تحميل رواية عشقت خيانتها بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماما..ماما!!!! ....متسيبينيش لوحدى لاااااااا ....هئ هئ هئ ......ماماااااا _ متخافيش يا حبيبتى أنتى مع "حسن" ... متخافيش .... _ أنا مش عايزة حد غيرك أنتى .... أنا عاوزة أبقى معاكى أنتى ..... _ حسن حياخد باله منك ..... أنا لازم أمشى دلوقتى .... مع السلامه يا "نسمه" .... _ لا ....لا ..... ماماااااااااا ... إرجعى يا ماما .... متسيبينيش لوحدى ......!!!!!! قامت من نومها مفزوعه بنهج شديد تحاول إدراك أن ذلك هو نفس الحلم مرة أخرى لتهمس لنفسها بخيبه أمل .... _ ااااه ... نفس الحلم تانى ....!!!!! رفعت عينيه...
رواية عشقت خيانتها الفصل الأول 1 - بقلم قوت القلوب
ماما..ماما!!!!
....متسيبينيش لوحدى لاااااااا ....هئ هئ هئ ......ماماااااا
_ متخافيش يا حبيبتى أنتى مع "حسن" ... متخافيش ....
_ أنا مش عايزة حد غيرك أنتى .... أنا عاوزة أبقى معاكى أنتى .....
_ حسن حياخد باله منك ..... أنا لازم أمشى دلوقتى .... مع السلامه يا "نسمه" ....
_ لا ....لا ..... ماماااااااااا ... إرجعى يا ماما .... متسيبينيش لوحدى ......!!!!!!
قامت من نومها مفزوعه بنهج شديد تحاول إدراك أن ذلك هو نفس الحلم مرة أخرى لتهمس لنفسها بخيبه أمل ....
_ ااااه ... نفس الحلم تانى ....!!!!!
رفعت عينيها بإتجاه الحائط لتنظر إلى الصورة المعلقه ، صورة لعائله سعيده مبتسمه ، صورة أب وأم وطفل صغير فى الثانيه عشر من عمره وإلى جوارهم طفله صغيرة لا تستطيع الوقوف معتدله تمسكها أمها من ذراعها خوفاً من أن تقع أرضاً لتهمس بإشتياق بالغ .....
_ وحشتونى أوى ... أوى ...
نفسى أشوفكم حتى لو لمرة واحده .... أنا من غيركم مسواش حاجه ولا ليا قيمه ....
ااه يا بابا أنت وماما !!!!! ...
الدنيا من غيركم وحشه أوووى .....
بكت فى خفوت إشتياقاً وحباً لوالديها فكم إشتاقت لرؤيتهم وحنانهم الذى حرمت منه ....
دق الباب بنفس الموعد كالعاده فهى لا تتأخر أبداً كل صباح لتستمع "نسمه" لصوت "حنان" زوجه أخيها المنفر وهى توقظها بإستيائها المعتاد .....
_ "نسمه" ... يا "نسمه" .....!!!!!
أوووه .... أنا مش حفضل اليوم كله قاعده بنادى عليكى ... مستنيه سعادتك تصحى من النوم !!!!! ... يلا قومى ...!!!
دفعت "نسمه" غطائها عن ساقيها وهى تردف بإنصياع تام مردفه بتملل ...
_ حاضر ... أنا صحيت أهو خلاص يا "حنان" .....جايه أهو ....
نهضت من فراشها متملله لتخرج من غرفتها متجهه الى المرحاض أولاً لتعترصها حنان زوجه أخيها وهى تتوسط خصرها بيديها وقد عقصت وجهها بضيق حين وقعت عيناها على "نسمه" لتردف بإشمئزاز إعتادت "نسمه" عليه ...
_ هو أنا لازم وواجب عليا أصحى حضرتك كل يوم الصبح !!!!! .. إيه متعرفيش تصحى لوحدك ؟!! .. يلا إنجزى بسرعه .. أنا معنديش اليوم كله أستنى جنابك ...!!!!
تنفست "نسمه" بعمق لتردف بهدوء منكسر ...
_ حاضر ... أنا متاخرتش ولا حاجه دى الساعه لسه مجتش سبعه ونص ....!!!
استشاطت "حنان" غضباً لمجرد رد "نسمه" عليها فهى لا تطيق سماع صوتها الهادئ المثير لاشمئزازها لتردف بعصبيه شديده...
_ أنتى مش حتبطلى تردى عليا ....!!! هو أنا أكلمك كلمه تردى عليا خمسين كلمه !!!!! ..ده إيه المصايب إللى على الصبح دى ....!!!!
عارفه لو رديتى عليا تانى بكلمه واحده أنا حقول لأخوكى "حسن" ... وهو حيعرف يتصرف معاكى ....فاهمه !!!
رفعت "نسمه" كفيها بتخوف واضح تستجدى "حنان" ألا تشتكيها لأخيها "حسن" ...
_ لالالالا ...الله يا خليكى يا "حنان" ...بلاش "حسن" أخويا .. حالاً أهو .. حالاً ....
(نسمه) بنت رقيقه فى العشرين من عمرها تشبه "فاتن" والدتها الفلسطينيه الجميله ... بيضاء اللون ذات عيون محيره بعض الأوقات ترى باللون الأخضر و أوقات أخرى باللون العسلى مائله إلى اللون الأصفر تتشابه عيونها بعيون القطط ، فهى تتمتع بعيون واسعه وأهداب طويله ، أكثر ما يميزها هو وجهها الضحوك البشوش ، فهى دائمه الإبتسام ..وذلك بالطبع سبب محبه الجميع لها لرقتها المتناهيه وبشاشه وجهها .....
توفت والدتها وهى فى العاشرة من عمرها ، ولأنها تشبه والدتها إلى حد كبير كانت مقربه جداً لوالدها ، فكان يدللها كثيراً لشده حبه لها ولوالدتها مما أثار غيرة أخيها "حسن" وحقده على أخته التى تتلقى الكثير من الحب والإهتمام والدلال على عكسه تماماً ....
بعد أربع سنوات من وفاه والدتها توفى والدها أيضاً ، بهذا الوقت كان عمر "نسمه" لا يتجاوز الرابعه عشر عاماً بينما كان حسن يكبرها بكثير فعمرة كان يقارب الخامسه والعشرين ....ولهذا أصبح "حسن" بما أنه الأخ الأكبر هو الوصى عليها وعلى ميراثها فهو ما تبقى من عائلتها لها ، كما أدار جميع أمور شركه والدهم بمفرده ...
تزوج أخيها من "حنان" و أنجب منها ثلاثه أطفال "عمرو" 4 سنوات .. و"حبيبه" و"فرح" توأمان عمرهما سنتان .
د
لفت "نسمه" بعجاله إلى المرحاض توضت وصلت الضحى وتوجهت نحو المطبخ تستعد لتتلقى قائمه الأوامر اليوميه من "حنان" زوجه أخيها .......والتى كانت بدورها تتفنن بتحضير تلك القائمه المجهزة يومياً لتكيد بـ"نسمه" التى لا تحبها على الإطلاق ...
_ يلا ... إغسلى كل الأطباق إللى فى الحوض دى وحضرى الفطار عقبال ما أروح أصحى أخوكى .... وعلى الله آجى ملاقيش فطار زى ما عملتى إمبارح .... !!!
نسمه : حاضر ....
تركتها "حنان" متجهه لإيقاظ إبنها "عمرو" للإستعداد للذهاب إلى المدرسه بأول يوم دراسى من هذا العام .....
أخذت "نسمه" تسرع بغسل الأطباق وتحضير طعام الإفطار قبل مجئ "حسن" فهى تخشى غضبه حينما تتأخر بشيئاً ما لتحدث نفسها بخوف متعجبه من تلك الأطباق التى أمامها...
_ أنا بس نفسى أفهم كل الأطباق دى جت منين أنا غسلت كل الأطباق الباقيه إمبارح قبل ما أنام !!! ..
بتجيب بس كل الأطباق دى كل يوم منين ؟!!! .... اوووووف ...!!
حضرت "نسمه" الإفطار ووضعته على المنضده الصغيرة لتستمع لصوت آتى من خلفها لطالما كرهت هذه النبرة الآمرة المتحكمه الغاضبه منها دوماً ......
_ حضرتى كل حاجه ...؟؟!!
_ أيوة يا "حسن" ...
_ طب روحى إعمليلى الشاى ...
كانت ملامح "حسن" مختلفة تماماً عن "نسمه" ، فكان ممتلئ الجسم نوعاً ما قمحى البشرة ذوت صوت غليظ ، يتفنن فى معاملتها بقسوة وجفاء ...
عادت "نسمه" إلى المطبخ لتصنع الشاى كما طلب منها "حسن" حتى انتهت ووضعته بأكوابه الزجاجيه الخاصه لتحمل تلك الصينيه خارجه من المطبخ ...
قبل أن تصل إليهم أخذت نفساً عميقاً وزفرته ببطء إستعداداً لحديثها مع "حسن" وعليها تحمل غلظته وقسوته ...
وضعت الصينيه أمام أخيها وهى تبتسم برقه تحث نفسها بالتحلى بالقوة لمحادثته فيما تحضر له منذ عده أيام ....
باغتها "حسن" متطلعاً بسكونها المستفز مردفاً بغلظه ...
_ فيه إيه ... ؟؟؟ مالك متسمرة قدامى كده .... ؟؟ عايزة إيه على الصبح ....؟
تلعثمت "نسمه" بشده مردفه بتوتر ...
_ لا .... بس ... اااا ....
ليصرخ بها "حسن" بعدم تحمل ...
_ ما تنطقى ..!!!
قفزت "نسمه" من مكانها مع صرخه أخيها المفزعه ...
_ أصل النهارده ... أول يوم فى الدراسه .. و ....و ....
ألقى "حسن" الخبز بعنف فوق المنضده ليردف بضيق بالغ ...
_ أيوه... وبعدين .... ؟؟؟ هو مش إحنا إتكلمنا فى الموضوع ده وخلاص خلصنا منه ولا إيه ...!!
_ بس يا "حسن" ...السنه دى آخر سنه ليا فى الجامعه و .....
لم يطيق "حسن" صبراً لأكثر من ذلك ليهتف بعصبيه مفرطه يقاطع حديثها ...
_ أنتى عايزة إيه دلوقتى؟!!! ...كل يوم تعيدى وتزيدى فى نفس الموضوع !!! ... أنا خلاص قلت رأيي وإنتهينا خلاص ...
_ بالله عليك يا "حسن" ...دى آخر سنه ليا وعايز أكمل دراستى .... أوعدك مش حكلفك جنيه واحد ... حصرف على نفسى ومش حكلفك حاجه ... بس ورحمه بابا سيبنى أكمل ....
تفكر "حسن" لبعض الوقت قبل أن يردف بتجهم محذراً "نسمه" ...
_ ماشى ... بس خلى فى علمك دى آخر مرة حنفذ لك طلب .... وأنتى المسؤوله عن نفسك متطلبيش منى أى طلب نهااااائى ... مفهوم ....!!!!!
