في خلسة من الجميع كانت تقف عليا تستمع إلى حديث عمها مع خالها صفوان والآخرين. عيناها مغروقتان بدموع الحزن لعدم رغبتها بالزواج من جابر ابن خالها، الذي تعتبره كأخ أكبر لها. تنقلب دموع الحزن إلى دموع فرح تتساقط من عينيها بغزارة عند سماعها أنها مخطوبة لابن عمها سليم، حب عمرها المستحيل. تتجسد صورته أمامها بوسامته ورجولته وقوة شخصيته.
تنقلب دموعها سريعًا إلى ضحكات صغيرة، لتبكي وتضحك في آن واحد. تنتبه سريعًا لوضعها الغريب، فتضع يدها على فمها خوفًا من أن يسمعها أحد. تتجه ركضًا إلى غرفتها في الطابق العلوي، التي تعتبرها ملجأها الخاص. تدخل الغرفة وهي في حالة من الذهول، تضع يدها على قلبها الذي ازدادت نبضاته حتى اعتقدت أنه سيقفز من صدرها. تتجه سريعًا إلى دولاب ملابسها لتخرج صورة سليم، الصورة التي استطاعت الحصول عليها من ألبوم العائلة دون أن يدري أحد.
تتأمل حبها المستحيل، أو ما كانت تعتبره مستحيلًا، ملامحه الوسيمة ذات الرجولة الطاغية. تقول وهي تتنهد: = معقولة أنا مخطوبة ليك... طيب إزاي؟ ده انت حتى متعرفش شكلي إيه، ولا عمرك اتكلمت معايا ولا حتى قابلنا بعض. وعمي عتمان كان دايماً بيرفض إني أقابلك أو أتكلم معاك، وانت أول ما كنت بتيجي كان بينبه عليا إني مأخرجش من أوضتي أو حتى خيالي يقرب من المكان اللي انت فيه. يبقى إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة.
تتذكر زياراته القليلة لهم، التي كانت تتلصص عليه حتى تراه دون أن يشعر بها. تبتسم وهي تتذكر المرة الوحيدة التي رأته فيها عن قرب، عندما خرجت على أطراف أصابعها من الغرفة وهي تتلفت حولها خوفًا من أن يراها أحد. نزلت سريعًا ووقفت خلف شجرة زينة تزين بهو المنزل. تخرج رأسها من خلف الشجرة بهدوء، تحاول أن تراه وهو يجلس في غرفة الطعام. تتفاجأ بعدم وجوده وخلو الغرفة. تتأفف وهي تقول: = هما خلصوا أكل ولا إيه؟
تتفاجأ به خلفها وهو ينظر إليها بتساؤل ليقول لها: = آه خلصنا، انتي مين وواقفة مستخبية كده ليه؟ تشعر بنبضات قلبها وكأنها توقفت، لتعود وترتفع سريعًا وكأنها في سباق. تخفي وجهها سريعًا بالطرحة التي ترتديها وهي تنظر للأسفل، وتقول بتلعثم: = أأأ... نااا... كك... نت بسأل علش... ااان... تشعر بالكلمات وكأنها قد توقفت في حلقها. لينقذها هو من بؤسها: = انتي شغالة هنا وعايزة تشيلي الأكل؟ لترد سريعًا عليه وقد شعرت ببعض الراحة:
= أيوة يا بيه، بس كنت مستنية لما تخلصوا أكل. تراه وهو يخرج من جيبه سيجارة رفيعة، يشعلها بأناقة، ليقول لها: = طيب روحي شوفي شغلك وبلاش رغي كتير. يتركها ويخرج باتجاه غرفة الصالون. تتأمله وهي تتنهد: = زي القمر، يخربيت جمالك. ثم تتمتم بضيق وهي تحاول تعديل ملابسها: = بقي برضو أنا خدامة! ربنا يسامحك يا...
ليقع نظرها فجأة على مرآة معلقة بطول الحائط أمامها. تصدم بهيئتها، فقد كانت ترتدي عباءة سوداء فضفاضة وغطاء رأس أسود اللون وطرحة سوداء تخبئ معظم وجهها. هذه الملابس قد أخذتها من إحدى الخدم. تنظر لشكلها بامتعاض وقرف وهي تقول: = والله عنده حق، ده الخدامة بتلبس أحسن من كده. تعود عليا إلى أرض الواقع وهي تبتسم وتقبل صورة سليم وتحتضنها، وهي تدور حول نفسها وهي تقول: = أخيييييرًا، مش مصدقة نفسي. الحلم اللي كان مستحيل...
