوه له مركز وواصل. أكيد الفلوس لها إغراء كبير تخلي القرد غزال. هو مش قرد، شايف بنيته الجسدية، جيم بقى وحركات. الفلوس بتخلي الجامدة تفك. يلا يا عم ورانا محاضرة خلينا نحضرها، اللي زينا مالوش غير شهادته، هي اللي تعمله قيمة شوية."
تبسم له زميله وسار. تدمعت عينا مروة وهي ترى تلك الفتاة ترسم الدلال، ترمي شباكها على رامي، وهو مرحب بذلك. صاحبتها خيبة الأمل من ظنت أنه كان صديق الطفولة. تغيرت أخلاقه، للضد. عليها الآن العودة ونسيان ذلك الطفل الذي كانت تعتقد أنه رفيق طفولتها. لم تنساه رغم مرور السنوات. كبرت بداخلها مشاعر تفوق الصداقة. عليها الآن وأدها. وبالفعل، بدأت طريق العودة مرة أخرى للشرقية، تاركة الإسكندرية بتلك الخيبة التي تلقتها صبية صغيرة.
تأخرت في العودة للمنزل، بيوم شتوي مساءً. مازالت بالطريق للمنزل. أمطرت السماء وهي تنزل من آخر موصلة ركبتها تقلها إلى البلدة. نزلت من السيارة ومازالت الأمطار تهطل، بل كانها ازدادت. سارت لا تعرف أكانت السماء تمطر أم عيناها تمطر بخيبة. دخلت إلى منعطف منزل والديها، وجدت والدتها تقف، يبدو أنها كانت ستخرج للبحث عنها، لكن منعتها أختها ليلى. تلهفت فادية حين رأتها تدخل وملابسها تعتصر من الماء، قالت لها: "مروة، كنتي فين لدلوقتي؟ خرجتي من بعد الفجر ولسه راجعة العشاء أذنت، بقالها أكتر من ساعة."
ردت مروة وهي تشعر ببداية توعك: "كنت بذاكر عند واحدة زميلتي والدنيا كانت بتمطر، وكل ما أقوم عشان أجى لهنا كانت المطرة بتزيد، كنت بقعد تاني. بس قولت شكل الجو مش هيروق، وفي الآخر جيت وأخدت الشتي على دماغي. ماما أنا بردانه."
ردت فادية: "ادخلي اقلعي هدومك دي بسرعة وهعملك شوربة تدفيكي. كويس إن صفوان مش هنا، مكنتيش هتسلمي من بطشه."
دخلت مروة وبدأت تخلع ملابسها المبللة. ثم ارتدت أخرى وتمددت على الفراش، تشعر بألم بكل جسدها. أقسمت بعد تلك الليلة أن تنسى ذلك الفتى الصغير صديق طفولتها، كأنه لم يخرج من الحريق ذلك اليوم. لكن لم تكن تعلم أن للقدر خبايا، وأن ذلك الشاب الأسمر سيعود بعد عام ويطاردها حتى في أحلامها.
عادت مروة من شرودها على صوت والدتها: "مروة، رحتي فين؟ بكلمك مش بتردي عليا. الحمد لله لله، أخيراً طلعنا امبارح من الوحدة. هنا هناخد راحتنا من قعدة الوحدة. كانت صعبة، ربنا ما يرجع الأيام دي تاني. الدكتور قال بلاش تمشي على رجلك المكسورة. وبعد شهر هيفكلك الجبس اللي عليها هي وإيدك الشمال. الحمد لله ربنا لطف بيا. وكمان رامي كتر خيره اتفق مع الدكتور يبقى يجي لهنا يعاينك من فترة للتانية عشان راحتك. يلا ربنا يتمم لكم بخير. مش عارفة كان فين عقلك، بس ربنا لطف بيكي عشان قلبي. هسيبك الفطور جنبك عالسرير أهو وهروح أشوف شغل البيت وإن عزتي أي حاجة ناديني عليا."
تبسمت مروة بغصة، من إعجاب والدتها بكرم رامي. لا تعلم أنها بالنسبة له زهوة، هو قالها لها صريحة. شعرت بيأس من ذلك العشق المر كالعلقم، كما قال لها رامي منذ أيام بالوحدة الصحية.
***
بينما بسرايا الزهار.
بعد تلك الليلة التي سلمت بها زينب نفسها لرفعت، أصبحت تتجنب القرب منه. حتى أنها أصبحت لا تذهب إلى البوابة وتطلب من الحرس فتح البوابة، كأنها استسلمت للأمر الواقع. وهذا يسبب دهشة لرفعت. لقد أصبحت تتجنب حتى مشاغبته لها، وتقضي الوقت بين الجلوس بصحبة جدته ومحاسن، وبعض العاملات بالسرايا. صدف تجمعهم أحياناً وقت الطعام، ويكون رامي بصحبتهم، فلا يشاغبها أمامه حتى لا تلذعه بشراستها، الذي يفتقدها.
تحدث رفعت لأحدى الخادمات قائلاً: "الدكتورة فين."
ردت الخادمة: "الدكتورة من شوية كانت مع الحاجة إنعام ونزلت للبيسين. تحب أحضر لحضرتك الفطور؟ رامي بيه خرج من شوية."
تبسم رفعت قائلاً: "تمام، حضريه وهاتيه عند البيسين، بس لفردين."
انصرفت الخادمة، وذهب رفعت إلى مكان المغطس. تبسم وهو يرى زينب تجلس تضع قدمها بالمياه. تحدث قائلاً: "غريبة، فكرت البيسين فاضي. متوقعتش تكوني هنا، وكمان الجو بارد، وحاطة رجلك في الميه."
ردت زينب بسخرية: "بضيع وقتي، حتى بفكر آخدلي غطسين في الميه. الميه دافية بسبب نظام التسخين اللي في المكان."
اقترب رفعت وجلس بجوارها قائلاً: "صباح الخير."
نظرت له زينب بصمت.
تبسم رفعت، وسحب يده حول خصرها ومال ليقبل وجنتها. قامت زينب بضربه على يده التي يضعها على خصرها قائلة: "لم نفسك شوية وابعد عني."
تبسم رفعت قائلاً: "ليه بتتجنبيني من بعد الليلة إياها، مع إن المفروض بعد الليلة دي خلاص كل شيء بينا اتكشف."
نظرت له باستنكار ووقفت وكادت تتركه وتغادر المكان، لكن تصادمت مع الخادمة التي جاءت بالفطور وقالت باحترام: "الفطور أهو زي ما حضرتك أمرت. تأمرني بحاجة تانية."
رد رفعت: "لأ، سيبه وروحي كملي شغلك."
تحدث رفعت من خلف زينب قائلاً: "زينب، خلينا نفطر سوا في موضوع عاوز نتفق عليه."
ردت زينب وهي تعطيه ظهرها: "موضوع إيه ده؟ مفيش بينا حاجة نتفق عليها."
تبسم رفعت يقول: "وموضوع رجوعك للشغل تاني بالوحدة؟ خلاص شيلتيه من دماغك والله أحسن. ممكن تقعدي هنا في السرايا تراعي جدتي وتاخدي ضعف مرتب الحكومة."
استدارت زينب واقتربت من مكان وقوف رفعت وقالت له: "قبل ما تفكر تقول كلامك البايخ ده، شوف بتقوله لمين. أنا مش دادة عشان أقعد وأراعي جدتك قصاد كم ملطوش منك. أنا دكتورة جراحة مش تمرجية، ومتفكرش إنك هتحبسني هنا كتير. سهل أطلب مساعدة وأخرج من هنا، بس أنا اللي مطنشه بمزاجي."
تبسم رفعت قائلاً: "مطنشه بمزاجك، زي ما جيتي لاوضتي بمزاجك كده. زينب بلاش كبر وتعالى نقعد نتفق."
ردت زينب: "مش هقعد وأقول اللي عاوزه وأنا واقفة."
تنهد رفعت قائلاً: "تمام. أنا عطيت أوامر للحرس اللي على البوابة يفتحوا ليكي البوابة، ومش بس كده، في عربية هتوصلك للوحدة، و..."
قاطعته زينب قائلة: "وفر عربيتك. السكة من هنا للوحدة يا دوب تلت ساعة مشي. حد قالك إني مكسحة؟ وفر بنزين العربية."
تبسم رفعت قائلاً: "تمام، بلاش العربية. ندخل على المواعيد. أنا عارف إنك قبل ما نتحوز كنتي بتفضلي أوقات كتير بالوحدة لوقت متأخر. الكلام ده خلاص اتلغى وممنوع قبل الساعة سبعة تكوني هنا في السرايا."
نظرت له زينب ساخرة، دون رد.
تبسم رفعت على سخريتها قائلاً: "وكمان بلاش أسلوب الشحاتة اللي بتمارسيه على أغنياء البلد. الأسلوب ده ممنوع يحصل تحت أي بند. مرات رفعت الزهار متطلبش فلوس من أي شخص أياً كان، أو لأي سبب حتى لو كان إنساني. كمان طريقة لبسك دي تتغير. في ستاند كامل في أوضتك فيه هدوم شيك وحشمة تليق بالدكتورة زينب مرات رفعت الزهار."
ردت زينب قائلة: "أنا دي طريقتي في اللبس من زمان. ماليش في لبس الجونات ولا الكنزات التانية دي كمان، وعاجبني لبسي ده. وإن كان على الفلوس اللي كنت بطلبها من الأغنياء، دي مش شحاتة، دي مساعدة منهم للناس الغلابة اللي محتاجة. وتقريباً كده خلاص جهزت المبنى الجديد بالوحدة، وكلها تلات أسابيع ويجي المحروس الوزير يفتتح الوحدة ويتفشخر كأنه هو اللي مجهز الوحدة من جيب أبوه."
تبسم رفعت قائلاً: "تمام، دي شروطي اللي لازم تتنفذ. لأن لو الشروط دي متنفذتش، وقتها هيكون فيه عقاب قصاد كل شرط متنفذش."
نظرت له زينب بتهكم قائلة: "محسسني زي ما يكون تلميذة قدامك و بتهددها يا تكتب الواجب يا تعبطها. هطلع أغير هدومي وأروح للوحدة، أهو أخلص من الخنقة اللي هنا. وأولهم......" صمتت وقالت بهمس لنفسها: "هخلص من خلقتك. مفكر نفسك تقدر تتحكم فيا، بس أنا أخرج من هنا وبعدها يحلها ربنا. يا همجي."
تبسم رفعت وهو يعلم أنها تسبه في سرها.
بعد دقائق، نزلت زينب ترتدي بنطال جينز بني اللون وفوقه كنزة صوفية من اللون الأسود والبني، وفوقهم معطف آخر أسود. نظر لها رفعت بتقييم. رغم أن زيها لحد كبير مُهندم، لكن كان يود أن ترتدي من تلك الملابس الذي اشتراها لها، لكن لا مانع من السخرية من ملابسها، فتحدث: "إيه ده؟ لابسة زي يونيفورم العيال بتوع الابتدائية."
نظرت له قائلة: "المرة الجاية هلبس بينك يونيفورم الحضانه."
تبسم رفعت قائلاً: "اللون البينك ده للبنات، أما إنتي تلبسي السماوي بتاع الصبيان."
ردت زينب: "طب تعرف أكتر لون بحبه هو اللون السماوي. حتى يشبه الفستان اللي جبته ليا يوم ما غصبتني اتجوزك. سلام، مش فاضية لمهاترات."
تبسم رفعت وهي تفر من أمامه. تنهد ببسمة لما يود أن لا تذهب للعمل وتغيب عن رؤياه.
***
بالوحدة الصحية.
دخلت زينب إلى مكتب المدير، وجدت ذالك المدعو طارق يجلس عليه. بمجرد أن رأها نهض واقفاً يقول: "دكتورة زينب، أهلاً بحضرتك. فكرتك هتمدي في أجازتك. آسف، نسيت أباركلك عالجواز. ألف مبروك، وبالرفاء والبنين."
ردت زينب بحسم: "شكراً. بلاش تضيع وقت في مجاملات تافهة. اتفضل شوف شغلك، وخليني أنا كمان أشوف المرضى. وأعمل حسابك في ربع ساعة وفي مرور عالوحدة كلها هشوف سير العمل في غيابي."
ارتبك طارق قائلاً: "الوحدة كانت ماشية بنفس طريقة حضرتك قبل الإجازة. عن إذنك."
صمتت زينب بينما غادر طارق سريعاً.
تبسمت زينب، هي تعلم أن بالتأكيد كان هناك فوضى، لكن بعودتها ستنتهي تلك الفوضى. تبسمت زينب وهي ترى صفاء تدخل عليها بكوب من النعناع قائلة: "النعناع بتاع الدكتورة زينب. والله نعناع طازة من جنينة الوحدة. لأحلى عروسة في مصر كلها. والله ما صدقت عيني من بعيد لما شوفتك داخلة الوحدة من شوية، قولت أكيد رفعت بيه مش هيسيبك كده بالساهل. بس لما شاورتيلي قولت تبقى الدكتورة زينب. رجعت من إجازة الجواز. عقبال ما ترجعي من إجازة الوضع إنشاء الله ويعوضك بالذرية الصالحة من رفعت بيه. والله هو ما يتخير عنك وبيحب يساعد الناس المحتاجة من غير ما يتفشخر، زي ناس غيره. ده أدى لأخويا فلوس يرمم بها بيتنا وكمان هيساعده في جوازه. ربنا يباركلك في شبابه يارب."
تعجبت زينب لكن شعرت بداخله بانبساط. ربما هو له أفعال كلها معها وقحة، لكن لديها إحساس أن لغز لم تُفك شفراته بعد.
آتى المساء، بالعاشرة بسرايا الزهار.
تحدث رامي لرفعت قائلاً: "جالي خبر إن هاشم الزهار سافر الإسكندرية امبارح."
تبسم رفعت قائلاً: "عرفت بكده. يمكن رايح يتفسح ويروح عن نفسه."
تبسم رامي: "يمكن يروح ما يرجع والكل يرتاح منه. والله مش عارف عمتي مُهرة مستحملة كلب زي ده إزاي. هقول إيه، نصيب. أنا هطلع أنام، هلكان طول اليوم. الفرسة الجديدة دي شرسة قوي وهلكتني على ما عرفت أحط عليها اللجام."
تبسم رفعت قائلاً: "لأ، شد حيلك خلاص. جيرين قدمت ميعاد نزولها لمصر وعايزة تنبهر بالفرسة دي. وكمان أنا في قدامي كذا مكان كده ناوي أشتري منه خيول جديدة وأهجنها بالسلالات اللي عندنا. جالي عرض من مربي خيول في سوهاج اسمه (محسن الهلالي) واحتمال كبير أسافر الفترة الجاية سوهاج."
تبسم رامي: "لا اطمن، قبل جيرين ما تيجي مصر هكون خليلتلك الفرسة دي رهوانة زي اسمها. يلا تصبح على خير. بس فين مراتك؟ مش باينة في السرايا. من شوية كنت عند جدتك وسألتني عنها، إنها مشفتهاش طول اليوم."
تبسم رفعت: "زينب رجعت للشغب في الوحدة من تاني، وطبعاً ما صدقت طلعت من السرايا. بس اطمن، أنا بنفسي هروح أجيبها."
تبسم رامي: "شكلك وقعت في عصاية والديك. دي آخرة اللي يقضيها مع المطربات والرقصات، تيجي الدكتورة تفرهده جري وراها."
تبسم رفعت: "لأ اطمن، أخوك مش سهل برضه."
تبسم رامي: "تصبح على خير."
رد رفعت: "وإنت من أهله."
صعد رامي، بينما زفر رفعت أنفاسه بقلة حيلة، فالطبيبة لم تلتزم بما قاله. لكن في ذلك الأثناء، أتى إلى هاتفه اتصال. أخرج الهاتف ونظر للشاشة ثم رد باختصار: "قولي إيه آخر الأخبار."
رد الآخر: "زي ما سيادتك توقعت، هاشم والشخص ده اتقابلوا على يخت في نفس المكان اللي متعودين عليه، وبعد طلعوا باليخت بره إسكندرية ونزلوا في مرسى مطروح، ودخلوا عند واحد من شيوخ القبائل هناك. هبعتلك مجموعة من الصور له معاهم. وكمان بالنسبة للي اسمه سميح اللي حضرتك طلبت مننا معلومات زيادة عنه، موصلناش لجديد عن اللي سبق وقولته لسيادتك. هو شخص عادي وحياته عادية جداً."
رد رفعت: "تمام. عاوز كل تحركات هاشم خطوة بخطوة. وحاذر هاشم مش سهل يكتشف إن فيه حد بيراقبه."
رد الآخر: "لأ اطمن، واخدين حذرنا. أول ما أوصل لمعلومات تانية عن لقاءه بشيخ القبيلة، هعرف حضرتك فوراً."
رد رفعت: "تمام."
وقف رفعت قليلاً ينظر لتلك الصور التي ترسل له على الهاتف. تحدث قائلاً: "يا ترى بتخطط لإيه يا هاشم، إنت والخاين اللي معاك ده."
أغلق الهاتف، ووضعه بجيبه ودخل إلى غرفة النوم الخاصة به، ومنها إلى الحمام. أخذ حماماً دافئاً وخرج بعد قليل، وارتدى ثياب رياضية مريحة، وخرج من غرفته، وذهب إلى الغرفة التي تجلس بها زينب. وفتح باب الغرفة ودخل ينظر بداخلها. زينب ليست موجودة. أيقن أنها لم تعد للآن، واخترقت اتفاقهم. تبسم بمكر، وذهب إلى غرفته، أخذ مفتاح سيارته وذهب إلى الوحدة.
بينما زينب بعد يوم طويل بالعمل الشاق، بعد عودتها للوحدة، شعرت بالإجهاد. هي لا تود العودة لتلك السرايا الأشبه بالحصن كما تقول. فكر عقلها قليلاً: "يا ترى ليه الأسوار العالية دي اللي حوالين السرايا ومزرعة الخيول؟ خايفين من إيه؟" قطع تفكيرها فتح باب مكتبها ووقوف ذالك الذي يثني إحدى قدميه على إطار الباب، ونظر لساعة يده وتبسم قائلاً: "الساعة حداشر وربع بالليل. حصل زي ما كنت متوقع إنك مش هترجعي للسرايا في الميعاد اللي اتفقنا عليه. واضح كده من البداية إنك هتخلفي وعدك، يا مدام رفعت الزهار."
تعصبت زينب من فتحه للباب كعادته دون استئذان، وليس هذا فقط ما عصبها، نعته لها بلقب مدام هو يلمح أنها أصبحت زوجته قولاً وفعلاً. نظرت له قائلة باستنكار: "يعني هي كانت اتفاقية سلام ولا ترسيم حدود؟ عادي، كل الاتفاقيات والوعود دايماً بتخترق. هي معموله أساساً عشان تُخترق."
تبسم قائلاً: "طالما كده يبقى هنفذ عقاب اختراق الاتفاقية اللي بينا وهنا في الوحدة."
نظرت له زينب بتهكم.
بينما هو نظر لها بتسلية وهو يدخل إلى المكتب ويغلق الباب بالمفتاح من الداخل عليهما، ويقترب من مكان جلوسها خلف المكتب بخطوات واثقة.
بينما هي حين اقترب من مكان جلوسها، نهضت تخلع معطفها الأبيض قائلة: "خلاص أنا خلصت شغلي، فعلاً الوقت اتأخر."
لم يرد رفعت وجذبها من خصرها، ولف يديه حول يديها يقيد حركاتها، وقام بتقبيلها بقوة. ثم ترك شفتيها يبتسم وهو يراها تتنفس بقوة، وقال بوقاحة: "أيه رأيك نجرب سرير الحكومة نشوفه متين وهيستحمل ولا لأ."
ردت عليه بلهث قائلة: "مش سبق وقولت مكيفتكش."
رد رفعت بوقاحة: "وماله نجرب تاني، يمكن عشان كانت المرة الأولى ليكي، يمكن المرة التانية تكون أفضل."
نظرت له بغيظ قائلة: "اللي في دماغك مش هيحصل، يا رفعت يا زهار. إنت متعرفش أنا ممكن أعمل فيك إيه."
تبسم رفعت ساخراً، لكن فجأة شعر بألم أسفل خصره، جعله يترك يديه اللذين كان يلجم بهما حركتها. ليس هذا فقط، بل جثى على ركبتيه أمامها يتألم بشدة.
أخفت بسمتها وهي تراه راكعاً أمامها، لكن هو من بدأ بالسخرية والتهكم، وفرض هيمنته عليها، وهي ضاق بها الأمر من ذلك.
نظرت لوجهه وحاولت إخفاء بسمتها وقالت بتشفي: "قولتلك بلاش تتهاون معايا."
رفع وجهه ينظر لها للحظة. خافت من تقاسيم وجهه الحانقة بشدة. رأت احمرار عروق جبهته، ليس هذا فقط، بل عيناه اللتان اختفى لونهما وأصبحا شفيرات دموية، وهو ينهض بصعوبة، يتحدى الألم الذي يشعر به.
رأفت به قائلة: "خليني أساعدك، وهات مفاتيح العربية، مش هتعرف تسوق بحالتك دي."
نظر رفعت لها بتألم. كم يود سحقها الآن بين يديه، سحقها، بل قتلها أفضل، لكن ذلك الألم اللعين يمنعه. كز على أسنانه من الألم قائلاً: "وإزاي عرفتي إني جاي بالعربية؟"
ردت زينب ببساطة: "توقعت كده. إنت بتخاف تمشي على رجليك، يا بتمشي راكب حصان، يا راكب عربية. مشوفتكش مرة ماشي على رجلك زي بقية الناس، يمكن بتخاف الشوز بتاعك يتعفر."
رد بألم لا يهدأ: "توقعك غلط يا دكتورة، بس إنتي بتعرفي تسوقي عربية."
تبسمت زينب وهي ترى الألم بعين رفعت، رغم أنها تعلم مدى ألمه، وقالت: "عندي خبرة قليلة في السواقة، وكمان العربية بتاعتك تحكم إلكتروني مش يدوي، فسهل أسوقها."
رد رفعت: "تمام، خلينا نطلع من هنا، ولينا حساب تاني في السرايا."
تبسمت زينب قائلة: "حساب إيه؟ الحساب يوم الحساب، يا رفعت يا زهار."
بعد قليل، دخل رفعت برفقة زينب لداخل السرايا. تبسمت زينب وهي تراه يمشي يعرج بوضوح، وقالت: "ميه بتلج."
نظر لها رفعت بفهم، لكن ادعى عدم الفهم وقال لها: "إيه ميه بتلج ده؟"
حاولت زينب إخفاء بسمتها وقالت: "نزل الجزء اللي تحت من جسمك في ميه بتلج ومع الوقت هتحس براحة."
نظر لها بغيظ، وقام بجذبها من ذراعها بقوة قائلاً: "عارفة لو حد تاني غيرك عمل فيا نص اللي بتعمليه كان زمانهم بيقروا على روحه الفاتحة، بس بلاش تتغري يا زينب."
لم تستطع زينب إخفاء بسمتها، قبل أن ترد عليه بلسانها. سمعت صوت محاسن تقول: "رفعت بيه، الحاجة إنعام كانت بتسألني عن الدكتورة وقولت لها هنزل أشوفها وصلت ولا لسه. كويس إنها رجعت."
ترك رفعت يد زينب قائلاً: "وجدتي إيه اللي مصحيها لحد دلوقتي؟ مش عادتها تسهر بعد الساعة عشرة."
ردت محاسن: "هي كانت نامت وصحيت تاني وسألتني عن الدكتورة وقالت لي إنها عاوزاها."
تبسمت زينب قائلة: "أنا هطلع لها جناحها، وانتِ هاتي لرفعت لوح تلج كبير."
تعجبت محاسن قائلة: "ورفعت بيه عاوز لوح تلج كبير ليه."
تبسمت زينب وهي تسير قائلة: "أهو عندك اسأليه عاوز لوح التلج ليه."
صعدت زينب تبتسم، بينما عين رفعت جمرات ملتهبة، ليس فقط عيناه، لكن الصبر عليه التخلص من ذلك الألم أولاً.
نظرت محاسن له وهو يسير يعرج، فقالت له: "بتعرج ليه يا رفعت بيه؟ سلامتك."
رد رفعت: "مفيش بس وقعت على رجلي، هاتولي تلج لأوضتي بسرعة."
ردت محاسن بحسن نية: "تلج ليه؟ ما تدهنها مرهم لوجع المفاصل."
رد رفعت بضيق وحسم: "قولتلك هاتلي لوح تلج لأوضتي."
ردت محاسن: "حاضر براحتك، بس المرهم بيريح أسرع."
صعد السلم بخطوات متعثرة من الألم ودخل إلى غرفته، جلس على الفراش، يزفر أنفاسه. "تلك الحمقاء، بحركة منها جعلته يجثو على ركبتيه أمامها. كيف حدث هذا بلحظة غفلة منه، أم أن تلك الطبيبة لديها من الشراسة ما تدافع به عن نفسها. أصبح حائر كيف يتعامل معها. بسهولة يستطيع منعها الخروج مرة أخرى من السرايا، لكن ليس هذا حلاً، عليه الوصول لطريقة لإخضاعها له."
في أثناء تفكيره، دخلت محاسن تحمل بيدها صندوقاً متوسط الحجم به مكعبات ثلج متوسطة الحجم وقالت: "ملقتش عندنا الواح تلج كبيرة بس لقيت كمية التلج ده في الفريزر جمعتها في صندوق وجبتها لحضرتك."
رد رفعت: "تمام، ادخلي املي البانيو بميه باردة وحطي فيها المكعبات دي، كفاية."
دخلت محاسن فعلت ما قاله وخرجت بعد قليل، قائلة: "عملت زي حضرتك ما طلبت. لسه محتاج مني حاجة؟"
رد رفعت: "زينب لسه في أوضة جدتي."
ردت محاسن: "لأ، شوفتها طالعة من الأوضة وقالت طلعت لقيتها نايمة."
رد رفعت: "تمام، روحي انتي. تصبحين على خير."
نهض رفعت وتوجه للحمام بخطوات متأنية، وخلع عنه ملابسه، ونزل إلى حوض الاستحمام. شعر بألم حين اصطدم جسده بالمياه المثلجة، التي تزداد برودة مع ذوبان الثلج، لكن بعد قليل شعر بانتهاء الألم رويداً رويداً، وتكيف جسده مع برودة المياه.
آتى لتفكيره تلك الشرسه. تبسم بخبث، ولما لا. رأى هاتفه الذي كان بجانب قميصه ووضعه على أحد الأرفف. جذبه وقام بإرسال رسالة لهاتفها يطلب منها الذهاب إلى غرفته.
بينما زينب بعد أن وجدت إنعام نائمة، ذهبت لغرفتها. وقامت بخلع حجاب رأسها وأسدلت شعرها. فكرت في أخذ حمام دافئ ثم تتناول طعام خفيف وتنام، فهي هالكة. لكن سمعت رنين هاتفها. نظرت للشاشة وتبسمت، وقامت بقراءة: "رسالة رفعت: ممكن تجيلي أوضتي لخمس دقايق."
تبسمت قائلة: "غريبة، ليكون التلج ماثرش عليه. مصيبة."
ذهبت إلى غرفته، طرقت الباب، لم تسمع صوته، ظنت أنه ربما بحمام الغرفة ولا يسمعها. فتحت باب الغرفة، وبمجرد أن خطت لداخل الغرفة، باغتها يغلق الباب ويجذبها بقوته، وقام بتقبيلها بقوة، يسحب جسدها للسير معه، إلى أن اقترب من الفراش خلفها، فترك شفتيها وفك يديه من حولها، وقام بدفعها، لتقع على الفراش أمامه. شعرها كان مبعثراً حول وجهها على الفراش. تنفست ولمت شعرها، لكن قبل أن تنهض، وجدت رفعت ينقض عليها بالقبلات الجارفة. تركها مسلوبة الأنفاس ونهض عنها ينظر لها بتشفي قائلاً: "ده كان ردي عن اللي عملتيه في الوحدة من شوية. شايف مفيش فرصة مرة تانية معاكي. مش هتفرق برضو....." صمت ثم هز رأسه بلا مبالاة.
بينما زينب سخرت منه قائلة: "عارف يا رفعت، لو فكرت كويس في اللي قولته لك هترجع تتشهاني. أهو حصل، بس أنا اللي كسبت المرة دي. رغم ألمك كنت عاوزني، بس عارف ليه سبتك من غير ما أقاوم؟ لأنك مكنتش هتقدر تكمل، لأن عندي عذر شرعي يمنعك. تصبح على خير يا رفعت."
قالت زينب هذا ونهضت من على الفراش، عدلت ملابسها وخرجت من الغرفة. ودخلت إلى غرفتها تتنهد بغضب. لا تنكر ذلك الوقح، أصبح له تأثير عليها. لولا ذلك العذر لكان من الممكن أن تسلم له مرة أخرى. قالت: "كل ده بسبب العادة اللعينة اللي عندي. إمتى أيامها تنتهي."
بينما رفعت هو الآخر، يشعر بغضب لم تستطع امرأة أن تسيطر عليه سابقاً. كان لديه القدرة في التحكم بنفسه، لكن معها كان يود أن يذهب معها لموجة عشق. أنقذه منها شعوره فعلاً بذلك الألم. فكر جيداً: "زينب لم تحاول إبعاده عنها، فهي تعرف أنه لن يقدر على فعل ذلك." فرك بيديه جبهته يتنهد قائلاً بمواجهة: "فوق يا رفعت. إنت مخطفتهاش من قدام هاشم الزهار عشان تحرق قلبه وتغرق إنت فيها."
***
في اليوم التالي ظهراً.
بمجرد أن نزل مجد من تلك السيارة على مشارف قرية الزهار، سار قليلاً ينظر حوله. يريد أن يسأل أحد المارة يستدل منه سواء على سرايا الزهار أو الوحدة الصحية، ليلتقي بزينب يفاجئها بمجيئه. كان من السهل عليه الاتصال عليها أو على رقم رفعت الذي أخذه من والده، لكن يود أن تفاجئ زينب به أمام عينيها.
سار بضع خطوات، رأى فتاة تسير بالقرب منه. قال: "إيه الموزة الصغيرة الحلوة دي؟ هي دي البنات مش البت زينب اللي شبه صبي البواب. بس دي أكلمها إزاي؟ أنا أبسبس لها وأسألها. أختي إجرام وأكيد البلد كلها عرفتها غير رفعت الزهار مشهور هنا."
تنحنح يقول: "بس بس يا..."
في البداية، اعتقدت أنه شاب وقح يحاول معاكستها. تجاهلته ولم ترد وزادت في سرعة خطواتها. كذلك هو زاد بخطواته خلفها، إلى أن قال: "لو سمحتي يا آنسة، أنا مش بعاكس والله، أنا مش من القرية. ممكن أسألك على مكان هنا في القرية."
توقفت هبه تنظر له. هو شاب أنيق ويبدو عليه الاحترام. وبالفعل، لكنته وطريقة حديثه يبدو غريباً. قالت له: "اتفضل اسأل عن المكان."
تبسم مجد قائلاً: "سرايا الزهار أو الوحدة الصحية."
تعجبت قائلة: "أفندم؟ اختار واحد منهم أدلك عليه."
رد مجد ببساطة: "أي مكان أبعد فيهم."
قالت بتعجب: "نعم حضرتك؟ بتهزر."
رد مجد: "لأ والله. أصل أنا أقولك، أنا مجد السمراوي أخو الدكتورة زينب السمراوي. وهي بتشتغل في الوحدة الصحية وكمان اتأهلت من كام يوم وكتبوا كتابها على رفعت الزهار، وعرفت إنها سابت السكن وراحت تعيش في سرايا الزهار. مع إني كنت متوقع إنها تعنس، بس قدر ربنا بقى."
تبسمت هبه قائلة: "حضرتك تبقى أخو الدكتورة زينب، مديرة الوحدة."
تبسم مجد قائلاً: "آه والله أخوها، ومهندس بترول. تحبي تشوفي بطاقتي الشخصية ولا بلاش؟ أصل صورتي فيها مش حلوة."
تبسمت هبه قائلة: "الدكتورة أنا مشوفتهاش غير مرة واحدة بالوحدة، بس واضح إنها شخصية قوية."
رد مجد وهو يلف يده حول عنقه قائلاً: "هي مش شخصية قوية، هي جبروت. أنا عكسها خالص. أنا كيوت ولذيذ وبحب الضحك والهزار. أما هي قفل بعيد عنك. أنا بستغرب إزاي اتجوزت أصلاً."
تبسمت هبه قائلة: "حضرتك مقلتليش عاوز أدلك على أي مكان؟ السرايا ولا الوحدة الصحية."
رد مجد بدون تفكير: "أي مكان فيهم أبعد عن هنا."
تعجبت هبه قائلة: "حضرتك بتهزر، وبالطريقة دي هسيبك تسأل غيري."
رد مجد سريعاً: "لأ خلاص، دليني على السرايا، عاوز أشوف رفعت الزهار ده."
ردت هبه قائلة: "تمام، السرايا قريبة من هنا."
همس مجد بندم: "يا ريتني قولت الوحدة، أهو كنت مشيت شوية جنب القمر اللي بيطلع بالنهار. دي البنات الرقيقة الكيوتة، مش المسجلة إجرام زينب أختي. ميجيش من وراها خير. يلا نصيبي."
ردت هبه: "حضرتك بتقول حاجة؟"
رد مجد: "لأ أبداً. كنت هقول شكلك لسه صغيرة وبتدرسي. يا ترى بتدرسي إيه؟"
ردت هبه: "أنا ثانوية عامة."
رد مجد ببلاهة: "لأ دا إنتي مش صغيرة قوي، فرق بينا أكتر حاجة سبع تمن سنين."
تعجبت هبه قائلة: "أفندم؟ حضرتك تقصد إيه بفرق السن بينا؟ وعلى العموم خلاص إحنا وصلنا بوابة السرايا أهي. رن الجرس والحرس هيفتحلك. سلامُ عليكم."
وقف مجد سارحاً لثوانٍ ثم أخرج هاتفه وقام بالتقاط صورة لها. كم تمنى أن تنظر برأسها للخلف، يرى وجهها مرة أخرى، لكن اختفت من أمام عينيه بالطريق.
توجه إلى جرس البوابة وقام بالضغط عليه. فتح له أحد الحراس بعد أن قال له اسمه، وقال إنه أخو الدكتورة زينب.
طلب منه أحد الحراس إثبات هويته: "أخرج مجد حافظته وأخرج منها جواز سفر له."
تأكد الحرس من الاسم، ثم قام باتصال هاتفي، ثم نظر لمجد قائلاً: "اتفضل حضرتك."
تعجب مجد قائلاً بسخرية: "على فكرة لسه مفتشتنيش، أنا شايل متفجرات في المحفظة."
تبسم الحارس له.
بينما دخل مجد متعجباً وهو يرى كل ذلك الحرس بالمكان، وقال: "تلاقي رفعت جايب الحرس دول عشان يضمن البت زوزي مش تهرب من فوق السور."
لكن فوجئ بشاب يرتدي زي فارس، يقترب منه مرحباً بحفاوة، يمد يده يصافحه قائلاً: "لو كنت اتصلت عليا كنت بعتت عربية مخصوص تجيبك من القاهرة للشرقية. أنا رفعت الزهار."
تبسم مجد قائلاً: "وأنا مجد السمراوي، للأسف نسيبك. وحبيت أعملها مفاجأة لزوزي. هي فين؟ أوعى تقولي إنها في الوحدة، تبقى فرصة راحت مني؟"
تبسم رفعت: "فعلاً في الوحدة، بس الوحدة قريبة مسافة دقايق. اتفضل معايا لجوه السرايا وأنا هتصل عليها عشان تيجي ومش هقولها إنك هنا."
تبسم مجد يهمس قائلاً: "أول مرة أسمع كلمة سرايا خارج مسلسل تاريخي، والمكان نفسه يحسس الواحد إنه وقع في كتاب التاريخ والعصر الروماني."
***
بمنزل هاشم الزهار.
دخلت الخادمة إلى غرفة سيدة المنزل. انفجعت وهي تراها راقدة بالفراش، العرق يغزو جسدها وتنتفض بشدة. اقتربت منها، تقول: "مدام مُهرة."
كانت مُهرة بعالم آخر تهذي قائلة: "وسيم."
اعتقدت الخادمة أنها تريدها أن تتصل بوسيم. بالفعل، مسكت هاتف مُهرة وقامت بالاتصال على رقم وسيم، لكن لا رد. ارتجفت الخادمة قائلة: "الدكتور وسيم مش بيرد."
ردت مُهرة دون وعي منها: "رفعت الزهار."
بحثت الخادمة بين الأسماء ووجدت اسم رفعت، فقامت بالاتصال عليه.
رد سريعاً يمزح، لكن تفاجأ بقول الخادمة: "مدام مُهرة معرفش إيه جرالها، وبتصل على الدكتور وسيم مش بيرد، وهاشم بيه مسافر."
رد رفعت قائلاً: "أنا جاي مسافة السكة."
وبالفعل، ما هي إلا دقائق كان يدخل رفعت بسيارته إلى ذلك المنزل، وسار سريعاً بجوار تلك الخادمة ودخل لغرفة مُهرة. للحظة شعر بغثيان، لكن تحمل ذلك البغض، واتجه إلى الفراش وحاول إفاقة مُهرة، لكن هي تهذي بعالم آخر. وضع رفعت ذلك الوشاح يغطي شعرها به، وقام بحملها والنزول بها سريعاً إلى مكان سيارته. لكن كانت تهذي قائلة: "وسيم، أختي، نعمان، وما أثار دهشته، رضوان، رفعت رجع من تاني."
***
بينما بكلية الطب البيطري.
أنهى وسيم محاضرته وذهب إلى مكتبه. وضع هاتفه الصامت أمامه على المكتب، ونسي أن يشغل الصوت مرة أخرى. فتح حاسوبه وبدأ بقراءة بعض الأبحاث.