إتسعت إبتسامتها بفرحه عارمه كادت تقفز فرحاً لها مردده بسعاده ...
_ مفهوم ... شكراً يا "حسن" .... شكراً ....
أسرعت "نسمه" نحو غرفتها بعجاله شديده تبدل ملابسها قبل أن تذهب إلى الجامعه فهذا المكان الوحيد الذى تحبه وتشعر فيه بالسعاده والراحه ....
وقفت "حنان" عاقده ذراعيها بغضب وهى تهز من جسدها بغيظ شديد تنهر زوجها عما فعله مع تلك البغيضه منذ قليل ...
_ غلطان يا "حسن" !!!! ...ما كنت تخليها قاعده ... هى حتعمل إيه يعنى بالشهاده ....؟!!!
_ خليها تغور !! ...أهى من ناحيه مش حتغرمنى حاجه وحتهلك نفسها فى الشغل أو أى حاجه حتعملها عشان تجيب مصاريف كليتها ... ومن الناحيه التانيه تغور من وشى بدل ما هى قاعده لنا ليل ونهار كده ... وأنا أساساً مبطقش أشوفها ...
_ على رأيك ... أنا أساساً كل ما أشوفها بتعصبنى وبيركبنى خمسميه عفريت ...!!
زفر "حسن" بضيق من تحمل "نسمه" طوال تلك السنوات ليردف بتملل ..
_ امتى اليوم إللى أخلص فيه من وشها الفقرى ده !!! ...ها خلاص يا "حنان" جهزتى "عمرو" ..؟؟
_ اه خلاص .. أهو لبس اليونيفورم و أخد السندويتشات ... وصله أنت فى طريقك بقى ...
_ يلا بينا ...
أمسك "حسن" بيد ولده "عمرو" خارجاً من المنزل ليمر بمدرسه ولده أولاً قبل ذهابه لمتابعه عمله بشركته فى حين وقفت "حنان" تقضم شفاهها بغيظ شديد فحتى لو أن زوجها معه حق إلا أن تلك الفتاه فازت بالنهايه وإستطاعت الحصول على ما كانت تبغاه وستذهب لجامعتها ...
لتغمم "حنان" بحقد شديد ...
_ ماشى يا ست "نسمه" .... فاكره إن التعليم حيفيدك قال !!! ...مينفعش تاخدى كل حاجه مش كفايه عليكى شكلك الحلو كمااان عايزة شهاده عاليه !!! ....مينفعش أخليكى تاخدى كل حاجه ...مش حنولهالك لا .... مسيرك تقعى تحت إيدى .... أنتى مش أحسن منى فى حاجه!!! .. لما كمان تاخدى شهاده عاليه وأنا لأ ....!!!!
رواية عشقت خيانتها الفصل الثاني 2 - بقلم قوت القلوب
غرفه نسمه ....
لم تصدق "نسمه" نفسها بعد موافقه "حسن" على إستكمال دراستها وعودتها لجامعتها مرة أخرى.
إرتدت ملابسها وحملت حقيبتها، لكن قبل خروجها من الغرفه نظرت نحو صورة والديها تحدث والدتها وتشكى إليها كما لو كانت معها تحدثها حقاً.
"أخيرًا يا ماما "حسن" رضى أكمل دراستى ... بعد طبعاً ما "حنان" كانت أقنعته أنى كفايه عليا كده !!! .... أنا مش مصدقه نفسى .... وحشتيني أوي يا ماما .. كان نفسي تبقى هنا وتدافعي عني ... "حسن" بيظلمني جامد أوي ومش عارفه ليه ؟؟! .... بس المهم دلوقتي أروح الجامعة وسط أصحابي اللي وحشوني ... وأخلص دراستي وأخد شهادتي بقى .... وساعتها هشتغل وأخلص من تحكم "حسن" و"حنان" فيا ..... بس لحد ما ييجي الوقت ده مش لازم حد يحس بأني عندي المشاكل دي .... أنا دايماً قوية ... مينفعش أحس منهم بالكسرة أو الشفقة عليا ... بنتك قوية يا ماما .. وحفضل قوية زيك ....
خرجت من المنزل متجهه لجامعتها سيراً على الأقدام، فجامعتها قريبة إلى حد ما ولا داعي لاستقلال أي وسيلة للمواصلات للوصول إليها.
كانت تتلهف لمقابلة أصدقائها، فجميعهم تعرفت عليهم خلال الثلاث سنوات الماضية لدراستها بالجامعة ما عدا صديقتها المقربة "أحلام" فهي صديقتها منذ المرحلة الثانوية.
كانت تتعمد دوماً ألا تخبرهم بمشاكلها مع أخيها وزوجته، فهي لا ترضى بشعور الشفقة بديلاً عن الصداقة والمحبة النابعة من القلب، كما أنها ليست كثيرة الشكوى وتفضل الكتمان عن الثرثرة الفارغة التي لن تفيدها بشيء.
الجامعه ...
بعد غياب لشهور طويلة لم تلتقي أحداهن، اقتربت منهن "نسمه" بإشتياق كبير.
رسمت على وجهها ابتسامتها العذبة لتقبل على صديقاتها بوجه بشوش كعادتها دوماً، ذلك القناع الجميل الذي يوارى خلفه كل ما يدور بحياتها بعيداً عنهن، قناع يخفي حزنها الدائم ووحدتها المقيته.
قناع يخفي ما تتعرض له حتى عن "أحلام" أقربهن إليها، حيث تركت لهم الظاهر فقط بأنها فتاة رقيقة جميلة ضاحكة الوجه لا تبالي ولا تشعر بأي مشكلات أو هموم بحياتها.
الكافيتريا ....
هتفت "نسمه" بإشتياق.
"وحشتوني أوي يا بنات ..."
وقفن جميعاً يحتضنون "نسمه" واحدة تلو الأخرى.
بسعادة حقيقية اقتربت منها "دنيا"، تلك الفتاة الرومانسية الحالمه التي تنظر إلى الدنيا من منظور وردي للغاية.
فتاة وحيدة والديها مدللة للغاية، تحمل وجه طفولي بريء وملامح مشرقة سعيدة بابتسامة عذبة.
تعشق الاهتمام وتدقيق التفاصيل، لهذا لديها حب وشغف غير معقول بصحتها والعناية ببشرتها وتألقها، دوماً تهتم بعناية بشرتها وشراء العديد من مستحضرات التجميل.
عقبت "دنيا" على تأخير "نسمه" مردفة بضحكة صافية.
"نسمه" ...!!! إيه التأخير ده كله ..؟!! .. إحنا افتكرنا إنك مش جايه ....؟!!
أجابتها نسمه بدبلوماسية محاولة منها لإخفاء السبب الحقيقي بداخلها.
"وأنا أقدر برضه ... بس هو أول يوم دراسة بيبقى فيه لخبطة عندنا في البيت ... أنتوا عارفين بقى الأولاد الصغيرين ولاد أخويا ودوشتهم الصبح ..."
فتحت "أحلام" ذراعيها واعتلت ثغرها ابتسامة واسعة برؤيتها لصديقتها الحميمة.
"المهم إنك جيتى ...."
"أحلام" ... فتاة نحيلة نوعا ما ذات بشرة حنطية وعيون سوداء واسعة، قوية الشخصية وتعتبر نفسها قائدة تلك الصحبه مسيطرة دوماً عليهن جميعاً، دوماً قراراتها صائبة وتنبههم على الدوام للصواب بحياتهن حتى لا يقعن بأي خطأ.
تعمل كمصححة لتصرفاتهن بكل خطوة يخطونها.
"استكملت "أحلام" حديثها الموجه لـ"نسمه" التى حضرت للتو.
"كنا لسه بنتفق كلنا على حاجة .. بس قوليلى الأول .. أنتى وراكى حاجة النهارده ...؟؟؟"
باستغراب بالغ تساءلت "نسمه".
"حاجة ..حاجة إيه .... ؟؟ لا معنديش حاجة ... بتسألي ليه ...؟؟؟"
حركت "أحلام" كتفيها برفعهما ثم أهدلتهما مرة أخرى قائلة.
"أبداً قلنا بما إننا طول الإجازة مشفناش بعض ... ممكن نخرج سوا النهارده ونقضي بقية اليوم مع بعض .. أصل أنتوا وحشتوني أوي .. وعايزين نرغي كتير مع بعض ..."
على الفور كانت إجابة "سحر" تسبقهن جميعاً.
"يا ريت ..."
"سحر" ... رفيقتهن الرابعة، فتاة مميزة للغاية سمراء جذابة، تتحلى بقوة وشجاعة استطاع والدها زرعها بها وبأختها الصغرى "سمر".
طالما كانت "سحر" واضحة محددة لأهدافها وتحقيق ذاتها، غير عابئة بكل المغريات لفتاة بسيطة بعمرها، فصبت كل اهتمامها بدراستها والتفوق بها أولاً ولا شيء آخر سيحيدها عن طريقها.
لها طريقتها المميزة والساخرة من الأمور كافة ولا تقبل التهاون ولا فرض الرأي مطلقاً.
زاغت عينا "نسمه" بارتباك شديد، فهي لن تستطيع قضاء الوقت معهم فعليها العودة مباشرة بعد الجامعة لتردف برفض مغلف بابتسامة.
"معلش أعذروني أنا .. مقدرش أتأخر .. أنتوا عارفين أخويا بيرفض خالص إني أتأخر بره البيت بعد معاد الجامعة ..."
كتفت "أحلام" ذراعيها مردفة بضيق.
"طب والحل ؟!! .. بجد عايزين نقعد سوا ونعرف أخبار بعض ... طيب أقولك حاجة !! ... إحنا ممكن نيجي نقضي اليوم عندك في البيت طالما أخوكي مش عايزك تخرجي بره البيت .... إيه رأيك ...؟؟"
هوى قلبها بتخوف، فأخيها وزوجته لن يرحبا أبداً بهن وسيظهروا وجههم القبيح لهن وستخجل للغاية إذا حدث ذلك، فهم لا يطيقونها فكيف سيرحبون بضيوفها لتجيب بتلعثم.
"اا.... طبعاً ..اا .. تشرفوني ... بس للأسف .... أنا هنزل مع مرات أخويا النهارده رايحين للدكتور ..."
تعجبت "أحلام" من حديث "نسمه" لتردف بعدم فهم.
"أنتي مش كنتي بتقولي إنك مفيش وراكي حاجة النهارده ...؟!!!!!!"
"أصلي نسيت موضوع الدكتور ده خالص .. معلش بقى نعوضها مرة تانية إن شاء الله ..."
"على راحتك ..."
حزنت "نسمه" كثيراً لكذبها على صديقاتها، لكنها لم تجد مبرر مقنع لرفضها لزيارتهم لها، فما ستقول لهم؟!! أن أخيها وزوجته بالكاد يستقبلانها بالبيت، فكيف عندما يأتين لزيارتها .. ؟!! لن يقبل "حسن" وزوجته هذا إطلاقاً.
فى مكان آخر من الجامعه .....