يتحقق كده بمنتهى البساطة. تحتضن الصورة أكثر وهي تستلقي على السرير وتغلق عينيها، لتستغرق في النوم لتحلم بأحلام سعيدة عنها هي وسليم. في هذه الأثناء... كانت رابحة تواجه عتمان: = انت إزاي تقولهم الكلام ده وانت عارف إنه كدب ومحصلش، وان ابن أخوك سليم لا عمره شاف عليا ولا قابلها عشان يفكر في الجواز منها. ليرد عليها عتمان بلامبالاة:
= انتي مش ليكي إن بنتك تتجوز وخلاص، وعمومًا ادعي ربنا إن سليم يوافق إنه يتجوزها. لأن الأرض عمرها ما هتخرج برا عيلة المنشاوية، سواء بنتك عاشت واتجوزت سليم أو ماتت. لتصرخ رابحة بجزع وهي تلطم خديها: = هتموتها يا عتمان؟! لينظر إليها عتمان بقسوة وإجرام وهو يغادر الغرفة. في الصباح الباكر... نزلت رابحة من غرفتها وتوجهت إلى المطبخ لتأمر الخدم بتجهيز طعام يليق بحضور سليم.
ليمّر بعض الوقت ويدخل زوجها عتمان من باب المنزل وبرفقته سليم ابن أخوه. لينقبض قلبها وهي تتخيل سليم يرفض الزواج من ابنتها والمصير المظلم المنتظر لها. لترسم رابحة ابتسامة مرتعشة على شفتيها لترحب بسليم: = يا أهلًا وسهلًا بابن الغالي، نورت البلد كلها. ليتجه سليم إليها وهو يمد يده إليها مرحبًا: = إزيك انتي يا ست رابحة، عاملة إيه؟ = الحمد لله يا ابني بخير، نشكر ربنا. ليزجرها عتمان وهو يقول:
= حضري الفطار على ما أقعد مع سليم بيه أتكلم معاه شوية. لتبتسم رابحة بارتعاش لتقول: = الفطار جاهز، كلوا لقمة الأول وبعدين اتكلموا، يعني هو الكلام هيطير. لتدعهم لسفرة عامرة بأشهى المأكولات. ليضحك سليم وهو يجلس: = إيه الأكل ده كله يا حاجة رابحة؟ مين هياكل كل ده؟ لترد رابحة بابتسامة: = بالهنا والشفا، ده من بعد خيرك يا بني. لتتركهم رابحة وتخرج. لينظر سليم إلى عمه بهدوء ويقول: = خير يا عمي؟
انت طلبت إني أجلك بسرعة، وقولت إن فيه موضوع مهم عاوز تكلمني فيه. ليرد عتمان بدهاء: = لما تفطر الأول يا بني وتشرب قهوتك، هقولك على كل حاجة. ليقطب سليم حاجبيه ليقول بصوت صارم: = يا عمي، أنا مش جاي عشان أفطر وأشرب قهوة. أنا سايب مشاغلي وجيت بسرعة لما حسيت من كلامك إن فيه مصيبة حصلت، فياريت تعرفني فيه إيه بسرعة عشان بدأت أقلق. ليرد عليه عتمان: = لا قلق ولا حاجة، الحكاية وما فيها...
ليرتفع صوت رنين هاتف عتمان. لينقطع حديثه ويقوم بالرد على الهاتف. ليستمع لمن يتحدث على الطرف الآخر، ليتجهم وجهه وهو يقول بغضب: = هو محدش يعرف يتصرف من غيري خلاص؟ أنا جاي حالا. ليلتفت إلى سليم ليقول له: = متأخذنيش يا سليم يا ابني، فيه مشاكل في الأرض. هروح مسافة نص ساعة تكون انت فطرت وشربت قهوتك. ليومئ له سليم برأسه موافقًا وهو يشعر بالضيق، لكنه لا يريد أن يحرج عمه. ليخرج عتمان مسرعًا.