سمع طرقاً على الباب، ثم دخلت فتاة. رائحة عطرها الفواح سبقتها إلى أنفه. رفع وجهه عن حاسوبه ونظر أمامه، ثم وقف قائلاً بذهول: "لمى (ألما)."
تبسمت ألما وهي تسير، بدلال أنثى فاتنة، بزيها الضيق والقصير الذي بالكاد يصل لمنتصف ركبتيها. كانت ترتدي نظارة شمس سوداء، خلعتها وهي تقترب منه بدلال، قائلة: "سومو، وحشتني كتير."
بلحظة كانت تلف يديها حول عنقه تقبل خده، وتركت أثر قبلتها على وجنته.
اندهش وسيم من فعلتها الجريئة، لكن قبل أن يبعدها عنه، كانت ليلى كعادتها تفتح باب المكتب وتدخل دون استئذان، لتنصدم مما رأت. وسيم يحضن امرأة صارخة الأنوثة، كما أن هناك آثار حمرة شفاه على وجنته.
رغم شعور ليلى بالخجل، لكن قالت: "على فكرة هنا جامعة محترمة. مش عارفة إزاي سمحوا بدخول العاهرة دي."
نظرت لها ألما قائلة: "أي عاهرة؟ إنتِ مين بتكوني عشان تكلميني بالطريقة دي."
ردت ليلى: "أنا طالبة هنا في الجامعة، بس أول مرة أشوف دكتور وسيم في منظر مخجل. يا خسارة يا دكتور، سقطت من نظري كتير."
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد سلامة
دخل رفعت بصحبة مجد إلى إحدى غرف الاستقبال.
"هاتصل على زينب تيجي دلوقتي."
فتح رفعت هاتفه واتصل بزينب.
بينما بالوحدة
نظرت زينب لشاشة هاتفها الذي يرن.
"عاوز إيه الهمجي دلوقتي؟ أكيد هيعملي فيها غضنفر، ويقولي ارجعي بدري لحصنه."
فكرت في عدم الرد، لكن الاتصال المتكرر جعلها ترد في النهاية.
حاول رفعت ضبط عصبيته من تأخرها في الرد أمام مجد.
"زوزي، عاوزك في السرايا دلوقتي."
تضايقت زينب من قوله "زوزي".
"عاوزيني ليه؟ لسه الوقت بدري عن الميعاد اللي قلته."
تبسم رفعت.
"حبيبتي، محتاجك ضروري في السرايا، هتعرفي السبب أما تيجي، يلا وبلاش تأخير."
نظرت زينب للهاتف.
"حبك برص، وكمان بتقفل الموبايل في وشي. اتقفل في وشك باب... بلاش، بس لو الوجع رجع له تاني تبقى مصيبة. بس الضربة ما كانتش متمكنة قوي، هي توجع وتشل الحركة، بس مش للدرجة إن الوجع يفضل الوقت ده كله. أعمل إيه؟"
أثناء حديثها مع نفسها، دخلت إلى الغرفة صفاء.
"دكتورة زينب، كنت عاوزة أقولك على حاجة حصلت الأيام اللي فاتت وإنتي في الإجازة، بس متقوليش عليا فتّانة ولا وقّاعة."
تبسمت زينب وهي تخلع معطفها الأبيض وترتدي معطفها الآخر.
"اطمني يا صفاء، مش هقول عليكي كده. إيه بقى اللي حصل وأنا في الإجازة؟"
"الوزارة كانت بعتت كمية أدوية للوحدة، وكل موظفين الوحدة صرفوا منها، ومش بس كده، كمان أقاربهم كانوا بيجوا يقطعوا ورق للكشف وياخدوا من العلاج ده. ولما طلبت من الحاج طارق إنه يديني علاج الضغط بتاع أمي، عطاني علبة واحدة وقالي إن الكمية خلصت، مع إنه مدكنها للي على مزاجه."
تبسمت زينب.
"يعني العلاج الحكومة بعتّاه للناس الغلابة، وطارق وموظفين الوحدة استولوا عليه، مش بس ليهم، لأ كمان لأقاربهم. تمام، كويس إني عرفت. ومتقلقيش على علاج الضغط بتاع والدتك، أنا جهزت لها ورق إنها تستحق العلاج على نفقة التأمين الصحي."
تبسمت صفاء.
"ربنا يخليكي يا دكتورة، ويخليكي يا رفعت بيه، ويرزقكم الذرية الصالحة اللي تقر عيونكم وتملى الفرحة قلوبكم الطيبة."
تبسمت زينب باستهزاء. فعن أي ذرية تتحدث صفاء؟ نهاية زواجها من رفعت متوقعة وقريباً جداً، فليس هناك توافق بينهما، وهي لن تقدر على تحمل طباعه وتحكماته كثيراً.
بعد وقت قليل، دخلت زينب إلى السرايا.
"دكتورة زينب، رفعت بيه منتظر حضرتك في أوضة الصالون."
تبسمت زينب وذهبت إلى غرفة الصالون.
"خير يا رفعت، إتصلت عليا تيجي دلوقتي ليه؟ لسه بدري على الوقت اللي قلت لازم أكون موجودة فيه في السرايا قبله."
تبسم رفعت وتوجه إلى زينب وقام بلف يده حول خصرها. كانت ستتضايق زينب، لكن...
خرج مجد من خلف الباب.
"هو رفعت محدد ليكي معاد للرجوع للبيت؟ لأ، مش مصدق اللي سمعته. زوزي تسمع لكلام حد وتنفذه؟"
للحظة، انخضت زينب ونظرت خلفها.
"مجد! إنت إيه اللي جابك هنا يا حيوان؟ ومستخبي ليه وراء الباب زي الحرامية؟"
تبسم كل من رفعت ومجد، الذي اقترب منها وفتح يديه وضمها وهمس في أذنها مبتسماً.
"يظهر ذنب ناس بتخلصه ناس تانيين يا زوزي، شكل رفعت هيمشيكي على المسطرة."
نغزت زينب مجد وهي تضمه هي الأخرى بود مبتسمة.
"دي خطة تكتيكية يا حيوان، بس وصلت إزاي لهنا؟ وكمان مش لسه كم يوم على معاد أجازتك؟"
تبسم رفعت وهو يضع يديه مرة أخرى حول خصر زينب.
"بلاش وقفتكم دي كتير، خلونا نروح أوضة السفرة، الغدا أصبح جاهز."
تبسم مجد وترك زينب.
"أنا فعلاً جعان من وقت ما خرجت من عتاقة مدوقتش ذات. نضفت بطني، قولت هاجي الشرقية وآكل فلاحين بقى، والشرقية أهل كرم. لازم أكون جعان عشان أشوف الكرم ده على حق."
تبسم رفعت.
"اتفضل معايا للسفرة وشوف كرم الشرقاوية، مع إني معظم حياتي قضيتها في إسكندرية مش في الشرقية، لأني كنت في مدرسة عسكرية، بس الطبع غلاب وأنا أصلي شرقاوية."
سار رفعت واضعاً يده حول خصر زينب، الذي حاولت نزع يده، لكن كالعادة وقح وتشبث بخصرها.
تبسم مجد وهو يدخل لغرفة السفرة ويرى الطعام الموضوع على المنضدة.
"والله فعلاً، مش كرم، ده بزخ. وبعدين كرمك سابق يا رفعت، كفاية إنك اتجوزت زوزي، أنا كنت متوقع تعنس وتبور."
ضحك رفعت.
بينما قالت زينب وهي تُشهر سكين الطعام.
"أنا بقول تتمسى أحسن لك، بدل السكينة دي ما تعلم عليك. وإيه اللي جابك لهنا؟ مروحتش على ماما وبابا ليه دوغري؟"
تبسم مجد.
"أنا قولت أسيب عصافير الجنة لوحدهم يولفوا على بعض وأجي هنا للحداية أشوف مين اللي قدر يجي على نفسه ويقبل يتجوز الدكتورة زينب السمراوي اللي سمعتها سابقها في مستشفيات جمهورية مصر العربية."
تبسمت زينب وهي تجلس على السفرة.
"ومالها سمعتي بقى؟ الحمد لله، أي مكان بروحه بحاول أطهره من الفساد على قد ما بقدر."
تبسم مجد.
"بأمارة ابن أخو الوزير."
تبسمت زينب بثقة.
"طب تعرف بقى إن الوزير ده بنفسه هييجي لهنا الشرقية بعد عشر أيام يفتتح الوحدة الجديدة، اللي أنا كملتها في أقل من شهر بتجهيزات طبية. ولأ، وهيفكر إن اللي حصل بفضل توجيهاته، ويتغر ويفكر نفسه أبو الطب المصري. وهتلاقي الحمار ابن أخوه معاه، ما هو عامل زي ضله في أي مكان بيروحه."
تبسم مجد.
"ابن أخوه كان معجب، بس الدكتورة معجبهاش."
تبسمت زينب.
"معجب إيه، ده شخص وصولي وانتهازي، وصدقني لو طال يخلع عمه من الوزارة وياخد مكانه مش هيتردد. سيبك منه، أنا قابلت من النوعية دي كتير، لدرجة مبقاش يدخل عليا كدبهم."
تبسم مجد.
"على فكرة بابا وماما عارفين إني هنا، أنا قلت لهم، قالولي أسلم على رفعت وأقوله ربنا يكون في عونك، وقعت في بلوة جايبة مصر من قبلي لبحري وبنحبوه. اتولدت في إسكندرية، عشت جزء من طفولتها في القاهرة وكملتها في الفيوم لحد الجامعة، وبعد كده انطلقت في الصعيد الجواني من مكان لمكان، ولما قولنا خلاص هتستقر في القاهرة، هُب هزأت زميل لها، وفي الآخر كان معجب وبيجرّو وصال، بس وصال مين؟ الكابتن زوزي. وأخيراً وصلت للشرقية، الله أعلم المكان الجاي فين، يمكن يودوها السلوم على الحدود."
رغم ضحك رفعت، لكن بداخله شعر بغيرة. حاول إخفائها بسبب قول مجد دون انتباه منه عن محاولة آخر جر وصالها.
"لأ خلاص، بوعدك آخر مكان هنا في الشرقية، إلا لو أنا اللي قررت أسيب المكان هنا، وقتها أكيد هتيجي معايا في المكان اللي هروح له."
تبسم مجد على رد رفعت. هو تحدث بقصد عن ذلك الطبيب الذي نُقلت زينب بسببه إلى هنا، وتعرف رد فعل رفعت. وها هو يشعر من نبرة صوت رفعت أنه شعر بالغيرة من ذلك الطبيب الذي تحدث عنه.
بعد قليل، وضع مجد ملعقة الطعام بجانب الطبق الذي أمامه.
"خلاص، انتفخت، مبقتش قادر آكل أكتر من كده. خلاص هفرقع، شوفولي فوار يا زوزي عشان يفضي في معدتي مكان للحلو بقى."
ضحك رفعت.
بينما قالت زينب.
"فوار إيه اللي ينفع معاك؟ إيه رأيك بغسيل معدة وأعمله أنا بنفسي لك؟"
نظر مجد بصدمة.
"لأ، خلاص مش عاوز حلو، حتى الحلو مضر بالصحة. بس غريبة يا زوزي إنك أكلتي فطير، وكمان معاه عسل أسود مش عسل نحل، مش خايفة تدّوخي من السكر والكوليسترول؟"
نظرت له زينب بتهكم.
"أنا أكلت حتة فطيرة صغيرة متجيش قد كف إيدي، ومأكلتش من العسل غير لقمة واحدة. أنا بعرف أظبط نفسي. بص لنفسك، نسفت فطيرة بحالها وكلت طبق مش بدوده، وكمان كيلو عسل أسود غير اللحوم البط والوز اللي أكلتهم، شكلك هترجع عتاقة من الإجازة دي، كرشك منفوخ."
رفع مجد يده بوجه زينب.
"إنتي بصيتلي في اللقمة، شكلي هيجيلي تسمم من عينيكي. أنا خلاص قايم من وشك، أروح أتمشى شوية أهضم للعشا، بس بليز يا رفعت، ياريت نتعشى أنا وإنت لوحدينا، بلاش دخلاء عينيهم صفر."
تبسم رفعت على نقار مجد وزينب أمامه. أتى لخياله نقار كهذا قديم كان بين رحمة أخته ورامي أخيه، لكن بسرعة نفض الذكرى عن رأسه.
دخول الجدة إنعام، التي نظرت لمجد وقالت بإعجاب.
"الله! مين الواد الحليوة ده؟ أوعى تقوليلي يا زوزي إنه خطيبك؟ بقى في واحدة عاقلة تسيب الموز الحلو أبو عيون بتنور ده وتبص للجلنف رفعت؟"
تبسم مجد وانحنى يُقبّل يد إنعام.
"دا إنتي اللي موزة وحلوة وقمراية، ربنا يجبر بخاطرك يا تيتا. أيوه قولي كمان وغيظي الأعادي، ونسيت أقولك كمان يا تيتا إني بقبض بالدولار."
تبسمت إنعام.
"دا إنت عريس لقطة، عندي لك عروسة يا واد، إنما إيه ملكة جمال متتخيرش عن زوزي. الواد رامي، خطيبته عندها أختين حلوين، إيه رأيك أخطبلك واحدة منهم؟"
تبسم مجد.
"موافق يا تيتا، بس أشوفهم الاتنين الأول وأختار الحلوة اللي فيهم."
نظرت له إنعام.
"تشوف مين وتخطب مين؟ مين حضرتك وجاي عندنا السرايا ليه؟ مين ده يا رفعت؟ إنت تعرف الواد التوتو دي منين؟"
سقطت زينب من الضحك.
"الواد التوتو ده يبقى مجد أخويا الصغير يا تيتا."
ردت إنعام.
"إيه أخوكي؟ طب مش تقولي كنا عملنا له واجب ضيافة. يلا تعالي نتغدا وأحكيلي يا توتو على البنات زمايلك في الكلاس."
تبسم رفعت الذي يكبت ضحكه.
"خلاص اتغدينا يا جدتي، هنروح نشرب قهوة في الصالون، يلا بينا."
ردت إنعام.
"آه يلا، خلينا نشرب قهوة، خد إيدي يا واد يا توتو."
تبسم مجد وأخذ يد إنعام وسار بجوارها. كانت تنظر لعينيه بين الحين والآخر. إلى أن جلست على أحد المقاعد وجوارها جلس مجد مبتسماً. إلى أن وضعت الخادمة صينية القهوة على منضدة.
"القهوة يا رفعت بيه، الاتنين دول مظبوطين، والفنجان ده بس اللي سادة زي الدكتورة ما بتشرب القهوة."
تبسم رفعت يهز رأسه، ونهض يحمل كوباً من القهوة وأعطاه لزينب وهو يبتسم. أخذته منه بلا مبالاة. بينما أخذ الفنجان الآخر وأعطاه لمجد الذي قال: "متشكر."
نظرت لهم إنعام.
"شوف الشغالة الغبية، معملتش حسابي في القهوة ولا حتى جابتلي كوباية عصير معاها. البنت دي لازم تنطرد وحالاً، أنا هنا ماليش قيمة ولا إيه؟ محاسن، يا محاسن، إنتي فين؟ الطرش حل عليكي إنتي كمان."
دخلت محاسن مسرعة.
"أنا أهو، خير في إيه؟"
"الحمارة الشغالة اللي جابت القهوة من شوية، معملتش حسابي في القهوة. الحمّارة دي تنطرد وفوراً."
ردت محاسن.
"حاضر هطردها، بس إيه رأيك تيجي معايا وتطرديها بنفسك؟"
فكرت إنعام قليلاً ثم نهضت.
"تمام، يلا بينا أنا هطردها بنفسي. وإنت يا واد يا توتو، اوعى تمشي قبل ما تيجي تسلم عليا، وحلوة منك كلمة تيتا، مش زي الجلنفات أحفادي، بيقولولي يا جدتي، بحسهم بيقولولي يا قردتي."
تبسم مجد.
"لأ، معندهمش حق، إنتي أحلى تيتا."
قال هذا ونهض يقبل يدها مبتسماً. تبسمت له إنعام.
"كده إنت حبيبي، وهشوفلك إخوات خطيبة رامي وهختارلك الموزة الحلوة اللي فيهم."
تبسم مجد.
بينما نظر رفعت لمجد.
"متشكر إنك قبلت تقلبات جدتي، هي كده أوقات عقلها بيغيب."
تبسم مجد.
"لأ، عندي خلفية و..."
قبل أن يكمل مجد قوله، رن هاتف رفعت. فأخرجه من جيبه ورد عليه سريعاً. لكن استغرب كل من زينب ومجد حين نهض رفعت.
"أنا جاي حالاً."
أغلق رفعت الهاتف ونظر لمجد.
"إنت مش غريب، البيت بيتك، لازم أخرج دلوقتي، عن إذنك."
خرج رفعت مسرعاً دون انتظار رد.
بينما قالت زينب.
"إيه اللي حصل خلاه قام زي الملسوع كده؟"
رد مجد.
"خير، يمكن مُهرة بتولد ولا حاجة. سيبك ومتشغليش بالك. بقولك إيه، أنا وأنا ماشي كده في البلد، في بنت هي اللي دلتني على مكان السرايا، بس البنت دي إيه قمراية وصغيرة وكيوته كده، حاجة رقيقة بونبوناية. لو وريتك صورتها تعرفيها لي؟"
تبسمت زينب.
"والله حتى لو معرفتهاش، أعرف واحدة عارفة البلد كلها ممكن بسهولة تعرفها، بس فين الصورة؟"
وضع مجد الهاتف في وجه زينب.
"أهي صورتها أهي، لو تعرفيها دليني عليها، ومسامحك في الفلوس اللي قلبتيني فيها، ومش هدعي عليكي تاني."
نظرت زينب لصورة الهاتف.
"بقى يا غبي صورتها من ضهرها وعاوزني أعرفها لك؟"
مجد.
"يا ريتني كنت وقفتها، قولت لها هاخدلك سيلفي عشان تعملي محضر تحرش، وكنت عرفت هي مين واحنا في القسم."
تعجبت زينب.
"واضح إن قاعدتك كتير في عتاقة ووسط الصحارى تنقب عن البترول، خلاص سيّحت عقلك وقريب جداً هتبقى مريض بالتهيؤات زي حسن يوسف في فيلم (للرجال فقط)."
....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالعودة للحاضر، الجامعة.
تحدثت ألما.
"إنت إزاي تتطاولى علينا بالشكل ده، وإنت يا وسيم أزاي ساكت للحشرة دي؟"
ردت ليلى.
"الحشرة هي اللي بت..."
توقفت ليلى تشعر بالخجل من أن تقول أنها كانت تحضن وسيم.
ثم أكملت.
"بس العيب مش عليكي، العيب على الدكتور الجامعي، اللي المفروض بيبقى قدوة في الاحترام قدام طلابه، بس يظهر عيشته في مجتمع أوربي لفترة نسّاه الأخلاق."
ردت لمى بوقاحة.
"وسيم، إنت إزاي ساكت على الوقاحة دي؟"
ردت ليلى.
"إنتي اللي وقحة، وناسية إنك في حرم جامعي، بس العيب مش عليكي، العيب على الدكتور اللي قبل كده، وناس إنه في جامعة محترمة."
تضايق وسيم.
"ليلى، إلزمي حدودك وبلاش تتخطيها، وشوفي مين اللي قليل الذوق من الأول ودخل المكتب من غير ما يخبط الباب يستأذن قبل ما يدخل."
ردت ليلى.
"للأسف، أنا خبطت، بس يظهر حضرتك كنت مشغول، ومسمعتش خبط الباب. وحتى لو مخبطتش، إحنا في الجامعة ووارد دخول طلبة وطالبات لمكتبك، يعني الموقف المخجل ده كان ممكن غيري يشوفه ويبقى زيي ويفقد احترامه ليك كقدوة له."
تعصب وسيم.
"ليلى، بلاش طريقتك دي في الكلام، وبعد كده إنتي ممنوعة من حضور المحاضرات والسكاشن العملي بتاعتي. وكلمة واحدة منك زيادة، اعتبري إنك شيلتي المادة بتاعتي. اتفضلي اخرجي بره المكتب."
تبسمت لمى بخباثة. بينما ليلى ذُهلت من رد وسيم وكادت دموع عينيها تتساقط، لكن فعلت كما قال وخرجت مسرعة من المكتب.
بينما لمى اقتربت من وسيم بدلال، وكانت ستقوم بحضنه مرة أخرى، لكن قال وسيم.
"كفاية يا لمى، وقوليلي ليه جيتي هنا على الجامعة؟"
ردت لمى.
"عشان وحشتني يا وسيم، فاكر زمان إحنا كنا قريبين قوي. أنا راجعة مصر عشانك، فاكر لما اتقابلنا آخر مرة من كام شهر في إنجلترا وسهرنا سوا؟ بصراحة، كنت عايزة أعترفلك إنك أكتر شخص أنا بتمناه يكون الكابلز بتاعي."
سخر وسيم.
"كابلز معناها إيه دي؟ وبعدين مينفعش كلام هنا، أنا خلاص خلصت محاضراتي النهارده وراجع البيت. اتفضلي قدامي، ويا ريت تمشي مظبوط وبلاش حركات المياصة دي تعمليها قدام اللي في الجامعة، كفاية لبسك المثير ده، معرفش إزاي أمن الجامعة دخلك أصلاً."
ردت لمى.
"دخلوني لما قولت لهم إني خطيبتك."
انصدم وسيم.
"إيه؟ وكمان قولتي خطيبتي؟ لأ، ده كتير، كتير قوي كمان."
بينما ليلى ذهبت إلى المصلى الخاص للفتيات بالجامعة، ودخلت دموعها تسيل على وجنتيها. فذهبت إلى حوض الوضوء وغسلت وجهها، ثم جلست لدقيقة واحدة وخرجت من المصلى. ورأت ما جعل دموعها تسيل مرة أخرى. وسيم يسير بجوار تلك المتبرجة الوقحة، تحدثه وهو يرد عليها بهدوء. لا تعلم أنه هو الآخر رأى انعكاسها من خلف عدسات نظارته الشمسية. لديه حرب دائرة بداخله، وهو يراها تجفف عينيها بمحرمة ورقية.
توجه إلى السيارة وصعد هو وألما إليها، بينما ليلى عزمت أمرها. ستبتعد. من الجيد أنه حرمها من حضور محاضراته والسكاشن الخاصة، بهذا لن تراه مجدداً، وستؤدّي ذلك الشعور الذي من الجيد أنه وئد من البداية.
....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل صفوان المنسي.
خرج رامى من الغرفة خلف الطبيب الذي كان يعاين مروة.
"هي إيدها ورجلها هيفضلوا قد إيه لسه في الجبس؟"
رد الطبيب.
"لأ، مش مدة طويلة، يعني كمان خمسة عشر يوم نفك الجبس، بس ممكن تحتاج بعض جلسات العلاج الطبيعي لمدة، وبعدها مع الوقت أكيد حركة إيدها ورجلها مع الوقت هتتعدل."
تبسم رامى شاكراً الطبيب.
"شكراً لحضورك هنا للبيت لمعاينة مروة، والسواق بالخارج هيوصل حضرتك مكان ما تحب."
تبسم الطبيب.
"لا شكر ولا حاجة، وربنا يشفيها."
وقف رامى أمام باب الغرفة التي بداخلها مروة، يتنهد، يزفر أنفاسه بقوة علها تهدأ تلك النيران المشتعلة بداخله. لا يعلم لما يكره صمت مروة التي أصبحت تمارسه معه في الأيام الأخيرة بعد عقد قرانهما. يود أن تتحدث، حتى لو هاجمته كما كانت تفعل أحياناً بالسابق. هل الخضوع أصبح ردها بالقبول عليه؟
بينما بداخل الغرفة، ساعدت فادية مروة على أن تعتدل بالفراش.
"والله رامى يستاهل الشكر، دي تاني مرة يجيبلك الدكتور هنا في البيت يعاينك، غير لما كنا بالوحدة، كان برضو بيجيب الدكاترة من بره الوحدة يعاينوكي. ربنا يهدي سركم."
لم ترد مروة عليها حين سمعت صوت طرق الباب ودخول رامى بعدها.
تحدث رامى.
"طنط فادية، ممكن لو سمحتي تعمليلي قهوة مظبوط."
تبسمت فادية.
"عينيا."
تبسم رامى.
"تسلمي."
خرجت فادية وتركت مروة مع رامى بالغرفة.
نظر رامى لمروة.
"الدكتور قال إنه الجبس هيتفك بعد خمسة عشر يوم، وفرحنا هيتم بعد فك الجبس مباشرةً، وتكملي العلاج الطبيعي عندي في السرايا، متخافيش، هتلاقي في السرايا رعاية واهتمام أكتر."
نظرت له مروة.
"مش فاهمة، يعني إيه هلاقي في السرايا رعاية واهتمام أكتر؟ وهُنا ماما وإخواتي بيهتموا بيا، ليه الاستعجال؟"
رد رامى.
"أنا قولت الفرح بعد ما تفكي الجبس مباشرةً، ولا هتفكري تنتحري مرة تانية؟"
ردت مروة بدموع خانتها.
"قولت لك مستحيل أني أفكر انتحر لأي سبب من الأسباب، حتى لو كان السبب إنت وإني متجوزكش. أنا لغاية دلوقتي مش فاكرة إزاي طلعت أساساً على سور البيت وإزاي وقعت، مش مصدقة، إنت حر، لكن أنا مش هكفر وأموت نفسي. كان بسهولة إني أهرب من الأساس وأبعد عن هنا، ومكنتش هتعرف مكاني."
اقترب رامى من الفراش وانحنى على مروة يكلمها بهسيس.
"كنت هدور عليكي وهجيبك من تحت الأرض، قولتلك أنا قدرك يا مروة، وجوازنا بعد فك جبس إيدك ورجلك."
قال رامى هذا وانقض على شفاه مروة يُقبّلها بنهم وعشق مستتر خلف الجفاء الذي يُظهرهُ، لكن ترك شفاه ووقف ثابتاً حين سمع صوت مقبض الباب ودخول نعمان إلى الغرفة مبتسماً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل رفعت إلى السرايا بمُهرة التي أصبحت فاقدة للوعي.
"الدكتورة فين؟"
"الدكتورة مع أخوها في أوضة الصالون."
"تمام، روحي بسرعة ليها، خليها تحصلني على أوضة نومي، بسرعة."
ذهبت الخادمة إلى غرفة الصالون.
"دكتورة زينب، رفعت بيه عاوز حضرتك دلوقتي ضروري في أوضة نومه، بسرعة."
وقفت زينب.
"وعاوزيني ليه؟ على العموم أنا رايحة له."
تبسم مجد ساخراً بعد خروج الخادمة.
"هو إنتم مش بتناموا في أوضة واحدة؟ مطبقين نظرية الزواج الحديث، كل واحد له أوضة خاصة ونتقابل في التراس قدام الناس؟"
رمت زينب وسادة صغيرة بوجه مجد.
"لأ يا حيوان، دي نظرية صوّرني من ضهري تعرفني. بلاش سخرية، هروح أشوفه عاوز إيه وأرجعلك تاني."
تبسم مجد بوقاحة.
"متخافيش، هطلع أرتاح في الأوضة اللي رفعت قال للشغالة تحضرهالي، يعني خدي وقتك، يمكن الموضوع يطول، وتجيبي بيبي شبه خالو."
ردت زينب.
"بتتريق يا حيوان عليا؟ ماشي، راجعالك أعرفك مقامك، يظهر اشتقت للضرب."
تبسم مجد.
بينما حين اقتربت زينب من الغرفة، وجدت باب الغرفة مفتوحاً، فدخلت مباشرةً للغرفة.
رأت تلك المرأة التي قابلتها منذ أيام، ورفعت بيده زجاجة عطر يحاول أن يجعلها تعود للوعي، لكن لا تستجيب. تنحنحت زينب.
التفت رفعت لصوت نحنحتها.
"زينب، عمتي مهره معرفش جرالها إيه، من فضلك."
ردت زينب سريعاً وهي تقترب من الفراش.
"نادي على أي حد يجيبلي الشنطة الطبية اللي هنا بسرعة."
في خلال دقيقة، كان أمام زينب حقيبة طبيبة بها كل مستلزمات الطبيب.
وضعت زينب سماعة طبية وبدأت في فحص مؤشرات مُهرة.
"هى عمتك بتاخد نوع معين من الأدوية أو بتشتكي من أي مرض مزمن؟"
رد رفعت.
"معرفش، بس بتسألي ليه؟ وبعدين هي مش بتفوق ليه؟"
ردت زينب.
"المفروض عمتك تدخل المستشفى، لأنها لازمها غسيل معدة. واضح جداً إنها تناولت حبوب أو جرعة علاج أكتر من اللازم، وده عمل لها هبوط في الدورة الدموية، ولازمها رعاية خاصة في مستشفى، وكمان تحليل دم عشان نعرف نوع العلاج اللي أخدته وسبب لها الحالة دي، وتاخد مصل مضاد للنوع ده من الأدوية، وكمان هتعوز تعلق محاليل و..."
رد رفعت.
"إنتي مش دكتورة؟ اتصرفي هنا، أنا مش هوديها للمستشفى، وقولي لي على المستلزمات اللي محتاجاها، وهتلاقيها كلها قدامك فوراً."
ردت زينب.
"تمام، أول حاجة محتاجة أعرف نوع العلاج اللي أخدته، وده مفيش غير حلين، يا إما تقولي اسم العقار ده، يا تحليل دم سريع."
فتح رفعت هاتفه سريعاً، قام بالاتصال على رقم منزل مُهرة الأرضي. ردت عليه إحدى الخادمات. وقام بسؤالها، أجابته أنها كانت تأخذ أحد العقارات الطبية المنومة من حين لآخر، وأنها لديها الروشتة الخاصة بهذا الدواء.
رد رفعت.
"طب أنا هقفل الخط و بسرعة ابعتيلي على الموبايل صورة واضحة للروشتة دي من موبايل عمتي مُهرة."
بالفعل، خلال دقيقة كان يسمع رفعت صوت رسالة على هاتفه. فتحها سريعاً واتجه إلى مكان وقوف زينب وأعطاها هاتفه.
"اسم العلاج أهو اللي كانت بتاخده عمتي مُهره."
أخذت زينب الهاتف ونظرت إلى الصورة وقالت له.
"تمام، هكتبلك شوية أدوية مضادة للعلاج ده، تجيبها وكمان محلول طبي."
بالفعل، دونت زينب على ورقة مجموعة أدوية وقامت بإعطائها لرفعت الذي فر سريعاً يأتي بتلك الأدوية بنفسه، وعاد خلال دقائق معدودة. بدأت زينب بعلاج مُهرة بالمضادات وتعليق المحاليل الطبية لها.
بينما دخل وسيم إلى منزل هاشم الزهار بصحبة تلك الفتاة.
"دكتور وسيم، طلبت حضرتك كتير عشان أقولك إن مدام مُهرة تعبانة، بس حضرتك مردتش عليا واضطريت أتصل على رفعت بيه وجه وأخدها معاه، وهي كانت شبه مغمى عليها وبتهلوس."
انخض وسيم وأخرج هاتفه، وجده على الوضع الصامت، فقام بفتحه. بالفعل عدة مكالمات فائتة. لكن نظر للخادمة.
"ورفعت خد ماما وراح بيها فين؟"
ردت الخادمة.
"معرفش، حتى كان اتصل عليا وقالي إن كانت مدام مهره بتاخد أدوية معينة وأنا صورت له الروشتة بتاع الدوا اللي بصرفه لها من الصيدلية كل فترة."
رد وسيم بغضب.
"هي كانت رجعت تاني للمهدئات دي؟ مش كانت بطلتها؟"
صمتت الخادمة.
تنهد وسيم وقام بالاتصال على رفعت، لكن لا رد. عاود الاتصال أكثر من مرة، لكن لا رد. فكر سريعاً، وقام بالاتصال على رامى.
بمنزل صفوان.
كان رامى يجلس مع صفوان الذي يتحدث بهدوء، ولديه شعور أن مروة غير مرحبة بهذا الزواج، أو أنها مُرغمة عليه. لكن أثناء حديثهم، رن هاتف رامى. نظر للشاشة رأى اسم وسيم. رد عليه بهدوء، لكن فجأة انتفض واقفاً.
"بتقول إيه؟ أنا مش مع رفعت، اتصل على تليفون السرايا الأرضي واسألهم عنه، وأنا دقايق وأكون في السرايا، أكيد رفعت أخد عمتي مُهرة للدكتورة زينب تعالجها."
حين سمع نعمان اسم مُهرة، انخلع قلبه ونهض هو الآخر.
"مُهرة، مُهرة جرالها إيه؟"
تعجب رامى، ولكن قال.
"معرفش، أنا لازم أمشي دلوقتي."
تحدث نعمان يقول بتلهف ودون تفكير.
"أنا جاي معاك."
أثار ذلك تعجب كل من مروة ورامى، لكن غادر رامى ومعه نعمان سريعاً.
بعد قليل، كان بالسرايا كل من رامى، ووسيم، وأيضاً نعمان. يقفون أمام باب الغرفة ينتظرون خروج زينب أو رفعت من الغرفة.
بالفعل، بعد دقائق خرج رفعت ثم زينب.
تحدث نعمان بلهفة.
"مُهرة جرالها إيه؟ من فضلكم حد يطمني عليها."
رغم تعجب رفعت من قول نعمان، لكن تحدثت زينب.
"مدام مُهرة هتبقى كويسة الحمد لله، امتثلت للمضاد بتاع المهدئ اللي أخدته، وواضح إنها أخدت كذا حباية تساعدها عالراحة، ومكنتش مفكرة إن زيادة الجرعة ممكن تكون انتحار منها."
تعجب رفعت.
"قصدك إيه، إن عمتي مُهرة حاولت تنتحر؟"
ردت زينب.
"لأ، ده مش انتحار بمعنى انتحار، واضح جداً إن عمتك مُهرة كانت بتتعاطى منوم معين يساعدها عالنوم. النوع ده من الأدوية له تأثير كبير على المخ، بيساعده على الاسترخاء، بالتالي بيشعر العقل بالغياب وبيستسلم للنوم، بس بعد فترة تأثير العقار ده على المخ بيضعف، فالمريض بيزود الجرعة، يعني مثلاً بدل ما ياخد حباية واحدة، بياخد اتنين أو أكتر. مع طول الوقت بيأثر على عصب الدماغ نفسه، وكل ما الجرعة بتزيد بيقفد الجسم القدرة على الراحة، بيبقى زي إدمان كده، بس سهل الإقلاع عنه، بس لازم إرادة اللي بياخد النوع ده من المهدئات، لأنها خطيرة زي المخدرات بالظبط، حتى أسوأ، لأن فيه أدوية ممكن تخلي المريض ينتحر بسهولة جداً وهو مش حاسس إنه بينتحر، هو مفكره علاج. ومدام مُهرة تناولت أكتر من حباية في اعتقادها إنها هتساعدها تنام وتفصل عن الشيء اللي بيضايقها، بس يمكن من رحمة ربنا بيها إنها اتلحقت بسرعة."
لم يتعجب وسيم.
"بس هي وعدتني إنها كانت هتبطل أخذ المهدئات دي، وبالفعل كانت بطلتها، بس إيه اللي جرى خلاها ترجع ليها تاني؟ أكيد فيه سبب."
بينما ذلك العاشق القديم.
"ممكن أدخل أطمن على مدام مُهرة."
تعجبوا جميعاً.
"أنت إيه حكايتك مع عمتي مُهرة؟ أنا لاحظت نظراتك ليها يوم كتب كتابي بالوحدة، وهي كانت بتهرب من نظراتك دي."
رد بنفس الشيء وسيم.
"إنت مين؟"
رد نعمان عليه.
"أنا نعمان الجنايني، أنا حكاية من الماضي..."
بينما مُهرة سابحة تتلاطم وسط أمواج الماضي، تهمس باسم "نعمان"، قائلة.
"نعمان، أنا خسرت كل اللي بحبهم في الماضي، كأني كنت لعنة من كل اللي بقرب منهم. أنا كنت جبانة زي ما قولتلي، ياريتني سمعت كلامك، بس مينفعش الندم دلوقتي. ليه رجعت؟ ابعد تاني، كفاية، مش هقدر أتحمل أخسر حد تاني من اللي بحبهم. زمان قولتلي هتقبل بيا حتى بعد اللي عمله هاشم، بس أنا كنت جبانة وخفت مع الأيام تتبدل مشاعرك وتندم إنك قبلت بيا، فكرت إني لما اتجوزت من هاشم إني بنتقم منه، إنه يتحمل وزر اللي عمله فيا، وقولت اللي عمل الذنب يتحمل الجزاء، بس للأسف أنا اللي اتحملت الجزاء كله على ذنب ارتكبه غيري ودمر حياتي."
....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما بنفس الوقت، بيخ عائم بالبحر بين الإسكندرية ومرسى مطروح.
تحدث الآخر.
"بلاش تستهون بقوة رفعت، رفعت مش زي رضوان، رفعت بكلمة منه مش بس يقلب مينا إسكندرية، يقدر يقلب مواني مصر كلها، وأنا حاسس من يوم رفعت ما ساب منصبه القديم ورجع تاني للزهار إنه مش ناوي على خير."
ضحك هاشم.
"مكنتش أعرف إنك جبان للدرجة دي، عالعموم براحتك، بس خليك فاكر إحنا ابتدينا الطريق سوا، وإنت عارف رجال أوربا معندهمش مكان للمشاعر ولا للصداقة، يا عزيزي."
كانت الكلمة النهائية الذي سمعها الآخر قبل أن يسقط مسجى في دمائه، بعد رصاصة واحدة اخترقت رأسه.
تبسم هاشم لتلك التي أتت من الخلف، تسير بدلال وهدوء كأنها لم تُزهق روحاً بشرية الآن. تسير بغنج وبيدها السلاح، وألقت السلاح من يدها بعيداً على سطح اليخت.