وقف "وائل" أمام بناية من أربعة طوابق بالجامعة يرتدي كنزة زرقاء تعكس ملامحه الهادئة.
شاب قمحى طويل القامة ذو وجه محدب بسيط للغاية، ذو شخصية ضعيفة غير قادر على اتخاذ القرار بمفرده، لا يحبذ الظهور مطلقاً لكنه بالنهاية طيب القلب هادئ الطباع.
وقف مهللاً بسعادة طاغية مرحباً بقدوم صديقه الذي افتقده لسنوات طويلة.
"عمر باشاااااا ... نورت الدنيا يا أخي ... واحشني يا جدع ..."
أقبل "عمر" تجاه "وائل" وقد اتسعت ابتسامته لترحيب "وائل" الحار به حتى ظهرت غمازتيه القويتين اللاتي أكسبته طلة مميزة للغاية لتألق بشرته القمحية بوسامة جعلته يشعر بالفخر وربما بالغرور لما يدركه تماماً من جاذبيته التي لا تقاوم.
أردف "عمر" بسعادة لرؤية "وائل" بعد هذا الغياب الطويل.
"أنت اللي واحشني جدااا ... ياااه ..حاسس إني بقالي كتير أوي بعيد ..."
زفر "وائل" لطول الفترة التي غابها "عمر" عنه، فله سنوات يدرس بعيداً بجامعة المنيا.
"المهم إنك حولت .... وأخيراً هنبقى سوا من تاني ..."
"اه والله .. طمني عنك وعن أخبارك ....؟!!"
"لا .. مش قبل ما أعرف كل أخبارك الأول ....؟؟"
رفع "عمر" ذراعيه يمدهما جانبه بثقة.
"زي ما أنت شايف أهو ... زي ما أنا ..."
عقب "وائل" بإطراء شديد يقصده حقاً لشدة حبه لصديقه المميز.
"باشا طول عمرك ..."
التف "عمر" يتطلع إلى أرجاء الجامعة من حوله بإعجاب شديد.
"بس جميلة الكلية هنا ... مختلفة شوية عن جامعة المنيا ...!!"
"أكيد .. إلا قولي أنت ساكن فين ... ؟؟؟"
"أخدت شقة إيجار فترة الدراسة .. أنا ماليش في سكن الطلبة ده ..."
ضرب "وائل" كفه بذراع "عمر" مؤكداً حديثه، فـ "عمر" ليس من هؤلاء الطلبة راغبي السكن بالمدن الجامعية، فهو ثري للغاية ولا يرضى بغير مستوى سكنى مميز يليق به.
"إنت هتقولي !!!! ... بعدين هي سنة وتعدي وناخد الشهادة وخلاص ..."
"فعلاً .. لولا تعب جدي انت عارف مكنتش جيت القاهرة خالص ..."
"المهم إن انت جيت وأخيراً بقينا مع بعض من تاني ....."
نظر "وائل" في ساعته مستطرداً بجدية تامة.
"المحاضرة هتبدأ .. يلا أحسن نتأخر ..."
"ماشي .. يلا بينا ..."
توجه جميع طلاب الفرقة الرابعة نحو مدرج "د".
استمعوا جميعاً للمحاضرة بحماس كما هو الحال بأول يوم دراسي.
بعد إنتهاء المحاضرة ....
خرج جميع الطلاب من المدرج منقسمين إلى مجموعات كعادتهم.
توجه أحد الشباب نحو مجموعة الفتيات محاولاً بدء حديث معهن خاصة "نسمه" التي أراد التودد إليها بصفة خاصة.
"حمد الله على السلامه ... عاش من شافكم ..."
زمت "سحر" شفتيها باستياء وهي تتفوه بنبرة متمللة لم تخجل من إحراج هذا المتطفل مرة أخرى.
"أنت تاني !!!! ... ما قولنا لك قبل كده حل عنا ... ولا هي سيرة كل سنة ..؟؟!!!!"
نحى وجهه عن "سحر" ناظراً نحو "نسمه".
"أنا موجهتلكيش كلام ... أنا بكلم الآنسة .."
بضيق شديد ردت "نسمه" عليه، كاد صوتها أن يحتد بشكل كبير مردفة.
"لو سمحت قلت لحضرتك قبل كده تبعد عننا وشوف لك حد تاني أحسن ..."
"ليه بس كدا !!!! .. ده أنااا ...... "
لم تنتظر "نسمه" توضيح مقصده لتهتف بضيق وهي تنظر تجاه صديقاتها.
"معلش يا بنات .. أنا ماشية سلام ...."
اتجهت "نسمه" إلى خارج الجامعة على الفور لتهتف "دنيا" ببقيتهم.
"يلا بينا يا بنات إحنا كمان ... اتأخرنا ..."
سارت الفتيات برفقة بعضهن البعض إلى خارج الجامعة يقضين بقية اليوم سوياً.
عمر و وائل ....
لم تكن تلك المشادة بعيداً عنهما ليتابعا رد فعل "نسمه" المبالغ فيه تجاه زميلهم ليتابع "عمر" تعقيبه باستياء من رد فعلها قائلاً.
"مالها دي ... ؟؟؟ هو عمل إيه يعني ... ؟؟ بيتكلم معاها عادي !!! .. مأجرمش يعني ...!!!!"
بتقزز بالغ أجاب "وائل" على صديقه "عمر" ليجذب بحديثه انتباهه بشدة.
"دي !!! ... مش عارف أقولك إيه ؟؟؟. ... أنا السنة اللي فاتت كنت حموت و أكلمها ... كنت متعلق بيها جداً .. بس ....!!!"
بفضول شديد استكمل "عمر" حديثه.
"بس إيه ...؟؟ أنت حاولت تكلمها بجد ...؟؟"
"حاولت مرة .. أينعم المرة دي صدتني برضه ... زي الأخ "زياد" كده .... بس بعد كده عرفت حاجات خلتني أبعد وما أحاولش أكلمها تاني ..."
"حاجات إيه ...؟؟!!!"
"عرفت إنها بتعمل منظر بس كده على الناس هنا ووسط أصحابها ... إنما هي تعرف شباب كتير جداً .... منهم "أحمد" و "هيثم" و "ماجد" !!!! ... إللي يصدمك بقى .. إنها تعرف أكتر من واحد في نفس الوقت ...!!!"
اتسعت عينا "عمر" بصدمة وهي يتعجب بنفور من شخصية تلك الفتاة السيئة.
"يااااااااه !!! ده إيه دي ؟!! ... هو فيه كده .. ؟!! يعني مش واحد وبعدها غيره ... ده إيه الجبروت ده ...!!!"
"زي ما بقولك كده ... عشان كده بعدت عنها ... أنا ماليش في الكلام ده ... هي كانت عجباني اه ... وكنت ناوي أكلم أهلي ونتقدم لها ... بس بعد إللي عرفته ... أكيد لأ طبعاً متنفعنيش ...."
قوس "عمر" شفتيه باستياء مردفاً.
"لا تنفعك .. ولا تنفع غيرك ... بس تعرف ... واحدة زي دي لازم تتعلم الأدب ..... مع إن شكلها ما يدلش على كده ...!!!!!"
"فعلاً معاك حق ... شكلها بريء كده .. عشان كده بيتخموا فيها ...."
"مش بقولك عايزة تتعلم الأدب من أول و جديد ...."
تمعن "وائل" بصديقه باستغراب قبل أن يستفهم منه عن مقصده.
"قصدك إيه ...؟!! هتعمل إيه يعني ...؟؟"
"مش عارف ... بس هلاق فكرة أكيد ..."
بالطريق ....
تأبطت "أحلام" ذراع "دنيا" وهي تميل على أذنها قائلة.
"أنا مش فاهمه هو فيه إيه ؟!! ... هو كل يوم واحد ناطط لنا كده عايز يتكلم مع "نسمه" ...؟!!!"
"المشكلة أنهم مش فاهمين أنها مالهاش فيها خالص ..."
أردفت "سحر" تؤكد حديث "دنيا".
"اه والله .... البت دي مش لايقة على الجامعة .... تحسيها لسه طفلة بريئة كده ..."
نفت "أحلام" حديث "سحر" موضحة لهن.
"طفلة إيه بس !!! .. مش للدرجة دي ... هي بس مترفهة ومدلعة ومش عايزة تتكلم مع حد .. تلاقيها مستقلياهم ماهم صحيح مش من مستواها ...!!!"
نهرت "دنيا" صديقتها قائلة برومانسيتها الحالمه.
"لا يا "أحلام" ... عمرنا ما حسينا منها كده ..."
رفعت "أحلام" كتفيها وأهدلتهما بدون فهم.
"يمكن !!! ... المهم قررتوا تروحوا فين ...؟؟؟ ولا أقولكم تعالوا عندي أحسن ..."
رواية عشقت خيانتها الفصل الثالث 3 - بقلم قوت القلوب
اتخذت نسمة طريق عودتها المعتاد سيراً على الأقدام. منزلها لا يبعد كثيراً عن الجامعة، وربما هذا ساعدها بشكل كبير على استمرارها. فلولا قربها من الجامعة لما استطاعت الذهاب إليها طوال الثلاث سنوات الماضية، فأخوها لا يغدق عليها بالأموال، فهو شحيح جداً معها، يعطيها النقود بين الحين والآخر على مضض.
قبل أن تصل للمنزل مرت بإحدى المكتبات القريبة، مكتبة عم متولي، فقد كان دوماً هذا الرجل كريماً معها على الدوام حباً بوالدها رحمه الله.
أطلت نسمة بوجهها المشرق تنظر إلى داخل المكتبة قبل أن تلقي السلام بمحبة على هذا المسن.
"السلام عليكم. إزيك يا عم متولي؟"
تفاجأ الرجل بمجيء نسمة ليهتف بترحيب حار وهو ينهض من مقعده البلاستيكي.
"نسمة! فينك يا بنتي بقالي كتير أوي مشفتكيش. إيه نسيتي عمك متولي؟"
تقدمت نسمة بابتسامتها المحببة تمازح عم متولي.
"أنت عارف بقى يا عم متولي الإجازة مش بخرج فيها تقريباً من البيت. إيه يا راجل يا عجوز. وحشتك؟"
"وحشتيني يا بنتي والله. الله يرحم أبوكي كان يوماتي عندي هنا."
عقدت نسمة ذراعيها أمام صدرها مردفة بذكاء.
"طب إيه رأيك أفكرك بيه وأبقى يوماتي معاك هنا؟"
"يا ريت يا بنتي. بس ازااااي؟"
اعتدلت نسمة وهي تستكمل بنبرة أقرب للترجي، فهي لا تستطيع الوصول لحل آخر.
"مش أنت مش كنت بتدور على حد يقف في المكتبة بعد الضهر بدل البنت اللي اتجوزت دي؟"
"آه. ودورت كتير مش لاقي. كل البنات عايزة تيجي الصبح وتمشي بعد الضهر. وأنتي عارفة أنا مبقدرش أقعد متأخر كده."