لتنتهز رابحة الفرصة وتستجمع شجاعتها لتتجه إلى سليم لتتحدث معه في موضوع ابنتها: = سليم يابني، أنا كنت عاوزاك في موضوع مهم. بس قبل ما أقولك حاجة، توعدني إن عمك ميعرفش الكلام اللي هقولهولك، سواء انت وافقت أو رفضت. ليقطب سليم جبينه وهو يشعر بالقلق من حديثها، ليقول لها بصوت متهجم: = خير يا حاجة رابحة؟ فيه إيه؟ قولي، وأوعدك عمي مش هيعرف حاجة، أيًا كان اللي هتقوليه. لتقول له رابحة وهي تشعر ببعض الراحة:
= ده العشم برضه يا بني، الحكاية وما فيها... لتبدأ رابحة في الكلام وشرح كل شيء من بداية طلب جابر ابن أخوها الزواج من عليا، إلى رفض عتمان له وإعلانه خطوبة عليا وزواجها من سليم. وتهديد عتمان بقتل عليا في حالة رفض سليم. ليستمع لها سليم وهو في حالة من الذهول والغضب. في هذه الأثناء... استيقظت عليا من نومها لتتفاجأ بتأخر الوقت، ل تنهض سريعًا وهي تقول: = يا خبر! أنا إتأخرت في النوم أوي، وسليم زمانه وصل.
لتدخل سريعًا للحمام الملحق بغرفتها لتحدث نفسها: = بسرعة يا عليا، مش عاوزة أضيع لحظة يكون موجود فيها هنا ومشفوش. لتستحم سريعًا وتتجه لدولاب ملابسها وتنظر باحباط لملابسها القليلة الواسعة بألوانها الغامقة التي تشبه ملابس العجائز: = مش مهم، أنا هختار أحسن الموجود. النهارده أسعد يوم في حياتي ومش هخلي أي حاجة تزعلني.
لترتدي فستانًا أزرق غامق اللون وتقوم بجدل شعرها الذهبي الحريري الطويل في جديلة تصل لآخر ضهرها. لتنظر لنفسها في المرآة بتقييم، بدءًا من وجهها الأبيض المتشرب بحمرة خفيفة والمستدير كالبدر، وعينيها الخضراوين الواسعتين ذات الرموش الكثيفة، وأنفها الصغير، وشفتيها الصغيرتين الممتلئتين كحبة الكرز الناضجة. لتقول بامتعاض: = بس لو فيه قلم روج ولا حتى قلم كحل.
لتقوم بقرص خديها حتى شعتا باللون الأحمر وهي تضحك. وتنزل من غرفتها سريعًا لتبحث عن والدتها. لتتفاجأ بصوت والدتها وهي تتحدث مع سليم. لتختبئ عليا حرجًا من سليم. لتسمع سليم وهو يقول: = إيه الكلام الفارغ ده؟ خطوبة إيه وجواز إيه؟ إزاي عمي يقول حاجة زي كده؟
أنا آسف يا حاجة رابحة، أنا لا طلبت أتجوز بنتك ولا أعرف حاجة عن الموضوع ده. ده كلام فارغ، ولما عمي يجي ليا كلام تاني معاه. مش سليم المنشاوي اللي يدبسوه في جوازه بالشكل ده. أنا آسف، بس أنا مش هتجوز واحدة معرفهاش، ولا في بينا تكافؤ. واحدة جاهلة ومتفهمش أي حاجة عن أسلوب حياتي كرجل أعمال، ولا متطلبات الحياة دي. واحدة تقريبًا فلاحة عمرها ما خرجت برا البلد.
لتستمع عليا لكلماته الجارحة وهي في حالة من الذهول. تشعر بكلماته وكأنها خنجر مسموم يمزق قلبها. لتترنح وتشعر إنها على وشك أن تغيب عن الوعي. وهي تستمع لوالدتها وهي تبتلع الإهانة وترجوه للزواج من عليا إنقاذًا لها.
= اسمع يابني، أنا عاوزاك تفتكر إنها مهما كانت بنت عمك ومسئولة منك، حتى لو عمك مقتلهاش زي ما بيهدد، فهو هيقلب عيشتها جحيم. أنا هطلب منك، وغلاوة عمك الله يرحمه، لأما تتجوزها وترحمها من عذاب عمك، أو أنا هخلي عليا تتنازل عن أرضها ومالها لعمك عشان يرحمها من اللي ناويلها عليه، وأنا هاخد بنتي وأهج ومحدش هيعرف لنا طريق.