حين اقتربت من هاشم، الذي جذبها بقوة، يلتهم شفاها في قبلات عنيفة، يعتصر خصرها بيديه، وهي ترحب بذلك، بل تريد عنفاً أكثر، وها هي تنال ما تريد. علاقة سادية تصرخ من شدة الألم، لكن باستمتاع منها، بينما ذلك الذئب يشتهي بخياله أخرى. أغمض عينيه يتمنى سماع صرخات تلك القاتلة، لكن بصوت الطبيبة. لكن جاء إلى خاطره ما يحول بينه وبين الطبيبة، هو بقاء رفعت على قيد الحياة.
بعد جولة تعذيب سعيدة، ارتطما الاثنان على الفراش يلهثان.
تبسمت القاتلة.
"ليتني قابلتك هاشم قبل أن أقابل ذالك الأحمق هشام توأمك، ربما أصبح بناتي بناتك وورثن قوتك، لا حماقة أبيهم هشام."
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل السادس عشر 16 - بقلم سعاد محمد سلامة
رغم تعجُّب الثلاث من قول نُعمان أنه حكاية من الماضي، لكن قال وسيم:
مش فاهم قصدك إيه بحكاية من الماضي، طب لما إنت حكاية من الماضي، إيه اللي رجعك دلوقتي!
رد نُعمان:
هتصدقوني لو قلت لكم معرفش أنا إيه اللي رجعني للزهار من تاني، بعد تلاتين سنة غربة كنت شريد بلا وطن، معرفش غير إني اشتقت إن نهاية حياتي أقضيها في بلدي، رغم إن كلها بلاد الله بس خوفت أموت في الغربة واندفن في مكان غريب عني.
نظر له رامى بتمعن قائلاً:
شكل حضرتك واضح إن صحتك كويسة.
تبسم نُعمان:
فعلاً الحمد لله صحتي على قد سني كويسة، وبعدين هو الموت بيفرق بين اللي صحته كويسة والمريض؟ (مال عيالكم سليمان مات) وياما ناس عايشة بس قلوبها ميتة.
حكاية الماضي مش أنا الوحيد اللي أملك سردها ليكم، مُهرة كمان ليها الحق، ويمكن تكون نسيتها وسط زحام الحياة. ودلوقتي ممكن تخلوني أدخل أشوف مُهرة، رجاءً.
لا تعرف لما شعرت زينب أن هذا الرجل لديه جرح غائر بقلبه، لم تدري وهي تفتح له باب الغرفة قائلة:
اتفضل ادخل شوفها واطمن عليها، واطمن هتبقى كويسة.
تبسم نُعمان قائلاً:
متشكر يا بنتي، ربنا يطمنك ويريح قلبك دايماً على أحبابك.
تبسمت له زينب وهو يدخل ويغلق خلفه الباب.
نظر رفعت لزينب بغضب من فعلتها، ولكن لم يتحدث، بينما وسيم ورامى لاموها قائلين:
إزاي تسمحي له يدخل بدون ما نعرف هو مين؟
ردت زينب:
والله الأوضة مش مقفولة بقفل صعب فتحه، تقدروا أنتم كمان تدخلوا. أنا رايحة أوضتي، واطمنوا مدام مُهرة مش هتفوق قبل الفجر.
غادرت زينب المكان وتوجهت إلى غرفتها، بينما اقترب وسيم من باب الغرفة وكاد يفتحه لولا أن قال له رفعت:
بلاش تدخل دلوقتي، حتى لو مكناش نعرف مين نُعمان ده وقصته، بس واضح إنه مستحيل يأذيها. أنا رايح وراجع تاني، بلاش وقفتكم دي هنا، وعمتي فعلاً حالتها بقت كويسة لحد كبير.
تنهد وسيم وأتى بمقعد قائلاً:
أنا هقعد هنا لحد ما أعرف مين الأخ نُعمان ده كمان وأيه حكايته القديمة مع ماما مُهرة.
تنهد رامى دون رد وظل واقفاً جوار وسيم.
بينما دخلت زينب لغرفتها تشعر بدوخة بسيطة، ذهبت سريعاً وآتت بجهاز فحص السكر الخاص بها وقامت بخلع بلوزتها بالكامل، وظلت بتوب داخلي بثلث كم لكن يصف جسدها من أعلى كما أنه بفتحة دائرية يظهر جزء كبير من ظهرها وصدرها، ثم قامت بعمل اختبار قياس السكر ونظرت لنتيجته. زفرت نفسها قائلة:
برضه السكر زايد، مش عارفة السبب، أنا محافظة على الآخر، هعمل أكتر من كده إيه؟ يمكن لازم أزود جرعة الأنسولين شوية.
وضعت جهاز قياس السكر وأخذت جهاز آخر ووضعت به محلول الأنسولين، ووقفت تحقن به نفسها بعضد يدها، إلى أن انتهت ألقت الحقنة، ثم جلست على الفراش قليلاً إلى أن شعرت براحة. نهضت تتوجه إلى دولاب الملابس تُخرج لها ثياب أخرى، لكن في ذلك الأثناء دخل رفعت بهياج قليلاً يقول:
إزاي تسمحي للي اسمه نُعمان ده يدخل الأوضة لـ عمتي مُهرة، مين اللي عطاكي إذن بالتصرف ده؟
ردت زينب:
إزاي يدخل أوضتي من غير ما يستأذن الأول؟ مش هتبطل الهمجية دي؟ وأنا معملتش جريمة، واضح اللي اسمه نُعمان ده، على معرفة قديمة بعمتك، وده موقف إنساني، لشخص بيترجى يشوف مريض.
نظر لها رفعت بذهول يقول:
موقف إنساني، حلوة قوي إنسانيتك، إنسانيتك دي هي اللي جابتك هنا، لو بتحكمي عقلك مش عواطفك، يمكن كان زمانك في مكان أفضل من هنا، ويمكن مكنتش قابلت إنسانة مستهترة زيك.
تعصبت زينب:
أنا مش مستهترة، والزم حدك وإنت بتتكلم معايا، وحتى لو مستهترة إيه اللي يجبرك تتحمل استهتاري؟ في إيدك الحل، خلينا ننفصل وأرتاح من همجيتك، وبعدين أنا دكتورة ومهمتي أقدم خدمتي للناس اللي تحتاجني في أي مكان مودرن أو نائي، حتى لو كان هنا في الزهار.
تبسم رفعت ساخراً وهو يمسك معصم زينب يقول:
آخر شيء تفكري فيه إني أنفصل عنك قبل...
صمت رفعت فجأة.
نظرت له زينب:
قبل إيه؟ كمل كلامك، قول سبب يخليك تتحمل استهتاري.
وقع بصر رفعت بنظرة خاطفة لمعصم زينب، رأى أثر لسن سرنجة، لكن لم يعطِ للأمر أهمية.
لكن ترك معصم زينب ووقف أمامها يحجب رؤيتها، حين فُتح باب الغرفة دون طرق، وكاد مجد أن يدخل، لكن شعر بالحرج، وقال متأسف:
كنت مفكر زينب لوحدها.
قال مجد هذا وأغلق خلفه الباب.
بينما قالت زينب:
اتفضل اطلع بره، عاوزة أغير هدومي.
نظر رفعت لها بسخرية قائلاً:
مكنتش أعرف إن الدكتورة اللي جاتلي لحد أوضتي بتنكسف تغير هدومها قدامي، بعد ما شفت كل جسمها عريان ومأثرش ذرة فيا.
نظرت له زينب قائلة بغيظ وغضب:
بره يا رفعت، وإن كان على دخولي لأوضتك، تأكد إنها مش هتتكرر تاني، وفي أقرب وقت هننفصل، لا قبل ولا بعد اللي بتفكر فيه، أنا خلاص كرهت الأسوار العالية اللي إنت عايش فيها، مش عاوزة أعرف خايف من إيه ومفكر إن بالأسوار دي هتحمي نفسك منه، عيش بين الأسوار دي لوحدك، بغرورك.
ترك رفعت يد زينب وخرج من الغرفة غاصباً، بينما زينب، تشعر بإنهاك لا تعرف سببه، أهو بسبب ذالك المرض اللعين الذي صاحبها منذ طفولتها أم هناك شعور آخر، يتسرب إليها، لا تفهمه، لم تقدر على الوقوف كثيراً، ذهبت إلى الفراش وارتمت بجسدها عليه، تشعر بدوران خفيف، أغمضت عيناها وهي تعرف أنها ستتحسن بعد قليل وينتهي هذا الدوران.
بينما رفعت نزل سريعاً درجات سلم السرايا، وغادرها، ذاهباً إلى إسطبل الخيل، سرج إحدى المهرات وامتطاها، يجرى بها بين المضمار الموجود بالمكان، لكن فجأة، أوقف المهرة ونزل من عليها، يرمي عصاه في الأرض بعنف، لما تعصب بتلك الطريقة على زينب، ما السبب، سماحها لدخول ذالك المدعو نُعمان إلى غرفة عمته مُهرة، أم مواجهاتها له أنه خائف من شيئًا ما يخفيه؟ للحظة كاد ينفلت لسانه ويقول أنه اختطفها من أمام عدوه، كي يحرق قلبه أنه أخذ من أمامه شيئًا كان يشتهيه، لكن مهلاً، أنت كاذب يا رفعت، أنت بداخلك شيء ينبض لتلك الطبيبة، تثير بداخلك مشاعر مؤودة منذ زمن، أنت تشتهيها، تريدها تستمتع بقربها، نفض ذالك التفكير عن رأسه، لائمًا ذاته، يجلدها بقسوة، قائلاً:
يكفي تلك الطبيبة وجودها يشتت بداخلك مشاعر ليس وقتها، فالنهاية معروفة، محترق مع من أحرقوا قلب ذالك الشاب اليافع صاحب العشرين عام.
أثناء تفكيره هذا رن هاتفه، أخرجه من جيبه ورد بصاعقة:
يعني هاشم و"جاكلين" نزلوا من اليخت على لانش صغير، وبعدها اليخت انفجر وولع، طب والقبطان اللي كان معاهم؟
رد الآخر:
أكيد كان في اليخت، لأننا كنا قريبين جداً من مكان اليخت وشوفنا، بس جاكلين وهاشم وشاب معاهم في اليخت، وبعد ما بعدوا شوية، فجأة انفجر اليخت، وطالما القبطان مكنش معاهم على اللانش، يبقى أكيد كان في اليخت، وبكده، يبقى اتأكدنا إن فيه تصفيات الفترة الجاية بنزول جاكلين لمصر في الوقت ده، وأكيد الراجل التالت اللي معاهم هينكشف. شكل هاشم كده ناوي يبقى هو المسيطر هنا في مصر، وقربه من جاكلين بيمهد له الطريق. تفتكر إن الضلع التالت لهاشم والقبطان اللي كان بيساعد في دخول الأدوية المخدرة دي لمصر، غير البنات اللي كان بيبعهم هاشم، للنخاسة يكون مين؟ عندي شك في هشام أخوه؟
رد رفعت:
لأ هشام أجبن من كده، وأهو أنت سمعت جزء من تسجيلات الصوت اللي كانت مزروعة في اليخت المرة اللي فاتت بين القبطان وهاشم، الشخص ده شخص مسئول في البلد أو له حصانة دبلوماسية، والأوصاف دي متنطبقش على هشام الزهار، آخره رهانات الخيل اللي بيدخلها على أمل يكسب رهان وقتها يسترد جزء من أمواله اللي ضيعها في خسارته للسباقات دي، هشام مستني ضربة حظ.
تبسم الآخر قائلاً:
طب وحكاية نزول واحدة من بناته لمصر الوقت ده مع مامتها!
رد رفعت:
حتى بناته مش زي مامتهم، دول آخرهم يصطادوا راجل يصرف عليهم ببذخ ويستمتعوا شوية، والبنت نزلت على هنا في الزهار، ومتأكد إن التانية مسألة وقت وهتنزل بس تلاقي طريقة تتخلص من عشيقها.
رد الآخر:
تمام هنفضل على تواصل، وأطمن تليفونك محدش يقدر يراقب تحركاته، والتليفون اللي طلبت مراقبة مكالماته ورسايله هبعتلك كود تقدر تدخل منه وتعرف كل المكالمات الخاصة بيه، بس غريبة الرقم ده رقم الدكتورة زينب السمراوي يعني المدام، غير متأكد إنك حاطط فيه جهاز تعقب يبقى خايف من إيه؟
رد رفعت:
مش حكاية خوف تقدر تقول زيادة اطمنان، عليها هي كمان يلا بالسلامة، وخلينا على تواصل.
أنهى رفعت المكالمة ووقف يزفر أنفاسه، لكن نظر إلى السماء ورأى بها ظلام ونجوم تخنقها بعض السحب السوداء، كحياته، هناك نجمة ظهرت يخشى أن تتوارى أو تخنقها سحبه السوداء.
بالإسكندرية
ڤيلا بمنطقة راقية
قبل أن تنزل جاكلين من سيارة هاشم، قبلته قبلة قوية عاتية قائلة:
رغم إن الوقت اللي بنقضيه معًا يكون عادةً صغيرًا، لكني أشعر بمتعة كبيرة معك، لنعيد ذالك اللقاء بأقرب وقت.
رسم هاشم بسمة قائلاً برياء:
وأنا أيضاً، أشعر بمتعة كبيرة معك، وبالتأكيد هنتقابل قريب مرة تانية. نسيتي تقوليلي إمتى هترجعي تاني لليونان؟
ردت جاكلين:
إجازتي قصيرة يومان فقط، بالـ غد مساءً سأعود لليونان.
قبّلها هذه المرة هاشم يمتص شفتيها بقذارة وقوة قائلاً:
سأظل هنا بالإسكندرية، لنلتقي غداً مرة أخرى قبل أن تغادري الإسكندرية.
تبسمت قائلة:
حسنًا، سأهاتفك غدًا صباحًا، نلتقي، وأذهب للمطار بعد أن أقابلك.
تبسم هاشم بقبول رحب، وقبلها قبلة جافة من المشاعر، لكن كما تشتهي هي.
بينما نزلت جاكلين من السيارة، منتشية من تلك القبلة. دخلت إلى رواق الفيلا، ثم رنت الجرس، فتحت لها إحدى الخادمات التي استقبلتها، مرحبة بها بحبور.
تحدثت جاكلين:
أين هشام.
ردت الخادمة:
المهندس هشام هنا في الڤيلا، بغرفته، يستعد للخروج.
تبسمت جاكلين قائلة:
حسنًا، سأذهب له، بإمكانك ترك الڤيلا الليلة.
تبسمت الخادمة لها، وقالت:
ليلة سعيدة.
بعد دقيقة واحدة، كانت جاكلين تفتح باب غرفة هشام، نظرت بالداخل ليس موجود، ذهبت إلى باب الحمام المرفق بالغرفة وفتحته دون حياء منها، تبسمت وهي تراه يجلس بحوض الاستحمام يغمض عيناه، تسحبت من خلفه ووضعت يديها على عيناه، للحظة انخض، لكن حين همست جوار أذنه أطربت قلبه فقال:
جاكي، إمتى جيتي لإسكندرية.
ردت جاكلين:
آتيت برفقة لمى، هي ذهبت للشرقية وأنا بقيت هنا لقضاء بعض الأعمال وسأعود لليونان غداً في المساء.
جذبها هشام بقوته، لتقع جواره بحوض الاستحمام، مبتسمة تقترب منه مقبلة برقة قائلة:
لقد وحشتني لمساتك الجميلة هشام، لنعيش ليلة حب معاً مثل الماضي.
تبسم هشام قائلاً:
ليه مش راضية نرجع لجوازنا مرة تانية وترجعي تعيشي هنا معايا بالإسكندرية زي بداية جوازنا، وبما إن لمى رجعت أكيد ريما هترجع لهنا قريب هي كمان ليه منتلمش أسرة مع بعضينا مرة أخرى، بعد طلاقنا بعد عشر سنين من جوازنا وبعدها أنتِ رجعتي لليونان والبنات هنا شوية وفي اليونان شوية.
ردت جاكلين:
هذا أفضل لنا نحن الاثنين، أنا لدي أعمالي باليونان وأنت كنت كبير مهندسين بهيئة الملاحة المصرية، وكل ما يفصل بيننا هو البحر فقط يا عزيزي، انفصالنا لم يمنع أحدنا أن نظل نحب بعضنا. هذا أفضل لنا ولبناتنا، هناك باليونان يجدن حرية أكثر من مصر. الأهم الآن يا عزيزي لا أريد قضاء الوقت معك بالتحدث حول أمر عودتنا لبعض، ولا الحديث حول بناتنا، أريد أن نستمتع سوياً بالوقت.
قبّله هشام بحميمية يقصيان معاً وقت محرم لكن ممتع بالنسبة لهما الاثنين.
بمنزل صفوان.
كانت مروة نائمة ترى بمنامها نفسها على سطح منزلهم، تنظر للسماء بها قمر بدر تسير يمين ويسار تتلاعب كطفلة وهي تظن أن القمر يسير مع خطواتها، لكن فجأة ساد ظلام، وبعدها انتهى كل شيء، تشعر بألم آل منه.
واستيقظت على صوت ليلى التي قالت لها:
مروة مالك إيه اللي بيوجعك؟
بكت مروة قائلة:
دماغي بتوجعني قوي، لما بحاول أسترجع اللي حصل يوم ما وقعت من على السطح، بيجي لحد حتة معينة وعقلي بيفصل، مش قادرة افتكر اللي بابا قال عليه إنه شافني واقفة عالسور وأني...
ردت ليلى:
وأنك محاولتيش تنتحري صح؟ مروة أنا متأكدة إنك مستحيل تنتحري، عارفة ليه؟ ببساطة إنتِ بتحبي وسيم، بس الخوف من طبقات المجتمع هو اللي خانق الحب ده، وإحساسك إنك أقل من وسيم في نظره، وإنه كان لازم يختار اللي تليق به وبمكانته الاجتماعية مش بنت سايس.
تعجبت مروة قائلة:
وسيم مين ده كمان اللي بحبه؟
انتبهت ليلى أنها بدل أن تذكر اسم رامي ذكرت اسم وسيم، تنحنحت قائلة:
أنا قصدى رامي، بس غلطت في الاسم. هقوم أقول لماما إنك صحيتي، عشان تجيبلك العشا، وبعدها تاخدي أدويتك، عشان كسورك تلتئم بسرعة.
فرت ليلى من أمام مروة قبل أن تسألها لما ذكرت اسم وسيم، أيُعقل ليلى لديها مشاعر تجاه وسيم؟ يبدو أن بنات صفوان المنسي، يقعن في حب من يفوقهن من الطبقات العليا.
بالرجوع إلى الغرفة الموجودة بها مُهرة.
دخل نُعمان إلى غرفة مُهرة، اقترب من الفراش النائمة عليه، ودمعت عيناه، بحسرة. من أصعب الدموع دمعة عاشق، فهي تأتي بعد، دموع الفقد والقهر، وإن كانت تندرج تحت دموع قهر وضياع.
نظر نُعمان لمهُرة النائمة على الفراش لا تشعر بشيء حولها، وجهها غاب عنه النضارة لكن مازالت نفس الجميلة التي قابلها بالقرب من حوض مزروع "زهر النُعمان"، وأنقذها وقتها من موت محقق، حين أمسك لجام سرج حصانها الغاضب التي فقدت السيطرة عليه. انحنى يُقبل يدها، تساقطت من عيناه دمعة على كف يدها، فرت غصبًا من عيناه، بسرعة جففها بأنامله، وعاد بنظره لوجهها، رأى شفاه تشق بسمة، كأنها تشعر به.
تبسم هو الآخر يتذكر (زهر النُعمان) الذي احترق سريعاً.
فلاش باك
قبل ثلاثون عام.
كان ذالك الشاب البستاني الجديد، يرعى حديقة ذالك المنزل الكبير الذي يمتلكه (همام الزهار)، وما كان إلا رجلاً متجبر وقاسي، بكل شيء، كان هناك ابنه الأكبر هاشم نسخة من تجبره بل وأسوأ، وهناك الآخر توأمه الذي رأه مرة واحدة فقط وعلم أنه يعمل بمنصب هام بميناء الإسكندرية.
يرعى أزهار وأشجار تلك الحديقة، كان يقف أمام حوض مزروع من زهور شقائق النُعمان، زرعها هو بنفسه منذ بضع أشهر وبدأت الزهور تزهر، كعادتها بنهاية فصل الشتاء وبداية فصل الربيع. أثناء وقوفه رأى وسمع فتاة آية في الجمال تصرخ، وذالك الجواد التي تمتطيه، يسير بهيجان، وكادت أن تسقط من عليه، بالفعل هي أثناء سيرها بالجواد فجأة صهل الجواد ورفع ساقيه لأعلى مما أخضها، فأنفلت من يديها لجام الجواد، لكن تشبثت بالسرج الذي على ظهر الجواد، لكن هيجان الجواد كاد أن ينهي حياتها، لولا إمساك ذالك الواقف أمامها، يدها ملوثة بالطين.
لم تشعر مُهرة بحاله وهي تـرتمي بجسدها على جسد ذالك البستاني، الذي لولا إمساكه للجام الجواد بقوة لكانا سقطا الاثنان أرضاً. ظلت مُهرة واقفة بين يدي نُعمان لبضع دقائق، لديها شعور غريب بالأمان لأول مرة بحياتها تشعر به بعد وفاة والديها منذ طفولتها هي وأختها التي تصغرها بعام واحد فقط. وهو الآخر شعر بذوبان في قلبه وهي تقف بالمنتصف بين يديه وذالك الجواد، الذي لولا صهيله لبقيت مُهرة وقتًا أطول يشعر بأنفاسها قريبة منه، صهيله أعاد الاثنان إلى الواقع، ابتعد نُعمان عنها للخلف خطوات، رفعت مُهرة، رأسها تنظر له كان وسيماً أسمر بلفحة شمس مصرية، كأنه ألقى عليها تعويذة غرام، منذ النظرة الأولى، وهو ليس أقل منها، وقع بعشق تلك الجميلة التي ليس لجمالها وصف، شعر غجري طويل بلون شمس المغيب الصافية، عينان كالبحر الهادئ وملامح من يراها يقسم أنها من الحور الجميلات.
صهل الجواد مرة أخرى يقطع تواصل العيون، ليس هذا فقط، بل مجيء ذالك المتغطرس هاشم قائلاً:
مُهرة إيه اللي موقفك هنا بالحصان، وبعدين إزاي تقللي من مقامك وتوقفي مع الجنايني؟ وإنت ليه سايب مسئوليتك وواقف كده، غور شوف شغلك.
بالفعل ابتعد نُعمان عن المكان، ذهب يعمل بمكان آخر بحديقة المنزل، ينظر خلفه لها بين كل خطوة وأخرى. بينما قالت مُهرة:
لسه مبطلتش عادة الاستقلال بالناس اللي فيك، الجنايني مغلطش في وقفته، كتر خيره لو مش هو كان ممكن زماني ميتة أو أقل ما فيها جسمي متكسر.
نظر هاشم إلى جسد مُهرة بأشتهاء يكـبتهُ وقال:
خلينا ندخل نتغدى، بابا معرفش عاوزك ليه.
ردت مُهرة:
تمام خلينا ندخل نتغدى، بس بطل غطرسه على العمال اللي بيشتغلوا عندك شوية، هما مش خدامينك دول خدامين لقمة عيشهم، غير إنك بتكسب قوتك ومكانتك وفلوسه من وراء عرقهم.
رد هاشم بغطرسته المعهودة:
مكنتش أعرف إنهم في كلية الحقوق اللي بتدرسي بإسكندرية فيها عينوكي في حقوق الإنسان، بلاش تعملي فيها الأميرة إنجي، صديقة الفلاحين والعمال.
تنهدت مُهرة، وصمتت ودخلت إلى داخل المنزل، قالت لها الخادمة:
همام بيه قالي أحضر الغدا وعاوز حضرتك في أوضة مكتبه.
تبسمت مُهرة:
تمام روحي إنتي وأنا داخلة له.
دخلت مُهرة إلى داخل غرفة المكتب وخلفها دخل هاشم وأغلق خلفه الباب.
تبسمت مُهرة قائلة:
خير يا عمو عاوزني في إيه؟
رسم همام ابتسامة مكر قائلاً:
تعالي يا بنت أخويا الغالي، مبقاش ليا ذكرى من أخويا غير إنتي وأختك، ربنا يخليهم ليا يا رب، أنتم مش بنات أخويا أنتم بناتي. لو مش أختك هي اللي أصرت تدرس في مدرسة داخلية وإنتي كمان كنتي زيها حتى دخلتي جامعة في إسكندرية، مكنتوش هتبعدوا عن عنيا، بس يهمني راحتكم. المهم يا بنتي، طبعاً ميراثكم اللي سابه ليكم أخويا المرحوم بعد ما اتـنزلت لكم عن نصيبي فيه، دلوقتي الحكومة طالبة مستندات وتوكيلات معينة، منكم ليا، يا أما أدخل كل ممتلكاتكم تحت المجلس الحـاسبي، وبتوع المجلس الحـاسبي دول معاملتهم سودة كل مليم تصرفوه عاوزين قصاده وصل، من المكان اللي اتصرف فيه. وبعد ما توفى عمي رفعت اللي كان واخد وصايتكم بعد وفاة أخويا، وأنا والله لو مش عشان خاطركم ومصلحتكم مكنش همني، بس حتى رضوان ابن عمي هو اللي اقترح عليا آخد وصايتكم. دلوقتي يا بنتي فيه أوراق لازم تمضي عليها إنتي وأختك، عشان أقدر أتصرف وأبعد المجلس الحـاسبي عنكم، وتفضل ممتلكاتكم تحت إيديكم بعيد عن الحكومة، ومنغصاتها، وتستلموها لما تتموا واحد وعشرين سنة.
ردت مُهرة ببراءة:
أوراق إيه دي يا عمو؟
رد همام:
مطلوب منكم موافقة بوصايتي عليكم.
فكرت مُهرة قليلاً وقبل أن ترد تدخل هاشم بمكره المعهود قائلاً:
أكيد هيوافقوا يا بابا حضرتك من البداية كنت الأجدر والأحق بوصايتك عليهم بس كان احترامك لعمي رفعت هو اللي خلاك اتـنزلت عن الوصاية له، ومش معقول يوافقوا حد تاني غيرك يكون وصي عليهم، والمدة مش طويلة يعني، مُهرة عندها تسعتاشر سنة وأختها عندها تمنتاشر يعني سنين قليلة، وبعدها ربنا يديك طولة العمر وتسلمهم أملاكهم وإنت مزودها لهم.
لا تعرف مُهرة لما شعرت بغبطة، ليت والد رضوان ما توفى، وليت رضوان هو من يأخذ وصايتها هي وأختها، لكن رضوان لديه زوجة وابن واحد ويعيش بين الشرقية والإسكندرية. وكذالك إحراج هاشم بحديثه.
تنهدت مُهرة قائلة:
أنا موافقة يا عمو على وصايتك ليا أنا و(لبنى) أختي أكيد هتوافق.
تبسم هاشم وهمام الاثنان لبعضهم بمكر، وقال همام:
تمام أختك جاية بكرة لهنا هتقضي إجازة نص السنة هنا هي كمان، ومهمتك تبلغيها وأنا هقول للمحامي يجهز الأوراق الخاصة بالوصاية.
بالفعل في اليوم التالي كانت كل من مُهرة ولبنى تمضيان على أوراق الوصاية عليهن، ولصغر عمرهن وعدم معرفتهن لم يقرأن بنود الوصاية، والذي من ضمن بنودها، عدم زواج واحدة منهن دون موافقة عمها على هذا الزواج، بإذن كتابي منه وإن حدث هذا يعتبر الزواج باطل.
بالفعل مرت الأيام، اقتربت إجازة نصف العام على الانتهاء، كانت مُهرة يومياً تذهب إلى ذالك الحوض وتنتظر نُعمان إلى أن يأتي، بدأت شرارة الحب تشعل بالقلوب، أول فتيل لها حين أعطى نُعمان إحدى الزهرات لمُهرة. تعجبت مُهرة من شكل الزهرة الهلامي وعطرها الفواح قائلة:
الزهرة دي شكلها غريب مع ذالك ليها عطر مميز.
تبسم نُعمان يقول:
دي زهرة (شقائق النُعمان) وهي شكلها فعلاً غريب بس ليها عطر مميز.
تبسمت مُهرة:
مش بس شكلها اللي غريب كمان اسمها غريب (شقائق النُعمان) يعني إيه!؟
تبسم نُعمان:
الزهرة لها أكتر من حكاية. في حكاية بتقول إنها أول مرة ظهرت الزهرة دي كانت على قبر أحد الملوك القدامى وكان اسمه نُعمان المنذر والملك ده في كذا حكاية عنه، حكاية بتقول إنه رفض يجبر أخته إنها تتجوز من أحد ملوك الفُرس، وبعدها ملك الفُرس هدده إنه هياخد كل نساء العرب سبايا له، بس هو حاربه بس للأسف خسر الحرب واتقتل، وإن الزهرة نمت على قبره بسبب دموع أخواته على قبره، ده كان حكاية للزهرة بس بيقولوا دي الأقرب للواقع. وفي حكاية تانية بتقول إن الزهرة دي كانت مرسال الحب بين أدونيس وعشتار، بس الحكاية الأولى هي الأصدق، وبيقولوا عليها (زهرة دماء المحبوبة) أو (الحبيب المغدور) لأن أدونيس مات مغدور. كمان في شعراء كتير كتبوا شعر في الزهرة دي زي "محمود درويش" "إيليا أبوماضي" قصيدة نزيف الحبيب، وكمان بيقولوا عليها إنها أسطورة الحب والدم، وكمان لها استخدامات طبية منها علاج السعال والقولون.
تبسمت مُهرة قائلة:
فعلاً حكاية الزهرة دي زي شكلها وعطرها غريبة.
تبسم نُعمان قائلاً:
إجازة نص السنة خلاص قربت تنتهي وأكيد هترجعي لإسكندرية من تاني.
تبسمت مُهرة:
فعلاً الإجازة خلاص هتخلص، أول مرة في حياتي من بعد وفاة بابا وماما أحب إني أفضل هنا ومرجعش تاني لإسكندرية، والعزلة هناك، رغم إني معظم حياتي بعد وفاة ماما وبابا أنا واختي في مدارس داخلية في إسكندرية وبنيجي لهنا في الزهار في الإجازات الكبيرة بس زي إجازة نص السنة وآخر السنة.
تبسم نُعمان قائلاً:
خدي الزهرة معاكي تفكرك بيا، قصدي بـ هنا بالزهار.
تبسمت مُهرة قائلة:
متأكدة إن دي أكتر إجازة استمتعت بيها هنا في الزهار، ولأول مرة بتمنى مرجعش لإسكندرية وابعد عن الزهار، نفسي أفضل هنا طول الوقت وأعيش وسط الجنينة وزهرة شقائق النعمان يفضل عطرها يفوح حواليا.
تبسم نُعمان:
للأسف زهرة النعمان عمرها قصير، لأنها ليها طقس معين وهو نهاية الشتا وبداية الربيع، أول ما بيطلع عليها الصيف بتحرق.
ارتجف قلب مُهرة للحظة حين أخبرها نعمان بأن الزهرة عمرها قصير، لكن قالت له:
كنت عاوزة آخد رقم تليفونك، عشان أنا ناوية أزرع بعض الزهور في بلكونة الشقة اللي عايشة فيها.
تبسم نُعمان وأعطاها رقم هاتفه الأرضي.
لتظل بينهم الاتصالات الهاتفية، وليست الاتصالات فقط، بعض الرسائل الورقية الذي كان يرسلها لها نُعمان ومعها بعض الزهور الذي يقوم بزراعتها بين الوقت والآخر، وها هي انقضت مدة البُعاد وعادت المُهرة مرة أخرى لمكان اللقاء الأول، لكن الزهرة حقاً احترقت أوراقها والحوض به نبات آخر ينمو، يتحمل حرارة الصيف، لكن ما نما بالقلب هل يستطيع تحمل حرارة الغدر المرصود.
كان اللقاء الثاني بين نُعمان ومُهرة، سيختلف كثيرًا، فقد نما بقلب كل منهم عشق للآخر، رغم البُعاد، من قال إن البُعاد يُنسي، لا فهو يزيد الاشتياق بالقلوب والعيون لرؤية الحبيبة والحبيب. نظرت مُهرة حولها بالحديقة تنتظر أن ترى نُعمان بأنتظارها، لكن هو ليس موجود، لما؟
هناك بستاني آخر يعمل بالحديقة، أين نعمان؟
ذهبت مُهرة إلى البستاني وكان رجلاً، تعدى عمره الأربعين عام، وقف باحترام معتدل حين اقتربت منه، سألته قائلة:
فين نُعمان؟
رد الجنايني:
قصدك نُعمان الجنايني، اللي كان بيشتغل هنا قبلي، ده هاشم بيه طرده من شهر ونص، وأنا جيت أرعى الجنينة بداله.
تعجبت مُهرة:
وطرده ليه؟
رد الجنايني وهو يتلفت حوله:
معرفش والله يا ست هانم، اسأليه؟
تعجبت مُهرة، لما لم يخبرها نُعمان أن هاشم قام بطرده لا في رسائله الورقية ولا باتصالاتهم الهاتفية.
تركت الجنايني ودخلت إلى المنزل تسأل عن هاشم، قالت لها الخادمة أنه يسبح بحمام السباحة الموجود خلف المنزل، بالفعل ذهبت إلى مكانه، وجدته يعوم بالمياه.
تحدثت قائلة:
ليه طردت نُعمان الجنايني؟
رد هاشم وهو يسبح:
طردته وخلاص، بتسألي عنه ليه؟ كان من بقية العائلة ولا الأصدقاء، واحد كان شغال وخلاص طردته.
ردت مُهرة:
يعني طردته بدون سبب، ده يعتبر ظلم.
رد هاشم وهو يخرج من حمام السباحة، ينفض عن جسده الضخم المياه، من يرى منظره يقسم أنه وحش خرج من الماء لتوه، واقترب من مكان وقوف مُهرة يقول:
ظلم، ظلمته في إيه؟ هو كان شغال تحت التجربة، وفشل، ساب زرع الجنينة اتحرق من العطش، غير بعض الزهور اللي كانت نادرة وموجودة هنا في البيت كمان مهتمش بيها، فطردته.
تعجبت مُهرة قائلة:
بس أنا لسه جايه من الجنينة ومفيش الكلام ده.
اقترب هاشم من مُهرة وجذبها من خصرها وقربها منه قائلاً:
ومالك محموقة عالجنايني ده قوي كده، يكون فيه بينكم سنس وأنا معرفش؟
اشمئزت مُهرة من مسك هاشم لها ودفعته بيدها قائلة:
قبل كده قولتلك بلاش طريقتك دي معايا، سبق وعمو رفعت حذرك تقرب مني.
ضحك هاشم وهو يضع يديه يتحرش بجسد مُهرة:
عمو رفعت تعيشي إنتِ دلوقتي بقى فيه عمو همام وده زي الخاتم في صباعي، يعني انسي عمو رفعت ده خلاص.... الله يرحمه.
دفعت مُهرة هاشم بقوتها، ليبتعد عنها، لكن كيف لعصفورة أن تقاوم ذئب، كاد أن ينهش شفتيها لكن لسوء حظه دخول الخادمة، تنادي على مُهرة كي ترد على الهاتف.
رغم غيظ هاشم من تلك الخادمة التي قطعت عليه، فلولاها لكان الآن يتذوق شفتي مُهرة، لكن قال:
مين اللي بيطلبها عالتليفون.
ردت الخادمة:
بتقول مامتها الست إنعام.
تبسم هاشم يقول:
إنعام حمات رضوان الزهار، مامتك بالرضاعة، مكنش لازم مرات عمي تسيبك ليها ترضعك مع المرحوم ابنها اللي مات وعنده عشر سنين، من وقتها ومفكرة إنك بنتها بجد وعاملة فيها القلب الكبير، وإنها مش مرات خالكم لأ مامتكم، وبالذات بعد ما رضوان اتجوز من بنتها وخلف ابنه رفعت، عاملة فيها أمينة رزق وكلهم أولادي.
ردت مُهرة:
فعلاً بحس باتجاهها إنها زي مامتي وكفاية إنها الوحيدة اللي بتزور أختي في المدرسة الداخلية وتطمن عليها وعليا أنا كمان، دي مشاعر إنت متفهمش فيها.
قالت مُهرة هذا وغادرت مكان حمام السباحة وذهبت للرد على إنعام وتحدثت معها بود وهي تطمئن منها على حالها إلى أن انتهى الاتصال بينهم، فكرت مُهرة، قليلاً ثم قالت ولما لا.
هاتفت مُهرة هاتف منزل نُعمان، لكن لم يرد عليها في البداية نُعمان، كان صوت امرأة، ترددت مُهرة أن تسألها من تكون، لكن نُعمان جاء أثناء حديث مُهرة قبل أن تغلق الهاتف دون تعريف نفسها لمن ردت عليها.
سمعت صوت نُعمان يقول:
بتكلمي مين عالتليفون يا فادية؟
ردت فادية:
دي واحدة بتسأل عنك، ومقالتش اسمها.
تعجب نُعمان وأخذ سماعة الهاتف من يد أخته ورد على الهاتف، بمجرد أن سمع صوت أنفاس مُهرة التي تخترق سماعة الهاتف ودون أن تتحدث، تنهد بشوق قائلاً:
مُهرة.
تلـبكت مُهرة قائلة:
عرفت إن أنا مُهرة منين؟
تبسم نُعمان:
من صوت أنفاسك.
تلـبكت مُهرة:
أنا رجعت للزهار وعرفت إن هاشم طردك من الشغل عندنا في الجنينة، ومقاليش عالسبب.
تبسم نعمان:
فعلاً هو اتلكك على سبب تافه وطردني من الشغل عندكم في جنينة البيت، بس الحمد لله لله كان من مصلحتي في الوقت المناسب، أنا كنت مقدم على وظيفة في الحكومة والحمد لله أخيرًا اتعينت في وزارة الزراعة، في الوحدة الزراعية مهندس زراعي بشهادتي.