"خلاص. أنا آجي أشتغل معاك بعد الكلية. لأن الصبح مش مناسب ليا. وأدينى أنسك وتشوفني كل يوم."
أومأ عم متولي رأسه بفراسة تناسب خبرته الطويلة بالدنيا وتجاربها.
"هو حسن لسه بيعمل عمايله دي معاكي؟"
"لا عمايل ولا حاجة يا عم متولي."
"يا بنتي أنا عارف كل حاجة. ربنا يهديه. ماشي يا بنتي خلاص اتفقنا."
بسعادة بالغة أردفت نسمة، فقد يسر لها عم متولي كل شيء بموافقته تلك.
"طيب يا عم متولي أنا حروح البيت دلوقتي. ساعة كده أكون بلغتهم إني حاجي أشتغل هنا وأرجعلك أبدأ الشغل معاك."
"ماشي يا بنتي مستنيكي."
أسرعت نسمة بخطواتها متجهة إلى البيت لتنهي بقية الأعمال التي تركتها لها حنان، فتلك عادتها ولن تخفف عنها أحمالها بل تزيدها بتعمد دوماً.
رتبت أثاث المنزل وغسلت بقية الأطباق والأواني أولاً قبل تبديل ملابسها مرة أخرى لتعود إلى مكتبة عم متولي لتبدأ أول يوم عمل لها هناك.
كان عملها بتلك المكتبة أنسب عمل يتاح لها لقربه من منزلها أولاً، كذلك تستطيع تمضية بعض الوقت بذاكرة محاضراتها خلال عملها بالمكتبة.
***
لم يشأ وائل ترك عمر بأول يوم يجمعهما بعد ذلك الغياب الطويل ليقضيا بعض الوقت يتسامرون أثناء وجودهم بذلك المقهى.
صمت عمر متفكراً للكثير من الوقت حين قطع وائل ذلك الصمت الطويل بسؤاله.
"إيه يا عمر؟ من ساعة ما قعدنا مقلتش ولا كلمة؟"
"لا أبداً."
"هو أنا مش عارفك؟ بتفكر في إيه؟ أنا بخاف من تفكيرك لما تطول كده."
أسند عمر جزعه إلى المقعد بارتياح لتعلو علامات تفكير جدية على محياه مردفاً بتفكر.
"ولا تخاف ولا حاجة. البنت دي اللي أنت حكيت لي عليها. مش عارف أبطل تفكير في اللي هي بتعمله. لازم حد يوقفها عند حدها."
تعجب وائل من إصرار عمر على إشغال تفكيره بنسمة، فقد تناسى الأمر كلياً بعد خروجه مباشرة من الجامعة وظن أن عمر أيضاً تغاضى عن الأمر.
"ماله الموضوع ده مأثر فيك كده ليه؟ سيبك منها."
"أنا عارف الأشكال دي كويس. قابلتهم كتير. واللي زي دي لازم تتعلم درس يفهمها الصح. وأنا بقى اللي حعلمهولها."
بهدوء طبعه تخوف وائل من تفكير عمر الجريء دوماً ليهتف بتحذير.
"بلاش يا عمر. متشغلش دماغك بيها."
"متقلقش كده. دي حاجة بسيطة كده على الماشي."
"يعني أنت ناوي تعمل إيه؟"
زم عمر شفتيه لتلمع عيناه ببريق تحدٍ وهو يداعب ذقنه مردفاً.
"أنا بقى حعرف أوقعها. حرسّم عليها الدور. دور العاشق الولهان ده. ولما أطمن إنها صدقتني فعلاً. حخليها تندم على اللي هي بتعمله في الناس."
نهر وائل عمر بتخوف من التلاعب بالفتاة بتلك الصورة.
"أنت ناوى على إيه؟ عمر؟ معرفش إن أنت بالاخلاق دي؟"
لوح عمر بكفه صوب وائل يطمئنه.
"يا بني متخافش. أنا بس ححسسها نفس الإحساس لما بتلعب بقلب أصحابنا وتسيبهم بعد ما يتعلقوا بيها. بس كده. أنت فاكر إيه؟"
"أيوه كده. أنا افتكرتك حتأذيها."
"لا متخافش عليا. أنا عمري ما أأذي بنت أبداً. بس هي اللي ابتديت."
***
حل الليل سريعاً.
لملمت نسمة أدواتها واستعدت لإغلاق المكتبة لتعود إلى منزلها. كان ذلك يسيراً جداً لقرب المكتبة من المنزل، لكن ما لم يكن يسيراً عليها بعد إرهاق يوم طويل هو ذلك الجدال اليومي الذي تتلاقيها به حنان زوجة أخيها.
وقفت حنان بتذمر وهي تتوسط خصرها بيديها.
"أهلاً أهلاً يا ست البنات!!! ما هو ده الفندق اللي اشتروه أهلك!!!!!!!!"
كعادة حسن بفرصة سانحة لتكدير صفو نسمة استكمل مع زوجته بقية الجدال المتذمر.
"إيه اللي آخرك ده كله؟ هه؟ بصي لي هنا وأنا بكلمك!!!"
رفعت نسمة وجهها نحوهم بانكسار وحزن بالغ.
"كنت في الشغل. ما أنا قلت لـ حنان إني ااا...."
لكن على ما يبدو لم تكن تلك الإجابة المنتظرة منها ليستكمل تذمره منها وتتملص من عقاب أعده لها مسبقاً دون الاهتمام بـ أين كانت حقاً ليقاطع حديثها بصفعة قوية هوت فوق وجنتها لتشتعل احمراراً تبعتها دمعة ساخنة وإحساس بالقهر لتنكس وجهها بصمت متألم.
"هو مفيش أي احترام نهائي!!!! ولا حتى كلمة أبله. هي حنان دي قدك ولا بتلعب معاكي؟"
لم يكن عقابها خوفاً عليها أو ما شابه لكنه كان بسبب حنان. اتسعت عيناها بدهشة لتردف باستغراب بالغ.
"أبله. أنا بيني وبينها أربع سنين بس؟"
"ردي ردي. ما هي دي التربية اللي كانوا فرحانين بيها!!!!!!!!"
أشارت حنان بكفها وهي تثنيه وتعيد فتحه تلوح به بتقزز.
"تربية!!!!! تربية إيه يا حسن؟!!!!!! أدى آخرة دلع عمي فيها.!!!! الله يرحمه بقى."
"آه. الله يرحمه هو راح وساب لي المصايب كلها على دماغي!!! إدخلي يلا غورى من وشي."
قلبت نسمة نظراتها بينهما لتهرع مباشرة نحو غرفتها وهي تغلق بابها بإحكام وقد انتفض جسدها بشدة لكتمانها شهقاتها القوية عنهما.
ألقت كتبها بعشوائية فوق المكتب وارتمت على السرير لتخفي وجهها في وسادتها تستكمل نحيبها المكتوم حتى غلبها النعاس ليبدأ حلمها الذي تراه يومياً برؤيتها لوالدتها تدنو إليها فتتعلق بها بشدة تترجاها لأن تصطحبها معها لكن أمها ترفض تاركة إياها لأخيها حسن.
***
في الصباح.
استفاقت نسمة قبل الجميع حتى لا تستمع لنفس محاضرة حنان عن التأخر بالنوم وتكاسلها بأعمال المنزل. توجهت إلى المرحاض أولاً قبل أن تعود لغرفتها مرة أخرى تنهي صلاتها وتتجه إلى المطبخ على الفور.
دلفت إلى المطبخ وقد علت وجهها علامات الاندهاش لتهمس باستغراب.
"ياااااه. كل دي أطباق؟"
كعادتها دوماً كانت حنان تقف بباب المطبخ دون إصدار صوت كما لو أنها تتعمد السير بتسلل على الرغم من وزنها الثقيل.
تململت حنان وهي تتطلع نحو نسمة بنظرات حقودة للغاية.
"آه يا هانم. ما حضرتك قفلتي على نفسك. وعملتي نفسك زعلانة عشان متغسليهمش."
"لا خالص. أنا كنت زعلانة بجد. معملتش كده عشان أهرب من غسيلهم."
لوحت حنان بذراعها بضيق.
"أنتي حتقعدي تتفلسفي!!! يلا مفيش وقت اغسليهم بسرعة وحضري الفطار. أنتي فاكراني حيدخل عليا الشويتين بتوعك دول. ده أنتي تحمدي ربنا إنك ليكي أهل بيقلقوا عليكي لما بتتأخري. ومن الأساس تحمدي ربنا إنك ليكي حد أصلاً بعد ما أبوكي وأمك ماتوا."
بتهكم شديد ونبرة مستغربة لما تتفوه به حنان عقبت نسمة.
"أنتي بتقولي إيه؟ هو مش حسن ده برضه أخويا ولا أنا بيتهيألي؟"
اعتدلت حنان من وقفتها المائلة بباب المطبخ لتنذرها بتهديد.
"أنتي بتردي وتبجحي تاني أهو. عشان بقى متزعليش لما أقوله."
"لا خلاص بالله عليكي خلاص أنا حسكت خالص أهو."
"أيوه أحسن برضه."
***
ألتفت الفتيات حول نسمة التي وصلت للتو بعد تأخر كبير لتسألها سحر بالبداية.
"إيه يا بنتي التاخير ده كله؟ ده أنتي حتى ساكنة قريبة من الكلية. أمال لو بتركبي مواصلات زينا كنتي جيتي امتى؟"
"أصلي صحيت متأخر شوية وملحقتش."
"ماشي يا ستي. ليكي حق تدلعى علينا."
أجابتها نسمة بضحكة ساخرة.
"اتدلع!!! والله ضحكتيني."
لتقترب أحلام من نسمة غامزة بعينيها وقد علت ثغرها ابتسامة شقية.
"وليه لأ يعني!!! مين قدك. الكلية كلها من الصبح بتسأل عليكي."
اندهشت نسمة مردفة بتعجب.
"عليا أنا. ليه؟"
أشاحت دنيا بيدها بوجه أحلام قائلة.
"سيبك منها. ده عماد سأل عليكي الصبح تاني."
"يوووه. هو أنا مش حخلص من الوش ده بقى؟"
اعدلت أحلام كنزتها بطريقة مسرحية توحي بالقوة والفخر.
"متخافيش. أنا إديتهاله على دماغه. عشان يحرم."
ضحكت البنات جميعاً ثم اتجهوا نحو المدرج لحضور المحاضرة قبل أن يمر موعدها.
***
بدأت المحاضرة لينتبه الجميع لتلك السيدة التي تدرسهم، بينما أخذ عمر يبحث عن نسمة بعيون قناص بارع فهو قد وضعها بحيز اهتمامه وهذا نادراً ما يحدث ولن يتركها أبداً.
لمحها تجلس بجوار صديقاتها ليبدأ بمراقبتها بانتباه شديد حتى تحين فرصة ملائمة لتنفيذ خطته.
لاحظ كم كانت هادئة إلى حد كبير ممسكة بقلمها تديره بين إصبعيها وهي تنظر إلى كتابها الموضوع أمامها وهي تعيد من وقت لآخر خصلات شعرها إلى الخلف كلما تهاوى إلى الأمام.
