ماشى يا سهى، أشوفك في الجامعة يا حبيبتي. أغلقت الهاتف ووضعته جانباً بأصابع مرتعشة. لاحظ ذلك والدها. عم حسن بتسأول: كنتي بتكلمي مين يا إيمان؟ إيمان بتوتر: ما أنت سامع يا بابا، دي سهى صاحبتي. نظر لها بشك ولم يقتنع بحديثها ولكنه تغاضى هذا الشعور. بالتأكيد ابنته التي قام بتربيتها على الأصول لن تقوم بزعزعة ثقته أبداً من محلها.
عم حسن بتحذير: ابعدي عن البنت دي، مبحبهاش ولا هي من بيئتنا ولا أسلوبها زي أسلوبنا. ونامي يلا عشان جامعتك. اكتفت بإيماء بسيطة وتنفست الصعداء فور خروجه من الغرفة. وضعت يديها على قلبها بارتياح. إيمان: الحمدلله إنها عدت على خير، وقعتي كانت هتبقى مهببة لو عرف أنا بكلم مين. في القاهرة.
أما هو في الأسفل كان يملي على سميحة بعض القواعد التي أضافها جديداً على نظام بيته، وخاصة مع وجود فرد جديد معه. أومأت سميحة بعملية ثم انصرفت نحو تشرف على العشاء وتقديمه. زين الجارحي، ذلك الرجل الذي على مشارف العقد الرابع من عمره. يعيش وحيداً بتلك الشقة، واضعاً لحياته قواعد صارمة، يسير كل شيء حوله كما يريد. ورغم صغر سنه إلا أن مجال عمله تقدمه به وثورته الطائلة أعطته هيبة وسط رجال الأعمال.
اقتصر حياته بعيداً عن الشهرة وابتعد كلياً عن كل ما هو سيء السمعة. لا شك أن ثروة أبيه هي من ساعدته، ولكن لذكائه الفاصل للوصول لهذا المستوى. المثابرة كلمة خلقت لأجله. ومع كل تلك الهيبة، ها هو يتزوج بفتاة لا يعرف عنها شيئاً سوى رجل يكن له الاحترام والحب والتقدير. انتبه على جلوسها فوق أحد الكراسي بصمت. وفور أن وقعت عيناه عليها لم يكن يبعد بصره عن إسدالها الوردي.
رغم بساطته إلا أنه زادها جمال فوق جمالها، وخصوصاً تلك الخصلات المتمرّدة من حجابها. تمنى في قراره نفسه لو أن تزيل حجابها حتى يمعن نظره بشعرها وبملامح وجهها ككل. لاحظت نظراته المصوبة عليها فارتبكت وصارت تحرك رأسها بالرفض على كل ما تشير إليه سميحة من الطعام. انتبهت على حركة يده للخدم بالانصراف. ضغطت فوق شفتيها بتوتر عندما بقيا وحدهما. زين بهدوء: هو أنتِ هتفضلي بالحجاب كده على طول؟ ليليان: ...
زين ببرود: كلامي واضح، هتفضلي قاعدة هنا بالحجاب. أظن عم حسن قال جواز عشان النقطة دي. ليليان: نقطة إيه؟ زين: إنك تكوني براحتك وأنا كمان محسش إني مقيد في بيتي وأتحرك بخطوات محسوبة. البيت ده خلاص بيتك، اتصرفي فيه بحرية. ليليان: متشكرة جداً على كلامك، بس ده ميمنعش إني مش عايزة أقلع حجابي قدام حد.
زين بضيق: وأنا مش حد، أنا جوزك وأنتِ خلاص على اسمي. يا ريت متقيدي حركتي وتسمعي كلامي وتخلعي حجابك ده، إحنا مطولين مع بعض يا.. أنسة ليليان. قال جملته الأخيرة ببرود ممزوجاً بتهكم طفيف، ثم أمسك الملعقة وبدأ بتناول طعامه وكأن شيئاً لم يحدث في حديثهما. رمقته بتعجب واضح. أرادت أن تكمل كلامها ولكنه قاطعها كعادته. زين: كلي، كلامنا انتهى في الموضوع ده.
كظمت غيظها للمرة الألف منذ رؤيته. هو يأمر وينهى وهي تكظم غيظها فقط. أغلقت عينيها بقوة. ليليان لنفسها: الله يسامحك يا عم حسن على الورطة دي. انتهى العشاء وبقيت ليليان في غرفة الجلوس، تجلس بصمت، تراقب الأثاث من حولها بضيق. حديثه وكلماته الحادة جعلتها غير راضية بالمرة عن تلك الحياة التي ستخوضها.
ضغطت بيدها على جانبي رأسها بألم. الآلام الحادة تهاجم رأسها بلا رحمة. ربما تحتاج لقسط من الراحة، ولكن من أين لها الراحة وهي ستشارك رجلاً غريباً فراشه. مصاعب الحياة ترسل لها رسائل متناقضة، وعقلها يرسل لها تحذيرات من الخوض في المجهول. وماذا هي بفاعلة، لا شيء سوى الوقوف هكذا في مهب الريح، تتلقى فقط دون شكوى. فكرت للحظات أنه مع هروبها من عائلتها، سيرتاح أخيراً قلبها المسكين. وها هي تخطى بتفكيرها.
نهض من فراشه وتوجه إلى الأسفل باحثاً عنها. وجدها تتوسط الأريكة غارقة في سبات عميق، ووضعيتها غير مريحة لصغر حجم الأريكة. وقف أمامها يتأمل ملامح وجهها وخصلات شعرها الكستنائية المتدلية بعضها من حجابها. مد أصابعه حتى يزيحه أكثر ولكنه توقف موبخاً نفسه على تصرفاته الأهوج ذلك. منذ متى وهو يتصرف بتلك الطريقة.
عاد ببصره نحو ملامح وجهها، وزفر بخوف وهو يعود بجسده إلى غرفته مرة أخرى. فانبه ضميره على وضعيتها تلك. عاد وانحنى ثم حاول حملها. أفاقت هي بأعين ناعسة تنظر له بعدم فهم. وعندما وقع بصرها على عينيه المقتربة منها إلى حد كبير. ليليان بتلجلج: ... زين بخوف: كنت بحاول أشيلك وأنايمك فوق. ليليان بارتباك: وتشيلني ليه؟ صحيني قولي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!