تبسمت مُهرة:
مبروك يا بشمهندس.
تبسم نعمان:
بس بصراحة كان نفسي أفضل أشتغل في الجنينة كفاية إني كنت هشوفك، في كل وقت.
تبسمت مُهرة بخجل وقالت:
أنا لازم أقفل دلوقتي.
تحدث نعمان سريعاً يقول:
مش هشوفك.
خجلت مُهرة قائلة:
وعاوز تشوفني ليه؟
تبسم نعمان:
عشان أملي نظري بجمالك.
تبسمت مُهرة بخجل قائلة:
خلينا نتقابل، أنا بكرة الصبح بدري هطلع أمشي بالحصان جنب الترعة بتاع البلد.
تبسم نعمان يقول:
هكون في انتظارك من قبل أذان الفجر الأولاني.
تبسمت مُهرة له، وأغلقت الهاتف، على دخول هاشم الغرفة يقول بسخرية:
طمنتي أمينة رزق عنك، بس ليه لبنى لسه موصلتش لتكون هتقضي الإجازة هناك في إسكندرية.
ردت مُهرة:
فعلاً، لبنى هتقضي إجازتها مع مرات خالي في إسكندرية.
تبسم هاشم ساخراً:
وماله أهى تشوف البحر طول السنة يا عيني محبوسة في المدرسة الداخلية، على فكرة كان فيه شوية أوراق محتاج توقيعك عليها إنتِ ولبنى، بس طالما لبنى هتفضل في إسكندرية، ممكن تتأجل شوية يمكن لبنى تراجع عقلها وتيجي لهنا قريب، يلا خلينا نتغدى الخادمة حضرتهُ عالسفرة.
تنهدت مُهرة بسأم وذهبت خلفه إلى غرفة السفرة.
مساءً بغرفة مُهرة: فتحت شرفة غرفتها وجلست على مقعد هزاز مقابل النجوم المضيئة بالسماء، كانت تتنهد شوقًا لرؤية نعمان بعد ساعات فقط، وكان نعمان هو الآخر نفس الشيء يجلس على سطح منزله، ينظر لمعة تلك النجمات المليئة بالسماء، بريقها يضوي أحيانًا ويخفت أحيانًا، لكن ذالك الشعور الذي بقلبه مع الوقت يضوي، إلى أن اقترب الظلام أن يبشر بنهايته، وتبدأ النجوم بالرحيل تاركة مكانها غسق ستشرق من بعده الشمس. نزل من على سطح منزله، وخرج متجه إلى ذالك المجرى المائي. وكذالك مُهرة التي تسحبت من غرفتها وخرجت من البيت وتوجهت إلى إسطبل الخيل وسرجت إحدى المهرات وامتطتها، لكن قبل خروجها من الإسطبل، كان هناك من أوقفها.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل السابع عشر 17 - بقلم سعاد محمد سلامة
نظرت مُهره خلفها لذالك الصوت الذى أوقفها.
وقالت: "إنت مين؟"
إقترب الآخر من مكان وقوفها بالجواد، وقال: "آنسه مُهره أنا آسف، مشوفتش حضرتك، أنا هنا سايس ومسئول عن ترويض الخيول، إسمى وحيد الشامي."
تبسمت زينب ونظرت بتمعن لهرأته شاب بمقتبل العشرينات وسيماً، به هو الآخر لفحة سمار وجسده مشدود، ويبدو عليه العنفوان.
تحدثت: "أهلاً يا وحيد، أنا حاسه بزهق من الحر، هطلع أتمشى بالحصان شويه، في الهوا."
تبسم وحيد يقول بأستغراب: "دلوقتي، الفجر لسه مأذنش، والدنيا ضلمه."
تبسمت مهره: "متخافش البلد أمام وأنا مش هبعد عن الأستطبل كتير، هتمشى حوالين البيت والاستطبل شويه وهرجع."
تبسم وحيد يقول: "لو تحبى انا ممكن أسحبلك الحصان."
ردت مهره: "لأ مالوش لازمه، انا مش هغيب، وكمان المكان كله نور، ومش ضلمه."
تبسم وحيد وتركها تخرج بالجواد.
ذهبت مهره بالجواد الى ذالك المجرى المائى، توقعت أن لن تجد نُعمان، لكن كان توقعها خطأ. ها هو يجلس تحت شجرة صفصاف مزروعه على المجرى المائى. نهض سريعاً حين سمع صوت صهيل الحصان، وتوجه الى مكان وقوفها، وامسك لجامه كى تنزل.
نزلت مهره ووقفت تتأمل ملامح نعمان، على ضوء خافت لأحد أعمدة الاناره القريبه من المجرى المائى. كذالك هو رأى ضوي عيناها الامعه رغم خفوت الاناره. كان شعور كل منهم يريد الإنجراف، يريدان عناق بعضهم بشوق وتوق. نظرات وقف لها الزمن يسروقها من الظلام، يريدان أن يُبعث ضوء جديد بحياتهم وهما معاً. لكن فاق الاثنان على صهيل ذالك الجواد.
تبسمت مهره وهى تنظر ليد نعمان قائله: "أيه اللى فى إيدك ده."
تبسم نعمان وهو ينظر الى ما بيده وقال: "بصراحه مكنتش متوقع إنك هتيجى فى الميعاد وقعدت تحت شجرة صفصاف، وكان فيه فروع نازلين منها ومقربين من الأرض، قطعتهم ووأنا بفكر فيكى عملت الفروع تاج."
تبسمت مهره وهى تمد يدها وأخذت من يده ذالك التاج المصنوع من فروع شجرة الصفصاف، ووضعته فوق رأسها قائله: "طالما قولتلك هاجى، يبقى لازم أكون قد كلمتى، بس سيبك، أيه رأيك حلو عليا التاج الأخضر ده؟"
تبسم نعمان ينظر لها بإعجاب وهي تضع التاج فوق شعرها الذهبى الغجري، لتتمرد خصلاته أسفل ذالك التاج، وقال: "أجمل ملكه جمال فى الكون كله."
تبسمت مُهره بحياء، وأخفضت وجهها.
رغم النور الخافت لكن رأى نعمان وجه مهره الأحمر خجلاً وتبسم لها وقال: "مكنتش فاكر إنك ممكن تتصلى عليا بعد ما هاشم طردنى من الشغل فى الجنينه عندكم."
تبسمت مهره قائله: "ممكن نربط الحصان فى الشجره ونقعد شويه."
تبسم نعمان وأخذ لجام الحصان وقام بربطه بجذع الشجره وجلس الاثنان أسفلها.
تحدثت مُهره قائله: "لما رجعت روحت للحوض اللى كان مزروع زهر النعمان، لقيت مكانه زهور تانيه، بس ملهاش لا منظر ولا ريحة زهره النعمان."
تبسم نعمان: "سبق وقولتلك، زهرة النعمان مش بتتحمل حرارة الشمس القاسيه، مبتقدرش تقاومها."
ردت مهره: "خساره كان نفسى أجى ألقاها لسه خضرة و مزهره، بس يظهر هي زى كل شئ حلو بحياتى، بينتهى بسرعه."
رد نعمان: "علشان كده سموها زهره الحب الدمويه."
ظل الاثنان جالسان أسفل تلك الشجره ناسيان الوقت الى أن سطعت الشمس الصباح.
نهضت مهره واقفه تقول: "الكلام سحبنا الشمس خلاص بدأت تشرُق."
تبسم نعمان قائلاً: "فعلاً محستش بالوقت، فجأه الشمس ظهرت، هشوفك تانى، قصدى....."
تبسمت مُهره لا تعرف كيف أجابته: "هاجى بكره لنفس المكان فى نفس التوقيت."
تبسم نعمان وفك لجام الجواد وأمسكه الى أن صعدت عليه مهره، وغادرت، يراقبها الى ان أختفت من أمام عيناه.
عادت مهره بالجواد الى الأستطبل، وجدت وحيد يقوم بترويض إحدى المُهرات. تبسم لها، ساقها الفضول، وذهبت الى مكانه وقالت له: "صباح الخير."
تبسم وحيد قائلاً: "صباح النور، كنت لسه هطلع أدور عليكى، خوفت ليكون الحصان أذاكى."
تبسمت له قائله: "لأ أنا إسم على مسمى، وبركب خيل من وأنا معنديش عشر سنين، بس ليا طلب عندك ياريت محدش يعرف إن طلعت بالحصان قبل الفجر."
تبسم وحيد قائلاً: "أمرك يا آنسه مهره."
تبسمت له وكانت ستغادر لولا أن اوقفها وحيد قائلاً: "آنسه مهره، هي الآنسه لبنى مش هتيجي تقضي أجازة آخر السنه هنا؟"
رغم تعجب مهره لكن قالت: "لأ هتجى بعد شهر، في بعد نص الأجازة، هتفضل في اسكندريه شويه مع مرات خالي إنعام والنص التاني يكون الحر كسر شويه هتجى لهنا، بس بتسأل ليه؟"
تعلثم وحيد قائلاً: "أصلها لما كانت هنا في أجازة نص السنة كانت طلبت مني أعلمها ركوب الخيل."
تبسمت مُهره بأستغراب قائله: "لبنى عاوزه تتعلم ركوب الخيل، دي بتخاف تقرب منها."
تبسم وحيد: "هي كانت بدأت تتعلم في أجازة نص السنة بس حضرتك عارفه الأجازة بتبقى صغيرة وقالت إنها هتكمل في اجازة آخر السنة بتبقى طويلة."
تبسمت مهره له وغادرت الأستطبل.
ذهبت الى غرفتها، وإرتمت على الفراش، وأغمضت عيناها، تسترجع ذكريات ما حدث قبل قليل، ولقائها مع نعمان. نهضت ونظرت بالمرآه الى ذالك التاج الأخضر فوق رأسها، تبسمت وهى تُنحيه عن رأسها، وضمته لصدرها تبتسم، ثم ذهبت الى الدولاب وأخرجت علبة الذهب الخاصه بها، وفتحتها، كان هنالك مصوغات ذهبيه كثيره، جنبتها ووضعت ذالك التاج الأخضر أسفلها، ثم اغلقت العلبه ووضعتها بمكانها.
تكرر هذا اللقاء بينهم لمره ومرات، تسرب الى القلوب شعور العشق والأحتياج لقضاء وقت اطول معاً. في ذات ليله بالصدفه لمح هاشم خروج مهره من غرفتها قبل الفجر، تعجب وتعقبها الى أن ذهبت الى الأستطبل، تعجب وهو يراها تخرج بأحد الأحصنه، تعقبها من بعيد، وراها تقف مع أحداً أسفل إحدى الشجرات.
غَلت الدماء بعروقه، وذهب إليها، ودون سابق إنذار هجم بالضرب والسب على نعمان. أبعدته مهره عنه، لكن هاشم، أثناء عراكه مع نعمان دفعه ليقع بمياه الترعه.
إنخضت مهره كثيراً، وذهبت باتجاه الماء، لكن شد هاشم يد مهره بقوه وسحبها خلفه هي والجواد، بشراسه، بينما خرج نعمان من المياه، بشعور سيئ.
ترك هاشم الجواد بالأستطبل، ومازال يسحب مهره خلفه الى أن دخل الى المنزل، ينادى على والده بعلو صوته.
أتى والده سريعاً، دفع هاشم مهره بقوه لتقع أسفل قدم والده قائلاً: "ربة الصون والعفاف، بتتسحب وراحه تقابل الجناينى اللى انا طردته في إنصاص الليالي، يا ترى بينه وبينها أيه، تكون عشقاه وياترى سلمتي نفسك له ولا لسه."
ردت مهره عليه: "إخرس يا حيوان مسمحلكش تتهمنى بالأتهام الخسيس ده."
تحدث همام قائلاً: "اللي بيقوله هاشم ده صحيح؟"
لكن صمت مهره إستفز عمها فقام بصفعها بقوه، صفعه جعلت الدماء تفر من بين شفتاها. وقال بتجبر: "كتب كتابك يوم الخميس الجاي اللى بعد أربع أيام على هاشم."
صدمت، بل صُعقت مهره وقالت: "مستحيل لو فيها موتي."
رد هاشم: "مش موتك موت الجناينى، لو موافقتيش على اللي قاله عمك."
نهضت مهره قائله: "إنت خسيس وآخر واحد أربط حياتي معاه هو إنت يا هاشم، ولو لمست شعره من نعمان هقتلك."
تبسم هاشم بسخريه، وقال: "هنشوف كلام مين اللي هيتنفذ يا مهره، مهره الزهار مش هتكون لغيري."
قال هاشم هذا وخرج من المكان.
تحدث همام قائلاً: "أنا هبعت أجيب أختك من اسكندريه، وزي ما قولت، كتب كتابك على هاشم بعد أربع أيام."
بينما خرج نعمان من الماء يرتجف جسدهُ ليس خوفاً، بل توعكاً، ذهب الى منزله ودخل الى غرفته يهذي بحمى قويه.
بعد يومان.
ليلاً.
رغم الرقابه الشديده الذي يفرضها هاشم ووالده على مهره، لكن إرتدت زي إحدى الخادمات وغادرت المنزل، وتوجهت الى منزل نعمان.
أستقبلتها والدة وأخت نعمان، وهو الآخر خرج من غرفتهُ، يبدو عليه آثار التوعك، لكن شعر برجوع صحته له وهو يراها.
قالت مهره: "ممكن تسيبونا لوحدنا دقايق."
إمتثلتا الاثنتان رغم تعجبهن، وخرجن وتركن مهره ونعمان.
مهره التي سرعان وأرتمت بحضن نعمان، قائله: "خوفت عليكى قوى، الحيوان هاشم مش هيسيبك، خد أختك ووالداتك من هنا وسيب البلد، هاشم شراني."
رد نعمان: "أنا مش جبان يا مهره ومستعد اواجه العالم كلي بحبي ليكي، بس تكوني معايا."
ردت مهره: "صعب يا نعمان، أرحل عن هنا."
رد نعمان: "قولي يا مهره إنك مش بتحبيني ووقتها هرحل عن هنا خالص ومش هرجع."
صمتت مهره تبكي بدموع.
تحدث نعمان: "يبقى مفيش غير المواجهه، واول طريقها أنك تكوني مراتى رسمى."
تعجبت مهره وتبسم نعمان، وقال: "أنا هروح أطلبك من رضوان إبن عمك، وهو شخص متفهم، ومعندوش كِبر وغرور هاشم."
ردت مهره: "للأسف رضوان مش هنا في الزهار، رضوان في اسكندريه مراته والده وقاعده عن مامتها لحد ما تبقى كويسه ومعرفش هيرجع إمتى وهاشم وعمي مُصرين يكتبوا كتابي على هاشم بعد يومين."
رد نعمان بتفكير: "يبقى خلاص نكتب كتابنا النهارده ووقتها تبقى مراتى رسمي، ويشوف عمك وهاشم هيعملوا أيه."
تبسمت مهره لنعمان، رغم شعورها السيئ لكن لا تملك خيار آخر الآن. بالفعل بعد وقت في نفس اليوم تم عقد قران مهره ونعمان، وكانت الصدمه الكبيره، حين إقتحم هاشم ورجاله منزل نعمان، يبحثان عن مهره، وها هم وجدوها بغرفة نعمان. كاد هاشم أن يصفعها لكن يد نعمان كانت الأقوى، وبدل أن تنزل الصفعه على وجنة مهره كانت تنزل على وجنة هاشم يصحبها قول نُعمان: "أوعى تفكر تمد إيدك على مراتى."
أيقظت تلك الصفعه شياطين هاشم، وقال بعيون تقدح نيران: "نكته حلوه، بس سخيفه وإزاى بقى تم الجواز ده؟"
تحدثت مهره: "أنا فعلاً مرات نعمان ورسمى كتبنا كتابنا عند المأذون النهارده."
ضحك هاشم بسخريه يقول: "جواز باطل، بدون موافقة ولي أمرك."
ردت مهره: "بس انا موافقه عالجواز من نعمان ومستغنيه عن إسم عيلة الزهار وكل املاكى مش عاوزاها خدها، وإبعد عن حياتى."
جلجلت ضحكة هاشم أكثر وقال: "أنا ناوى أخد الأملاك فعلاً بس فوقها هديه وهي المهره اللى من حقي مش من حق جناينى جربوع."
قال هاشم هذا ونادى على أحد رجاله: "هاتلي أم المحروس ده وأخته هنا قدامه."
تَحَر نعمان قائلاً: "لو لمست منهم شعره هقتلك."
قال نعمان هذا وحاول الذهاب اليهم لكن أمسكه إثنين من رجال هاشم.
ضحك هاشم، واثنان من رجاله، يسحبان والدة وأخت نعمان ويركعهن أمام قدم هاشم.
تبسم هاشم بزهو وقال وهو يضع سلاحه برأس والدة نعمان قائلاً: "هقتل أمك وأختك حلال للرجاله."
بالفعل عَمر هاشم سلاحه ووضعه برأس والدة نعمان التي تبكي لكن لا تستعطفه، كما كان يظن. كذلك أخته تبكي وترتجف بصمت.
تحدث هاشم: "كلمه واحده، إرمي اليمين على مهره."
صمت نعمان الذي يحاول فك لجام هذان الرجلان من حوله لكن هما أقوى وأعتى منه.
عاود هاشم نفس القول: "قدامك دقيقه واحده، يا ترمي الطلاق على مهره، يا تقري الفاتحه على روح امك وشرف أختك."
تحدثت مهره بدموع وأستجداء: "إرمي اليمين يا نعمان."
أغمض نعمان عينيه وقال: "اقتلني يا هاشم، لانك لو مقتلتنيش النهارده هرجع في يوم وهنتقم منك بأشد انتقام."
تبسم هاشم بسخريه يقول: "الدقيقه قربت تخلص."
قال هاشم هذا ووضع سلاحه برأس والدة نعمان مره أخرى.
أغمض نعمان عينه وقال: "إنتى طالق يا مهره."
خارت قوى مهره ووقعت جاثيه على الأرض، وتبسم هاشم بزهو، وبدل أن يضرب والدة نعمان، قام باطلاق رصاصه بساق نعمان قائلاً: "رحمتك ومستني إنتقامك يا نعمان."
قال هذا ووضع سلاحه بجيبه وسحب مهره خلفه كالذبيحه، هي فعلاً ذبيحه.
بينما والدة نعمان، أغمي عليها، واصيبت أخته بذهول.
بعد مرور شهر ونصف.
شعرت مهره الحبيسه بتوعك بمعدتها. ظنت في البدايه بسبب قلة طعامها، فهي تكاد لاتأكل الأ القليل. لكن فجأه وقعت مغشياً عليها بغرفتها. تفاجئت الخادمه ونزلت بسرعه الى أسفل تخبر همام وهاشم بما راته.
صعدا الاثنان، وقاما بأفاقتها وطلب أحد الاطباء لها.
بالفعل عاينها الطبيب مبتسماً وقال: "مبروك يا مدام حضرتك حامل، ولازمك تغذيه."
تفاجئت مهره، ووضعت يدها على بطنها تشعر بالخوف الشديد.
نزل الطبيب مبتسماً، وقال البشاره لهاشم ووالده، اللذان صُعقا من الخبر، لكن تمالكا نفسيهما أمام الطبيب.
مساءً.
دخل هاشم لغرفة مهره وبيده سوط جلدي، كالذي يضرب به الحيوانات، وأغلق خلفه باب الغرفة، وعيناه تقدح نيران وقال لها: "سلمتي نفسك للحيوان نعمان، شوفي مين هينجدك مني الليله مش هينجدك مني غير الموت اللي مش هطوليه."
بالفعل تزاوت مهره بأحد أركان الغرفه، لكن أين ستهرب من سوط هاشم الذي بدأ ينزل بضربات قويه على جسدها، الى ان أصبحت تتلقى الضربات دون صُراح، فصوتها ضاع من قوة صراخها الذي يسمعه كل من بالمنزل، لكن لا يملكون سوا الصمت. ليس هذا فقط ما فعله، بل نظر بأشتهاء لجسدها المكدوم والظاهر أمامه بعد أن تمزقت ثيابها من ضربات السوط.
بالفعل تخلى عن إنسانيته وتحكم به الشيطان، وأغتصب مُهره. لم يتركها الا حين رأى دمائها تسيل منها، ووجهها أصبح كالموتى. سريعاً لف جسدها بملاءة الفراش وحملها وخرج من المنزل، وذهب بها الى تلك الوحده الصحيه بالبلده. تلقت مهره علاج من الأطباء، لكن صمتوا خوفاً من جبروت هاشم.
أثناء وجودها بالوحده بعد أيام، علم نعمان من إحدى الممرضات صديقة أخته، أن مهره بالوحده. بالفعل دخل الى غرفتها متخفياً.
كانت شاحبة الوجه، إزداد عمرها للضعف.
تحدث بصوت مُرتجف: "مهره."
فتحت مهره عينيها، ونظرت له دمعه شقت عيونها، وقالت بخفوت: "إبعد عني يا هاشم أنا خلاص مبقتش أنفعك، أنا بقيت مُدنسه."
تعجب نعمان واقترب من فراشها قائلاً: "قصدك ايه يا مهره."
تزاوت مهره بخوف تنظر لباب الغرفه قائله: "إبعد عني، متلمسنيش أنا بقيت مدنسه، هو، هو إعتدى عليا."
صدم نعمان وجلس جوار مهره على الفراش وجذبها من يدها وبقيت بحضنه ترتجف وتبكي وهو الآخر يبكي بدموع حسره.
تحدثت مهره: "هاشم مش بس هيقتلك يا نعمان، قبل ما يقتلك هيحسرك على أمك وأختك، إبعد عن هنا وارحل، وقتها هو مش هيقدر يأذيهم."
تحدث نعمان: "مستحيل أمشي من هنا غير وأنتى معايا."
إبتعدت مهره عنه قائله: "أنا مش همشي من هنا يا نعمان، مش هسيب حقي لهاشم يمرع فيه، غير اني هحس اني مطارده منه طول الوقت، غير إن ممكن مع الوقت تنتهي زهوة الحب وتفتكر بس إن هاشم اغتصبني."
رد نعمان: "صدقيني مش هيحصل يا مهره، تعالي معايا أخدك انتي وامى واختي بلاد الله واسعه."
ردت مهره بحسم: "لأ مش هاجي معاك وأعيش حياتي مطارده، خلاص قصتنا خلصت يا نعمان، كانت طيف حلم وصحينا منه مستحيل بنت الزهار تكمل حياتها مع الجناينى بتاع بيتها، أخرج من الاوضه وأنسانى، زي ما أنا هنسالك ومش هفتكرك وهكمل حياتي."
قالت مهره هذا وإبتعدت بجسدها بعيد عن نعمان، نعمان الذي خسر كل شيء، لم يبقى سوا والداته وأخته، عليه الخوف عليهن الآن، وبالفعل ما هي الا أيام ورحل نعمان وترك البلده، مقسوم الروح، يرحل من مكان لأخر.
عوده للحاضر.
فاق نعمان من دوامة الماضي حين شعر بفتك باب الغرفه، ودخول وسيم ورامي.
تبسم لهم وأزال تلك الدمعه من عيناه.
رغم تعجب الاثنان لكن صمتا، حين قال نعمان: "محدش يسألني، ممتلكش الاجابه لوحدي، بس اللي أقدر أقوله: إني مبسوط أن في في حياة مهره شباب زيكم."
تبسم الاثنان، وجلس كل منهم على مقعد جوار فراش مهره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بغرفة.
تنبهت زينب فجراً فنهضت من فراشها وذهبت الى الحمام وتوضأت وأدت فرض الله ثم خرجت من غرفتها وذهبت الى الغرفه الموجود بها مُهره.
دخلت الى الغرفه، تعجبت حين رأت وسيم يضع رأسهُ جوار كف يد مُهره من ناحيه ومن الناحيه الأخرى كان رامى نفس الشئ. تنهدت براحه حين لم تجد معهم بالغرفه ذالك الهمجى رفعت، من الأفضل أنه ليس موجود، لا تريد أن تراه. لكن العجب الأكبر كان من ذالك الشخص مازال موجود بالغرفه يجلس على أحد المقاعد، هي حقاً لا تعرف من يكون وماذا تعني له مُهره، لكن لديها شعور بالراحه تجاهه على غير عادتها في التعامل مع الغرباء عنها، دائماً ما تضع بعض الفروض وسوء النوايا.
بينما شعرا الاثنان وسيم و رامى بحركة يد مُهره جوار رأسيهما، فإستيقظا، او بالأصح فتحا عيونهما، هما لم يكونا نائمان، مغمضين العين فقط. رفع رأسهما ينظران لوجه مُهره، تبسما بسعاده حين رأوها تفتح عيناها الجميله، هي الأخرى تبسمت لهما، ووضعت يديها فوق رؤسهم، قائله بوهن: "فين رفعت؟"
تبسم لها رامى ووسيم اللذان أمسكا كف يديها، وقال وسيم: "بقى احنا هنا جنبك، واول ما تفوقي تسألي على رفعت، منعرفش رفعت راح فين؟"
تبسم رامى بعد أن نظرت له مُهره يقول: "والله ما أعرف هو فين، من أول الليل سابنا ومرجعش لهنا."
تعجبت زينب عدم عودته، لكن نفضت عن رأسها وقالت: "حمدلله على سلامتك يا مدام مُهره، انتي محظوظه قوى، واضح اللي بيحبوكي كتير، رامي ووسيم وكمان معاهم الأستاذ...؟"
نهض نعمان من مجلسهُ قائلاً: "نُعمان، يا دكتوره."
تبسمت له زينب.
بينما خفق قلب مُهره وكاد يخرج من بين ضلوعها، تدمعت عيناها لكن أغمضت عيناها تحاول كبت تلك الدمعه، تحشرج صوتها: "أنا أيه اللي جرالي، وأنا فين؟"
رد وسيم بأستغراب: "مش فاكره أيه اللي جرالك!"
بينما قال رامى: "إنتي في سرايا الزهار، طب طالما مش فاكره أيه اللي جرالك ولا إنتي فين ليه أول ما سألتي سألتي على رفعت؟!"
ردت مُهره: "آخر حاجه فاكره رفعت وهو بيشلني، وبعدها مش فاكره أي حاجه خالص."
تبسمت زينب قائله: "ده شئ طبيعي، بيحصل العقل بيفقد الإدراك وبينسى آخر شئ حصل معاه، يمكن ده من رحمة ربنا على البشر، ممكن لو سمحتوا كل اللي في الأوضه يخرج بره علشان أعاين مدام مُهره."
تبسم نُعمان الذي عيناه لم تفارق مهره التي تشرد بعيناها بعيد عنه، وقال: "أنا همشي طالما مُهره فتحت عينيها، كده إطمنت عليها."
تعجب الجميع، بينما عين مُهره التي تُجاهد أن تحيد النظر له، لم تنتظر كثيراً ونظرت له، تلاقت الأعين تُخبر عين كل منهما عن قسوة ما تلاقاه بعد إن إنتُهك العشق الذي كان بقلبيهما، يوماً ما، لكن العشق مازال تحت الرماد، ليته ينفض ذالك الرماد ويشتعل مره أخرى.
...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على مقعد خشبى كبير بحديقة سرايا الزهار.
كان رفعت نائماً يحلُم بتلك النيران القديمه، نفس الفتاه تخرج من بين النيران لكن هذه المره لا تحمل دلوً، بل بيدها شئ تُخفيه خلف ظهرها، مازال وجهها يخبئهُ دخان النيران، سارت بعيداً عن مكانه، الى أن وقفت أسفل إحدى الشُجيرات التي بدأت النيران تلتهم بعض أفروُعها، نهض من مكانه سريعاً يتجه الى مكانها، حاول مسك يدها ليجذبها بعيد عن النيران، لكن كلما مسك يدها كأنه يمسك الهواء، كأنها هُلام، كيف هذا هل هي خيال، حاول إطفاء النار، لكن سمعها تقول: "مش هتقدر تطفى نارى يا رفعت، نارى هتنهش في قلبك." رفع وجهه ونظر لوجهها، لاول مره يراه، ذُهل قائلاً: "رحمه!" ردت عليه: "أنا فعلاً رحمه جت لحد عندك، بس أنا مش رحمه، أنا "الشجره الطيبه" اللي نمت مره تانيه من جدرها علشان (تظِلك مش تضِلك)."
استيقظ رفعت حين شعر بتلك القطرات تتساقط على وجهه، هي قطرات ندى فروع تلك الشجره الذي نعِس أسفلها، تعجب كيف سرقهُ النوم هنا، لكن العجب الأكبر ذالك الدثار الذي فوق جسدهُ يدفئنه من البروده، فرغم أن الطقس يعتبر بالربيع لكن يبدو أن الشتاء مازال يريد العوده مره أخرى، من الذي وضعهُ عليه، نهض جالساً ينفض النوم من عينيه ويُجفف قطرات الندى عن وجهه، بمحرمه ورقيه. فكر قليلاً في ذالك الحلم، منذ مده كان إختفى، لم يكن يحلم بيه، ولا بتلك الفتاه، لما ظهرت بوجه (رحمه) أخته لكن هي ليست رحمه أخته كما قالت له، لا صوتها ولا شكلها، لو كانت رحمه لعاتبته أنه تركها تحترق تلك الليله وهو يحاول تفادي النيران كي يصل لها لكن كانت النيران أسرع منه وإلتهمتها بوحشيه.
نهض واقفاً ينظر الى السماء بدأ الغسق يزول، ويُبعث ضوء جديد، نفض عن عقله التفكير في ذالك الحلم، وآتى الى خياله تلك الطبيبه الشرسه التي تناطحهُ، ولكن لا يعرف فجأه تنهد ببسمه ينتعش من رائحة الزهور بالمكان، تلك الشرسه تشبه الربيع القادم من بعيد، كيف وصلت إلي هنا، وهل ستبقى رائحة الربيع أم تحترق مع أول شعاع لشمس الصيف الحارقه، وتبقى فقط رائحة النيران.
...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الصباح.
على طاولة الفطور.
تجمع كل من رفعت ورامى ووسيم، الذي قال: "كنت فين يا رفعت من ليلة إمبارح، ماما مُهره أول ما فاقت سألت عليك."
رد رفعت: "كنت في الأستطبل في مُهره كانت الحدوه بتاعتها تقريباً إتخلعت وهي بتجري، عدلتها ليها، وجت عليا نومه ونمت في الاستراحه اللي جنب الاستطبل."
تنهد رامى قائلاً: "يا بختك نمت وريحت جسمك كم ساعه أنا ووسيم منمناش من امبارح، كنا جنب عمتك مُهره، والخال نُعمان اللي منعرفش حكايته أيه مع عمتك مُهره، حتى لما رجعنا نسأله، قال نفس الرد، الماضي مش من حقي أنا لوحدي سرده، وطبعاً في الظروف دي منقدرش نسأل عمتك مُهره غير إن الدكتوره مراتك كمان أمرتنا نسيبها ترتاح شويه، وبلاش نضغط عليها."
تبسم رفعت بشوق لتلك الطبيبه وقال: "يا خبر بفلوس بكره يبقى ببلاش، بس عمتي مهره تسترد صحتها وبعدها نبقى نعرف مين نُعمان وتفاصيل حكاية الماضي."
تبسم رامى يقول: "والله نُعمان ده لو مش خال مروه ما كنت سمحت يدخل حتى من باب السرايا."
تبسم رفعت يقول بمزح: "يا عيني عالرجوله خايف منها وإنت لسه عالبر، أمال لما تدخل بقى هتمشيك عالصراط."
تبسم وسيم ورامى الذي قال: "لأ متخافش أخوك راجل وحِمش مش أنا اللي تمشيني واحده ست على كيفها، وبالمناسبه اللي حصل لعمتي مهره نسانى أقولكم إني خلاص حددت ميعاد زفافي أنا ومروه، بعد عشرين يوم."
تبسم رفعت يقول: "مبروك بكده يبقى مش فاضل فينا أعزب غير الآخ الصغير وسيم، ها مفيش واحده في سكتك، أوعى تقولى لمى اللي نزلت من اليونان عالشرقيه على عندك في الجامعه، الإ صحيح هي فين دلوقتي، النوعيه دي تصاحبها آه تتجوزها لأ، إسأل أخوك عن تجربه سابقه مع توأمها."
تنهد رامى، وآتت لخياله أخرى، تلك الدبش ليلى لام نفسه لما تسرع وحرمها من حضور محاضراته، لكن تيقن عقله هي من بدأت بالوقاحه معه، وتستحق ذالك.
تبسم رامى يقول: "كل دي تنهيده أوعى تكون طبيت في لمى، تبقى تزرع آرايل من دلوقتي."
تبسم رفعت بينما إغتاظ وسيم وهو يحدف رامى بملعقه أمامه قائلاً: "لأ إطمن أخوك رجوله ونوعية لمى متمشيش معايا، كفايه أنها لما عرفنا إن ماما هنا وعيانه إتحججت إنها جايه من السفر ومحتاجه لراحه، ومش هتقدر تجى هنا، ما أنت عارف أنها هي وأختها مش وش مسئوليه، وكمان أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي، لسه قدامي وقت، مش مستعجل، زي الآخ رفعت اللي إتجوز في يوم واحد، وأتجوز من دكتوره مشاء الله واضح إنها مهنياه عالآخر، شايف كان نايم في استراحة الأستطبل."
تبسم رامى، وقبل أن يمزح هو الآخر، سمعوا صوت مجد قائلاً: "صباح الخير يا شباب، بتضحكوا على أيه ما ضحكوني معاكم قبل زوزى أختى ما تجى وتقلب وشها ليا."
تبسم رفعت، كذالك رامى ووسيم، لكن سمعوا من تقول له: "تصدق إنك آخ هزوء."
تبسم مجد وإقترب منها قائلاً: "أختي الكبيره يا جماعه وبحترمها رغم طول لسانها، صباح الخير يا زوزى أختي حبيبتي الغاليه."
قال مجد هذا وقبل رأس زينب بمرح.
تبسمت له زينب قائله: "خلاص بلاش كلام كتير خلينا نفطر إنت مش أجازتك كانت يوم ولازم النهاردة المسا ترجع عتاقه."
تبسم مجد وهو يشد أحد المقاعد لتجلس زينب قائلاً: "إتفضلي، يا ليدي، سامحني ياارب في الكدبه دي."
نغزت زينب مجد بكوعها قائلاً: "أنا بقول نصطبح عالصبح."
تبسم مجد وجلس على مقعد جوارها، قائلاً بمرح: "مقولتوش يا شباب كنتم بتضحكوا على أيه؟"
رد رامى قائلاً: "مفيش أنا كنت بقولهم إني خلاص حددت ميعاد زفافي بعد عشرين يوم، هحجز القاعه في الميعاد ده."
تبسم مجد قائلاً: "وطبعاً أنا مش ضمن المدعوين."
رد رفعت قائلاً: "مش محتاج دعوه يا أبو نسب إنت من أهل العريس ناسى إن أختك مراتى حتى علشان خاطر نكسب الرضا."
نظرت زينب لرفعت وتبسمت بسخافه، بينما قال وسيم: "طبعاً علشان الورد ينسقي العُليق."
ضحك وسيم قائلاً: "فين الورد ده، قصدك تقول علشان الشوك اللي في الورد بحب الورد، زوزي ورده مفترسه."
نظرت له زينب بغيظ ولكن قبل أن ترد فجأه داهمها دوار خفيف، فصمتت وأغمضت عيناها بقوه للحظات قبل أن تفتحها مره أخرى، تقاوم هذا الدوار، وبالفعل أظهرت القوه الواهيه، وقالت: "بلاش ترجع لعتاقه متعلم عليك وكُل وإنت ساكت، أنا مش ماده للسخريه."
قالت هذا ونظرت لرفعت بتحذير.
نظر رفعت لها وإبتسم بلا مبالاه.
تبسم مجد لكن فجأه شعر هو الآخر بخطبٍ ما بزينب، هو توقع منها رد آخر، صمت الجميع وبدأوا يتناولوا الفطور، لكن فجأه عاد لزينب الدوار، وسقطت الملعقه من يدها، لم يلاحظ ذالك سوى مجد الذي أعطى لها الملعقه مره أخرى ونظر لوجهها، يبدو عليه بداية شحوب، وما زاد قلقه، هو نهوض زينب قائله: "أنا شبعت، هطلع أوضتي أجيب شنطتي، على ما تخلص فطورك يا مجد نمشي."
لفت الأمر أيضاً نظر رفعت، وعاد أنها ربما مُجهده من ليلة أمس، والعوده للعمل مره أخرى.
تحدث وسيم قائلاً: "رجعنا قعدة رجاله تانى مع بعض."
تبسم رفعت، بينما نهض مجد قائلاً: "كان بودي أفضل معاكم أكتر من كده وسعيد إني إتعرفت عليكم، واكيد لينا لقاءات تانيه مع بعض، وكمان هحاول أضبط أجازتي على ميعاد زفافك يا رامى وأحضر فرح فلاحى."
تبسم رامى: "لأ خلاص توبت، مفيش فرح فلاحى، هو زفاف في قاعة يوم الفرح وبس."
تبسم مجد: "مبروك مقدماً، وربنا يتمملك بخير."
تبسم وسيم يقول: "أيوه أدعي من قلبك يتمم له بخير لا المره دي أنا اللي أتورط في جوازه مش مستعد لها."
تبسم الجميع، وغادر مجد.
تحدث رامى يقول: "والله أنا مش عارف إزاي حصل النصيب وخلى الدكتوره من نصيبك، فرق كبير بينها وبين اللي كنت بترافقهم قبل كده، حتى أهلها ناس محترمه."
تبسم وسيم: "ربنا رايد له التوبه على إيد الدكتوره."
نظر رفعت لضحكهم وقال: "حلو قوى جو المسخره ده أفطروا وأنتم ساكتين لا لبس كل واحد فيكم الطبق اللي قدامهُ."
تبسم الاثنان بصمت وهما يعودان لتناول الفطور، وسط حُنق رفعت.
...
أما بالأعلى بغرفة زينب.