لم تتحرك عينا عمر عنها فهو يدرسها عن كثب حتى يستطيع إيقاعها بسهولة في حباله.
استكملت الدكتورة هناء شرحها للمحاضرة حتى انتهت منها ومازالت نسمة شارده لحد بعيد، كأن ذهنها مشغول بشيء آخر بعيد عن المحاضرة، وهذا ما لاحظه عمر بسهولة فهو لم يغفل عنها طوال هذا الوقت ولو لمحة بسيطة.
***
الفتيات.
اقترحت دنيا أن يذهبن إلى إحدى المكتبات خارج الجامعة كما طلبت منهم الدكتورة هناء.
"يلا نروح المكتبة نجيب الورق اللي قالت عليه الدكتورة."
"يلا بينا."
اضطربت نسمة إلى حد كبير فهي لا تملك تلك النقود لشراء تلك الأوراق المطلوبة لترفض نسمة الذهاب معهم قائلة.
"لااا. ااانا... خليني بكرة أجيبه. روحوا أنتوا."
اقتربت أحلام من نسمة تحادثها بهمس خافت.
"ليه؟ فيه حاجة؟"
"لا أبداً أصلي نسيت أجيب المحفظة معايا. وفيها الفلوس. بكرة أجيبهم. عادي يعني."
"يا بنتي عادي. بصي أنا معايا النهارده فلوس بزيادة تعالي نجيب الورق وإبقى اديهملي في أي وقت."
"لا يا أحلام. معلش. خليني أنا بكرة حجيبهم. مفيهاش حاجة."
"أنتي عاملة فرق ليه كده؟ دي حاجة بسيطة وعادية يعني."
"عارفة والله يا أحلام أنتي اختي. وربنا اللي يعلم من يوم ما عرفنا بعض وإحنا أكتر من الأخوات كمان. بس معلش سيبيني على راحتي."
"طيب. اللي تشوفيه."
كانت نسمة تعلم بنية أحلام الصادقة، لكن ما لم تعلمه أحلام أنها تخاف أن يرفض حسن إعطائها المال ووقتها ستخجل كثيراً من أحلام.
خرجت كلاً من دنيا وسحر لإحضار الأوراق من المكتبة، بينما جلست أحلام ونسمة بالكافيتيريا في انتظارهم.
بعد وقت قليل شاركتهم سحر ودنيا جلستهم لبعض الوقت غير مدركين جميعاً العيون التي تراقبهم كعيون الصقر.
رواية عشقت خيانتها الفصل الرابع 4 - بقلم قوت القلوب
الجامعه ...
بينما جلس "عمر" و"وائل" فى الكافيتريا، كان "عمر" يراقب "نسمه" بكل تفاصيلها وحركاتها. بدأ يلاحظ طريقة حديثها الهادئة المبتسمة دائمًا مع صديقاتها، لاحظ سحر ضحكتها الصافية ولاحظ عيونها ذات اللون المميز، فهي بالفعل تشبه عيون القطط. لكن كل هذا لا يؤثر فيه بالمرة، فهي خادعة كاذبة، لن تؤثر عليه بجمالها واصطناعها البراءة.
الفتيات ...
نظرت "سحر" تجاه منضدة ما باهتمام شديد، حين بدأت تسأل باستراب بالغ جعل جميعهن يلتفتن إلى تلك المنضدة ومن يجلس حولها.
"مين ده اللي من ساعة ما قعدنا مش شايل عينه من على "نسمه" ده؟"
أجابت "دنيا" بعدم معرفة:
"مش عارفة... حاسة إني أول مرة أشوفه."
لتُعقب "أحلام" بلا اهتمام:
"تلاقيه وجه جديد متحول عندنا، أنا عمري ما شفته في الدفعة خالص."
رفعت "نسمه" بصرها نحوه بنظرة خاطفة وعادت تنظر إلى صديقاتها مرة أخرى، تنهرهم عن تصرفاتهم الطفولية تلك.
"وبعدين منكم لها... من امتى بتلفت نظرنا الحاجات دي؟"
لتتابع "دنيا" بابتسامة شقية وهي تضرب كتفها بكتف "سحر" مازحة:
"بس الشهادة لله... الجامعة بقى ييجي فيها حاجات حلوة أهي... غير الغفر اللي عندنا."
"آه يا أختي، ومين سمعك... بس ده هياكل "نسمه" بعنيه!"
أزاحت "نسمه" وجهها عنهن بضيق مردفة:
"وبعدين بقى... ما انتوا عارفين مبحبش الكلام ده."
زمت "أحلام" شفتيها وهي ترمق صديقتيها بعتاب بالغ، مشيرة لهما بالتوقف عن المزاح بتلك الصورة.
"بس بقى متضايقوهاش... يعني انتوا شفتوه جه ناحيتها ولا كلمها؟ ما يمكن بيبص على أي حاجة تانية."
"إيه يمكن برضه يا بت يا "سحر"؟ يكونش بيبص عليا أنا؟ يا ريت... حد طايل قمر زي دي يبص له... ولا يتكلم معاه... عارفة يا "نسمه" لو جه واتكلم معاكي زي اللي قبله... أوعي تسيبيه من إيدك... حد يرفص النعمة برضه."
وقفت "نسمه" بتملل من استمرار صديقتيها بهذا المزاح ثقيل الظل، لتحمل حقيبتها الصغيرة وكتبها بيدها، ناهضة من مقعدها بضيق.
"لااا... دي كبرت منكم أوي... أنا ماشية."
أمسكت "أحلام" بمرفق "نسمه" حتى لا تضايق من "سحر" و"دنيا".
"رايحة فين بس!!! أنتي زعلتي من البنت الهبلة دي؟ ما انتي عارفة بتهزر معاكي."
"لأ عادي... أنا بس اتأخرت ولازم أمشي... أشوفكم بكرة... يلا سلام."
تركتهم "نسمه" لتذهب إلى عملها بالمكتبة، فقد حان موعد عملها هناك ولا تريد أن تتأخر، ووجدتها حجة مناسبة لتركهم والذهاب بسرعة.
فور تحرك "نسمه"، استأذن "عمر" من "وائل" ليكمل مراقبته لـ"نسمه" ويسير خلفها لمعرفة بقية المعلومات عنها.
الفتيات ...
لاحظت "دنيا" خروج "عمر" مباشرة خلف "نسمه"، لتؤشر لصديقتها بعينيها نحو "عمر" قائلة برومانسية:
"شفتوا... أهو أول ما "نسمه" قامت قام وراها... عشان تصدقوني."
ضيقت "أحلام" بين حاجبيها باندهاش للحاق "عمر" حقاً بـ"نسمه"، لتهمس بخفوت شديد:
"هو فيه إيه؟ ماله ده؟"
بينما أمالت "سحر" على صديقتها "دنيا" تطلب منها أحد المرطبات التي تحملها دوماً بحقيبة يدها.
"معاكيش هاند كريم يا "دنيا"؟"
"ده سؤال ده... معايا طبعاً."
أخرجت "دنيا" المرطب لـ"سحر" وسط شرود "أحلام" بعيداً عنهم تماماً.
نسمه ...
قطعت الطريق بانتباه شديد لتلك السيارات المزدحمة أمام الجامعة، لتتخذ أحد الشوارع الجانبية طريقاً معتاداً بعودتها يومياً.
وصلت بعد وقت قليل إلى مكتبة عم "متولي"، لتدلف إلى الداخل على مرأى من "عمر" الذي انتظر بناصية الطريق لبعض الوقت.
ألقت "نسمه" التحية على عم "متولي" بود شديد، والذي بادلها تلك التحية مطمئناً على أحوالها أولاً، قبل أن يترك لها المكتبة ويتوجه إلى منزله ليرتاح قليلاً ويتناول غذاءه ودواءه.
ظل "عمر" منتظراً خروج "نسمه" من المكتبة، معتقداً بالبداية أنها ذهبت لشراء شيء ما منها. لكن عندما طال الوقت، قرر أن يدلف إلى المكتبة ليرى ما الذي أخرها كل هذا الوقت، أو ربما تكون قد خرجت بدون أن ينتبه لها.
دلف "عمر" المكتبة ليجدها خالية إلا منها هي فقط، كانت تجلس خلف مكتب واضعة كتبها تقرأ بهم عند دخوله، فأضطر للحديث بأي شيء دون ترتيب حتى لا تشك بأمره.
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام."
"آآآ... لو سمحتي عايز قلم."
"حاضر... شوف حضرتك الأقلام دي... اختار اللي حضرتك تحبه."
قدمت "نسمه" علبة بها العديد من الأنواع المختلفة من الأقلام، ليبدأ "عمر" باختيار أقربهم ليده دون تفكير. أخرج محفظته ليسحب منها إحدى الأوراق النقدية للدفع مقابل ذلك القلم، قبل أن يترك المكتبة منصرفاً نحو شقته.
اتخذ طريق عودته متفكراً بحيرة شديدة.
"معقول!!! يعني هي بتشتغل هنا...؟ معقول ده...؟ ازاي يعني...؟"
سؤال لم يغب عن ذهنه بقية اليوم بصورة ملحة، فتلك الفتاة ليست واضحة بعد بالنسبة إليه.
نسمه ...
بعد انصراف "عمر"، أخذت تسأل نفسها بحيرة شديدة.
"هو صح...؟ أيوه هو ده اللي كان قاعد في الكافيتريا في الكلية... يا ترى إيه اللي جابه هنا؟ صدفة!!!!!... أكيد صدفة... أمال إيه يعني؟... مصيبة لو راح حكى لحد أنه شافني بشتغل هنا!!!"
"بس وإيه يعني... هو أنا بعمل حاجة غلط... أنا بشتغل عادي!!!"
"هو أنا بفكر كتير ليه... ما يمكن جاي صدفة ولا يعرفني ولا حاجة... هكبر الموضوع ليه يعني... خليني في اللي أنا فيه..."
"بس صدقت يا بنت يا "دنيا"... شكله حلو بجد."
"يووووه... إيه اللي أنا بفكر فيه ده بس!!!"
في المساء .....
حل المساء وحان موعد إغلاق المكتبة كحال كل يوم. لملمت "نسمه" أدواتها وأغلقت المكتبة متوجهة نحو البيت كالعادة.
بالطبع كانت تتوقع رؤيتها المسائية لأخيها وزوجته، لتدلف إلى الداخل ملقية السلام أولاً.
"السلام عليكم."
تطلعت بها "حنان" باحتقار شديد، بينما تعامل معها "حسن" بلا مبالاة كمن لا وجود لها من الأساس.
بعدما رمقتها "حنان" بتلك النظرة المشمئزة، أردفت:
"أهلاً... يلا ادخلي غيري هدومك وحضري أكلك في المطبخ وشطبي المطبخ قبل ما تنامي فاهمة... على الله ألاقى حاجة باقية... أهو تساعدي بأي حاجة بدل ما أنتي طول اليوم بره وسيباني أخدم في البيت ده لوحدي."