لتنفجر في البكاء. ليشعر سليم إنه في وضع لا يحسد عليه. فهو يعرف عمه جيدًا ويعلم جشعه وطمعه. ولكنه لا يتخيل أن يقوده حب المال إلى قتل أو تعذيب ابنة عمه. وهو لن يسمح به. فهي مهما تكن ابنة عمه ويشعر بالمسؤولية تجاهها. ليقول بضيق: = أنا مش هسمح إن عمي يمس شعرة من عليا، ولا هسمح إن عمي ياخد ميراثها. وأكيد فيه حل غير الجواز. لتجهش رابحة في البكاء وهي تقول: = حل إيه يا بني؟
أنا هخلي عليا تتنازل عن حقها لعمها يمكن يحل عنها، وانت يا ابني كتر خيرك. لتحاول ترك الغرفة. ليأتيها صوت سليم حازمًا: = رايحة فين؟ احنا مخلصناش كلامنا. ليشعر أن ما سيقوله هو الحل الأخير والمجبر عليه لإنقاذ ابنة عمه. = اسمعي اللي هقولهولك كويس، ولو وافقتي تفهميه لبنتك كويس عشان ميبقاش فيه غلط بعد كده. أنا تقريبًا مرتبط من واحدة بنت عيلة كبيرة وكنت ناوي أخطبها. لترد رابحة بانكسار: = مبروك يابني. ليقاطعها سليم بصرامة:
= ياريت متقطعيش كلامي وتسمعيني للآخر. ليكمل حديثه بتهجم: = أنا هتجوز بنتك...
بس جواز صوري قدام الناس هنا وبس. وهاخدها معايا القاهرة، بس هناك. وده المهم، محدش هيعرف بجوازي منها، يعني هبقى ابن عمها وبس. الجوازة دي هتستمر لحد ما تبلغ واحد وعشرين سنة، يعني تبقى في سن قانوني يحق لها تستلم ميراثها من عمها. وساعتها أنا اللي هسلمها الميراث من عمي وهحميها. وطبعًا بعد كده هنطلق عشان كل واحد يعيش حياته مع اللي يناسبه. وبرجع أؤكد عليكي تعرفي عليا باتفاقنا ده. لتمسح رابحة دموعها وقد شعرت بالراحة:
= حاضر يابني، وجمايلك ده مش هنساهولك العمر كله. أنا رايحة لعليا أفهمها. سمعت عليا حديث والدتها مع سليم. لتتدفق الدموع من عينيها ولتجري سريعًا إلى غرفتها قبل أن يراها سليم والشعور بالذل يقتلها. لترتمي على السرير وتبكي كما لم تبكي من قبل. تبكي حبها الذي وئد في مهده. تبكي على كرامتها التي أهدرت ووالدتها تتذلل لسليم حتى يوافق على الزواج منه. لتقوم بضرب السرير بقبضتيها وهي تصرخ بصوت مكتوم: = غبية... غبية...
إزاي فكرتي إنه ممكن بفكر يتجوزك. يتجوز واحدة عمره ما شافها، واحدة بيعتبرها فلاحة جاهلة متناسبش مقامه العالي. بس لأ والله لندمك على كل كلمة قولتيها. والله لندمك على كسرة نفس أمي وهي بتتذلل قدامك عشان تقبل تتجوزني. والله لاخليك تتذل للفلاحة عشان ترضى عنك، وساعتها هقولك آسفة، متناسبنيش. لتسمع والدتها تطرق على باب غرفتها. فتقوم بمسح دموعها: = ادخلي يا ماما. لتجد والدتها ترسم ابتسامة مرتعشة على شفتيها:
= عليا، أنا عاوزة أقولك على حاجة. لتقوم عليا سريعًا باحتضان والدتها لتخفف عنها: = أنا عارفة يا ماما، وسمعت كل حاجة. لتبعدها والدتها وهي تنظر في وجهها بقلق: = سمعتي كلامي مع سليم؟ عليا وهي تهز رأسها علامة الإيجاب: = أيوه سمعت إن الجواز هيكون صوري، وإن محدش هيعرف إننا متجوزين في القاهرة، وإنه مرتبط بواحدة تانية مناسبة له، وإن بعد سنة هنطلق. أيوه، سمعت كل حاجة. لتشعر رابحة بالصدمة من معرفة ابنتها للأمر.
= ورأيك إيه يا عليا؟ لترد عليا بتصميم وهي ترفع رأسها عاليًا: = قوليله موافقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!