دخلت للغرفه تقاوم ذالك الدوار الخفيف، التي تشعر به، وقامت بفتح ورقة قطعة الحلوى ووضعتها بفمها وألقت بجسدها على الفراش، وأغمضت عيناه، سرعان ما شعرت بزوال جزئي لذالك الدوار.
لكن دخل مجد الى غرفة دون طرق الباب، إنخض حين وجد زينب مُمده على الفراش بظهرها ومغمضة العين وإقترب سريعاً، يقول بلهفه: "زينب، مالك إنتي تعبانه؟!"
فتحت زينب عيناها ونهضت جالسه، تبستم قائله: "لأ أنا كويسه قدامك أهو زي القرد."
جلس مجد لجوارها ووضع يدهُ على كتفها يقول: "خضتيني عليكي، طب ليه مكملتيش فطورك وكمان لما دخلت لقيتك نايمه عالسرير إتخضيت أكتر، زينب إنتي بتاخدي علاجك بأنتظام، وشك شكله مُجهد."
تبسمت زينب قائله: "أيوا، أنا كويسه والله، هو بس إجهاد الشغل في الوحده، كان بقالي كام يوم مش بشتغل ويظهر اخدت عالأنتخه فلما رجعت للشغل حسيت بشويه إجهاد، وبعدين كويس إنك جيت لعندي، كنت عاوزه منك؟"
قاطعها مجد قائلاً: "اوعى تقولي عاوزه فلوس خلاص إنسي بعد كده انتي اللي هتعطفي عليا إنتي متجوزه مليونير."
تبسمت زينب قائله: "ياواطى، وأنا مالي ومال أموال رفعت، وبعدين متخافش مكنتش هطلب منك فلوس، أنا كنت هقولك إن سميح إتصل عليا تاني، مردتش عليه، بعت رساله إنه حدد أنه هيجي لهنا الشرقيه الأسبوع الجاي، أنا مستغربه تفتكر عاوزني ليه؟"
رد مجد: "أنا كمان مش عارف سبب أنه يقطع المسافة من الفيوم للشرقيه علشان يقابلك، بس يا خبر بفلوس، أنا قطعت اتصالاتي معاه حتى حذفت رقمهُ، وبابا وماما قاطعين معاه الحوار من بعد اليوم اللي لغيتي فيه كتب الكتاب."
ردت زينب: "كله من العامل اللي بينضف البيت وبيتمم الجنينه، هو اللي عطاه رقمي، وعلي رأيك، كلها كم يوم وأعرف أيه سبب الزياره اللي مش سعيده."
تبسم مجد قائلاً: "تعرفي يا زوزي اني حلمت بالبنت اللي شوفتها امبارح وكانت لابسه فستان ازرق، وانا كنت لابس بدله توكسيدو بيضا، تفتكر ده معناه إننا هنتقابل تاني ونبقى لبعض، البت دي رقيقه قوى وعندها حيا وخجل كده وشها بيحمر لوحده، مش زيك شرسه ومعندكيش لا حيا ولا خجل، وقحه، ووشك مكشوف."
نظرت زينب له وقامت بصفعه على رقابته من الخلف قائله: "بدله! وتوكسيدوا كمان! طبعاً من الدولارات اللي بتقبضها كل شهر وبعدين على الاقل أنا وشي مكشوف مش عقلي غبي زيك بتصور البنت من ضهرها وعاوزني أعرفهالك، يلا قوم يا حيوان خليني أروح للوحده وانت شوف طريقك لعتاقه."
وضع مجد يدهُ على رقابته من الخلف قائلاً: "إيدك تقيله يا غبيه انا عيني إحولت بقيت شايفك أربعه، خدي بالك كل ما بتفترى عليا ربنا بيوقفلي اللي ياخد حقي منك يا ظالمه، يارب تقعي من على حصان أهبل يكسر رقبتك."
ردت عليه بسخريه: "وايه اللي هيركبني حصان يا أهبل يلا قوم أخلص خلي كل واحد فينا يشوف طريقهُ."
نهض مجد مبتسماً وخرج الاثنان من الغرفه، لكن أثناء نزولهم تقابلا مع رفعت الذي وقف أمامهم عيناه على زينب وهو يتحدث: "أنا عطيت أوامر للسواق يوصلك للمكان اللي إنت عاوزه."
لاحظ مجد ذالك وقال: "تُشكر يا جوز أختي يا غالي كلك كرم مش زي ناس تاخد متديش، بس أنا هتمشي مع زوزي شويه لحد الوحده خلي السواق يستناني هناك، أهو أخد جوله صغيره في البلد."
قال مجد هذا وهمس: "يمكن صدفه تانيه أقابل السندريلا."
تبسم رفعت يقول: "تمام هتصل عالسواق أقوله ينتظرك قدام الوحده، ومره تانيه شرفتني وأتمنى تحضر زفاف رامى."
تبسم مجد: "أكيد إن شاءلله هحضر، أنا علاقتي مع رؤسائي كويسه مش زي ناس بتخبط في أي حد تقابله ومبتعمرش في مكان."
تبسم رفعت قائلاً: "لأ خلاص إطمن هتعمر هنا."
تبسم مجد قائلاً: "أتمنى كده، ومره تانيه شكراً لكرم ضيافتك،" قال مجد هذا وأقترب من أذن رفعت يقول بصوت مُنخفض: "بدعيلك من قلبي، ربنا يقدرك عالبلوه اللي وقعت فيها."
تبسم رفعت وهو ينظر لزينب وقال: "لأ إطمن أنا قدها وقدود كمان."
نظرت زينب لهما الأثنان بسخريه ولا مبالاه، وسارت بعض الخطوات ثم نظرت خلفها قائله: "أيه يا مجد هو حوار الهمس بينكم مش هيخلص مش عندك ميعاد رجوع لعتاقه."
مد رفعت يدهُ يصافح مجد يبتسمان، ثم سار مجد خلف زينب.
تنهد رفعت ببسمه قبل أن يتجه الى الغرفه الموجود بها مُهره.
بعد قليل.
أثناء سير زينب ومجد بالقريه.
جذبت زينب مجد من يدهُ قائله: "مالك ماشي تبحلق في الناس كده، أول مره تشوف ناس في الشارع."
رد مجد: "لأ أنا ببحلق في الناس يمكن أقابل السندريلا اللي شوفتها امبارح مره تانيه."
تبسمت زينب قائله: "طبيت يا غبي من أول نظره ولا أيه، عالعموم نصيحه مني، بلاش تبحلق في الناس كده، إنت مش في القاهره هنا مش هيعملولك محضر تحرش يا حلو، هنا هيعلقوك على شجره من غير هدوم، وإنت ونصيبك بعدها وأنا هعمل نفسي معرفكش."
نظر لها مجد قائلاً: "طول عمرك أصيله."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد العصر.
أمام مطار الأسكندريه.
توقفت سيارة هاشم.
تبسمت جاكلين وإقتربت منه تُقبله قُبله جارفه ساحقه.
ثم نظرت له قائله: "سأعود قريباً للأسكندريه مره أخرى والمره القادمه، سأبقى لمده أطول، هذه المره كانت لمهمه خاصه، وأنجزتها سريعاً المره القادمه ستكون للمُتعه فقط."
رسم هاشم بسمه على شفاه فقط دون رد.
عادت جاكلين تقول: "نسيت أن أقول لك عليك التحدث مع الرجل الآخر لإنهاء بعض التصاريح الخاصه بدخول تلك الشُحنه الخاصه بأدويه الأحصنه الذي لديك والتي سيدخل من ضمنها تلك الأدويه الأخرى، لا أعلم لما الحكومه تحظر إستيراد تلك النوعيه من الأدويه، أنت درست الصيدله سابقاً وتعلم أنها تستخدم كعلاج لبعض الأمراض وتنشط الجسد وتُعطيه شعوه بالقوه مضاعفه، يصبح كالخيل القوي."
سآم وجه هاشم قائلاً: "الشخص ده بقى طماع جداً، وبيطلب مبالغ مُبالغ فيها، وفعلاً دراستي السابقه للصيدله ومعرفتي عن بعض تركيبات الادويه والتفاعلات الدوائيه، تأكد أن الادويه المحظور استخدامها دي، بتدي قوه مُفرطه وكمان بتساعد على تحمل الشغل لأوقات طويله، وأكتر فئه تستفاد من الأدويه دي هما الشغالين في بعض المصانع واللي بيشتغلوا على قوت يومهم كفايه أنها مش بتحسسهم بالتعب لفتره طويله، العامل يحط الحبايه تحت لسانه، يشتغل زي التور طول اليوم وميحسش بتعب، غير الادويه التانيه الزرقا كفايه، بتخلي الراجل قدام مراته حصان، وبيبسطها."
ضحكت جاكلين: "مثلما قولت لكن الحكومات تأخذ ذالك بطريقه خاطئه ما علينا من ذالك: وما العمل مع ذالك الشخص الآن؟"
رد هاشم بسآم: "للأسف مضطر له لأن معنديش له بديل هو سهل يطلع التصاريح دي بسهوله من الجمارك، بس على ما أعتقد هو بيجهز ابنه ياخد مكانه، والتعامل مع ابنه أسهل منه، بس غشيم عاوز يتخطى ابوه قبل ما يكون جاهز ياخد مكانه."
تبسمت جاكلين: "حسناً لا تقلق المره القادمه سأطلب لقاؤه، وإن لم يمتثل لأمرك سيلحق بالقبطان ويأخذ مكانه ابنه كما حدث مع ابن القبطان الذي يتحدث عنه الإعلام على أنه شهيد."
تبسم هاشم لها قائلاً: "كانت فكرتي جيده، هكذا تبتعد الشبهات عن ابن القبطان، مجرد حادث عابر ببخره كبيره وسط المياه جعلها تحترق، سأنتظر الطرد سريعاً."
تبسمت جاكلين وقبلته مره أخرى وغادرت بعدها السياره.
تنهد هاشم بعد نزولها من السياره، كأنه يزيح عن كاهلهُ ثقل كبير، ولكن سرعان ما تنهد بشوق يفكر في تلك الطبيبه التي توحش رؤياها. تبسم هو سيعود الليله للزهار، ويراها بالغد بحجة تلك الفحوصات، هو لن يتركها لرفعت يظفر بها بسهوله، هو خصم قوي، ذئب فاجر.
...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساءً.
بالوحده الصحيه.
شعرت زينب ببعض التعب الخفيف وهي تقوم بمعاينة على أحد المرضى. أنهت الكشف عليه، غادر الغرفه، جلست قليلاً ووضعت تلك العلكه بفمها، ثم شعرت ببعض التحسن، فنهضت تخلع معطفها الأبيض. فذالك الأثناء، دخلت صفاء بعد أن سمحت لها.
تبسمت زينب لها، قائله: "تعالي يا صفاء عاوزه حاجه؟"
ردت صفاء: "تسلمي يا دكتوره أنا كنت جايه أطمن عليكي، أصل شكل وشك كده مُتغير شويه، هو انتي هتمشي دلوقتي."
ردت زينب: "تسلمي يا صفاء، أيوه همشي، حاسه بشويه صداع بسيط كده."
ردت صفاء بلهفه: "سلامتك ألف سلامه دكتوره، بس شكل وشك مخطوف، ميديش صداع تكونيش حبله يا دكتوره!"
نظرت زينب لها بذهول قائله: "لأ طبعاً، هو صداع وهيخف، وحبلى ايه أنا بقالي قد ايه متجوزه."
تبسمت صفاء قائله بحياء: "الحمل بطول مدة الحواز في حريم كتير، بتحبل من أول ليله لجوازهم، زي ما حصل معايا، يلا الحمد لله بنتي بالدنيا كلها."
تبسمت زينب قائله: "ربنا يبارك لك فيها يارب، وبعدين أنا متأكده إني مش حامل، ده صداع مش أكتر، يلا أشوفك بكره."
تبسمت صفاء قائله: "ربنا يشفيكى يا دكتوره ويطعمك الذريه الصالحه إنتي ورفعت بيه يارب في أقرب وقت."
تبسمت زينب لها، لكن بداخلها تعجبت من دعاء صفاء، فأي ذريه ستجمع بينها وبين هذا الهمجي.
.......
بنفس الوقت.
بسرايا الزهار.
دخلت تلك اللعوب لمى الى غرفة مُهره تقول بميوعه: "عمتو مُهره حمدلله على سلامتك، والله أنا زعلت جداً لما دخلنا امبارح بيت أونكل هاشم، والخدامه قالت إنك مريضه شويه بصراحه خوفت عليكى كتير وكنت هاجي مع سُومو أطمن عليكي بس كنت مُجهده من السفر، جيت من اليونان على اسكندريه على هنا مباشرةً، بصراحه خوفت أتعب وبدل ما يراعوا واحده يراعوا اتنين، إزي حضرتك دلوقتي."
ردت مهره بتهكم: "أنا الحمد لله بقيت بخير، والفضل يرجع للدكتوره زينب مرات رفعت، دكتوره شاطره قوى، وكمان حلوه."
تبسمت لمى بسخافه قائله: "وهي فين دلوقتي الدكتوره دي، مش المفروض تفضل جنبك تراعيكي، وكمان فين رفعت ووسيم مشفتوش طول اليوم مرجعش للبيت، سألت عليه الخدامه لما صحيت من النوم قالت إنه مرجعش من امبارح."
ردت مهره: "هو بعد ما اطمن عليا خرج معرفش راح فين، ورفعت هتلاقيه هنا في السرايا يمكن في استطبل الخيل، بس غريبه ليه مسألتيش على رامى، كان له معزه خاصه، ولا خلاص سفرك لليونان نساكى، صديق الطفوله المحبوب."
ردت لمى بأرتباك وكذب: "كنت لسه هسأل عليه بس حضرتك سبقتيني."
ردت مهره: "أكيد رامى عند خطيبته أصله خلاص قالي إنه حدد ميعاد لفرحه، ولازمهم شوية ترتيبات مع بعض، ربنا يتمم لهم بخير."
قالت مُهره وهمست قائله: "ربنا يستر بصراحه أنا بتشائم من وجود هشام او بناته في الزهار."
في ذالك الاثناء رن هاتف لمى أخرجته من حقيبة يدها ونظرت له ثم لمُهره قائله: "دي ريما."
تبسمت مُهره ثم زمت شفتاه، وهمست لنفسها: "ربنا يبعدها بشرها وتغوري انتي كمان من هنا في أقرب وقت."
لكن ردت على لمى: "ردي عليها قبل الفون ما يخلص رنين سلميلي عليها."
تبسمت لمى قائله: "أوكيه هبلغها سلامك هطلع أكلمها بره علشان الشبكه وكمان علشان مزعجكيش."
تبسمت مُهره، وقالت: "ربنا يستر منكم يا بنات هشام نفس خبث ولؤم اليونانيه أمكم، زمان فرقت بين هشام ورضوان بكذبه رخيصه، يا خوفى تكوني جايه تعيدي التاريخ من تاني، رفعت نجا من كذب وخداع أختك، بس ياترى انتي مين هدفك رامي ولا وسيم؟ بس رامي بيعشق البنت اللي خطبها، الخوف على وسيم."
......
خرجت لمى خارج الغرفه وردت على الهاتف.
تحدثت الآخرى سريعاً: "بتصل عليكي من امبارح ليه مش بتردي عليا."
ردت لمى بتذمر: "كنت عاملة فوني صامت علشان الازعاج ومسمعتوش، وكمان كنت مُجهده من السفر ونايمه طول الوقت، يادوب صاحيه، من ساعتن، ريما."
تنهدت ريما تُزفر دخان تلك السيجاره التي كانت بفمها قائله: "قابلتي رفعت وصلتي له رسالتي."
ردت لمى: "لأ مقبلتوش لسه أنا يادوب لسه داخله السرايا وقولت أكسب ثواب وأشوف اللي اسمها مُهره، اللي زي ما يكون كانت مستنيه نزولي وتتعب، ووسيم ساب البيت وقاعد جنبها في سرايا رفعت من امبارح حتى هو كمان جيت لهنا ملقتوش، حتى رامى مش موجود، زي ما يكون اتبخروا قبل ما أجى مفيش غير مُهره اللي هنا لوحدها، الخرفانه إنعام، شكلها في اوضتها، يارب ما اتقابل في خلقتها."
ردت ريما: "والبنت اللي إتجوزها رفعت فين مش في السرايا."
ردت لمى: "لأ مش هنا، مهره بتقول دكتوره وراحت تشوف شغلها."
ردت ريما: "حسناً لا تنسي رسالتي لرفعت."
ردت لمى بسآم: "لا أعلم طالما مازلتي تحبين رفعت لما تركتيه وسافرتي لليونان، وفابيو ماذا ستفعلي معه؟ وهو بيعشقك بجنون."
زفرت ريما دخان سيجارتها وقالت: "ما منعني من العوده الى مصر هو فابيو، بأي حجه كنت سأقول له أني أريد السفر لمصر، كمان عنده علم بقصتي القديمه مع رفعت، المهم دلوقتي توصلي رسالتي لرفعت، وبعدها امر التخلص من فابيو مش هيكون صعب قدام رفعت، ابقي ارجعي اتصلي عليا وقوليلي رد فعله أيه على رسالتي."
تنهدت لمى قائله: "تمام بس بلاش كل شويه تزني عليا اكيد هنتهز أقرب فرصة وأعطيه رسالتك على إنفراد طبعاً زي ما طلبتي."
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمنزل هاشم الزهار
دخل هاشم إلى المنزل.
استقبلته إحدى الخادمات تقول: "حمدلله على السلامة يا هاشم بيه، تحب أحضر لك العشاء؟"
رد هاشم: "فين الناس اللي في البيت؟ فين مهره؟"
ارتبكت الخادمة قائلة: "مدام مهره مش هنا في البيت. مدام مهره امبارح تعبت جامد وجه رفعت بيه أخدها وهي عنده في السرايا."
تعصب هاشم قائلاً: "رفعت جه لهنا وأخد مهره؟ ليه؟ كانت بتموت؟"
ردت الخادمة: "مدام مهره كانت تعبانة جداً. اتصلت على موبايل الدكتور وسيم مردش عليا. قالت لي اتصلي على رفعت بيه. اتصلت عليه وجه أخدها. وعرفت إنه أخدها عنده للسرايا، بس لما اتصلت عليه من شوية قال لي إنها بقت كويسة الحمدلله."
سخر هاشم قائلاً بهمس: "بقت كويسة، وماله."
تحدثت الخادمة: "حتى وسيم بيه هناك معاها من امبارح مرجعش، والآنسة ألمى كمان راحت للسرايا من شوية تطمن عليها."
سخر هاشم يقول: "ألمى رايحة تطمن على مهره؟ معتقدش، أكيد في لعبة بتخطط ليها."
نظر هاشم للخادمة: "وليه معنديش خبر باللي حصل لمهره؟"
ارتبكت الخادمة قائلة: "حضرتك مكنتش في البلد ومدام مهره كانت تعبانة قوي، سخنة وبتهلوس وخفت عليها."
نظر لها هاشم يقول: "كانت بتهلوس تقول إيه؟"
ردت الخادمة: "معرفش، مفهمتش منها ولا كلمة. مفسرتش غير اسم الدكتور وسيم، ورفعت بيه. آه وكمان قالت، رفعت رجع يا رضوان تاني للزهار وهياخد مكان الفارس اللي اتغدر بيه."
للحظة رجف عقل هاشم في معنى تلك الكلمة التي قالتها له الخادمة نقلاً عن سماعها من مهره.
تضايق قائلاً: "تمام، غورِ، وأنا رايح أشوف الست مُهره اللي عقلها خرف، وبعد كده أي حاجة تحصل هنا في البيت يكون عندي خبر بيها."
ردت الخادمة: "حضرتك كنت مسافر، كنت هقولك إزاي ومدام مهره كانت تعبانة قوي."
رد هاشم: "قلت غورِ من وشي."
غادرت الخادمة مكان وقوف هاشم، الذي وقف يُزفر أنفاسه بوجل. ماذا تعني مُهره بقولها أن رفعت عاد ليأخذ مكان الفارس الذي غُدر به؟ هل رجوع ذالك الوغد نُعمان سيجعل مُهره تعود لتمردها القديم؟ لكن لا، كما سحقهم بالماضي أسفل حذائه سيفعل الآن. وأول خطوة رجوع مُهره إلى هنا، وتنسى تمردها القديم، تعود تلك الخاضعة التي روضها طوال السنوات الماضية.
بنفس الوقت
أغلقت لمى الهاتف وهي تشعر بضجر، ولم تعد لغرفة مُهره، بل نزلت لأسفل بالسرايا، وذهبت إلى المطبخ وتحدثت مع العاملات قائلة بأمر وتعالى: "واحدة فيكم تعمل لي إكسبريسو، وتجيبه في الصالون."
ردت إحداهن: "حاضر يا آنسة."
ردت لمى بأشمئزاز قائلة: "إيه آنسة دي؟ شكل رفعت مشغل شوية متخلفين عنده. عالعموم، أنا بتصل على رفعت بالفون مش بيرد عليا، ابعتي واحد من العمال اللي بره يبعت له خبر إن ألما الزهار هنا في السرايا وأنا هستناه في الصالون."
ردت الخادمة: "أمرك يا هانم، هبعت له خبر."
بالفعل بعد دقائق دخلت الخادمة، بطلب لمى، إلى غرفة الصالون، وضعته أمامها وخرجت سريعاً.
في أثناء سير الخادمة تقابلت مع زينب. ابتسمت لها: "حمدلله على سلامتك يا دكتوره، تؤمرينى بحاجة؟"
ردت زينب: "لأ، متشكره."
تبسمت الخادمة قائلة: "تمام، في ضيفة في أوضة الصالون، مستنية رفعت بيه."
تعجبت زينب قائلة: "وهو رفعت فين؟"
ردت الخادمة: "رفعت بيه في الاستطبل وبعتنا له خبر وهو على وصول."
ساق زينب فضولها أن تعرف من تلك الضيفة، وقالت للخادمة: "تمام، روحي انتي يا صالحة، وأنا هدخل أرحب بضيفة رفعت بيه، وأعرف هي مين."
تبسمت الخادمة وغادرت المكان، بينما زينب سارت خلف فضولها، ودخلت للصالون.
رأت فتاة ترتدي فستان قصير للغاية بنصف كم، بطبقة شفافة من فوق الصدر، تضع معطف فرو على مسند المقعد بجوارها، وهنالك العطر الأنثوي الصارخ بالمكان. تجلس بأتيكيت تضع ساق فوق أخرى. لم تتعجب زينب من منظرها الفاتن، فهي رأت أشباهها سابقاً، ولكن لم تتوقع أن ترى هذا المنظر هنا بالسرايا.
لاحظت لمى نظر زينب لها فقالت بتعالي: "انتي مين؟ انتي شغالة هنا؟"
تضايقت زينب قائلة: "شغالة مين؟ أنا..."
لكن أكمل الذي دخل تعريفها قائلاً: "الدكتورة زينب رفعت الزهار، مراتي، يا لمى."
لم يقل هذا فقط، بل وضع يده حول خصرها وهو يقف لجوارها، يبتسم لها.
للحظة انخضت زينب من قوله ووضعه يده حول خصرها، لكن تبسمت له.
بينما ذُهلت لمى ووقفت تتمعن النظر بزينب. هي حقاً جميلة الوجه، ولكن ترتدي ملابس شبه صبيانية، فهي ترتدي بدلة نسائية رسمية، تشبه جيمبسوت باللون الأزرق، وترتدي أيضاً وشاحاً فوق رأسها تُخبئ شعرها أسفله.
بعدت لمى عيناها عن زينب واقتربت من رفعت، وبلا حياء رفعت يديها وقامت باحتضانه، قائلة باليونانية: "وحشتني 'روفى'، بقالنا فترة طويلة مشوفناش بعض."
رغم أن زينب لم تفهم ما قالته، لكن تعجبت من فعلة تلك الوقحة، وقالت لنفسها: "وحش يلهفك ويقطعك حتت يا قليلة الأدب والتربية! نفس وقاحة الهمجي، لأ وبتتكلم باليوناني كمان علشان مفهمش هي بتقول إيه، بس الغبية مش عارفة إن الجواب بيبان من عنوانه."
بينما رفعت تضايق من فعلتها، لكن تعامل ببرود وأبعدها عنه بلطف قائلاً بالعربي: "أهلاً بيكي في السرايا يا لمى، أكيد جايه تطمني على عمتي مُهره."
ردت لمى بالعربي وهي تنظر لزينب: "لأ، جاية مخصوص علشانك يا روفي. ممكن نبقى لوحدنا دقايق، لو مكنش ده يزعج مراتك."
ردت زينب: "وأيه اللي يزعجني أنا أساساً؟ هطلع أطمن على طنط مُهره."
قالت زينب هذا وغادرت، ولكن لم تصعد لغرفة مُهره، بل دخلت إلى غرفتها. رمت حقيبتها على الفراش بقوة، وشعرت بحرارة تغزو جسدها بقوة، وبعض الاختناق. فخلعت حجابها وألقته هو الآخر على الفراش. لكن سرعان ما هدأت نفسها قائلة: "مالك يا زينب؟ ليه اتضايقتي من الهمجية الوقحة دي لما حضنت رفعت؟ فوقي، الحب مش ليكي، كفاية اللي حصل لك منه أول مرة. نهاية قصتك معروفة مع رفعت،،، الانفصال عاجلاً أو آجلاً، بلاش تاخدك مشاعر مش قدها."
بالفعل توجهت زينب للحمام، وأخذت حماماً دافئاً وبدلت ثيابها بأخرى وتوجهت إلى غرفة مهره مبتسمة.
بالأسفل
أعطت لما ذلك الظرف الورقي لرفعت قائلة: "ريما بعتته معايا الظرف ده، رسالة ليك."
رد رفعت بدبلوماسية: "وأيه الرسالة اللي في الظرف ده؟"
ردت لمى: "معرفش، أنا بس مسؤولة عن توصيل الرسالة مش أكتر. تقدر تفتحه وتشوف فيه إيه."
تعجب رفعت وبالفعل فتح رفعت الظرف، وجد به صورة له وهو يقبل ريما بحميمية. اشمئز من الصورة. ثم نظر لذلك الظرف الصغير الموجود أيضاً، وفتحه. توقع ما فيه بسهولة، هي فلاشة صغيرة. أخرجها من الظرف، ووضع الظرف بالصورة على منضدة بالغرفة. وكاد أن يُدخل الفلاشة بهاتفه، لكن أتى رسالة لهاتفه. قرأها وتبسم. ثم كان سيضع الفلاشة بالهاتف، لولا سماعه لذلك الصوت الغاضب بخارج غرفة الصالون. وضع الفلاشة بجيبه وخرج سريعاً، تاركاً الظرف والصورة، وخرج من الصالون. توجه لمكان الصوت، نظر إلى صاحب ذلك الصوت.
قائلاً بحسم وحزم: "صوتك ما يعلاش في سرايتي يا هاشم يا زهار. أوعى تنسى إني رفعت ابن رضوان الزهار وحفيد (رفعت الزهار) اللي كان كبير عيلة الزهار، خرج من نسلهُ (رفعت) تاني كبير عيلة الزهار."
احتدمت النظرات بين هاشم الزهار ورفعت، وزاد من حدة نظرات هاشم وقوف رامى ووسيم اللذان دخلا إلى السرايا للتو جوار رفعت، وليس هذا فقط، بل مجيء زينب هي الأخرى للمكان خلف رفعت.
تقول: "في إيه يا جماعة؟ إيه الصوت العالي ده؟"
نظر هاشم لزينب وتبدلت ملامحه كالحرباء، مَثَّل الهدوء أمامها، وصمت.
بينما لاحظ رفعت نظرات هاشم لزينب، اشمئز منه وقال: "زينب، اطلعي لفوق، مالكيش دخل باللي بيحصل هنا."
عاندت زينب وظلت واقفة، مما أغاظ رفعت وقال بأمر: "زينب، قلت مالكيش دخل باللي بيحصل هنا، ده خلاف عائلي، انتي برا."
ظلت زينب واقفة بفضول، مما أغاظ رفعت وقام بمسك يدها وسحبها خلفه قائلاً: "رامي، استقبل الضيف في أوضة الصالون، وأنا دقيقة ونازل."
سحب رفعت يد زينب ودخل إلى غرفتها.
نفضت زينب يده قائلة: "مش هتبطل همجيتك دي؟ عملت إيه فيه وبيزعق بالشكل ده؟"
رد رفعت: "شيء ميخصكيش تعرفيه. ليه مش بتسمعي كلامي؟ ولا عاجبك نظرات إعجاب هاشم الزهار؟ ولا على نياتك ومش فاهماها؟"
ردت زينب بغضب: "صحيح، إنسان همجي مفكر إن كل الناس زيك. أنا بفهم كويس في نظرات الناس، وهاشم الزهار عمره ما تعدى حدوده معايا، مش زي همجيتك. من أول ما عرفتك وأنت بتعدي حدودك معايا، بس خلاص، انسى إنك تفكر إنك تحبسني هنا بعيد عن الناس. هخرج براحتي وأرجع براحتي، وكمان أقف في أي مكان براحتي."
سخر رفعت قائلاً: "بتحلمي يا دكتورة. أوامري أنا اللي هتتنفذ وهتشوفي. وأولها إنك هتفضلي هنا في الأوضة دي، مش هتخرجي منها غير بأمري."
قال رفعت هذا وتوجه إلى باب الغرفة وأخذ المفتاح من مقبض الباب اللي بداخل الغرفة، ووضعه بالناحية الأخرى، وأغلق الباب عليها بالمفتاح.
سمعت زينب تكات المفتاح بالباب، توجهت إلى الباب ومسكت المقبض قائلة: "افتح الباب يا رفعت، بدل ما أنط من البلكونة وأجيب لك مصيبة."
تبسم رفعت يقول: "براحتك، انطي من البلكونة، بس متنسيش إن البلكونة عالية وممكن تنزلي على رقبتك تتكسر وتجي بمصلحة وقتها تتجبسي وترقدي في السرير ومتخرجيش خالص من السرايا غصب عنك. راجع لك تاني يا دكتوره."
تضايقت زينب. لو فتح رفعت الباب ووقف أمامها الآن لقتلته ببساطة وبضمير مرتاح. لكن فجأة شعرت بدوخة بسيطة. ذهبت وأخرجت جهاز قياس السكر. نظرت للنتيجة قائلة: "هو إيه ده؟ يوم السكر عالي ويوم نازل، مش عاوز يتظبط. وضعت تلك العلكة بفمها وبدأت بمضغها قائلة: "كله من الهمجي رفعت. من يوم ما شفته بيحرق السكر في دمي. هو ده سبب عدم تظبيط السكر عندي. بس مش هيفضل ده كتير."
بينما رغم غيظ رفعت من زينب، لكن تبسم بانتشاء وهو يتخيلها تأكل بنفسها غيظًا منه.
عاد إلى داخل غرفة الصالون، وجد هاشم يجلس ومعه رامى فقط. تبدلت ملامحه وعادت إلى طبيعتها الشيطانية. تحدث رفعت يقول: "دلوقتي نتفاهم يا هاشم. قولي سبب إنك تهجم عالحرس اللي عالبوابة وتدخل لسرايتي تزعق بعلو صوتك ده كان ليه؟ عاوز تثبت لنفسك إيه؟ إنك كبير عيلة الزهار؟ تبقى غلطان، زي ما قولتلك دايمًا، كبير عيلة الزهار من نسل رفعت، ومن وراه رضوان وبعدهم أنا واللي ورايا رامى. انسى إنك تبقى الكبير في وجودي أنا ورامي."
بركان يغلي بقلب وعقل هاشم، لكن رسم الثبات قائلاً: "أنا مش بتكلم عن الكبير ولا الصغير. فين مُهره؟ إزاي أطلب من الخدامة أطلع لمهره وتقولي إنها نايمة؟ ولو مش فاكر أفكرك، مهره تبقى مراتي."
رد رفعت: "ثواني."
نادى رفعت على إحدى الخادمات التي لبت ندائه سريعاً.
تحدث رفعت: "إنتي المسؤولة عن رعاية عمتي مهره، وأنتي قولي للسيد هاشم إنها نايمة."
ردت الخادمة: "أيوا يا رفعت بيه، الدكتورة زينب كانت عندها من شوية وعطتها أدويتها وقالت إنها هتنام ومش لازم نزعجها. النوم ليها راحة، أفضل من العلاج نفسه."
نظر رفعت لهاشم قائلاً: "أهو سمعت بنفسك، الدكتورة بنفسها منعت حد يزعج عمتي مهره."
رد هاشم: "بس أنا مش أي حد، أنا جوزها. والمفروض كانت تتعالج في بيتي، مش هما في سرايتك."
رد رامى: "سرايا رضوان زي بيت عمتي مهره بالظبط. يعني هي مش في بيت حد غريب، يا سيد هاشم. وبعدين إنت كنت فين اليومين اللي فاتوا، وجاي النهارده تسأل عنها؟ بقى مفيش حد من الشغالين عندك قالك إن عمتي عيانة؟"
تعصب هاشم من رد رامى وقال: "أنا كنت في اسكندرية عند هشام تعبان، هو كمان شوية وروحت أشوفه، ومحدش من العمال اتصل عليا، ومعرفتش غير لما رجعت. هي مهره مالها؟ جرالها إيه قبل ما أسافر اسكندرية؟ كانت كويسة."
رد رامى: "اطمن، الدكتورة قالت شوية إرهاق، وزي ما سمعت من المسؤولة عنها إن الدكتورة قالت محتاجة للراحة وهدوء النفس، ومتهيأ لي أفضل مكان ممكن تلاقي فيه هدوء هو هنا، طبعاً قبل ما تدخل زي أمشير بزعابيبك، بس الحمد لله صوتك موصلش عند عمتي مهره، والا كان أزعجها."
نظر هاشم لرامى. هو استخف به وظن أنه سهل المنال، لكن يبدو رامى ضلع ثانِ من رضوان، ليس أقل شجاعة من رفعت. رضوان كان نسخة واحدة، رحل وترك منه نسختان. لكن هو بالماضي أوقع رضوان بكذبة، واليوم عليه تفريق هذان الاثنان، لكن عليه التفكير بحنكة وهدوء، حتى يستطيع الإيقاع بينهم وتفريقهم، وقتها سهل اصطياد كل منهما على حدة. لكن يبدو أنه يحتاج لقوى أكبر حين دخل الضلع الثالث وسيم، الذي وضع يده على كتف رفعت قائلاً: "بشكرك يا رفعت، فعلاً طول عمر بيت خالي رضوان هو اللي بيلمنا. أنا كمان متربي هنا من صغري، رغم إن نصي بس هو اللي زهار، بس خالي عمره ما فرق بيني وبين رامى وكان بيحل لنا مشاكلنا سوا."
تبسم رفعت له وقال: "انت قولت نصك زهار، بس نسيت تقول إنك أخو رامى في الرضاعة، وإن أمك وأمي الاتنين اتشاركوا في رضاعتكم سوا."
تبسم وسيم يقول: "لأ، مش ناسي، فاكر كمان اللقب اللي كانوا بيطلقوه علينا في المدرسة 'الأخوة أعداء'. كنا بنبقى متخانقين، بس واحد فينا يحس بخطر عالتاني، من غير ما يفكر يجري عليه. ياما اتعاقبنا سوا في أوضة مدير المدرسة نستنى خالي رضوان يجي يجيب لنا حقنا ونطلع براءة زي الأطفال، مع إننا كنا أشرار المدرسة."
عين هاشم بركان. لو تركه لثار عليهم الثلاث ما تركه، وهو يُذيب عظامهم، يُخفي معالمهم. لكن مهلاً، ماذا قال ذالك الغبي وسيم... 'الأخوة أعداء'. بالفعل هي فرصته، جعل الأخوة أعداء، وقريباً.
لم يستطع هاشم المكوث أكثر من ذلك وسماع مديحهم لبعضهم أمامه، فقال: "أنا جاي من اسكندرية مجهد، لازم أستريح. طالما الدكتورة زينب أمرت أن مهره لازمها رعاية صحية، تمام، خليها هنا لحد صحتها ما تتحسن وتستريح وترجع للبيت من تاني. همشي أنا بقى."
رد رامى: "تمام، براحتك."
رد رامى بلا مبالاة على هاشم كان القشة النهائية لتحمل هاشم، الذي خرج من الغرفة كالملسوع الذي يهرب من نيران عيون هؤلاء الثلاث، الذين تبسموا بعد خروجه. وقال رامى وهو يمسك ذلك الظرف قائلاً: "إزاي سايب صورة زي دي هنا على الطاولة؟ مش خايف لو الدكتورة شافت الصورة دي ومفكرتش إنها فوتوشوب، كانت ممكن تخلي هاشم يقرأ عليك الفاتحة."
تبسم رفعت قائلاً: "بس الصورة مش فوتوشوب، وكمان قديمة، والدكتورة ملهاش تحاسبني عليها، بس كويس إنك خفيت الصورة. بس يا ترى هاشم شافها ولا لأ."
رد رامى: "معرفش، هو دخل ورايا. أنا قلبت الصورة على ضهرها وحطيت الظرف فوقها."
تبسم وسيم يقول: "بس هاشم الزهار ديب وعنيه بتشوف في الضلمة."
تبسم رفعت وقال: "فين لمى؟"
رد وسيم: "لمى أنا وصلتها لباب السرايا، قالت إنها لسه حاسة بشوية إجهاد."
تبسم رامى، ل رفعت وقال باستهزاء: "لأ سلامتها. هنفضل واقفين كده؟ أنا جعان، وأنتم مش جعانين."
تبسم وسيم يقول: "لأ، أنا جعان جداً جداً كمان. وبعدين إنت خلاص كلها أيام وداخل على جواز ولازم تتغذى كويس."
تبسم رامى يقول: "عارف، أنا شاكك إن عينك مش هتخلي الجوازة تكمل بخير. يظهر نسل الزهار نصيبهم في الجواز مش قد كده، وعندك المثال بتاعنا رفعت. زينب مطلعة عينه، مفيش كلمة بيقولها لها بتسمعها."