أجابتها "نسمه" بإنصياع تام:
"حاضر."
كادت أن تتحرك حين أوقفها صوت أخيها "حسن" دون رفع بصره تجاهها.
"استني هنا... متنسيش تلمعي لي الجزمة السوداء عايزها بكرة ضروري."
"حاضر... أي حاجة تانية؟"
أجابتها "حنان" وهي تطالع التلفاز:
"لأ تانية ولا تالتة."
دلفت إلى غرفتها بارهاق شديد لتبدل ملابسها بآلية، متمنية بداخلها لو أنها تستطيع العيش بحرية بعيداً عن هذا السجن الذي تعيش به. هي بالفعل لا تمانع بمساعدتهم، لكنها تتمنى أن يكون هذا بدافع الحب والأخوة بينهم. تريد لو تشعر بمدى حنانهم ورعايتهم لها، فهم أهلها وكل ما لها بالدنيا، لا تعرف سواهم من قريب أو بعيد. لم يكن لديها يوماً أقارب يودونها وتودهم إطلاقاً. لا تعرف بدنياها سوى حسن وزوجته، لهذا عليها تقبل حياتها معهم على أي شاكلة.
أنهت تناول طعامها، ثم قامت بغسل الأطباق والأواني جيداً. نظفت حذاء أخيها ولمعته، وتوجهت فوراً لفراشها تستجدي بعض الراحة وتنال قسطاً من النوم بعد عناء اليوم الشاق.
في الصباح...
كأي صباح اعتادت عليه، بدأ روتينها اليومي وتحضير الإفطار. لتسرع بعد ذلك بارتداء ملابسها في عجالة حتى لا تتأخر مرة أخرى على محاضراتها. وها هي جهزت أخيراً لتذهب إلى الجامعة.
غرفة حسن وحنان ...
أخذ "حسن" بارتداء سترته الرمادية محاولاً أن يظهر بمظهر لائق اليوم، فلديه اجتماع هام ظل يستعد له طوال الشهر الماضي كله. تطلع نحو المرآة برضى عن مظهره الممتلئ، حين بدأت حنان حديثها المتكرر بضيق بالغ.
" "حسن"... بقولك إيه؟ أنا خلاص معدش قادرة أستحمل "نسمه" أكتر من كده!!! هي خلاص مبقتش صغيرة وأنا نفسي بقى آخد راحتي في بيتي."
استدار لها "حسن" بقله حيلة مردفاً:
"يعني هو كان فيه حل تاني وأنا اتأخرت!!!!! ما أديكي شايفة مفيش حد تقعد معاه غيرنا."
تربعت "حنان" فوق الفراش عاقدة ساقيها أسفلها، وهي تضع كفيها بقله صبر فوق ساقيها مردفة بغيظ:
"يا سلام!!!!! وأنا بس اللي أستحملها؟ بتعصبني يا "حسن" مبقدرش أمسك نفسي من برودها ده!!!"
"يا "حنان" لو كان فيه حل تاني أنا أول واحد كنت عملته، بس مفيش أعمل إيه؟"
تفكرت "حنان" لوهلة وهي ترفع حاجبيها بمن توصل لتلك الفكرة بإعجاب من تفكيرها القادر على حل المشكلات.
"طب وأم "ريم"؟ أهي أخت أمها... ونفسها ومنى عينها تاخدها تعيش معاها وبقالها سنين بتتحايل عليك إنها تيجي وتاخدها!!!"
صرخ "حسن" بزوجته بحده معقباً على تفكيرها بتلك المرأة خصوصاً لإرسال "نسمه" إليها:
"مين؟!!!! وأنا اتجننت... يعني بعد ما أستحمل قرفها كل السنين اللي فاتت دي... أسيبها كده تمشي!!!!! أنتي ناسيه ولا إيه إن أبويا الله يرحمه كاتب لها نص الشركة بيع وشراء للهانم قبل ما يموت!!!!! أنا عارف بس عمل فيا كده ليه ودبسني التدبيسة دي."
انتبهت "حنان" لما فعله والد زوجها قبل وفاته، فقد تناسته بالمرة، لتهمس بتخوف:
"آه صحيح!!!! ساعتها ممكن تطالب بيه صح...؟"
"وإيه اللي حيحوشها ساعتها... ما خلاص كبرت وكلها سنة واحدة وممكن تطالب بنصيبها... خليها كده فاكرة أنها عايشة من خيري أنا وإني أنا اللي بصرف عليها بدل ما تطلب نص العز اللي إحنا عايشين فيه."
"طب والعمل...؟"
"حلها عندي... بس لسه محتاج شوية وقت بس... يلا أنا ماشي عشان متأخرش."
خرج "حسن" من الغرفة باحثاً عن حذائه الذي طلب من "نسمه" تلميعه، لكنه فوجئ به متسخ أكثر مما كان، كما لو كانت تلك الفتاة تضايقه بأفعالها لطلبه منها تنظيفه. استشاط غضباً من "نسمه" ليبدأ بالصراخ بحده شديدة وهو يهتف باسم "نسمه" بصوت غاضب أفزعها على الفور وأرجف أوصالها حين سمعه ينادي باسمها بتلك الصورة.
" "نسمه"!!!! إنتي يا اللي اسمك "نسمه"!!!!"
أسرعت "نسمه" بخطواتها نحو "حسن" وهي ترتجف خوفاً من غضبه بفزع شديد متسائلة:
"خير يا "حسن"... فيه إيه...؟"
احتلت نظراته إليها وهو يلقي بالحذاء بقوة ليصطدم بوجهها معقباً بسخط شديد:
"إيه القرف ده!!!!!! ده أنتي قاصدة بقى؟ يعني بدل ما تنضفيه تقومى تبهدلِيه بالشكل ده!!! إيه يا هانم... مستكبرة ولا إيه؟ مش كفاية إني مستحملك ومستحمل قرفك."
أحست "نسمه" بإهانة شديدة من إلقاء "حسن" الحذاء بهذه الصورة المهينة عليها، لتتساقط دموعها في صمت.
كم شعرت بالقهر منه ومن تصرفاته معها، دوماً ما تساءلت لم لا يحبها أخيها، فهي أخته الوحيدة؟ وليس لهم من حطام الدنيا سوى بعضهم البعض.
نكست رأسها بضعف شديد وهي تطالع الحذاء الذي نظفته بالأمس، لتجده متسخاً للغاية ويبدو أن ذلك بصورة متعمدة، لتردف بهمس حزين وسط دموعها المنهمرة:
"والله نضفتها يا "حسن"... والله... أكيد حد بهدلها كده!!!! بس أنا... والله نظفتها وحطيتها هنا جنب الباب."
"كدابة!!!! يعني مش كفاية كل اللي بتعمليه ده... كمان كدابة."
"والله ما بكذب."
تدخلت "حنان" بتحدي وهي تنظر بقوة تجاه نسمه كي تزيد من غضب حسن وتشتعل الأمور أكثر بينهما، لتطفئ نيران غيرتها من تلك الفتاة.
"قصدك إيه يعني؟ يعني حيكون مين اللي بهدلها بعد ما حضرتك لمعتيها؟ أنا ولا "حسن"!!!!! شايف يا "حسن"؟ شايف كلام أختك اللي يعصب؟"
كانت كلمات "حنان" كفيلة بإخراج انفعال "حسن" من خباياه، ليهوي بكفه على وجنتها بقوة، شعرت "نسمه" بدوران رأسها على الفور.
ربما كان الألم قوياً، لكنه ليس بقوة ذلك الألم الذي اشتعل بقلبها، كما لو أن هذه الصفعة كانت بقلبها وليست فوق وجهها، كيف تشعر بالأمان وهؤلاء هم أهلها.
أحنت رأسها بحزن ومدت يدها لتلتقط الحذاء الملقى أرضاً بسكون وقلة حيلة، لتعيد تنظيفه مرة أخرى وسط متابعة "حنان" بنظرات شامته منتصرة لكسرة نفسها أمامها.
الجامعه ...
الكافيتريا .....
بنظرات متعجبة تساءل "وائل":
"ومشيت وراها لحد فين؟ عرفت هي ساكنة فين؟"
حرك "عمر" رأسه نافياً وهو يقلب شفتيه:
"لأ... تصدق... لقيتها بتشتغل في مكتبة بعد الجامعة."
أمال "وائل" رأسه للأمام بعدم تصديق مردفاً:
"انت بتقول إيه؟ أكيد لأ طبعاً... وهي اللي زي دي حتشتغل ليه يعني؟"
اعتدل "عمر" بجلسته بجدية وهو يضيق عينيه محاولاً الوصول لسبب حقيقي لما رآه بأعينيه.
"ما هو ده اللي أنا مستغرب له!!! واحدة زي دي الدنيا بالنسبة لها لعب واستهتار... منين هي بالاخلاق والاستهتار ده!!! ومنين بتشتغل وتتحمل المسؤولية؟!!! مش عارف تحس أنه فيه حاجة مش مفهومة."
"مش عارف... بس اللي أنا عرفته عنها ده "ماجد" و"هيثم" قالولي بنفسهم مش سمعت عنها الكلام ده."
"مسيري هعرف."
الفتيات ....
نظرت "دنيا" بساعة يدها بتعجب:
"يا ترى "نسمه" اتأخرت كده ليه...؟"
لتعقب "أحلام" بلا اهتمام:
"ماهي كل يوم بتيجي متأخرة... عادي يعني."
إشرأبت "سحر" بعنقها فربما تراها قادمة معقبة:
"بس النهارده اتأخرت كتير يا "أحلام"."
"زمانها جاية... ما إحنا مش حنعرف نوصلها... أنا مش عارفة ليه لحد دلوقتي مش معاها موبايل...؟"
"آه صحيح... غريبة أوي... يعني ما شاء الله أحوالهم المادية كويسة جداً... وبيقولوا الشركة بتاعتهم شركة كويسة أوي... يعني مش محتاجين فلوس... بس هي متحسيهاش كده خالص."
أومأت "دنيا" رأسها بموافقتها بنفس رأي "سحر".
"فعلاً... لبسها بسيط ومش معاها موبايل... ولا بتتكلم عن أهلها أبداً."
لتؤكد "أحلام" حديثها الذي طالما اقتنعت به:
"هم كده الناس اللي معاهم فلوس دول بيبقوا ماسكين على الدنيا كده... متهونش يا بنتي إلا على الغلابة اللي زينا."
"على رأيك... تلاقيها عايشة في فيلا ولا إحنا عارفين."
"ولا مرة حتى خلتنا نروح عندها."
أشارت لهم "أحلام" بالصمت لرؤيتها لـ "نسمه" تقترب منهن.
"اشششش... بس بس... أهي جت أهي."
بوجهها البشوش وضحكتها المميزة دنت منهم "نسمه" قائلة:
"صباح الخير يا بنات."
تمعنت "أحلام" بوجه صديقتها لتتسائل بفضول وتخوف:
"صباح الخير... مال عينك وارمة كده...؟"
اصطنعت "نسمه" الضحك مردفة بمزاح مزيف:
"هه... لأ عادي... قمت من النوم لقيتها كده... تقريبا حساسية... ههههه."