تنهد رفعت يبتسم.
تحدث رامى: "كل دي تنهيدة؟ يظهر الدكتورة بدأت تستحوذ على قلب وعقل رفعت الزهار."
صمت رفعت كفيل بتأكيد ذلك.
بعد مرور ثلاث أيام
ظهراً بسرايا الزهار.
دخل رامى على رفعت غرفة المكتب وجده يتحدث بالهاتف.
انتظر إلى أن أنهى اتصاله وقال: "رفعت، إنت زعقت لعمي صفوان قدام العمال النهارده."
رد رفعت قائلاً: "بالعجل قالك أيوا زعقت له، ده مش شايف شغله في الاستطبل، قاعد يتمنظر على بقية العمال وعامل فيها ريس عليهم. أنا معنديش مانع يعمل ريس عليهم بس يشوف شغله بالمظبوط، مش يتمنظر. هو ميفرقش عن العمال."
رد رامى: "ناسي إنه حمايا يا رفعت، وبعدين إيه اللي عمله خلاص تزعق فيه قدام العمال؟"
رد رفعت: "سايب شغله، وبسبب إهمالك كنا ممكن نخسر فرسه. الحدوه بتاعتها اتقلعت من رجلها، كان من السهل يدخل مسمار أو شوك من المكان ووقتها كان هيبقى صعب تعالجها. ومش أول مرة يهمل في شغله وحذرته. وإنت عارف أنا ساكت عليه ليه من البداية علشان خاطرك، بس دهتمادى في الإهمال بزيادة. أنا من الأساس مكنتش هرجعه يشتغل عندنا في الاستطبل، لو مش طلبك مني. أنا مصدقتش كذبته من الأول إن هاشم طرده علشان كان بيشتغل عند بابا قبل كده. هاشم طرده علشان هو مش بيحب يشتغل غير كمان إن من كام يوم شفته مولع راكية نار بالقرب من التبن بتاع الأحصنة. أفرض النار سحبت وولعت في التبن والاستطبل. رامي، بلاش تسمع للراجل ده، أنا لو مش متأكد من أخلاق بنته وكمان مراته وسيرتها الطيبة بين الناس كنت منعت الجوازة دي من البداية، بس قولت البنت ملهاش ذنب في غباوة أبوها. أنا خارج دلوقتي، عندي كم مشوار هعملهم، واعمل حسابك (جيرين جيريمان) جايه بعد يومين وعاوز الفرسه بريفكت قدامها."
خرج رفعت وترك رامى يزفر أنفاسه بحيرة.
عصراً
الوحدة الصحية
حالة من الرعب والهَلَع، بين الموجودين بالوحدة. خرجت زينب من غرفة المدير، بسبب سماعها لبعض الأصوات العالية.
تعجبت من ذالك المنظر. أمامها الجميع يجري ويصرخ.
تعجبت، وبدل أن تجري هي الأخرى، توجهت إلى المكان الذي يأتون من ناحيته يصرخون، إنها غرفة العمليات بالوحدة، بابها مغلق بإحكام.
توجهت إليها، كان هناك أحد حراس الوحدة، يقف على أحد المقاعد بالقرب من الغرفة، وسلاحه مركز ناحية باب غرفة العمليات.
نظرت له بحدة قائلة: "واقف كده ليه، ورافع سلاحك؟ في إيه في أوضة العمليات؟"
قالت هذا، وتوجهت إلى باب الغرفة.
قال لها الحارس بتحذير: "أوعى تفتحي الباب يا دكتورة."
نظرت له قائلة: "ليه؟ في إيه جوه الأوضة؟"
رد الحارس: "في تعبان كبير نايم بالأوضة، منعرفش إزاي دخل للأوضة، أكيد اتسحب من الترعة اللي وراء الوحدة."
نظرت له ساخرة تقول: "والتعبان ده، دخل أوضة العمليات، علشان يعمل عملية سلخ جلد."
تحدث الحارس وهو ينظر لها وهي تضع يدها فوق مقبض باب الغرفة قائلاً بتحذير: "أوعى تفتحي الباب، يا دكتورة، ليكون التعبان واقف وراء الباب. الحاج طارق، راح يتصل على واحد رفاعي يعرفه ييجي يتعامل مع التعبان ده."
نظرت له زينب ساخرة تقول: "بلاش غباء، إحنا نعتبر في لسه في الشتا، مش شايف الجو برد. ولو في تعبان بصحيح في الأوضة أكيد هيكون صغير ومش في قواه، لأنه لسه في مرحلة البيات الشتوي."
بالفعل فتحت زينب باب الغرفة، وسارت خطوات ووقفت مذهولة مما تراه. حقاً هناك ثعبان، شبه ضخم، عكس ما توقعت، ويبدو غاضب من شيء، يزحف وهو يخرج لسانه يستعد لبث سمه على فريسة له. وبالفعل اقترب من مكان وقوفها، لم يفصله عنها سوى أقل من عشرة سنتيمتر، لكن فجأة دوى صوت رصاصة بالمكان تفرتك رأس الثعبان، ونثر دماؤه بالغرفة وطال ملابسها بعض دماء الثعبان. نظرت زينب خلفها لمن أطلق تلك الرصاصة، ووقفت مذهولة وقالت: "سيد هاشم."
تبسم هاشم قائلاً: "بلاش تجازفي يا دكتورة، كان لازم تسمعي للحارس ومتدخليش للأوضة والتعبان فيها."
ردت زينب: "بصراحة متوقعتش تعبان بالحجم ده يكون موجود هنا في وقت زي ده، شكله كمان كان غضبان."
رد الحارس: "تلاقي التعبان ده كان مستخبي في الأحراش اللي وراء الوحدة، ولما اللودر جه وحشها هو هاج على هنا ويمكن ماتت وليفته، وغضبان."
تبسمت زينب وقالت: "بشكرك مرة تانية يا سيد هاشم، يمكن من حسن حظي إنك كنت موجود بالوحدة. خير؟"
رد هاشم: "خير، أنا كنت جاي علشان عملت الفحوصات اللي كنتي قلتي لي عليها عملتها وكنت جايلك أستشيرك."
تبسمت زينب قائلة: "واضح إن الحظ بعتك ليا نجدة النهارده. عالعموم، اتفضل معايا على مكتبي."
تبسم هاشم وسار خلف زينب إلى مكتبها، يبتسم بزهو فهو في نظرها الآن منقذها من موت كاد يقترب منها.
بعد مرور يومان
مساءً
دخلت صفاء إلى غرفة مكتب زينب مبتسمة تقول: "جرى إيه يا دكتورة؟ مش هتروحي للسرايا ولا إيه."
تبسمت زينب ونهضت تخلع معطفها قائلة: "لأ، خلاص الساعة بقت تمانية بالليل، كفاية كده."
تبسمت صفاء: "والله يا دكتورة أنا مش عارفة رفعت بيه سايبك كده إزاي؟ تفضلي لبليل في الوحدة تقدمي للناس المساعدة وتكشفي عليهم ببلاش، وتتأخري كمان ساعات للساعة تسعة وعشرة بالليل. يا لا المدير اللي كان قبلك كان آخره الساعة خمسة المغرب، غير إنه مكنش بيكشف في الوحدة خالص، كان اللي ييجي الوحدة لو صباعه اتجرح يقوله تعالي لي العيادة بعد ساعة. يلا آهو رجع بلده تاني، وجالنا مكانه دكتورة نواره وزينة الدكاترة كلهم. والله يا دكتورة من أول مرة شوفتك فيها دخلتي قلبي، ولما دافعتي عني قدام الكلب طليقي، وكمان مقطعتيش عيشي."
تبسمت زينب قائلة: "كل واحد بيعامل ضميره يا صفاء، وأنا فعلاً هلكانة، وعايزة أروح آخد شاور دافي وبعدها أتغطى وأنام. الطقس زي ما يكون الشتا رجع تاني، المفروض خلاص قربنا عالصيف."
تبسمت صفاء قائلة: "نوم العوافي يا دكتورة. هو كده الربيع بحالات يوم حر ويوم برد، والسنة دي البرد كان زايد شوية."
تبسمت زينب وغادرت الوحدة.
بعد قليل.
أثناء دخول زينب إلى السرايا، رأت ببهو السرايا رفعت يقف مع امرأة. تبدو من ظهرها بشعر أشقر. ساق فضولها وقالت: "أما أروح أشوف مين دي كمان؟ يمكن تكون المخفية لمى ضربت شعرها أكسجين، بس دي كانت بتيجي علشان وسيم ووسيم خلاص رجع مع خالته لبيت هاشم. أنا هحتار ليه؟ أروح أشوف مين دي؟"
اقتربت زينب من مكان وقوف رفعت مع تلك الشقراء. نظرت له باستغراب. هو يتحدث معها الإنجليزية بطلاقة وسلاسة. همست قائلة: "من كام يوم كان بيرد ع المخفية لمى باليوناني، والنهاردة بيتكلم إنجليزي لبلب كأنه عايش في إنجلترا. رفعت ده درس إيه يا ترى، وإزاي بيعرف لغات أصلاً."
تبسم رفعت حين اقتربت زينب ورأت بعينيها الفضول. هو أصبح يعلم بالتدريج بعض خصالها، ومن ضمن خصال زينب الفضول الزائد.
تبسم واقترب منها ولف يده حول خصرها، تلك الحركة التي تضايقها وتجعلها تود الفتك به، لكن تضبط نفسها قسراً.
تبسم رفعت يتحدث بالإنجليزية: "دكتورة زينب زوجتي، وتلك (جيرين جريمان) من أفضل عملائي في شراء الخيول."
تبسمت زينب تصُق أسنانها، وقامت بالترحيب بجيرين.
نظرت لها جيرين بتفحص: كيف لرجل مثل رفعت يتزوج من فتاة كهذه يفضلها عليها؟ هي سبق وحاولت جذبه إليها لكن كان البرود هو المسيطر عليه، بينما تلك البسيطة كيف دخلت لحياته وجعلته يُقبل على خطوة الزواج الذي سبق وأخبرها أنه لا يفكر في الارتباط بهذا الوقت وما كان هذا الحديث سوى قبل أشهر قليلة. متى وكيف دخلت تلك إلى حياته؟
بينما زينب تشعر بغيرة من تلك الفتاة وهي تراها تتدلل بخطواتها أمام رفعت.
الذي اقتربت من الخادمة وقالت: "العشاء جاهز يا رفعت بيه."
تبسم رفعت ورفع يده أمام جيرين قائلاً: "العشاء أصبح جاهزًا، لقد أمرتهم بتحضير تلك المأكولات التي سبق وتناولت منها وأعجبتك."
تبسمت جيرين وسارت أمامه تتهادى بخطواتها التي أغاظت زينب وقالت: "صحيح، إنجليزية ودمها بارد وهو وقح، وتلاقي عاجبه اللي ماشية تتمرقص."
سمع رفعت همسها، ومال على أذن زينب قائلاً: "مش ماشية تتمرقص، دي بتمشي زي الليدي ولبسها أنيق، مش ماشية ولا لبس عبده البواب."
نظرت له زينب بغيظ وقالت: "له، طالما مش عاجبك ليه؟ إيه يغصبك؟ خلينا ننفصل."
تبسم رفعت دون رد، وسار إلى غرفة السفرة، ترك يده من حول خصر زينب، وذهب إلى مكان وقوف جيرين وشد المقعد للخلف إلى أن جلست، ثم ذهب إلى مكان وقوف زينب وكاد أن يفعل ذلك، لكن قالت زينب له وهي تجلس: "خليك في الاتيكيت مع شررين بتاعتك ولا اسمها إيه دي."
تبسم رفعت وإنحنى على أذنها يهمس: "اسمها چيرين."
قال هذا واستقام، وذهب على رأس الطاولة وقال: "أتمنى أن يعجبك الطعام چيرين."
تبسمت چيرين له، وبدأت في تناول الطعام. أثناء الطعام كان رفعت وچيرين يتحدثان حول الخيل وعن تلك الجولة التي قامت بها باستطبل الخيل الخاص بها، وعن سعادتها بمرافقته لها طوال الجولة.
كان رفعت يرد بدبلوماسية، بينما زينب كانت تتناول القليل من الطعام، وتختلس النظر لجيرين ورفعت. لاحظ ذلك رفعت ولم يعقب على الأمر.
بعد قليل نهضت چيرين من على طاولة الطعام قائلة: "لقد شبعت، وأشعر بأجهاد، وأريد الراحة. سعدت بمعرفتك دكتورة."
تبسمت زينب بإيماءة.
تبسم رفعت، ونهض هو الآخر قائلاً: "حسنًا، سأصطحبك."
خرج رفعت مع چيرين من السفره وظلت زينب لدقائق تجلس مكانها، لكن نهضت قائلة: "الهمجي راح وراء الإنجليزية الباردة ولا عمل اعتبار ليا كأني موجودة. هسود ليله هو وهي."
قبل أن تخرج زينب من غرفة السفره اصطدمت برفعت الذي عاد يبتسم.
نظرت له زينب قائلة: "أنا كمان هلكانة في الوحدة هطلع اتخمد زي الإنجليزية الباردة."
تبسم رفعت دون رد.
صعدت زينب لغرفتها لا تعرف تفسير لما، للحظة تضايقت حين ظنت أن رفعت ذهب مع تلك الإنجليزية إلى الغرفة، لامت شعورها، وذهبت إلى الحمام.
خرجت بعد قليل قائلة: "أما أنشف شعري وبعدها أبقى ألبس البيجامة، بدل ما تتبل ميه من شعري، وتسقعني، والجو مش ناقص برد."
بالفعل جففت شعرها بالمجفف الكهربائي، ثم خلعت عنها رداء الحمام وارتدت بنطال المنامة، لكن قبل أن تكمل ارتداء باقي أجزاء المنامة، فتح رفعت باب الغرفة كعادته دون طرق الباب.
ارتبكت زينب من دخوله، وأخذت باقي المنامة وارتدته سريعاً تقول بغضب: "مفيش باب تخبط عليه قبل ما تدخل زي الهمج كده، وجاي دلوقتي لأوضتي ليه؟"
تبسم رفعت يقول: "يعني شوفت إيه جديد؟ عادي جسم بلاستيك. أنا للأسف هنام هنا لأن چيرين هتنام في أوضتي."
ردت زينب: "نعم؟ هتنام فين؟ عندك السرايا واسعة، شوف لك أوضة تانية."
صمت رفعت وهو يتجه إلى الفراش، وخلع ساعته ووضعها على طاولة جوار الفراش، ثم بدأ في خلع ملابسه، إلى أن بقى بشورت فقط، ثم تمدد على الفراش بصمت.
تعصبت زينب وذهبت إلى مكانه وقالت: "إيه؟ مسمعتش اللي قلته؟ قوم اطلع بره الأوضة شوف لك أوضة تانية."
رد رفعت للأسف: "لازم أنام هنا، قدام چيرين. يرضيكِ تقول إن مش بنام مع مراتي في أوضة واحدة."
ردت زينب: "يرضيني جداً، قوم من على السرير مش بحب حد ينام جنبي عالسرير."
تبسم رفعت يقول: "هي مسألة كم ساعة، استحملي عادي، زي ما أنا هتحمل برضو."
اغتظت زينب وأخفضت إضاءة الغرفة ونامت على الفراش، وجعلت بينها وبين رفعت مسافة تعطيه ظهرها. لكن فجأة، شعرت بيد رفعت أسفل غطاء السرير تتحرش بها، ليس هذا فقط، بل اقترب منها ولف يديه حول خصرها. شعرت بأنفاسه قريبة من عنقها.
فجأة أبعدت يده عنها ونهضت من جواره ووقفت على الفراش ووضعت يديها حول خصرها وتخصرت قائلة: "ما هو مش هتسيب أوضتك للست زفت الطين تنام فيها وتيجي تبليني بيك وتنام جنبي عالسرير تتحرش بيا، وهسكت؟ لأ، أنسي. يا تنام بأدبك، يا تقوم تنام عالأرض."
قالت هذا وقامت برفص جسده بأصابع قدمها.
أخفى بسمته وهو نائم على ظهره ينظر لها وقال ببرود: "والله السرايا كلها ملكي، أنام في الأوضة اللي تعجبني، وأنتي كمان ملكي ومش عيب أتحرش بيكي."
قال هذا ورفع ساقه بمباغتة وهو نائم يخبط ساقها وهي واقفة.
للحظة اختل توازنها وسقطت بجسدها فوق جسده.
سريعاً أحاط جسدها بيديه، لجم حركتها واستدار بهما على الفراش، وأصبح فوقها. وضع رأسه بين حنايا عنقها.
شعرت هي بأنفاسه الملتهبة على حنايا عنقها. أغمضت عينيها، وتنفست بقوة تتحدث وهي تصُق أسنانها قائلة: "قوم من فوقي، وخلي ليلتك تفوت بدل ما أرد عليك بطريقتي."
رفع رأسه ونظر لعيناها قائلاً بتحدي: "مش هقوم، وعايز أشوف طريقتك الحلوة في الرد؟!"
قال هذا وعاد يدس رأسه في عنقها، لكن هذه المرة قبل جانب عنقها مرة ومرات. كاد عبقها أن يُسكره.
لكن فاق من قوة الألم الذي شعر به! رفع رأسه من عنقها ونهض عنها، ووقف على الفراش يقول بتألم: "انتي بتعضي كمان؟ بتعضيني من رقبتي!"
نزل من على الفراش، وأشعل ضوء الغرفة واتجه إلى المرآه، ونظر إلى رقابته، ووجد علامة أسنانها القوية بارزة بها.
عاد بنظره لها وجدها نائمة على الفراش، تضحك بتشفى.
تحدث يقول: "شايفة عضتك معلمة في رقبتي؟ إيه ده؟ انتي حفيدة دراكولا؟"
ردت بلامبالاة: "حفيدة دراكولا، حفيدة كوكو. شوف لك مكان تنام فيه، وابعد عني. أقولك روح لزفت الطين، تاخذك جنبها. إنجليزية ودمها بارد، ومهتصدق، والجو برد، خليها تدفيك."
أخفى رفعت بسمته وقال بوعيد: "المرة اللي فاتت كنتي هتجيبي لي عاهة مستديمة، والمرة دي عضتيني. إن كنت سكتت المرة اللي فاتت، المرة دي مش هسكت."
نظرت له بسخرية وقالت: "آخر ما عندك، هاته، ميهمنيش هتعمل إيه يعني."
نظر لها رفعت وقال: "انتي مستبيعة بقى ومفكرة إني علشان بطنش عن أفعالك بمزاجي إني مقدرش أعرفك مين رفعت الزهار اللي بس ذكر اسمه يرعب رجاله، مش حتة دكتورة منقولة لهنا عقاب عن طولة لسانها، ومش بس لسانها اللي طويل، لأ إيديها وسنانها. بس أنا بقى مش هسيب حقي الليلة."
نظرت له زينب بلا مبالاة، لكن فجأة وجدته يقترب من الفراش، وقبل أن يهجم عليها أزاحت الغطاء ونهضت من على الفراش بعيداً عنه تبتسم، مما أغاظه، فتوجه إليها. صعدت على الفراش تبتعد عنه ووقفت قائلة: "أنا بقول تتمسحي وتشوفلك أوضة تانية يا همجي، مش هتقدر تمسكني."
تبسم رفعت بخفاء واتجه يصعد للفراش، لكن كانت أسرع منه ونزلت من على الفراش، تنظر له وتبتسم، فنزل خلفها، لكن لسوء حظها أنها ترعقلت بسجادة موضوعة على الأرض، لكن نهضت سريعاً، تصعد مرة أخرى على الفراش، لكن حين اقترب رفعت يصعد على الفراش قبل أن تنزل، سحب الغطاء من أسفل قدمها فأختل توازنها وسقطت على الفراش. سريعاً وضع رفعت فوقها الغطاء يقيد حركتها به وجثى بجسده فوق جسدها، وتبسم بانتصار، لكن زينب أخرجت يدها من الغطاء ودفعته عنها قائلة: "شكلك محرمتش من المرة اللي فاتت لما كنا في الوحدة."
تبسم رفعت بزهو، لكن زينب حين حاولت رفع ساقه لم تقدر، فرفعت قيد حركتها بالغطاء. ليس هذا فقط، نظر لها يقول: "هعضك نفس العضة في نفس المكان." قال هذا ووضع رأسه بعنقها.
تحدثت زينب قائلة: "بلاش يا رفعت، خلاص نام عالسرير وهنام أنا عالأرض بس بلاش تعضني."
رفع رفعت رأسه ونظر لعيناها، لكن قبل أن يتحدث قالت زينب: "أرجوك يا رفعت بلاش تعضني."
تبسم رفعت، لكن وضع رأسه بعنفها للحظة. اعتقدت أنه سيقوم بعضها، لكن شعر رفعت بضربات قلبها العالية أسفله، ووجد نفسه يقوم بتقبيل عنقها بقبلات ناعمة.
للحظة اهتز كيان زينب وهي تشعر هي الأخرى بضربات قلبه العالية، لكن فاقت تدفعهُ بيديها قائلة: "قوم من فوقي يا متحرش."
رفع رفعت رأسه ونظر لوجهها واستقرت عيناه على شفاهها، مسك يديها بيده وقام بتقبيلها، قبلات متشوقة. قاومت زينب تلك المشاعر التي تسيطر عليها، لكن بحنكته وخبرته السابقة في التعامل مع النساء جعلها تستسلم أمام غزو طوفانه لمشاعرها البريئة، وسحب غطاء الفراش الذي كان يحول بينهما، ويمتلك هو زمام الأمر وينعم معها بلحظات عشق يخطفها من الزمن، لكن قبل النهاية شعر بأن زينب قد تكون تؤنب نفسها، وتذكر عضها له، فقام بتقبيل شفتاها ثم عض شفتاها، مما أغاظها.
تنحى رفعت نائماً بظهره على الفراش، ينظر لها ينتظر أن تثور عليه بعد ما حدث بينهم.
بينما هي فكر عقلها وقالت: "حالاً يشغل همجيته."
نهضت تسحب الغطاء عليها، وتقول له بحِدة: "قوم من جانبي يا حقير يا همجي، يا مُغتصب. المرة اللي فاتت قولت إن أنا اللي جيت لك لحد أوضتك، المرة دي انت اللي غصبتني ع اللي حصل يا حيوان يا حقير يا همجي."
ضحك رفعت وهو يعتدل نائم على ظهرهيقول: "برضوا متكيفتش."
اغتظت منه زينب وسحبت غطاء الفراش كله عليها وقامت بدفعه عن الفراش قائلة: "كنت عارفة إنك همجي وهتقول كده، يلا قوم غور من أوضتي، وبعد كده ممنوع تدخلها، عندك السرايا فيها أوض كتير، شوف لك أوضة تانية اتلقح فيها، بعد كده ممنوع تبليني بيك."
تبسم رفعت ونهض من على الفراش وإنحنى يأخذ بنطاله من على الأرض وارتداه وهو ينظر لزينب بتسلية، لكن عاد مرة أخرى للفراش وجلس جوارها وأخرج من جيب بنطاله سلسال من الذهب الأبيض وأقترب منها ولف يديه حول عنقها.
للحظة رجعت زينب برأسها للخلف تضرب يده بيدينها تُنحي يداه عن عنقها، لكن حاوط رفعت عنقها بذلك السلسال الذي تدلى على عنقها. نظرت زينب للسلسال لمعت عيناها وإنبهرت به قائلة: "المُصحف ده تصميمه جميل قوي."
تبسم رفعت يقول: "المُصحف ده متقلعهوش خالص، هيحفظك يا زينب."
تبسمت زينب وهي تمسك المُصحف بفرحة طفلة بفستان العيد.
بينما رفعت هو الآخر يشعر براحة بعد أن وضع هذا السلسال حول عنق زينب، فهذا السلسال كان هدية من والدته. لديه يقين أن هذا المصحف كان سبب نجاته تلك الليلة من الحريق.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامة
بدأت الخيوط الأولى لآشعة الشمس. نظر رفعت لتلك النائمة إلى جواره. تنام براحة، كما أنه هو الآخر شعر براحة في نومه بجوارها. لم تزره تلك الكوابيس المعتادة التي تؤرق نومه كثيرًا.
أزال عن جبينها بعض الخصل المتمرّدة من شعرها وتعمّق النظر لها. تبسّم وهو يتذكر فرحتها الكبيرة بذلك السلسال القليل في الثمن، لكنه كبير في القيمة. لم يفكّر أنه قد يعطيه لأحدٍ في يوم من الأيام. هو كان تذكارًا من والدته، أعطته له حين أتم عامه العشرين، قبل أشهر قليلة من الحريق.
هادي غيرها سابقًا بهدايا ماسية ثمنها باهظ يفوق ثمن ذلك السلسال بكثير. كان يرى بعينيهن الطمع وإرادة المزيد. لكن معها شعر من فرحتها أنه أعطاها كنزًا. بالفعل، السلسال كنز، لكن بالنسبة له.
تبسّم وهو يتذكر أيضًا تركها له ينام بجوارها دون اعتراض، أو بالاصح دون انتباه منها. هي كانت تحت سطوة فرحتها بذلك السلسال. نعست وهي تقبض عليه بيدها.
اقترب بجسده منها وضمّها بين يديه هامسًا لنفسه:
"مع الوقت بتأكد إني مكنش لازم أدخلك حياتي يا زينب، معملتش حاجة كويسة عشان تكوني مكافأة ليّا."
شعرت زينب بيديه اللتان تضمّها. فتحت عينيها. للحظات تبسّمت بتلقائية ثم أغمضت عينيها مرة أخرى. لكن ما زالت البسمة على شفتيها.
هو الآخر تبسّم وهو يتخيل أنها ربما ما زالت تحت تأثير سطوة النوم وربما تحلم.
انتهز فرصة سكونها واقترب من شفتيها يُقبّلها قُبلات هادئة.
شعرت زينب بأنفاس رفعت وبدأت تستعيد وعيها وتفيق من نومها. فتحت عينيها وقامت برفع يديها وكادت تصفعه. لكن أمسك يديها وابتعد عن شفتيها، ينظر لها ببسمة قائلاً ببرود:
"صباح الخير يا زوزي."
حاولت زينب أن تفلت يديها من يده وقالت:
"صباحك زي وشك. إيه اللي نيمك هنا في أوضتي، يا همجي."
ضحك رفعت يقول:
"يظهر قاعدتك كتير مع جدتي عدّتك من الزهايمر اللي بيجي لها. أنا نايم هنا من أول الليل، ولا نسيتي اللي حصل بينا كمان."
قال رفعت هذا وانحنى وهمس بجوار أذنها:
"إيه رأيك نعيده دلوقتي تاني يمكن تفتكري."
سحبت زينب يديها من بين يدي رفعت ودفعته عنها قائلة:
"اطلع بره يا همجي، مش قولت إني مكيفتكش؟"
ضحك رفعت يقول بوقاحة:
"يمكن مع التكرار أتعود."
نهضت زينب وحاولت لكمه. لكن بسهولة تلقى اللكمة ونهض هو الآخر بسهولة وتعامل معها. حاولت زينب أكثر من مرة لكمه، لكن رفعت كان يتمكن من صد اللكمة، بل ويضحك كثيرًا.
توقفت زينب عن لكمه تلهث قائلة:
"بتضحك على إيه؟ قدامك أرجوز."
رد رفعت:
"لأ، أرجوزة عريانة."
انتبهت زينب لنفسها وسريعًا سحبت غطاء الفراش. وقبل أن تتحدث، تحدث رفعت:
"خلاص، شفت كل شيء قبل كده. قولتلك مليكان بلاستيك."
نظرت له زينب بغيظ قائلة:
"بره يا رفعت، وممنوع تدخل الأوضة دي تاني. وإن شاء الله في أقرب فرصة هخلعك، والسبب وقاحتك دي."
تبسّم رفعت يغيظ زينب قائلاً:
"وهتخلعيني إزاي بقى؟ هتقولي مبيعرفش؟"
ردت زينب بسخرية:
"لأ، هقول حلوف ووقح وعنده قوة مفرطة. وأخاف لأ أقيم حدود الله."
ضحك رفعت بتهجّم يقول:
"متقية قوي يا زوزي. على العموم، هروح الحمام أغير هدومي عشان عندي سفر للقاهرة. هوصل جيرين للمطار."
ردت زينب:
"تروح ما ترجع إن شاء الله. وأخلع منك بدون قضية ولا مأذون."
تبسّم رفعت دون رد وذهب إلى حمام الغرفة.
بعد قليل خرج من الحمام يلف خصره. وجدها ارتدت تلك المنامة التي كانت تريدها بأول الليل. تبسّم وتوجه إلى ذلك الدولاب وأخرج من أحد الضلف التي لا تستعملها زينب طقم ملابس كامل له.
تعجبت زينب وقالت:
"إيه اللي جايب هدومك هنا في دولاب أوضتي؟"
رد رفعت ببساطة:
"تعرفي إن الأوضة دي في الأصل كانت بتاعتي. وأوقات كتير كنت باجي أنام فيها قبل ما نتجوز. شوفتي يا زوزي؟ أهو أنتي اللي اخترتي الأوضة من الأول، طمعتي في أوضتي."
نظرت له قائلة بتهكّم:
"طمعت في أوضتك؟ لو بإيديا مش عاوزة أعيش هنا أصلًا. أنا حاسة إني عايشة في حصن عسكري مش بيت تعيش فيه ناس طبيعية. خايف من إيه؟"
أزال رفعت عن خصره تلك المنشفة وأعطاها ظهره وبدأ بأرتداء ملابسهُ قائلاً بنبرةٍ ناهية:
"مش خايف من حاجة. ومتدخليش في حاجة متخصكيش."
ردت زينب عليه بحزم:
"فعلاً، مفيش حاجة من ناحيتك تخصني. هدخل آخد شاور. أطلع تكون غورت من الأوضة."
قالت زينب هذا ودخلت إلى الحمام، تصفع خلفها الباب بقوة.
أدار رفعت وجهه ناحية باب الحمام وشعر بالغضب. بماذا كان يرد عليها؟ أيقول لها إنه هو من شيّد تلك الجدران العالية وأحكمها حول المكان؟ بالفعل، هو يريده حصنًا منيعًا صعب الاختراق. لا يريد للماضي أن يتكرر، حين كان مكان تلك الأسوار العالية فقط أسلاك شائكة، سهل اختراقها. وبالفعل اختُرقت من خائن وأشعل نيرانًا حرقت كل شيء، لم تترك سوى جدران تلك السرايا خاوية. هو من أعاد ترميمها وبناء تلك الجدران العالية.
بالفعل أنهى رفعت ارتداء ملابسهُ وترك الغرفة قبل خروج زينب من الحمام. والتي خرجت بعد قليل. لم تجد رفعت بالغرفة. تنهدت تلوم نفسها قائلة:
"غبيه يا زينب، ليه الهمجي ده له تأثير كبير عليكي؟ وبشوية لمسات منه بتحني له وتسلمي؟ وبعدها بيهين أنوثتك قدامه؟ لازم لده من نهاية. الجواز ده لازم ينتهي في أقرب وقت."
أثناء لوم زينب لنفسها، سمعت طرقًا على باب الغرفة. تأكدت أنه ليس رفعت، فهو همجي يدخل دون إذن. سمحت لمن يطرق بالدخول.
دخلت محاسن مبتسمة. تقول:
"معلش يا دكتورة، عارفة إن الوقت لسه بدري، ويمكن صحيتك من النوم. غصب عني والله. الست إنعام قالتلي هاتلي الدكتورة هنا دلوقتي. حاولت معاها وقولتلها الوقت بدري وإنك لسه نايمة، بس إنتي عارفة عقلها."
قاطعتها زينب مبتسمة تقول:
"لأ، مفيش مشكلة. أنا متعودة على الصحيان بدري. هغير هدومي وأروح لها."
تبسمت محاسن لها قائلة:
"والله الست إنعام عندها حق تحبك من قبل ما تشوفك. وهي اللي قالتلي أقول لرفعت بيه إنها عيانة وعاوزة دكتورة مخصوص عشان تشوفك وتتعرف عليكي، بعد ما سمعت عنك. هي أوقات صحيح بتغيب، بس يمكن من رحمة ربنا عليها. دي خسرت ابنها الصغير وهو ابن عشر سنين، وبنتها كمان خسرتها شابة وهي حفيدتها. وبتقولي إنك بتفكريها بحفيدتها، بس حفيدتها كانت أطيب منك."
تبسمت زينب باستغراب. هو رفعت كان عنده أخت؟ طب إيه سبب موتها هي ومامته وباباه؟
ردت محاسن بألم:
"ربنا يرحمهم. كان قام في السرايا والمزرعة كلها حريق من حوالي خمسة عشر سنة، ومنجيش من الحريق غير رفعت بيه وأخوه رامى بيه."
ردت زينب:
"وأيه كان سبب الحريق ده؟"
ردت محاسن باختصار:
"القدر. هسبقك على أوضة الست إنعام، وأنتي غيري هدومك براحتك..."
بعد قليل بغرفة إنعام، تبسّمت زينب وهي تدخل إلى الغرفة قائلة بمرح:
"صباح العسل على تيتا الحلوة العسولة."
تبسمت إنعام الجالسة على الفراش وفتحت لها يدها قائلة بعتاب:
"زعلانة منك بقالي يومين مش بتجيني أوضتي، ونسيتيني كده. أنا قلت مهره مشيت وخلاص مش هيبقى في غيري هنا قدامك."
تبسمت زينب وذهبت لها وارتمت بحضنها قائلة:
"مقدرش أنساكي، يا تيتا يا عسولة. بس إيه اللي في إيدك ده؟ ده ألبوم صور. ياترى بتفرّي في صور مين بقى، يا تيتا يا شقية."
تدمعت عين إنعام، قائلة:
"دول كلهم من الماضي. تعالي أعرفك عليهم. وكمان فيه صور للواد رفعت وهو صغير، مكنش صغير قوي، كان بتاع خمس سنين كده، وكان ملط من غير هدوم."
همست زينب قائلة:
"ما شاء الله، طول عمره وقح من صغره."
تبسمت إنعام التي سمعتها قائلة:
"هو طول عمره وقح، بس يتحب. ولا إيه رأيك؟ يعني هتكدبي على تيتا وتقولي إنه مش معاشش في قلبك، بس بتكابري؟ يابت، دا أنا شيفاه ليلة امبارح داخل أوضتك، وكنت لسه هخبط عالأوضة بس قولت بلاش أبقى عازول."
تبسمت زينب قائلة:
"هو حفيدك ده فيه حاجة تتحب يا تيتا؟ ده همجي وأنا مستحملاه بس عشان خاطرك بس، وبفكر أخلعه قريب."
تبسمت إنعام قائلة:
"لأ، متخلعهوش. خليه يعترف إنه بيحبك. وشعوطيه كده، زي ما أنا عملت مع المرحوم زمان. تعالي أما أفرجك على صوري أنا والمرحوم."
تبسمت زينب لها وبدأت إنعام تفر بين صفحات الألبوم، تحكي لها حكاية كل صورة. كأن ذكرياتها عادت من جديد. لكن أثناء تقليب إنعام بصفحات الألبوم، اندهشت زينب من تلك الصورة. رفعت يبدو أصغر في بداية العشرينات من عمره ويرتدي (زي ملكي). ولسوء الحظ لم تعقب إنعام على تلك الصورة وقلبت الصفحة بأخرى. لكن فضول زينب جعلها تسأل إنعام، وتعيد نفس الصفحة على الصورة وقالت بسؤال:
"الصورة دي محكتيش حكايتها زي الباقيين ليه يا تيتا."
تمعنت إنعام في الصورة وعادت مرة أخرى، تُغيّب عقلها:
"معرفش حكاية الصورة دي إيه. وبعدين مين اللي طلع الألبوم ده من مكانه؟ أكيد محاسن عايزة تحرقه."
لم تقول هذا فقط، بل أغلقت صفحات الألبوم وضمته لصدرها، تلف يداها حوله بقوة قائلة:
"ده اللي باقي لي من ذكريات اللي راحوا واللي اتحرقوا."
شعرت زينب بالشفقة على إنعام ولم تجادلها، بل احتضنتها بود.
تبسمت إنعام ولفت يديها حول زينب واحتضنتها هي الأخرى قائلة:
"نفس الشامة اللي كانت في إيد رحمه في إيدك يا زينب. أنا متأكدة إني شوفتك قبل كده فين مش فاكرة."
تبسمت زينب، لكن عقلها شارد بتلك الصورة. رفعت يرتدي (زي ملكي). قادها فضولها لجواب واحد. ربما كان بفترة قضاء خدمته العسكرية.
...
في عصر نفس اليوم، دخل رفعت إلى الإسطبل. تبسّم وهو يقترب من مكان وقوف أخيه. تحدث أخيه يقول:
"وصلت جيرين للمطار؟"
رد عليه:
"أيوا وصلتها."
قال هذا وشد تلك الكوفية التي كان يلفها حول عنقه.
وقع نظر أخيه صدفة على رقبته، ورأى تلك العلامة البارزة بجانب رقبته. تحدث بلهفة:
"إيه العلامة اللي في رقبتك دي يا رفعت؟" ثم أكمل بخبث: "لتكون علامة الدكتورة زينب السمراوي؟"
رد رفعت وهو يضع يده على العلامة يشعر بألم بسيط:
"متقولش دكتورة زينب، قول حفيدة دراكولا."
تبسم رامي يقول بتورية:
"بس غريبة، أنا قلت هتوصل جيرين المطار وتفضل في مصر كام يوم تريح أعصابك، بس يظهر اللي هنا وحشوك."
رد رفعت:
"مين اللي هنا هيوحشني؟ إنت مثلاً؟"
تبسّم رامي:
"لأ طبعًا. لو الود ودي مكنتش هترجع في نفس اليوم كده. بس في حفيدة دراكولا؟ يمكن عشانها. أصلي قريت إن اللي بيعضه دراكولا دايما بيشتاق لعضته."
نظر رفعت لرامي بسخط وقال:
"أنا بقول تخلص تدريب الفرسة اللي معاك بدل ما أخليك تحضر فرحك في الجبس."
تبسم رامي:
"على إيه يا سيادة القائد؟ قلبك أبيض. هبقى أنا والعروسة متجبسين. طب خلي واحد فينا يسند التاني."
...
قبل غروب الشمس بحوالي ساعة، عند ذلك المجرى المائي بالبلدة، كان يسير نعمان. تجوّلت عيناه بالمكان الذي تغير جذريًا عن وقت ما تركه. اختفت المساحات الخضراء، أصبح مكانها كتل خراسانية سدّت الهواء النظيف الذي كان يأتي بهذا الوقت محملًا برائحة زهور الربيع المنعشة. انعدم الهواء، مجرد نسمات عابرة. حتى المجرى المائي ضاق وأصبح أقل عمقًا. تذكر كيف رطّبت مياه هذا المجرى جسده من حرارة الصيف تزيل عنه عرق جسده الذي كان يحترق من تعامد حرارة الشمس عليه وهو يعمل بالحقل بأيام الصيف الحارة. تذكر حتى تلك الأشجار التي كانت مزروعة على ضفتي المجرى لم تعد موجودة بنفس الكثافة القديمة، مجرد شجيرات صغيرة. بالماضي كان على ضفتي المجرى أشجار متنوعة، أشجار التوت المثمرة التي ما زال مذاقها بفمه لم ينساه، حين كان يقطفه ويذهب به لوالدته وأخته وتفرحان به كأنه أتى لهن بكنز ثمين. وأشجار زينة تظل مياه المجرى، شجر الصفصاف.
أثناء سيره توقف أمام نفس المكان القديم. هنا كانت بداية نهاية قصة حب المهره والبستاني البسيط. هنا ارتسم طريق الفراق. كل شيء تغير عن قبل ثلاثون عامًا. عمر آخر عاشه بعيدًا عن هنا. ترك كل شيء خلفه، ترك والدته وأخته دون سند لهن. اعتقد أن المال الذي كان يرسله لهن هو السند. تزوجت أخته، لم يسلم يدها لزوجها ويقول له إن خلفها رجلًا عليه أن يهابه ويعاملها بالحسنى. وفارقت والدته الحياة، لم يكن واقفًا يأخذ عزاءها. ليت الزمن يعود ما كان تركهن خلفه وما استسلم لطاغوت هاشم. لكن كان الاختيار وقتها صعبًا عليه، ما كان يقدر على المجازفة بهن الثلاث: والدته وأخته وعشق قلبه. والذي إن كان قلبه ما زال ينبض فهو ينبض من أجل تلك المهره.
أثناء وقوفه سمع صوت صهيل يقترب منه بسرعة حتى أنه كاد يدهسه لولا تنحيه جانبًا. كاد يقع بمياه المجرى المائي، لكن تمسكه بلجام الجواد بشجاعة حال بينه وبين السقوط في مياه الترعة. وليس هذا فقط، بل أجبر الجواد على الوقوف، مما استدعى الآخر الذي كان يمتطي الجواد.
نظر نعمان له وسرعان ما أخفض وجهه. تبسّم الآخر بزهو يقول:
"فعلاً، أحسن حاجة تعملها إنك متقدرش ترفع وشك لفوق قدامي."
رفع نعمان وجهه وقال بأستهجان:
"لسه عندك نفس الغطرسة يا هاشم؟ بلاش تتغر. أنا اللي خلاني أنزل وشي حاجتين، الأول الشمس زغللت عيني، الثاني إني قرفان أبص في وش حقير زيك."
اغتظ هاشم قائلاً:
"يظهر لسه غباوة زمان في دماغك لما فكرت تقف قصادي وتتحداني؟ فاكر حصل إيه؟"
سخر نعمان قائلاً:
"زمان كنت ضعيف، كان عندي شيء وخوفت أخسره. النهارده أنا قوي، وللأسف معنديش أي حاجة أخسرها. كل اللي خوفت عليهم زمان خسرتهم خلاص، بس على يقين إني هرجع أكسبهم تاني وقريبًا."
اغتظ هاشم يقول:
"يظهر راجع من بلاد بره وعندك طموح ومفكر بشوية الفلوس اللي جمعتهم من الغربة هتقدر توقف قدامي وتتحداني يا نعمان. فوق لنفسك. شايف أبو قردان اللي واقف قدامك ده؟ آخرك زيه تلقط أكلك من عالأرض."
تبسم نعمان ينظر لذلك الطائر وقال:
"تعرف يا ريتني كنت زي أبو قردان ده. أكتر طائر مفيد. فاكر كنا بناخد في المدرسة إنه صديق الفلاح، بينقي الدود والحشرات الضارة من الأرض، وينضفها. وبعدها البذرة بتطلع جيدة وتخضر وترعى والخير يزيد. لكن في زرع هالوك له شوك، كل مهمته في الحياة يأذي بأي شكل. ناسى إن آخره للنار تحرقه. أنا راجع تاني يا هاشم وهسترد كل اللي خسرته في الماضي، وأولهم مراتي اللي غصبتني أطلقها لما حطيت سلاحك على راس أمي. بوعدك السلاح ده إنت بنفسك هتحطه في راسك وقريبًا جدًا. ولاد رضوان نسخة أقوى منه، ومعاهم التالت اللي اتربى في بيتك وقدام عينيك بس معرفتش تاخده لصفك. ويبقى زيك أنا شوفت بنفسي وحيد الشامي الفارس الحقاني اللي شهد بالحق ومتأكد بل على يقين إنك السبب في موته بطريقة غير مباشرة بسبب طمعك وحقدك القديم. أنا كنت بتمشى عشان أشوف قرص الشمس الدهبي وهي بتغيب عشان أعرف إنها راجعة تاني بكرة بنور جديد أقوى، بس للأسف لونها الدهبي النهارده مختفي خلف الغيوم. بكرة الطقس يتعدل وتسطع أقوى تبدل العتمة بالنور."
ضرب هاشم الجواد بسوطه بقوة مما جعل الجواد ينتفض ويتحرك بقوة، وفلت اللجام من يد نعمان، أو بالأصح هو تركه برضاه. سار هاشم بالجواد سريعًا. رغم وجع قلب نعمان، لكن تبسّم وهو ينظر إلى قرص الشمس الذي يتوارى خلف الغيوم، وقال:
"شمسك هتغرب يا هاشم، وهتسطع شمس جديدة بنور أقوى وزاهي."
...
ليلاً بسرايا الزهار.
سحب رفعت ودخل إلى غرفة زينب. وجدها نائمة بهدوء. تبسّم وهو يراها نائمة مطمئنة تشبه الأطفال. كان الغطاء منزاحًا من عليها. جذبه وقام بدثرها به جيدًا. تعجب كيف تذهب للنوم سريعًا. أيقن أن سبب ذلك هو خلو بالها وصفاء ضميرها ونية الطيبة. هي تحب مساعدة الآخرين دون هدف. لكن قال عقله ربما عليها الحذر قليلًا فالجميع ليس بطيبة نواياها. أراد أن يقترب منها ويطفئ ذلك الشوق الذي يشعر به حين تكون قريبة منه. هو يكذب ويدعي أنها لا تملأ عيناه. هو معها فقط يشعر بالحياة واحتياج المزيد منها، لكن يقاوم ذلك الشعور بأدعاء عدم الشعور بالكمال وهي معه. كاذب، هو يشعر بأكتفاء فقط من مجرد تقبيل شفتيها. تعامل مع الكثير من النساء لم يشتهيهن، كانت مجرد رغبات. يُعطي ما يريده فقط. تلك ليست رغبة ولا شهوة، تلك تزعزع كيانه حين يقترب منها، تضعفه على استعداد من أجلها إشعال الكون. لكن...
أخرجه من تأمله لزينب، اهتزاز ذلك الهاتف بجيبه. من الجيد أنه وضعه على الوضع الصامت لكان صوت رنينه الآن فضحه، وأيقظ زينب وما سلم من لسانها.
تسلل مثلما دخل وخرج من الغرفة. سار قليلاً إلى أن وصل إلى غرفته، ونظر للهاتف وأغلقه دون رد. لكن أتت له رسالة. فتحها فضول منه لا أكثر، وابتسم بعدها بسخرية، وهو يعلم أن الهاتف سيرن مرة أخرى، وها هو بالفعل رن.
فتح الخط. سمع من تقول بانتصار:
"كنت عارفة إنك مش هترد عليا، غير بعد ما تشوف الصورة دي."
رد بهدوء:
"عايزة إيه يا (ريما)؟ قصتنا القديمة خلاص انتهت، وإنتي اللي نهيتيها بنفسك."
شعرت ريما بالندم وقالت له:
"مكنتش عارفة إني لسه بحبك."
سخر رفعت يقول:
"وفابيو يعرف الكلام ده؟"
ارتبكت ريما قائلة:
"شوفت الفلاشة؟"
رد رفعت بكذب:
"للأسف لأ، لأنها ضاعت مني."
غضبت ريما قائلة:
"رفعت، أنا لسه بحبك و..." قاطعها.
رفعت قائلاً:
"فات الوقت يا ريما. قصتنا خلصت. أنا دلوقتي متجوز وبحب مراتي. واتمنالك السعادة مع فابيو. إنتي اللي اخترتي وسافرتي اليونان زمان ورميتي نفسك في حضنه. تصبحي على خير."
قال رفعت هذا وأغلق الهاتف، يزفر أنفاسه وقال:
"قمة الوقاحة يا ريما. إزاي في يوم دخل عليا خداعك وكذبك وصدقت بأني أول راجل والوحيد في حياتك."
فتح ذلك الملف على هاتفه وتبسّم بسخرية يقول:
"ممثلة فاشلة يا ريما، وتستحقي اللي فابيو هيعمله فيكي لو فكرتي تخونيه."
قال هذا وآتت لخياله تلك الشرسه عديمة الخبرة التي تقع في براثنه من مجرد قُبلات، يخترق بها مشاعرها البريئة.
...
بعد منتصف الليل، في مكان شبه مظلم كانت تقف سيارة فخمة، تتوارى عن العيون.
صعد لداخلها هاشم الزهار، يبتسم لذلك الرجل، الذي رد عليه نفس البسمة. نزل السائق وتركهم سويًا.
تبسم هاشم قائلاً:
"غريبة، ليه جاي بالسواق معاك؟ مش خايف منه، يكون جاسوس عليك في مجالنا؟ المثل بيقول حارس ولا تخون."
تحدث الآخر:
"قصدك خون حتى ولادك؟ مفكر إن دخل عليا إن موت القبطان كان بسبب حرق اليخت بتاعه؟ أنا عرفت إن جاكلين كانت هنا."
تعجب هاشم:
"إزاي عرفت إن جاكلين كانت هنا؟"
رد الآخر:
"من أصدقائي في المطارات والمواني. بس عاوزك تعرف حاجة واحدة. ابني مش زي ابن القبطان اللي أبوه دخله في شغله الديرتي وحب يكبر على حساب أبوه. أنا في نظر ابني قديس. على العموم، مش ده المهم عندي. زي ما طلبت منك قبل كده نسبتي هتزيد. أنا اللي بسهل بعلاقاتي في استخراج تصاريح دخول الأدوية اللي بتدخل لمصر على إنها مقويات وعلاجات حيوانية لتسمين الطيور أو الحيوانات، وكمان أنها بتستعمل في علاج الخيل، مش ترامادول وأدوية محظورة."
رد هاشم:
"بس كده نسبتك تعتبر مساوية لنسبتي. خلينا المرة دي زي ما كنا قبل كده، التلت والتلتين والعملية الجاية تبقى مناصفة."
فكر الآخر قائلاً:
"تمام، بس المرة الجاية مناصفة. متنساش إني كمان أنا اللي بستخرج جوازات وسفريات للبنات اللي بتبعتهم لبره مصر في حاويات السفن. ومتنساش لو مش وقوفي جنبك وتهديد المحامي اللي من طرفي لأبو البنت اللي ماتت دي وسكتت الحكومة، كان بسهولة يوصلولك بسبب تقرير الطبيب الشرعي، اللي أثبت إن البنت دي كان بداخلها نطاف رجل بعد علاقة حميمية. لو أبوها كان وصل له التقرير ده وعرف بيه كان ممكن يدعي الشرف ويقر على اسمك بسهولة. بس أنا اللي أخفيت التقرير ده. ليه قتلت البنت."
رد هاشم:
"عشان كانت خاينة. واللي يخون هاشم الزهار أقل جزاء له الموت."
تعجب الآخر وقال:
"إزاي قدرت تخونك وهي حتة عيلة صغيرة؟ كان بلاش تقتلها وكنت بعتها للناس اللي بره، زي اللي سبقوها. على العموم، سيبك من الكلام عن الشغل والبنات، وقولي إيه أخبار رفعت ابن رضوان الزهار؟ وجود رفعت في الزهار خطر. مش عارف إيه اللي رجعه هنا تاني، وإزاي ساب منصب زي اللي كان فيه وقبل يرجع يبقى تاجر خيول."
رد هاشم بسخرية:
"راجع ياخد مكان أبوه، ويعمل فيها شيخ عرب، زي المرحوم أبوه."
ضحك الآخر قائلاً:
"ومأخدش عبرة من اللي حصل لأبوه لما طمعه زاد عن حده؟ بس لازم نعترف، هو أذكى من رضوان. هو عارف إن منصبه زايل ومهما علا واترقّى، كان هيبقى إيه في النهاية؟ وزير؟ رئيس وزراء بالكتير. لكن لما يبقى من أشهر تجار الخيول مش بس في مصر في المنطقة العربية ويسمع اسمه في أوروبا واسمه يكبر، وقتها مش هيبقى له سلطة بس في مصر، لأ كمان مع رجال أعمال عرب وأجانب يتمنوا يخدموه. زي ما بيقولوا: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة"."
سخر هاشم يقول:
"لأ، رفعت في دماغه هدف تاني غير إنه يكون أكبر تاجر خيل. مفكر إنه هيقدر يعمل اللي أبوه فشل فيه زمان ويجمع الكل حواليه فرحان بأخوه والتاني ابن وحيد الشامي."
رد الآخر:
"لو ده تفكيره يبقى نفس غباوة أبوه فيه. ناسي إن الناس بالمزمار يجمعها والعصا تفرقها."
...
بعد مرور يومين.
تزينت الوحدة الصحية، ليس الوحدة الصحية فقط من تزينت، بل البلدة بأكملها مزينة بلافتات ترحيب بكل مكان ترحب باستقبال الوزير ورفقائه من كبار رجال المحافظة وبعض نواب الدوائر بالمحافظة لافتتاح المبنى الجديد للوحدة الصحية، الذي تم تجهيزه بمدة قياسية وبجودة عالية.
على الطريق كان بعض الرجال والنساء مصفوفون يهللون ترحيبًا بذلك الوزير، الذي تكرم ونزل لتلك البلدة الصغيرة. وما كان هذا منهم إلا رياء مدفوع الثمن مسبقًا من أجل عدسات كاميرات بعض القنوات الفضائية المصحوبة مع زيارة الوزير.
بالوحدة، كانت زينب تجلس بمكتبها دون مبالاة، فهي على دراية بذلك الموضوع، وليست أول مرة تمر عليها. دخلت صفاء التي ليست كعادتها ترتدي ثيابًا بسيطة، بل ترتدي عباءة سوداء سورية بتطريز متقن، تبدو بها ليست عاملة، بل امرأة ريفية راقية.
تبسمت زينب حين رأتها.
تحدثت صفاء قائلة:
"هو رفعت بيه مش هيجي للوحدة، يا دكتورة؟ زي بقية كبارات البلد كده."
ردت زينب:
"أكيد هيحضر. طارق ماسابش حد من كبارات المحافظة كلها إلا ودعاهم يحضر الأفتتاح. يرحب بالوزير الغبي. بس قوليلي إيه العباية الحلوة دي يا صفاء؟ دي بمبلغ وقدره."
تبسمت صفاء قائلة:
"والله اشتريتها بالقسط. كل شهر هدي لصاحبة المحل حسبة كده. ماهو ميصحش أقابل الوزير بعباية من عباياتي القديمة، وكمان أبقى أحضر بيها فرح رامى بيه. خلاص كلها أيام."
تبسمت زينب بسخرية قائلة:
"كان أفضل لك توفري الفلوس اللي دفعتيها في العباية تنفعك، وتقابلي الوزير بهدومك العادية. حتى يمكن كان يحس وقتها إن الناس مش مرفّهة، وشقيانة وهدمتها اتهرت زيها من الشقا وبهتت ألوانها. عالعموم تدوبيها في الهنا."
تبسمت صفاء قائلة:
"هطلع أتفرج على موكب الوزير. أول مرة وزير يزور بلدنا، وأشوف موكب عالأكيد مش في التلفزيون. وكمان بيقولوا فيه قنوات فضائية بتصور."
تبسمت لها زينب ببساطة. فلو يقدر هؤلاء المسؤولين انبهار البسطاء بهم، لكانوا تمنوا لهم الأفضل. لكن ذلك الانبهار يفسر بعقولهم بطريقة عكسية ويشعرهم أنهم السادة وعليهم التكبر على هؤلاء البسطاء.
بعد قليل، دخل إلى مكتب زينب طارق الذي يرتدي حلة رسمية عكس ذلك الجلباب وفوقه عباءة عربية الذي كان معظم الوقت يأتي بهم للعمل بالوحدة. سخرت حين رأته. لكن هو قال لها بلهفة:
"يلا يا دكتورة، خلاص موكب الوزير بقى قدام الوحدة. لازم تكوني في استقباله مش مديرة الوحدة."
سخرت زينب قائلة:
"لأ، إزاي؟ ميصحش. ده لازم أستقبله استقبال حار، يليق بمقامه. كفاية هو اللي نقلني لهنا. يلا خلينا نستقبله سوا."
لم يلاحظ طارق سخرية زينب. خرج الاثنان إلى أمام باب الوحدة الداخلي. بالفعل، كان موكب من السيارات الفخمة سواء كانت سيارات الحراسة أو كبار الشخصيات بالمحافظة التي أتت ترحب بالوزير.
همست زينب لنفسها:
"لو حرامي سيارات عنده ضمير يسرق العربيات دي ويتبرع بنص حقها للغلابة في البلد مكنش حد فعلاً نام جعان. يارب تولع بيهم وهما راجعين بعيد عن العمار."
نزل الوزير من السيارة وجواره ذلك اللفيف من الكبار، ودخل إلى مكان وقوف زينب. مد يده لها بمديح منه. نظرت زينب ليده ساخرة. أليس هذا من قام بنقلها أو بالأصح باعتقاد منه بنفيها لهنا، عقابًا على سبها لابن أخيه؟ ابن أخيه ها هو خلف عمه يرافقه كظله.
قبل أن تمد زينب يدها لتصافح الوزير، كانت يد أخرى تفعل ذلك. يد رفعت الذي وضعها بيد الوزير قائلاً:
"رفعت رضوان الزهار."
تبسم الوزير قائلاً:
"غني عن التعريف يا سيد رفعت."
تبسم رفعت واقترب من زينب ووضع يده بيدها قائلاً:
"وأبقى زوج الدكتورة زينب صفوت السمراوي."
تبسم الوزير بمديح لها أمامه قائلاً:
"فعلاً الدكتورة في فترة قصيرة أنهت كل تجهيزات الوحدة الجديدة. يُحسب لها، بصراحة. وكمان يُحسب للحكومة وكبار رجال البلد اللي مدتها بالمصروفات اللازمة."
تبسم رفعت وزينب بداخلهم على قول هذا الأحمق. فعن أي مصروفات يتحدث؟ فهي من صَعّرت خدها وطلبت من البعض المال وأتمت التجهيزات اللازمة ولولا ذلك لما تجهزت الوحدة بهذا الوقت.
دخل الوزير يتجول بين أركان الوحدة بزهو أمام عدسات الكاميرات التي تصور. مشفى بكل هذه الإمكانيات ببلدة ريفية، ذلك من فضل توجيه الوزير، من البداية. لم يترك رفعت يد زينب للحظة واحدة طوال الجولة. كانت عين هاشم الذي كان من أول الحضور يشعر بنيران تنهش به من رفعت الذي ظهر أمام الجميع. أنه كبير تلك البلدة الصغيرة، والفضل عاد لتلك الطبيبة، التي يمسك بيدها طوال الجولة الذي قضاها الوزير بالوحدة. بينما زينب لما شعرت بقوة إضافية حين أمسك رفعت بيدها أمام ذلك الوزير، وابن أخيه، التي لاحظت نظرات عينيه لها. ما زالت نفس النظرة القديمة، نظرات إعجاب. شعر هو الآخر بالغيرة من رفعت. كيف لها رفضت وصاله يومًا وأهانته وترضى بذلك الفلاح الذي كان يرتدي بدلة رسمية فوقها عباءة من الطراز العربي. بينما زينب بداخلها شعور بالفخر ليس بإنجازها وتكملة تجهيز تلك الوحدة بمدة قصيرة، بل بذلك المحنك اللبق رفعت الزهار الذي لا يشتت فقط عقلها بل قلبها أيضًا.
...
بعد مرور عدة أيام.
اليوم الذي كانت تنتظره البلدة. اليوم زفاف ثاني أبناء رضوان الزهار. فبالأمس كانت وليمة كبيرة جمعت بين سادة القوم والبسطاء الذين تغنوا بأبناء الزهار وسخائهم عليهم، ومعاملتهم بود واحترام وكرم غير معهود من مثل هؤلاء الأغنياء، فهم يعطون بالمقابل يأخذون منهم المقابل. أما أبناء (رضوان الزهار) يعطون دون مقابل، ليس لديهم شيء يريدونه من هؤلاء البسطاء، فمعظمهم يعملون بمزرعة الخيول التابعة لهم. أما الآخرون يطعمونهم مقابل قضاء مصلحتهم.
...
بسرايا رضوان الزهار.
دخل وسيم إلى غرفة النوم الخاصة برامي وجده ما زال نائمًا ظهره عارٍ. تبسّم بمكر وأتى بتلك المياه وقام بسكبها على ظهره كعادته القديمة معه.
انخض رامي واستيقظ فزعًا ينظر له قائلاً:
"هتفضل مؤذي طول عمرك."
تبسم وسيم يقول:
"ناموسيتك كُحلي يا عريس. إيه الساعة قربت على عشرة الصبح مش هتصحى عشان نجهزك للعروسة."
نظر له رامي بسخط:
"هتجهزني للعروسة ليه؟ هتوديني للكوافير يعملي مانيكير وباديكير؟ هو أحلق دقني أو أهذبها شوية وخلاص. إيه اللي جابك بدري كده؟ معندكش محاضرات النهارده."
رد وسيم:
"كان عندي ولغيتها. فرح أخويا وأسيبه في يوم ميمون زي ده."
نظر له رامي قائلاً:
"بلاش تقر فيها من أولها، خلي الليلة تعدي."
تبسم وسيم:
"هتعدي وهتبقى أحلى عريس، وتدبح القطة كمان. بس أنا خايف لهي اللي تدبحلك القطة من أولها وتمشيك عالصراط المستقيم. مش شايف مرات رفعت عاملة معاه إيه؟ مطلعة عينه ماشية معاه بالعكس."
ضحك رامي يقول:
"رفعت مكنش ينفع معاه واحدة تقوله أُمر فتطاع يا مولاي. هي الشرسه زي ما بيقول عليها. وبعدين إنت إيه آخر أخبارك بقى؟ عاوز تقنعني مفيش واحدة كده دخلت دماغك حتى لو إعجاب؟ ومتقوليش لمى، دي بتلعب على كل الأحبال. زمان لما كنا في إسكندرية حاولت معايا وأنا صدتها. أنا مش برتاح لها ولا لأختها وأهو إنت شايف الصورة اللي شوفناها اللي كانت بعتاها لرفعت، شكله عاوزة تبتزه. معرفش ليه؟"
تنهد وسيم وآتت لخياله ليلى. تذكر رؤيته لها قبل ثلاث أيام تسير مع بعض زملائها بالجامعة يتحدثون بمرح بينهم، ورؤية ذلك الشاب زميلها يمرح معها وتتعامل معه برحابة حتى أنها ذهبت وجلست لجوارة بأحد أروقة الجامعة وظلوا جالسين بمفردهم لوقت ليس بالقليل. لا يعلم إن كانت رأته أو لأ، لكن هو رآها من شباك غرفة مكتبه بالجامعة. لا يعلم وقتها لما شعر بالغيرة وأراد الخروج من غرفته والذهاب إليها يوبخها على جلوسها مع زميل لها، حتى وإن كان جلوسهم معًا بريء ليس مجرد أكثر من زمالة، فيبدو أن زميلها كان يشرح لها شيئًا، يتناقشان فيه. بعدها هي غادرت المكان بل الجامعة كلها، ودخل زميلها لمدرج المحاضرة وكان هو المحاضر. كم أراد أن يقوم بطرده ومنعه هو الآخر من حضور محاضراته، فهو لا يطيق رؤياه أمامه. حتى أنه كاد أن يتلكك له ويقوم بطرده لكن أظهر الآخر احترامه له.
آنب نفسه وقتها بأي ذنب تأخذه أنت؟ من بدأت وتسرعت وحرمت ليلى من الحضور والآن تريد طرد آخر لمجرد أنه كان يجلس معها. لما هذا الشعور يختلجه؟ ماذا بليلى تفرق عن غيرها؟ بداخله يقاوم ذلك الشعور ليس وقته الآن، لديه هدف آخر.
لاحظ رامي سرحان وسيم وطقطق أصبعيه له أمام عينيه يقول:
"إيه؟ روحت فين؟ بكلمك مش بترد عليا. لتكون طبت وبتداري عليا. قولي هي مين وأنا أخطبهالك بنفسي."
تبسم وسيم يقول:
"لأ، خليك في نفسك الليلة."
تبسم رامي:
"إيه آخر أخبارك مع لمى؟"
رد وسيم بزفرة:
"والله وقاحة لا تنتهي. مقضي معظم وقتي بهرب منها، من الجامعة لاستطبل الخيل لهنا. والله لو مش وجود ماما مهره هناك كنت سبت البيت وروحت عيشت في بيت أبويا وخدت ماما مهره معايا بس هي اللي مش موافقة وتقولي إننا لينا نص البيت ده ومستحيل أسيب البيت اللي اتربيت فيه."
رد رامي:
"عمتي مهره غلطانة. هاشم المفروض يعيش لوحده. بس لمى عملت إيه؟ خلتك تطفش بالقوي كده؟ أوعى يكون اللي في بالي اتحرشت بيك."
ضحك وسيم يقول:
"حشم ألفاظك. إيه اتحرشت بيا ده؟ شايفني بنت ولا عيل صغير؟ هتحسس على جسمي؟ لمى أشطر من كده. جالي أوضة نومي لابسة قميص نوم مفتوح عالبحري ومعاها إزازة فودكا نوع نضيف وبتقولي نتسلى سوا، أصلها مش جايلها نوم متعودة عالسهر يا ولداه."
ضحك وسيم ثم أكمل بمزح:
"بس للأسف جالي في الوقت الغلط، كنت خلاص فاصل شحن وقولت لها مش هنفعك أنا مش قادر أتحرك طول اليوم كنت بين الخيل وهلكان وبنام على نفسي. خلينا لبكرة."
ضحك رامي يقول:
"وهي سابتك بسهولة كده؟"
تبسم وسيم:
"لأ طبعًا. حاولت تظهر كرامتها، وقالتلي هعملك مساج يريح جسمك وبدأت تحسس. بس أخوك واعي لها. قولت لها تمام مفيش مانع آخد كاس معاكي يمكن أنتعش. صبت الكاسين وشربتهم هما الاتنين ومعاهم حباية منوم غير الحباية التانية اللي كانت حطاها في الكاس اللي اديتهولي. يلا مش خسارة فيها شربتهم صحة وهناء على قلبها وراحت في سابع نومة وهي بتتخيلني معاها زي ما هي عاوزة."
تبسم رامي قائلاً:
"قلبك جاحد يا سومي."
تبسم وسيم، لكن في ذلك الوقت دخل عليهم رفعت مبتسمًا يقول:
"صباح الخير يا شباب، ها إزي عريسنا؟ هترفع راسنا الليلة."
تبسم وسيم يقول:
"بلاش إنت، كفاية علامات الدكتورة السابقة."
تبسم رفعت ووضع يده على عنقه قائلاً:
"بلاش تحضر فرح أخوك متخرشم، ولمى تفرح فيك. كويس إنت هتكون مع رامي طول الوقت وأنا هسبق عالقاعة أستقبل بعض الشخصيات المهمة."
تبسم رامي يقول:
"والدكتورة وأهلها اللي جايين يحضروا الفرح."
تبسم رفعت يقول:
"حمايا وحماتي خلاص وصلوا للسرايا واستقبلتهم، بس آخر النهار زينب وجدتي، ومعاهم أهل زينب هييجوا بعربية خاصة عالقاعة. فيه شخصيات مهمة هتبقى في الزفاف، ودول لهم بيرستيج خاص والقاعة لازم تكون متأمنة."
تبسم وسيم يقول:
"ومن ضمن الشخصيات المهمة دي طبعًا، رؤسائك القدام."
تبسم رفعت يقول:
"يلا، عندي كذا مشوار هعملهم وهروح بعدها عالقاعة. سلام يا شباب."
.......
بمنزل هاشم الزهار.
دخل ساخرًا ينظر لمهره يقول:
"شايف فرحة في عينيكي كأنك رايحة تحضري زفاف الأمير تشارلز."
ردت مهره:
"رامى عندي أحلى وأغلى من ميت أمير زي تشارلز. رامى فارس وأنا بفتخر إنه ابن أختي. ناسي إني كنت راضعة على أخو مامته الله يرحمها وكمان يبقى ابن المرحوم رضوان الزهار ابن عمي، واللي كان أكتر من أخ ليا أنا وأختي الله يرحمها."
رد هاشم بأستهزاء:
"رضوان الله يرحمه، كان بيحب يوصل الرحم."
شعرت مهره بنبرة أستهزاء هاشم. نظرت له وضحكت بسخرية قائلة:
"هاشم الزهار لسه عنده نفس غِل الماضي. زمان كنت بتكره رضوان الزهار، وفرحت لما اتحرقت مزرعته، وهو جواها هو ومراته وبنته، بس القدر نجى أولاده الصبيان، اللي رجعوا من تاني أقوى. وغلك رجع أقوى. بس زمان رضوان كان واحد، إنما دلوقتي ولاد رضوان صحيح اتنين، بس إيد واحدة. مش هتقدر تقف قدامهم وتتحداهم. لازم تعترف إن الخيل لما بتكبر، بتستنى الرحمة."
اعترف يا هاشم، رفعت أقوى من رضوان ومش عود واحد وسهل كسره زي رضوان. أنا نازلة لازم أحضر الزفة من أولها."
قالت مهره هذا وتركت هاشم بالغرفة وحده يقول:
"تحضري الزفة من أولها ولا تلحقي تملي عيونك من حبيب الماضي؟ بس ده مش هيفضل كتير يا مهره. اتمتعي شوية. أنا عارف إزاي هقدر أرجعك تخضعي لي من تاني."
...
بعد قليل بمدخل تلك القاعة الفخمة.
قد ترسم طريقًا لنفسك، لكن القدر لا أحد يرسم له الطريق. من شدة الرفض ها هي تسلم يدها ليده، تسير جواره بخطوات متهادية بعض الشيء، فهي فقط منذ أيام فكت جبيرة يدها وساقها الذي بها عرج خفيف، لكن ملاحظ للآخرين. لكن بسبب الزحام، كانا يسيران خطوات ويقفان خطوة لالتقاط بعض الصور. إلى أن دخلوا إلى غرفة ليست بصغيرة، جوار قاعة العرس. لتعلم أنها أستديو تصوير فوتوغرافي. كان هنالك اثنان بالمكان، رجل وامرأة.
اقتربت من المرأة قائلة:
"مبروك، ربنا يتمم بخير. ممكن آخد العروسة لدقيقة واحدة."
تبسم رامي وترك يد مروة التي أصابتها رعشة حين ترك يدها لا تعرف لما السبب.
أملت عليها المرأة بعض اللقطات واللمسات التي تفعلها من أجل التقاط صور فوتوغرافية لهم. كان منها بعض اللقطات الحميمية بينهم، سواء كانت قُبلات أو لمسات حميمية كانت تخجل من فعلها، لكن رامي كان يستهزأ بداخله من خجلها. عليها أن توفر هذا الخجل لما بعد أن يغلق عليهم باب واحد.
رواية عشق بين نيران الزهار الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد سلامة
في سرايا الزهار، دخلت هالة لغرفة زينب فوجدتها فارغة. ابتسمت وهي ترى على الفراش رداءً فسفورياً أنيقاً، وبجانبه علبة من القطيفة وعلبة كرتون صغيرة عرفت أنها تحتوي على حذاء. فتحت العلبة القطيفة وانبهرت بالسلسال الموصول بقلادة ماسية على شكل قلب.
وضعت السلسال بالعلبة ونظرت إلى زينب التي خرجت من الحمام. ابتسمت لها قائلة بنبرة تهكم:
"حمام الهنا، في واحدة تروح تشتغل يوم فرح سلفها، ولا جايه كمان بعد المغرب؟ الفرح خلاص قرب يبتدي."
ابتسمت زينب وهي تجفف شعرها بمنشفة، ثم أمسكت المشط تمشط شعرها قائلة:
"أهو أنتي قولتيها، فرح سلفي مش فرحي. وأنا نص ساعة بالضبط هكون جاهزة. حضرتك عارفة إني مش باخد وقت في اللبس."
ابتسمت هالة ونهضت من على الفراش واقتربت من زينب وأخذت المشط من يدها، التي أعطتها ظهرها تلقائياً. لتقول هالة:
"عارفة إنك مش بتاخدي وقت في اللبس، بس ده لما كنتي آخرك تلبسي قميص وبنطلون، وفوقهم الطرحة. إنما ده فستان ولازمه ميكب وتفاصيل. على العموم، أنا هساعدك وهعملك ميكب خفيف."
ابتسمت زينب وتقول باستخفاف:
"أنا أحط ميكب؟ ده المرة الوحيدة اللي حطيت فيها ميكب في حياتي كان يوم كتب كتابي على الهمجي رفعت، وكنت حاسة إني شبه عروسة المولد."
ابتسمت هالة وتقول:
"عايزة تحضري الفرح بوشك اللي واضح عليه الإجهاد ده؟ زينب، إنتي بتاخدي علاجك بانتظام؟"
ردت زينب:
"أيوا، بس معرفش السكر في الفترة الأخيرة معايا مش متظبط ليه. يوم عالي، يوم نازل. أهو بتعامل معاه."
انخضت هالة قائلة:
"بتتعاملي معاه إزاي وأيه سبب اللخبطة دي؟ بتلخبطي في الأكل؟"
ابتسمت زينب قائلة:
"أنا ألخبط في الأكل؟ حضرتك عارفة إني مش من هواة الأكل أصلاً، أنا باكل لسد جوع مش أكتر."
تعجبت هالة قائلة:
"طب أيه سبب إن السكر عندك مش منتظم؟ لا تكوني..."
توقفت هالة عن الحديث فجأة. تعجبت زينب من صمت هالة المفاجئ قائلة:
"لا أكون أيه؟"
ردت هالة:
"زينب، إنتي عملتي اختبار حمل قبل كده؟"
اندهشت زينب قائلة:
"اختبار أيه! وأعمل اختبار حمل ليه؟"
ردت هالة:
"دكتورة ومش عارفة بيعملوا اختبار الحمل ليه؟ عايزة تفهميني إن محصلش بينك وبين رفعت أي لقاء حميمي الفترة اللي فاتت دي؟"
ارتبكت زينب قائلة:
"أكيد مش حامل، أنا متأكدة. أنا دكتورة ولو كنت حامل أكيد هعرف. هو تلاقي بس بسبب إجهاد الشغل والهمجي رفعت بيحرق في دمي بحركاته الهمجية."
ابتسمت هالة بخبث قائلة:
"وأيه هي حركاته الهمجية دي بقى؟"
زفرت زينب قائلة:
"وهو أما يتحكم في مواعيد رجوعي من الشغل ده مش همجية منه؟ ده غير بيقول عليا عبده البواب، ولبسي مش بيعجبه."
ضحكت هالة قائلة:
"والله عنده حق، أنتي فعلاً لبسك شبه عبده البواب والراجل بيحتاج اللي تلبس له لبس يظهر أنوثتها قدامه. وحكاية تحكمه في مواعيد شغلك في الشغل دي عنده حق فيها، إنتي بتجهدي نفسك زيادة عن الحد وبتنسي نفسك وبتيجي على صحتك كتير، لدرجة أوقات بتنسي إن لصحتك عليكي حق."
ابتسمت زينب تقول:
"شوفي مين اللي بتتكلم. مش حضرتك اللي عملتي اعتصام وجمعتي أصدقائك الموظفين والمدرسين زمايل بابا قدام كلية الطب لما دكتور في الجامعة رفض ومنعني إني أدخل قسم الجراحة عشان عندي السكر وإني ممكن إيدي ترتعش في أوقات وأنا ماسكة المشرط، ويأثر على الناس اللي بعمل لهم عمليات."
ابتسمت هالة قائلة:
"كانت غلطة حياتي. بعدين بطلي رغي خلينا نجهز، خلاص الوقت أزف."
ابتسمت زينب وهي تنظر لانعكاسها هي ووالدتها في المرآة وهي تصفف لها شعرها. قالت هالة بمزاح وهي تشد بشعر زينب:
"إيه شعرك ملبد كده ليه؟ مش بتسرحيه خالص."
ابتسمت زينب قائلة:
"والله بغسله كل يوم، وأوقات بسرحه وأوقات لأ، حسب مودي أو الوقت."
ابتسمت هالة قائلة بسخرية:
"كتر خيرك إنك بتغسلي شعرك. لأ وبتقولي على رفعت هجمى."
ابتسمت زينب.