"ألف سلامة."
وقفت "دنيا" تحمل حقيبتها تهمهم على الصعود لحضور تلك المحاضرة.
"حتحضروا محاضرة دكتور "سعيد" ولا إيه؟ ده خلاص مش باقي إلا عشر دقايق."
همت كلا من "سحر" و"أحلام" بالوقوف:
"يلا بينا عشان منتأخرش."
لم تكن "نسمه" بذهن صافٍ لحضور تلك المشاحنة القوية بالصباح بينها وبين أخيها، لتردف برفض:
"لأ... أنا مش عايزة أحضر... حروح أجيب الورق من المكتبة ولما تخلصوا نتقابل هنا."
"خلاص ماشي... يلا سلام مؤقت."
تركوها جميعاً متجهين نحو المدرج لحضور المحاضرة، بينما توجهت "نسمه" نحو المكتبة لتصور الأوراق التي طلبتها الدكتورة منهم منذ أيام، وهي لم تستطع شراءها.
فلحسن حظها اليوم أعطاها عم "متولي" قرضاً من راتبها لإحضار هذه الأوراق، فهي لن تطلب من "حسن" أي شيء كما اتفقوا.
رواية عشقت خيانتها الفصل الخامس 5 - بقلم قوت القلوب
بعدما تركها صديقاتها وذهبن لحضور تلك المحاضرة، خرجت نسمة من بوابة الجامعة متجهة نحو المكتبة المقابلة لإحضار تلك الأوراق الهامة التي طلبتها منهم دكتورة المادة.
قضت بعض الوقت بداخل المكتبة لترتب تلك الأوراق بعد تصويرها ووضعتهم بعناية بداخل أحد الكتب التي تحملها، لتلتفت خارجة منها حين فوجئت بأحدهم يقف قبالتها تماماً يوجه حديثه إليها.
رفعت نسمة رأسها للأعلى قليلاً ناظرة نحوه، فقد فاق طوله طولها بكثير.
"إنه هو." هكذا قالتها بداخل نفسها وهي متيقنة من ذلك، فهو نفسه الذي مر بمكتب عم متولي من قبل. قربه منها جعلها تتمعن بوضوح بملامحه الجذابة وعينيه العسليتين، لكن ما جذب انتباهها حقاً هي تلك النظرة التي تعتلي عيناه، فقد كان يتفحصها بقوة.
حركت رأسها يميناً ويساراً مستفهمة عما تفوه به منذ قليل، فهي لم تستطع استيضاح ذلك.
"أفندم؟"
عمر راقبها جيداً حين تركت أصدقائها وخرجت من الجامعة، ليظن أن هذا هو أنسب وقت يستطيع أن يتحدث معها بمفردها ليبدأ خطته التي حضرها جيداً. تبعها نحو المكتبة، وحين همت بالانصراف اقترب منها متحدثاً إليها بما فكر به ورتبه بدقة طوال اليوم، منتظراً تلك الفرصة.
نظر عمر نحوها بهدوء يتفحص طلتها الملائكية وملامحها الساحرة بجاذبية حين تناثر شعرها حول وجهها الهادئ، ولمعت عيناها ببريق أظهر لونها كقطرات العسل المائلة للون الأصفر. كانت ملفتة باهرة مميزة للغاية بصورة لم يرها بفتاة من قبل، ليندفع قلبه بدقات متلاحقة ويتحشرج صوته تماماً بحلقه.
تحدث. بالفعل تحدث إليها، لكن خفت صوته للغاية حين خانه ولم يخرج من حنجرته بقوته المعهودة، فقد بعثرت تلك الصغيرة قوته بلحظة ليهيم بها بسحر آخاذ لم يفق من غياهبه إلا بسماع صوتها الشجي تتحدث إليه تستفهم عما قاله منذ قليل.
"أفندم؟ حضرتك بتقول حاجة؟"
ابتلع عمر ريقه المضطرب لتعود ثقته إليه مرة أخرى، ليعيد كلماته بوضوح أكثر.
"كنت بسألك عن معاد محاضرة الدكتورة هناء، لأني مش عارف معادها بالضبط."
رفعت نسمة حاجبيها وأخفضتهما بعد إدراكها أن تلك ما هي إلا طريقة اعتادت عليها حينما يود أحدهم التقرب إليها ليبدأ تجاذب أطراف الحديث معها، لتردف بتملل وعدم اكتراث.
"آه... الساعة اتنين."
ليعيد عمر سؤاله مستفهماً مرة أخرى ليهز ثقتها.
"متأكدة؟"
أجابته هذه المرة بثقة تامة وقد اعتلت وجهها نظرة ساخرة، فيبدو أن هذا الشاب لا يعرفها ولا يعرف انضباطها بعد.
"طبعاً، أنا عمري ما بنسى مواعيد محاضراتي أبداً. أنا معنديش أهم منها. بعد إذنك."
أنهت نسمة جملتها حين بدأت بالتحرك إلى خارج المكتبة، منهية هذا الحوار المتكرر بينها وبين محبي التطفل عليها.
تحرك عمر لبضع خطوات ليقف مواجهاً لها معترضاً طريقها قبل أن تتركه.
"استنى بس! هو أنتي بترمي الكلام كده وتجري؟"
"أفندم؟ فيه حاجة تانية؟"
"واثقة أوي أنتي؟"
"طبعاً، أنا مش مهتمة غير بدراستي وبس! يا ريت تفهم ده كويس."
كان لحضوره الطاغي تأثير لا تغفله نسمة، لكنها كانت مستمرة على مبدأها وقوتها المصطنعة. ليقف عمر مستكملاً حديثه بتحدي.
"تمام، وطالما أنتي واثقة أوي كده، لو طلع كلامك غلط تعملي إيه؟"
"مش هعمل حاجة، لأن كلامي مش غلط."
"اعتبريها تحدي وأنتي الكسبانة. لو طلع كلامك غلط هتعزميني على عصير. اتفقنا؟"
أمالت نسمة فمها بتهكم، فهو خاسر خاسر لا محالة مردفة.
"والله أنت الخسران كده كده، وأنا ميهمنيش. بس عشان أثبت لك أني مش غلطانة وعارفة المعاد كويس، أنا موافقة."
"ولو رجعتي في كلامك؟"
"مش أنا اللي أرجع في كلامي. وعموماً أنا متأكدة، عشان كده مش قلقانة."
"خلاص، اتفقنا."
تركته نسمة وعادت لانتظار صديقاتها بالكافتيريا، بينما جلس عمر على إحدى الطاولات منتظراً عودة وائل، مستمراً بمراقبتها عن كثب.
لاحظت نسمة متابعته لها، لكنها حاولت إشغال نفسها بكتبها حتى لا تظهر له أنها لاحظت ذلك.
بعد حوالي نصف ساعة، انتهت المحاضرة وعادت الفتيات إلى نسمة يجلسون معها حول منضدتهم المفضلة.
بفضول شديد تساءلت نسمة.
"كان فيه حاجة مهمة النهارده في المحاضرة؟"
أجابتها دنيا بتملل وإحساس بإرهاق شديد سببه ذلك الجو الحار الخانق بيوم رطب للغاية.
"ده أنتي ربنا بيحبك والله. أنا مفهمتش ولا كلمة! ده غير الحر اللي إحنا فيه."
لحقتها سحر وهي تمسك بإحدى زجاجات الماء الموضوعة فوق المنضدة.
"آه والله يا دنيا. أنا كنت هموت جوه النهارده الجو صعب أوي."
أمالت دنيا رأسها إلى الجانب الأيمن وهي ترفع خصلات شعرها بأصابعها من فوق رقبتها لإحساسها المتفاقم بالحرارة، ثم أردفت باستنكار.
"ده ولا ثلاث أربع ماسكات أعملهم النهارده عشان أعوض اللي عمله الحر والشمس دي النهارده؟"
لتَميل سحر فمها بتهكم وقد عقصت أنفها بشكل ساخر من صديقتها المدللة.
"يا أختي روحي خدي شاور وخلاص. أنتي هتحسي بنفسك، ده إحنا أهالينا موظفين حكومة يا دنيا. عيشي يا ماما عيشة أهلك."
لكزتها دنيا بخفة من مزاحها الثقيل الذي اعتادت عليه.
عقبت نسمة على إحساسهم بهذه الأجواء الصيفية الحارة وهي تبتسم على مزاح سحر الدائم مع دنيا.
"يعني هنا اللي الجو حلو أوي. أنا خلاص صدعت من الشمس النهارده."
حاولت أحلام التلويح بإحدى الملزمات لتستشعر ببعض الهواء الملطف مردفة بعدم قدرة على التحمل.
"أنا مش عارفة هنكمل كده إزاي بس؟ يعني المحاضرة اللي جاية هتقعد ساعتين بحالهم، وأنا خلاص مش قادرة أستحمل."
حاولت نسمة تخفيف حدة إرهاق أحلام، فما زال أمامهن ما يقارب من الساعتين على موعد المحاضرة وتستطيع التقاط أنفاسها قليلاً بدلاً من الجو الخانق بداخل المدرج.
"لسه بدري يا أحلام على معاد المحاضرة. ده لسه ساعتين بحالهم. يعني تقدري تاخدي نفسك براحتك."
بذهول ساخر نظرت أحلام نحو نسمة لتصحح لها مفهومها الخاطئ.
"لا... دي أنتي الشمس أثرت على دماغك فعلاً! أنتي نسيتي ولا إيه؟ مش دكتورة هناء المحاضرة اللي فاتت غيرت معاد المحاضرة النهارده عشان هتسافر بعد المحاضرة على طول؟"
بذهول تام أدركت ما وقعت به نسمة للتو.
"بجد؟ امتى ده؟"
"هههه المحاضرة اللي أنتي كنتي سرحانة فيها وكل شوية أصحصحك دي."
"يااااه... أنا مأخدتش بالي خالص. أوووووف!"
لم تستطع أحلام فهم لم تضايقت نسمة إلى هذا الحد.
"إيه يا بنتي مالك؟ عادي يعني مش قصة. هنحضر وخلاص وأديكي موجودة أهو يعني مش متأخرة ولا حاجة؟"
"آه... آه."
شعرت نسمة بالورطة التي ورطت نفسها بها مع هذا الشاب، كيف لم تنتبه؟ شعرت بالحرارة تزداد اشتعالاً برأسها، فقد استطاع توريطها بخطته الماكرة، لكنها تأبى أن تترك له الفرصة بالغلبه عليها ولن تعطى له تلك الفرصة أبداً.
***
بعد التقاط أنفاسهن بسرعة، عادت الفتيات إلى المدرج الذي ستحضرن به تلك المحاضرة، والتي مرت بضيق بالغ على نسمة، فكان ذهنها مشغولاً بطلب هذا الشاب وتوريطها معه بحديث آخر على غير إرادتها.