بعد قليل، ارتدت ذلك الرداء. وقفت خلفها هالة تقوم بتظبيته على جسدها، ثم قالت:
"كده حلو قوي. مش ضيق ومش مبهدل عليكي. خلينا بقى نحط التاتش الأخير وننزل."
نظرت زينب لنفسها في المرآة وقالت:
"والله حاسة إن الفستان فاضل تحطي على راسي لمبة وهتنور."
ابتسمت هالة ونغزت زينب قائلة:
"بطلي تريقة. خلينا نخلص."
ابتسمت زينب قائلة:
"أهو هسكت خالص عشان تكملي اللوحة الفنية بتاعتك بالتاتش الأخير، بس كترّي البوية شوية على خدودي."
ابتسمت هالة وبدأت بوضع بعض الرتوش التجميلية البسيطة على وجه زينب أظهرت جمال ملامحها دون مبالغة منها.
في ذلك الأثناء، سمعن طرقاً على الباب، فسمحن لصاحبه بالدخول. دخل مجد ينظر بانبهار لزينب قائلاً بمزاح:
"إيه ده يا ماما؟ إنتي خلاص اخترتي عروسة لبابا، عشان تغسل المواعين بداله؟ بس وقعتي على البت الحلوة دي منين؟ دي خسارة تغسل المواعين. أنا ممكن أتجوزها أنا وأغسلك المواعين."
ابتسمت زينب وهالة، التي قالت:
"لأ اطمني، باباك مرتاح في غسيل المواعين ومش عاوز عروسة. أنا ماليّة عينيه. دي بلوة حياتي. ربنا ما يوقعك في واحدة زيها."
تبسم مجد يقول بتفكير:
"قولتي بلوة حياتك؟ يبقى عندي شك. فين البت زوزي؟"
ابتسمت هالة وأشارت على زينب.
اندهش مجد قائلاً:
"مستحيل تكون دي زوزي أختي الشمطاء؟ إنتي ودّيتيها التوكيل عملولها ضبط هيئة ولا أيه يا ماما؟ دي بقت موزة. أمال فين زوزي أختي صبّي البواب."
ضحكت هالة، بينما قامت زينب بصفع مجد على كتفه قائلة:
"صبّي البواب في عينك يا غبي! خلاص نظرك من تراب الصحرا راح، ومبقتش تشوف."
رد مجد:
"لأ بقى بيجيلى تهيؤات زي حسن يوسف. كله من السندريلا اللي شوفتها هنا. ادعي يا ماما تكون من المدعوين في الفرح وأقابلها الليلة، وأكبرك وتبقى حما للمرة التانية. بس أنا هجيبلك موزة رقيقة مش صبّي البواب زوزي."
ابتسمت هالة له قائلة:
"واثقة في ذوقك يا روحي."
بينما زينب سخرت منهم، لكن ذلك الدوار عاودت الشعور به. للحظة كادت أن تقع، لكن مسكها مجد، الذي انخض هو وهالة، التي قالت:
"مالك يا زينب؟"
ابتلعت زينب ريقها وقالت بكذب:
"أنا كويسة، بس يظهر عشان مش متعودة على لبس فساتين طويلة. كنت هتكعبل في ديل الفستان. كل ده من قر الواد مجد عليا."
ابتسمت هالة بشعور الخوف الذي حاولت إبعاده عن تفكيرها وقالت:
"إلبسي الشوز اللي في العلبة بكعب عالي هيرفع الفستان شوية وتعرفي تمشي من غير ما تتكعبل في ديل الفستان."
ردت زينب:
"والله أنا ما خايفة غير من الشوز ده. ماله الشوز الرياضي؟ حتى مريح للرجل والضهر."
ضحك مجد يقول:
"عايزة تلبسي شوز رياضي، على فستان سواريه؟ والله صبّي البواب بيفهم عنك."
ضحكت هالة، بينما كادت زينب أن تضرب مجد، لكن هالة منعتها قائلة:
"بطلوا نقار في بعض. خلاص مش فاضل غير الشوز. بلاش مناهدة، كفاية جبت آخري منك. إلبسيه يلا خلينا نلحق الوقت، خلاص زمان الزفاف هيبدأ."
تبسم مجد قائلاً:
"فعلاً السواق كان بيستعجلني. قولت له دقايق. كمان هيبقى معانا تيتا إنعام والست محاسن المرافقة ليها. وبابا يا بخته سابقنا عالقاعة. أكيد رايح يظبط مع الرقاصة، يمكن تكون بتعرف تغسل المواعين."
نغزته هالة من كتفه قائلة:
"بطل هزار يا أهبل، ويلا انزل اسبقنا عالعربية."
تبسم مجد وتركهن بالغرفة.
ذهبت زينب وجلست على الفراش وآتت بذلك الحذاء المضاهي اللون للرداء وبدأت في ارتدائه. لكن حين انحنت تربط سيور الحذاء، شعرت بدوخة، فأغمضت عينيها بقوة.
لاحظت هالة عدم معرفة زينب ربط سيور الحذاء، فقالت بسخرية:
"غبيه مش عارفة تربطي سيور الشوز؟ طبعاً متعودة تحطي رجلك في الكوتشي وتربطي الحبلين وخلاص. مالكيش في الرقة."
ابتسمت زينب بخفوت.
انحنت هالة أمامها وربطت لها سيور الحذاء الجلدية، ثم نهضت قائلة:
"كده خلاص يلا بينا. زمان السواق زهق من الانتظار، وكمان زمان الفرح هيبدأ، وإحنا آخر من هيوصل."
رغم شعور زينب بالدوار، رسمت بسمة قائلة:
"يلا بسرعة قبل ما يفتحوا البوفيه ومنلاقيش حتة جاتوه حتى، وكمان نفسي أشوف دخلة زفة العروسة، اللي بسببها اتجوزت من الهمجي رفعت."
ضحكت هالة قائلة:
"والله دا هيدخل الجنة بسبب جوازه من صبّي البواب."
نظرت لها زينب قائلة:
"حتى إنتي يا ماما بتقوليلى كده؟ أنا ماليش غير بابا هو اللي بيرفع من معنوياتي. يارب نروح القاعة نلاقيه لافت عليه موزة حلوة تخليكي إنتي اللي تغسلي المواعين من القهر."
بالعودة لمكان الزفاف.
إن كان للوقاحة عنوان، فهما هذان الاثنان.
هكذا فكر عقل ليلى، التي كانت تسير خلف أختها منذ أن نزلت من السيارة إلى أن دخلت إلى ذلك الاستديو الصغير المجاور لقاعة العرس. لكن هناك ما كان يضايقها، هو سير وسيم هو الآخر خلف رامي، كانا شبه يسيران بجوار بعضهما. لكن آتت تلك التي، أقل ما يقال عنها عاهرة، سواء كان زيها أو حتى فعلها. هي اقتربت والتحمت بوسيم.
وسيم الذي حاول بلطف أن يبعدها عنه، لكن هي كالعلقة التصقت به.
لاحظت نظرات ليلى. نُعمان اقترب منها ووضع يده على كتفها مبتسماً يقول:
"عقبالك يا ليلى، ويكون نصيبك مع اللي يقدرك ويصونك."
رسمت ليلى بسمة قائلة:
"أنا مش بفكر أتزوج دلوقتي يا خالو. مش هتجوز قبل ما أكمل دراستي وأشتغل كمان. لازم أعمل لنفسي كيان خاص بيا الأول."
تبسم نُعمان وقبل جبين ليلى قائلاً:
"ربنا يحقق لك مرادك. فادية وهبه هيستنوا هنا لحد مروة ورامي ما يطلعوا من الاستديو. بلاش نوقف. في زحمة هنا مالهاش لازمة. تعالي نسبق العرسان عالقاعة."
تبسمت ليلى، وسارت تضع يدها بين معصم خالها وعضده.
بينما نفض وسيم يد لمى عنه بعصبية.
لاحظت لمى نظرات وسيم لليلى وقالت بخبث:
"مالك يا وسيم مضايق ليه؟ المفروض تبقى مبسوط الليلة زفاف. رامي اللي زي أخوك. مع أن ليا تحفظ على عروسته وأهلها. واضح أنهم ناس مش قد مقام رامي. وأكيد صدقوا عريس زي ده يتقدم لبنتهم. سمعت إنها بنت واحد من اللي بيشتغلوا عنده في مزرعة الخيل. أكيد شافها عجبته ورسمت عليه، وقدرت توقعه. بس حاسة إنها مش أكتر من نزوة في حياته. بمجرد ما هياخد منها اللي هو عاوزه هيسيبها."
نظر وسيم لها باستهزاء قائلاً:
"وإيه اللي عاوزه منها؟ اللي متعرفوش، رامي هو اللي مغروم في مروة، وعمل المستحيل عشان يتجوزها. أنا بقول بلاش وقفتنا هنا قدام الاستديو، خلينا نسبق عالقاعة."
قال وسيم هذا ونفض يد لمى عن جسده وسار أمامها بخطوات سريعة، دون أن ينتظر. سارت بسرعة إلى أن لحقته وعادت تلتصق به كالعلقة.
.....
أمام قاعة الحفل.
نظر رفعت في ساعة يده تعجب لما تأخروا في الوصول. أخرج هاتفه كي يهاتف السائق، لكن قبل أن يهاتفه، رأى تلك التي دخلت إلى الممر تقترب عليه بخطوات بطيئة، ترتدي ذلك الفستان الفسفوري اللامع. تبسم بتلقائية، عيناه انسحرت بها. لام نفسه كثيراً، لماذا أتى لها بذلك الرداء؟ لماذا لم يترك لها الأمر وكانت أتت برداء آخر من اختيارها؟ ما كان برز جمالها بهذا الشكل الفاتن التي هي عليه. حقاً الرداء، لا يصف جسدها، لكن ينسدل عليه بنعومة فائقة وساحرة.
مهلاً، ما ذلك الشيء الذي على وجهها؟
زينب..... تضع مكياج!
رغم أنها مجرد رتوش قليلة، لكن برزت جمالها الرقيق.
ظل مكانه واقفاً ينظر لها وهي تقترب من مكانه. كل خطوة ينتظر أن تكون آخر خطوة والخطوة القادمة تكون أمامه. أقسم عقله لن تنتهي الليلة إلا وهي بين يديه يهيم بها غزلًا.
بينما هي تضع يدها بين معصم مجد وعضده من ناحية، والناحية الأخرى كانت تفعل نفس الشيء الجدة إنعام. كانت زينب تستند عليه وتسير ببطء، بادعاء أنها تواكب خطوات الجدة إنعام، بينما هي تشعر بدوار يشتد رويداً رويداً وألم طفيف في قدمها بسبب ذلك الحذاء اللعين.
تبسم حين اقترب مجد من مكان وقوف رفعت قائلاً:
"شايف الموزة اللي على يميني دي عسل وبحبها قوي. إنما اللي على الشمال ده ربنا يبعد شرها عني. خد مراتك يا عم وسيبلي أنا تيتا العسل ندخل سوا للقاعة، هتلاقي تصفير وتهليل، عشانها."
تبسمت إنعام قائلة:
"وأنا بحبك يا واد يا مجد، وحاسة إنك هتطلع بعروسة من الفرح. يلا خلينا ندخل عايزة أقعد في طاولة قريبة من البيست وتكون بعيدة عن السماعات عشان وداني."
تبسم مجد قائلاً:
"استنى يا تيتا أما نسلم أهل الشمال."
تبسم رفعت وهو يأخذ يد زينب التي لم تعقب على قول مجد، مما أثار دهشة رفعت.
بينما تبسمت هالة لترحيب رفعت بها ودخلت خلف مجد وإنعام إلى داخل قاعة الحفل.
نظر رفعت لزينب، بانبهار، وقام بجذبها للسير معه إلى أن دخلا إلى أحد الممرات الضيقة البعيدة عن العيون. ثبت رفعت زينب على الحائط وانقض على شفتيها بالقبلات. لم تمنعه زينب لشعورها بالدوار. لكن ترك رفعت شفتيها ينظر لها لائماً:
"إزاي تحطي ميكب وروچ بالذات؟ مرات رفعت الزهار مش لازم تظهر جمالها قدام الناس."
قال هذا وأخرج علبة مناديل مبللة من جيبه ومسح الروج من على شفتيه، كذلك تلك الرتوش البسيطة عاد وجهها لطبيعته. لكن للأسف رغم أن وجهها يبدو عليه الشحوب، لكن مازالت جميلة كأن بقايا المكياج تركت أثرها على وجهها، وبالأخص كحل عيناها الصافية.
تعجب رفعت من صمت زينب، ووضع إبهامه على شفتي زينب وقال:
"مالك القطة كالت لسانك؟ ساكتة ليه؟ ولا عاوزاني أبوسك تاني؟"
نفضت زينب يده عنها بضعف وقالت:
"خلينا ندخل للقاعة، عايزة أشوف الزفة من أولها. العروسة أكيد غالية، بسببها اتجوزتك يا همجي."
تبسم رفعت يقول:
"همجي.... لأ كده اطمنت إنك زوزي مراتي. فكرت حماتي بدلتك بواحدة تانية."
نظرت له زينب قائلة:
"ليه كنت علبة جبنة وهتبدلني من السوبر ماركت؟"
تبسم رفعت، وسار، لكن تعجب حين وضعت زينب يدها على معصمه. لكن تبسم لها وسار الاثنان إلى أن دخلا إلى القاعة.
ذهب رفعت بزينب ووقف جوار جدته التي تجلس على طاولة وجوارها مجد، وأيضاً هالة وصفوت والد زينب. تركت زينب يد رفعت وجلست على أحد المقاعد جوارهم.
بينما رفعت ظل واقفاً جوارهم، إلى أن بدأت تعمل الكاميرات الموجودة بالقاعة تعلن عن قدوم العرسان، يظهر منها سير العروس والعريس، بعد خروجهم من الاستديو الفوتوغرافي. كان خلفهم والدة مروة وأختها الصغيرة.
الذي بمجرد أن ظهرت استحوذت على الكاميرا، بجمالها البسيط والرقيق.
نهض مجد من جوارهم واقفاً يقول بلهفة:
"سندريلا، سندريلا أهي يا ماما اللي كلمتك عنها. مين البنت اللي ظهرت على الكاميرا دي يا رفعت؟"
نظر رفعت لمكان إشارته وقال:
"دي تبقى أخت عروسة رامي."
تبسم مجد يقول:
"ومرتبطة؟ قول لأ يا جوز أختي."
تبسم رفعت يقول:
"لأ مش مرتبطة يا أخو مراتى. ده لسه تقريباً في الثانوية، يعني صغيرة قوي."
رد مجد:
"لأ مش صغيرة عليا ولا حاجة. أنا عندي سبعة وعشرين سنة وشوية فكة، وهي أكيد عندها بتاع تمنتاشر سنة، يعني تسع سنين بالكتير. ربنا يوفق، بس قول يارب."
تبسم رفعت وهو ينظر لزينب الصامتة تتابع بصمت عكس طبيعتها ولسانها الزالف. كذلك هالة تتابعها بعينيها، لديها شعور أن زينب بها خطب ما، ليست بخير.
.....
بعد قليل.
تحت أنظار المتابعين، منهم بانبهار ومنهم يمن على بذخ الزفاف.
دخل العروسان إلى القاعة.
بعُرس مهيب، فالقاعة من أفخم قاعات الشرقية.
وكيف لا للفخامة، فالعريس هو الأخ الوحيد لـ رفعت الزهار.
أشهر تاجر خيول بمصر، بل بالمنطقة العربية.
يوجد بالعُرس قيادات سياسية، ورجال أعمال، وبعض البسطاء القلائل أيضاً.
فوالد العروس، ما هو إلا سائس.
أما العروس التي ترتجف وتشعر بألم بسيط بساقيها، لم تحلم يوماً بعُرس كهذا حتى تدعو لحضوره فقط، فكيف هي سندريلا العُرس!
بينما صاحب العُرس يتذكر يوم أن نجا من بين النيران، لتترك أثرها، ليس فقط على جسده، بل أيضاً على قلبه، هو وأخيه.
اليوم عُرسهُ على من ملكت قلبه منذ صباها. عاد من أجلها، لكنها لم تقدر هذا العشق وحاولت الانتحار كي لا تتزوج منه.
ستدفع ثمن ذلك. ستبوح بلسانها بعشقها له قبل أن ينالها بطريقته الخاصة.
أما رفعت الذي يقف، يلف يده حول خصر تلك الشرسة، التي تزوجها، بالإجبار. حقاً، لم يقم لها بعُرس كهذا، فقد كان عقد قران فقط. لكن هي إلى جواره الآن، لا يعرف سبب صمتها. وجهها، يبدو مجهداً، ربما من فترات العمل الطويلة، بتلك الوحدة الصحية، والتي تقصدها. هي تبتعد عنه بالعمل. رغم إجهاد وجهها بنظرة، لكن هي فاتنة.
بعد قليل.
بمسرح القاعة وقف.
الأخ، كل منهم يلف يديه حول خصر زوجته، مبتسمان.
يرقصون بهن، ويعلنان أن هاتان هن ملكات قلوب أبناء الزهار.
لكن كان هناك عين حقودة.
أخيراً وجدت ضالتها، وجدت نقطة ضعف لأبناء الزهار.
ولكن لا يعلم أنهن نقطة قوة لهم.
فالعشق يقوي القلب لا يضعفه.
كانت هناك عين عاشق ثالث، لكن يجاهد ذلك العشق. يختلس النظر بين الحين والآخر لتلك الدبش. رأى بسمتها التي لا تفارق وجهها، قربها من أختها تميل عليها وتبتسم. شعور بالغيرة ينهش بداخله وهو يراها عبر الكاميرات وفي المواجهة له تخطف الكاميرا من أختها ببسمتها الرقيقة. يرى عيون تنظر لها تمدح في جمالها.
وهناك عين طامع وقع بصره عليها. أين كانت تختفي تلك الجوهرة الصغيرة عن عيناه؟ عين الذئب هاشم الذي يشتاق لفريسة جديدة. صور عقله له الدناءة، ليترك أمر الطبيبة الآن ويظفر بسهولة بتلك الصغيرة لبعض الوقت، كما يشتهي. كما أنه لاحظ نظرة عين وسيم التي تقدح ناراً لتلك الفتاة أيضاً. هو يريد اقتناص الفرص. لن ينتظر كثيراً كما فعل مع الطبيبة واقتنصها رفعت من أمامه. عينيه أيضاً رأت نُعمان الجالس جوار أخته وفتاة أخرى ومعهم صفوان المزوي. فهو يشعر أنه ليس له أهمية، بعد أن طلبت ابنته من نُعمان أن يسلم يدها هو لرامي، كما فعلت بعقد القران سابقاً. لكن لما يشعر بالنقص؟ هو بالفعل ناقص. لم يكن يوماً أبًا لهن يحميهن ويحاوط عليهن. رمى مسئوليتهن على زوجته التي عاشت مكسورة الجناح بعد سفر أخيها ووفاة والدتها. كل ما طمحت له حياة هادئة ومستقرة معه، لكن كانت هي من تتحمل عبء بناتها على عاتقها منذ أن كانوا أطفال. هو كان زائر غير مرغوب في حضوره. وجوده من عدمه لا يفرق، بل الأفضل عدم وجوده.
هناك أيضاً من عادت نضارة الشباب، ليست فقط لوجهها بل لقلبها أيضاً. تجلس تشعر بسعادة كبيرة بزهو وفرحة أم ولدها يتزوج. هي تلك المهرة التي نهضت من مكانها وذهبت إلى منصة العُرس بالقاعة. ورامي الذي وقف لها جذبته تحتضنه تهنئه. كذلك انحنت على مروة الجالسة تهنئها. لكن قبل أن تنزل من على المنصة، تقابلت مع رفعت ووسيم. وكذالك آتى رامي. تحاوطوا الثلاث بها. تبسمت وهي تراهم، يتراقصون حولها وهي بالمنتصف كالملكة وسط فرسانها. وقفت تصفق لهم بسعادة وانشراح.
ما زال الزفاف قائماً وسط الصخب.
شعر وسيم ببعض السأم وهو يجلس لجوار تلك الحمقاء لمى التي ترافقه. نهض واقفاً.
نهضت لمى هي الأخرى ومسكت بيد وسيم ظناً منها أنه مل هو الآخر ويريد المغادرة قائلة:
"أنا زهقت من الدوشة والصخب. إيه رأيك نسيب الزفاف ونروح إحنا للبيت."
رد وسيم:
"مينفعش نسيب الفرح في نصه. أنا رايح الحمام وراجع. خليكي هنا."
قال لها هذا وخرج بسرعة. جلست مرة أخرى تشعر بالملل.
لاحظت ليلى ذلك، فهي عيناها لم تنزل من على وسيم. كم خفق قلبها بضربات، لولا تلك الموسيقى العالية بالمكان لكانوا سمعوا عزف قلبها وهي تراه بين رفعت ورامي وهم يرقصوا سوياً قبل قليل.
نهضت هي الأخرى من مجلسها، وخرجت من القاعة تتسحب. بحثت بعينيها بالممر الذي أمام القاعة إلى أن رأت سير وسيم بمكان قريب من قاعة العُرس.
نادت ليلى:
"وسيم."
توقف لها ولم يُدر وجهه لها.
اقتربت منه ووقفت أمامه، تنظر لعيناه وقالت:
"سيبت حفلة الزفاف ليه، يا وسيم؟ أظن هنا مينفعش أقولك، يا دكتور. أحنا مش في الجامعة ولا هتقدر تطردني وتحرمني من حضور سكشن العملي."
لا يعلم لما تضايق وسيم من ليلى دون سبب. هي لم تقل شيئاً يستدعي ضيقه. فقام بمسكها من معصم يدها وسحبها خلفه إلى أن خرجوا من القاعة إلى تلك الحديقة الخلفية الملحقة بالقاعة.
شعرت ليلى برجفة بسبب مسك وسيم ليدها وسحبه لها للسير خلفه وشعرت بألم في يدها من طبق يده فوق معصمها بقوة. حاولت سلت يدها من قبضته لكن يده كانت الأقوى.
توقف وسيم جوار أحد الشجيرات وترك يد ليلى ونظر لعيناها. رأى تلك الدموع التي انسدلت على وجنتيها. التي قهرت قلبه. مد يده يجفف تلك الدموع، لكن ليلى عادت بوجهها للخلف قبل أن تلمس أنامله وجهها. تعصب وسيم يقول:
"عاوزة مني أيه يا ليلى؟ ليه خرجتي من القاعة ورايا؟"
ردت ليلى وهي تجفف دموعها بيديها:
"مش عاوزة منك. أنا.... أنا.... مكنش قصدي أخرج وراك. أنا...."
تعصب وسيم وقال:
"إبعدي عن طريقي يا ليلى. أنا...."
لم يكمل وسيم قوله، فرت ليلى من أمامه.
ليلى التي كادت تصطدم بشخص ما دون انتباه منها. أنه التقط مجموعة من الصور لها مع وسيم بهاتفه. اعتذرت وأكملت سيرها، بينما ذلك الشخص تبسم بظفر.
زفر وسيم أنفاسه المشدوهه. ماذا تعني له ليلى؟ بداية عشق؟ لا، هو غير جاهز لهذا الآن. مثلها كغيرها. كان قبلها معجباً بمروة، لكن بسهولة تخطى ذلك حين علم أنها حبيبة قلب رامي. لم يأخذ معه الأمر شيئاً وكأنها لم تلفت حتى انتباهه. ليلى بالتأكيد مثلها. هو لديه هدف، يسعى له. بعد أن علم بطريق الخطأ من أحد عاملي مزرعة الخيل أن حادث وقوع والده ذالك اليوم من على جواده كان مدبر. لكن ليس لقتله بل لشل حركة جسده. لكن لسوء حظه وقع برأسه على أحد الأحجار فتسببت له بنزيف دموي أرداه قتيلاً في الحال. عليه محاسبة المسئول عن ذلك. لديه يقين أنه ذالك الوغد هاشم هو المتهم الأول. لكن لما فعل ذلك وماذا اكتسب من خلف قتله؟ عقاب هاشم ليس القصاص بالقتل، بل بقتله حياً يتحسر حين يسحب السطوة من تحت يده. وهذا ما يخطط له، وسيحدث حين تصبح مزرعة الخيول كلها تحت إمرته قريباً.
.....
بالعودة لداخل قاعة العُرس.
ذالك الذئب المراوغ كان له بصمة أمام الأعين حين نهض من مكانه واقترب من منصة العُرس. مد يده كي يصافح مروة أولاً، لكن كانت يد رامي هي من صافحته. انتهز هاشم هذا وجذبه لينهض من مجلسه وقام بالرقص أمامه كأنه شاب بريعانه، لا كهل. حاز على إعجاب البعض وهللوا له، فهو أثبت أن العمر مجرد رقم وأنه يجامل أبناء ابن عمه الراحل. ظهر بمظهر الشهم للبعض، ولكن حاز على سخرية البعض أيضاً، منهم رفعت الذي تبسم باستهزاء وأدار وجهه إلى تلك الجالسة بجواره.
زينب التي لا ترى شيئاً، هي يسحبها ذالك الدوار لهوه. تقاومها بشدة. كل ما تتمناه الآن نهاية هذا العُرس وتعود لتلك السرايا تحقن نفسها بمصل السكر كما تعتقد أن هذا هو سبب ذالك الدوار الذي تشعر به.
لكن للأسف ما زال العُرس صاخباً، واستمر إلى ساعات الليل الأولى لليوم التالي. وكان من الممكن أن يستمر أكثر، لولا أن أنهى رفعت الحفل بعد طلب رامي منه ذلك، بعد أن شعر بالسأم من الصخب وأيضاً مروة وشعرت بألم بجسدها. وبالفعل يكفي هذا. اقترب الوقت من الثانية صباحاً.
.......
أخذ رامي عروسه وكانت معهم بالسيارة والدة مروة ومهره.
.....
وأخذ السائق كل من إنعام ومعها محاسن المرافقة لها ومعهن أيضاً هالة وصفوت والدا زينب.
بينما رفعت اصطحب زينب بسيارته. في أثناء العودة حاول مشاغبتها لكن لم تكن ترد عليه، مما أثار دهشته. لكن حين سألها:
"مالك يا زوزي، زعلانة وقالبة وشك ليه طول الفرح؟ زعلانة عشان مسحت الميكب من على وشك، ولا كان نفسك في زفاف بهيجة زي ده."
ردت زينب:
"أنا كل اللي نفسي فيه إني أتخلص منك ومن همجيتك. ركز في طريقك وأنت ساكت. أنا محتاجة أنام."
تبسم رفعت يمد يده يضعها على وجنة زينب يقول بتحرش:
"عيب يا زوزي تنامي أيه في ليلة مفترجة زي دي؟ ليلتنا طويلة. اعتبري الليلة ليلة فرحنا إحنا كمان."
لسوء حالة زينب نظرت له بسخرية دون رد، فهي ليست قادرة على المناهدة معه وصمتت.
إلى أن وصلا إلى داخل السرايا ووقف السيارة. نزل رفعت أولاً من السيارة، أتى إليه سريعاً أحد الحرس ومال عليه وأخبره بشيء. بنفس الوقت فتحت زينب باب السيارة تشعر بدوخة كبيرة، ورعشة بيدها. ظلت جالسة لدقيقة. حين لاحظت قدوم رفعت إلى مكانها أظهرت القوة الواهنة حين قال رفعت:
"هتفضلي قاعدة كتير في العربية؟ يلا انزلي ولا أجي أشيلك."
نظرت له زينب دون رد، مما يزيد في دهشة رفعت. صمت زينب وعدم ردها غريب بالنسبة له. ركز عينيه عليها. حين نزلت زينب من السيارة انحنت وخلعت حذائها. حين استقامت ورفعت وجهها شعرت بدوار. أغمضت عينيها ووضعت يدها على السيارة تسند نفسها لثوانٍ. اقترب رفعت من مكانها. لاحظ شحوب وجهها.
فمهما كانت درجة تحكمك في مشاعرك قوية وتقدر على إنكارها في لحظة سترمي كل شيء خلفك وتظهر حقيقة واحدة أنك عاشق.
اقترب منها بلهفة يقول:
"زينب، مالك وشك مخطوف كده ليه؟"
فتحت زينب عيناها وحاولت الثبات قائلة:
"مفيش. أنا كويسة، بس يمكن إجهاد من السهر."
نظر رفعت لها بضيق لائماً يقول:
"كل ده بسبب إجهاد نفسك في الشغل. اعملي حسابك النهارده وبكره مفيش روحة للشغل."
لشعور زينب بالدوار لم تجادله. سارت أمامه تحمل حذائها بيد واليد الأخرى ترفع ذيل فستانها الطويل. كانت تسير تشعر بترنح.
لاحظ ذاك رفعت، فأقترب منها ووضع يده حول خصرها. لم تتهجم عليه كعادتها، وسارت بجواره صامتة إلى أن صعدا على سلم السرايا. ابتعدت زينب عنه وتقدمت درجة وهو خلفها. تشبثت بالسياج الحديدي للسلم، لكن قوتها على التحمل انتهت. للحظة فقدت السيطرة وسابت مفاصل يدها وارتعشت، لم تعد قادرة على التحكم بها، ولا بجسدها بالكامل. أغمضت عينيها تاركة جسدها يهوي. لكن قبل أن تهوي كانت يد رفعت تتلقاها. ارتجف قلبه بل توقف قلبه وهو يحملها سريعاً ينظر لوجهها الذي يشاحب الموتى وجسدها الذي يرتعش بين يديه.
.....
أمام قاعة العُرس قبل دقائق.
وقف نُعمان حائراً يقول:
"يظهر إننا اتأخرنا على ما طلعنا من القاعة يا لولا. هنروح إزاي دلوقتي؟ العربيات كلها مشيت وسابتنا. شكلنا هنرجع ماشيين."
تبسمت ليلى وهي تتدلل على نُعمان قائلة:
"دي أحسن حاجة. أهو نتسلى سوا وإحنا ماشيين في نسمة الهوا الحلوة دي، وتحكي لي عن مغامراتك في بلاد أوروبا."
تبسم نُعمان:
"اسمها أوروبا مش أروبا، يا أروبة."
تبسمت ليلى قائلة:
"مش عارفة إيه سبب الكميا اللي بيني وبينك من وقت ما رجعت يا خالو. أنا بحب أفضل معاك حتى أوقات بتمنى تكون إنت بابا."
تبسم نُعمان يقول:
"ما أنا زي بابا، مش بيقولوا الخال والد. في أثناء وقوف نُعمان وليلى، رأى نُعمان خروج وسيم، فقال: ها لقيت لينا توصيلة يا لولا؟ شكلك بنت حلال ومُرزقة. استنى هنا وراجعلك."
نظرت ليلى لنُعمان وجدته ذهب ووقف مع وسيم لدقيقة، ثم عاد لها يقول:
"لقيت لينا توصيلة. طلبت من وسيم ياخدنا معاه وهو ذوق ورحب بأنه يوصلنا. يلا بلاش نسيبه واقف."
كانت ليلى ستعترض، لكن جذبها نُعمان من يدها يقول:
"يلا يا لولا، خالك مش شاب وهيقدر يمشي من هنا لأول الشارع."
رسمت ليلى بسمة، ذهبت خلف نُعمان. لم ترفع وجهها وتنظر لوسيم، الذي فتح لها باب السيارة الخلفي. صعدت للسيارة دون حديث، وصعد نُعمان في الأمام جوار وسيم الذي يقود السيارة.
تبسم نُعمان يقول:
"إنت جيت لينا نجده! اتأخرنا على ما طلعنا من القاعة بسبب الزحمة والعربيات مشيت وسابتنا. بس إنت إيه اللي أخرك لدلوقتي؟"
رد وسيم:
"مفيش نفس السبب تقريباً. الزحمة وأنا مش بحب الزحمة."
رفع وسيم يده يُعدل المرآة الأمامية للسيارة. وقع بصره على انعكاس وجه ليلى بالمرآة. للحظات نظر لانعكاسها بالمرآة، لكن هي لاحظت ذلك فبدلت نظرها ووجهت بصرها نحو شباك السيارة تُغمض عينيها.
انتبه وسيم وغص قلبه، ثم قام عدل المرآة وقام بتشغيل السيارة وبدأ بالسير. كان في البداية يحاول نُعمان الحديث مع وسيم، لكن وسيم كان يرد باقتضاب، إلى أن قال نُعمان:
"على فكرة أنا كنت صديق لـ وحيد الشامي الله يرحمه."
نظر له وسيم.
تبسم نُعمان:
"كنا أصدقاء جداً كمان وكنا على اتصال حتى بعد ما سافرت. صحيح كانت مكالمات تليفونية من فترة للتانية، بس كان بينا صداقة، وهو كان فارس شجاع."
تبسم وسيم على مدح نُعمان لوالده وقال بحسرة في داخله:
"الفارس الشجاع مات مقتول بعد ما وقعه حصانه."
تنهد نُعمان باشتياق يقول:
"أنا ووحيد كان سبب صداقتنا إننا إحنا الاتنين اشتغلنا عند همام الزهار."
.....
بعد قليل بسرايا الزهار.
بعد ذالك الاستقبال الحافل الذي كان في انتظار رامي ومروة بالسرايا. أعيرة نارية وأعيرة طلق مصحوبة ببعض الألعاب النارية.
واستقبال شخصي لها من مهره، التي تمنت لهم السعادة.
صعد رامي برفقة مروة إلى ذالك الجناح الكبير بالسرايا والذي جُهز خصيصاً من أجلهم.
تبسم رامي وهو يدخل خلف مروة التي تشعر بالخجل.
سخر رامي من ذالك الخجل، وقام بفك رابطة عنقه، ووضعها على الفراش وعاد بنظره إلى مروة، ثم سار باتجاه وقوفها بالقرب من باب الجناح. ونظر بتسلية لها. فهي وقفت تفرك بيديها على ثنيات فستان زفافها. وحين اقترب منها عادت للخلف خطوات ووقفت ترتجف، تنظر له تخبر عقلها أن من أمامها الأن هو ما يدعونه بالوحش المشوه، ربما وجهه يحمل الوسامة ولكن بعض الحدة. ربما مثلما يقولون أنه مشوه الجسد، كالمسخ.
بينما هو تبسمت عيناه. هو يشعر بخوفها، ضربات قلبها يسمعها. شعر بألم كيف لها أن تخشى منه، فهي من سكنت قلبه صغيراً. هي ابنة أحد السائسين لديه بالمزرعة. لو كانت غيرها، لرحبت بالزواج منه، وما عاندت كل ذالك الوقت، وكانت هي من بادرت. اقتربت منه، وطلبت وصاله. لكن، لما نسيت ذالك الفتى بالماضي؟ هو أزاح كل الفوارق، وأراد الزواج من ابنة خادميه، لكن ظل حرق الماضي له آثار ليس على الجسد فقط، بل بالروح.
اتجه إلى الفراش، وبدأ في خلع ثيابه أمامها قائلاً:
"عندك الحمام، تقدري تدخلي تغيري الفستان فيه، ما هو مش معقول، هتفضلي طول الوقت لابساه."
اتجهت هي الأخرى إلى الفراش، وأخذت تلك المنامة، ودخلت إلى الحمام فوراً. وقفت خلف الباب، تضع يدها على صدرها قائلة:
"يارب أنت عالم بيا. ابن الزهار الصغير أنا مكنتش أحلم بس أنه يبصلي، بس يارب، هو كيف ما بيقولوا عليه جسمه كله مشوه؟ يارب أنت عالم أني وافقت عالجوازة دي بالإجبار."
سمعت خبطاً على الباب. خلفه صوت غليظ يقول:
"لو خلصتي عاوز أدخل للحمام."
سريعاً، خلعت الفستان، وارتدت تلك المنامة، وفوقها مئزر رجالي كان بالحمام وخرجت.
كانت المفاجأة حين خرجت خائفة خجلة، ولكن رفعت نظرها لثوانٍ ونظرت إليه، وأخفضت عيناها مرة أخرى، لكن سرعان ما رفعت عيناها وعادت بالنظر إليه.
.....
أوقف وسيم السيارة أمام منزل نُعمان.
نزل نُعمان السيارة أولاً ثم نزل وسيم هو الآخر خلفه.
تبسم نُعمان وهو ينظر لليلى وتتحدث إلى وسيم:
"ليلى يظهر من الإرهاق نعست. هصحّيها عشان تنزل. ومرة تانية بشكرك يا وسيم إنك وصلتنا."
تبسم وسيم الذي عيناه على تلك الملاك النائمة وقال:
"مالوش لازمة الشكر بينا، كفاية حضرتك طلعت صديق قديم للمرحوم والدي."
تبسم نُعمان ووضع يده على كتف ليلى بحنان يُوقظها قائلاً:
"ليلى اصحي، وصلنا للبيت."
فتحت ليلى عينيها ونظرت لنعمان تبسمت ثم فركت عينيها بيدها وقالت:
"أنا إزاي نمت في العربية."
تبسم نُعمان:
"أكيد من الإرهاق، يلا يا حبيبتي انزلي."
تبسمت ليلى ونزلت من السيارة دون النظر باتجاه وسيم، الذي شكره نعمان مرة أخرى قبل أن يتوجه خلف ليلى إلى داخل منزله.
صعد وسيم يشعر بضيق. ليلى تحاول قدر الإمكان تجاهل حتى النظر إليه. وضع يده على مقود السيارة وسار بضع خطوات، لكن لفت نظره حركة شيء وقع بالمقعد الخلفي للسيارة. توقف ونظر بالمقعد الخلفي، وجد حقيبة يد صغيرة. هي الحقيبة التي كانت بيد ليلى، بالتأكيد نسيتها دون وعي منها. أمسك الحقيبة بيده. فكر للحظة أن يرسلها لها بأي طريقة فيما بعد. فكر قليلاً، لكن هو ما زال قريب منزل خال ليلى، لما لا يعود ويعطيها له، ثم يغادر.
بالفعل عاد تلك الخطوات بالسيارة ونزل من السيارة. وهو لا يعلم أن القدر قد أرسله نجدة لليلى ونُعمان من براثن قاتل منتهك.