بعد انتهاء المحاضرة، ذهبن مرة أخرى نحو الكافتيريا مكانهم المفضل، فما زال الوقت مبكراً للعودة للمنزل. اقترحت أحلام أن يبقين مع بعضهن البعض قليلاً.
"ما تيجوا نقعد شوية إحنا كده كده خلصنا بدري."
"يلا."
نظرت أحلام نحو نسمة الشاردة منذ بدء المحاضرة.
"مالك بقى؟ أنتي مش طبيعية من قبل المحاضرة، فيه إيه؟"
لتهم سحر بتأكيد ما لاحظته أحلام هي الأخرى.
"أنا ملاحظة كده برضه! حصل حاجة ولا إيه؟"
"شكلي حطيت نفسي في مشكلة من غير ما أحس."
"إزاي ده؟"
سردت نسمة ما حدث مع عمر بالمكتبة بالتفصيل وتخوفها مما سيحدث بعد ذلك. لتردف دنيا أولاً.
"ومين بقى اللي قالك كده؟ حد نعرفه؟"
بهدوء شديد أشارت نسمة نحو عمر حتى لا يلاحظ أنها تتحدث عنه.
"اللي قاعد هناك ده، اللي لابس أسود."
"يالهوي! وده يتقال له لأ برضه؟ أنتي مش هتبطلي العبط بتاعك ده...؟"
"بس يا دنيا، أنا من ساعتها متضايقة أوي."
"يا بنتي شكله محترم، وبتقولي بيتكلم معاكي باحترام وكان مجرد سؤال. فكيها يا بنتي إحنا زملاء مش أكتر. بلاش تبقي مقفلة كده، أنتي لا قلتي ولا عملتي حاجة."
"بس يا سحر، أنا مبحبش كده."
حاولت أحلام نهر الفتيات عما يحاولن إيقاع نسمة به.
"بس يا بنات! متضايقوهاش. ما يمكن فعلاً بيلعب ويتسلى و"نسمة" مش بتاعة الكلام ده."
"والله يا أحلام، شكله ابن ناس. وبعدين مش يمكن يحصل في الأمور أمور. إحنا كلها كام شهر ونتخرج. ما يمكن يبقى قصده شريف وبيحاول يتعرف عليها قبل ما السنة تخلص...؟"
بضيق شديد حاولت نسمة إنهاء هذا الجدال بين صديقاتها.
"خلاص بقى قفلوا على السيرة دي. أنا لا عايزة أشوفه ولا أتكلم معاه وخلاص."
ظنت نسمة أنها إذا بقيت بالجامعة أكثر من ذلك، فمن الغالب ستتورط بمحادثة أخرى معه لتفضل الانصراف فوراً، فهي لا تتحمل توابع هذا الاختبار الجديد كلياً عليها.
أكملت يومها المعتاد حتى أنهت عملها بالمكتبة ليلاً، ثم عادت إلى المنزل لينتهي اليوم بشكل روتيني.
ظلت على هذا الحال اليومين التاليين تتجنب أن تراه في أي مكان، تتعمد أن تنهي محاضرتها وتخرج مباشرة من الجامعة إلى مكتبة عم متولي، ومنها إلى المنزل في آلية وروتينية، جعلت شغلها الشاغل أن تبتعد عنه وهي تبحث عنه دائماً بعينيها لتهرب منه.
***
الجامعة... الفتيات...
وقفت كلا من دنيا وسحر يسألن نسمة وأحلام.
"إحنا رايحين نجيب سندويتشات. نجيب لكم حاجة معانا؟"
أمسكت أحلام برأسها المتألم مردفة وهي تحاول فتح عينيها بصعوبة.
"لأ... أنا مصدعة أوي وبفكر أروح. حاسة بألم رهيب."
ربتت نسمة بحنو فوق كتفها متسائلة بتخوف.
"سلامتك حبيبتي. أجيب لك مسكن؟"
"لأ حروح أحسن. أنا عارفة الصداع ده لما بيجي لي مش بقدر أقعد خالص وببقى عايزة أنام."
خرجت أحلام بصحبة دنيا وسحر إلى خارج الجامعة، لتتخذ أحلام طريق عودتها للمنزل، بينما ذهبتا صديقتاها للمطعم القريب.
جلست نسمة تقرأ ببعض الملزمات التي بحوزتها متعمدة الانشغال بها حتى لا تلتفت للجالسين بالكافتيريا من حولها.
فوجئت بصوت ذكوري يتحدث إليها، لترفع رأسها بانتباه وقد اتسعت عيناها لرؤيته يقف أمامها بطوله الفارع.
نظرت إليه بصمت وهو يعيد حديثه ساحباً أحد المقاعد ليجلس عليها دون استئذان منها.
"أهلاً بالناس اللي مش بتوفي بوعدها. ولا ده طبع فيكي؟"
تسارعت دقات قلبها على الفور وهي تحاول إيجاد صوتها الذي هرب منها لحظة تفاجئها بوجوده.
"لأ... أبداً. أنا بس مجتش فرصة."
"عموماً أنا جبت العصير وقلت نشربه سوا."
"بص لو سمحت أنا..."
لم يعطها فرصة للحديث ليبدأ بتعريف نفسه بالبداية كمن فرض واقعاً ببقائه معها وقبولها دعوته.
"أنا عمر. أنا مش هاخد من وقتك كتير. بس هنشرب العصير سوا ولو حبيتي أمشي. هقوم على طول أنا مش هضايقك."
حركت نسمة رأسها موافقة بآلية وانصياع تام دون أن تدري لم سيطر عليها بتلك الصورة دون أدنى تفكير منها. مدت يدها تحمل كوب العصير الذي مده إليها، ناظرة نحو الكوب بصمت، ليتحدث عمر مرة أخرى.
"أنا مش بحب ألف وأدور. أنا إنسان واضح. عشان كده هتكلم معاكي بصراحة. أنا من ساعة ما شفتك هنا في الكلية وأنا الصراحة معجب بيكي. لفتي نظري من أول مرة شفتك فيها. مش هقولك زي غيري إني حبيتك من أول نظرة والكلام ده. إحنا لسه برضه منعرفش بعض كويس."
"أنا مش بفكر ولا بهتم أبداً بالموضوع ده و..."
"أنا مطلبتش منك حاجة. ولا هطلب منك حاجة متقلقيش. أنا بس بقول لو تديني وتدي نفسك فرصة نعرف بعض أكتر. ومش هنتقابل بره الجامعة ولا هقولك نروح مع بعض أي مكان. نتعرف على بعض في إطار الزمالة والصداقة. أظن ده ميضايقكيش."
"أيوه، بس...!"
لا تدري نسمة لماذا استجابت إليه واستمعت بإنصات له، وهي دوماً ترفض الدخول في أي من هذه العلاقات العابرة. فحياتها مليئة بما هو أهم. ليستفهم منها عن رأيها بطريقته الساحرة التي تملكتها على الفور.
"ها... إيه رأيك؟"
أومأت نسمة بابتسامة خفيفة وهي تهز رأسها موافقة، لتعرف نفسها إليه.
"أنا نسمة علي."
"أنا عرفت اسمك وعرفت عنك حاجات كتير أوي من يوم ما جيت هنا. أنا عايزك تعرفيني أكتر. يمكن تحسي باللي أنا حاسه من ناحيتك. بس كبداية ممكن نكون أصدقاء."
"آه طبعاً. هو أنت مكنتش معانا السنين اللي فاتت صح؟"
"أيوه. بس أنا من القاهرة أصلاً. كنت عايش هنا طول عمري. الدنيا اتغيرت أوي بعد ما والدتي اتوفت وعشت أنا وبابا لوحدنا. أنا مليش أخوات. على فكرة أنا كنت معاكم هنا في سنة أولى بس مكنتش منتظم أوي في الحضور. لأن والدي تعب أوي وقتها. وبعد ما اتوفى اضطريت أنقل لجامعة تانية مكنش ينفع أعيش هنا لوحدي."
إدراكها لأنه يتيم مثلها أصابها بالذهول.
"أنت يتيم؟"
عقب عمر على تفاجئها بمزاح من حاله.
"أب وأم. يعني مخلص خالص ومفيش حد في حياتي. جاي لك بطولي أهو. ههههه."
ابتسمت ابتسامة حزينة من سخريته من يتمه ووحدته، لتسأله بإحساسها لمن اشتاق لمن رحلوا.
"مش بيوحشوك؟"
أجابها بصدق حقيقي ولمعت نظرة حزن دفينة بعيناه.
"أوي. بس هي دي الدنيا. هانعمل إيه؟"
"أنا كمان يتيمه. بابا وماما اتوفوا وعايشة مع أخويا ومراته."
لا يعلم لماذا اندهش عمر من هذه المعلومة، بل وشعر بالحزن لحزنها وانكسار الظاهر بأعينها. فهو يعلم تماماً مرارة هذا الإحساس، يدرك تماماً كيف يصبح الإنسان وحيداً حتى لو اجتمع الجميع من حوله. فقدان الأب والأم كسرة ظهر ونفس. رق قلبه لحالها الذي يعيش فيه ويعلم قسوته، ليردف بأسف.
"مكنتش أعرف. أنا آسف لو فكرتك."
"لأ أبداً. أنا عمري ما بنساهم أبداً."
"لأ، أنا مش جاي نقلبها كآبة كده. المهم أنا خلصت العصير بتاعي. وزي ما وعدتك هقوم على طول. بس ممكن نتقابل تاني بكرة هنا ونحضر المحاضرة سوا؟"
"أوك. هستناك."
أومأ لها رأسه بخفة قبل أن يتركها وقد علت ثغره ابتسامة انتصار، فقد وصل أخيراً إلى غايته.
تركها وانصرف نحو وائل الذي كان يجلس على طاولته مندهشاً مما قام به عمر. فهو الوحيد الذي استطاع كسر حاجز هذه الفتاة من كل من يعرفهم جميعاً واستطاع أن يجلس ويتحدث معها أمام الجميع.
"يا ابن الإيه!!!! أقعد بقى واحكي لي عملت إيه وقلت لها إيه بالظبط وبالتفصيل."
جلس عمر على المقعد المجاور له وهو يعدل من ياقة قميصه بزهو.
"عيب يا ابني. هو أنا قليل؟ أنت بس اللي مستهون بيا."
"أشهد لك يا باشا. والله. يلا احكي لي بالتفصيل بقى مش قادر أستنى."
رواية عشقت خيانتها الفصل السادس 6 - بقلم قوت القلوب
في المساء...
نسمه...
بعد انتهاء اليوم جلست "نسمه" بغرفتها تتذكر يومها وأحداثه بالتفصيل. تتذكر حديثها مع "عمر"، أول شخص تتحدث معه بهذه الحرية والتلقائية. كم أحست بأنه شخص مختلف عما رأتهم بحياتها، وكم كان حنوناً معها. كم شعر بحزنها على فقدانها لأهلها. لقد كان مهتماً بكل تفاصيل حديثها. لم تشعر بهذا الاهتمام مطلقاً من قبل في حياتها. هل أصبحت أخيراً مهمة بحياة أحدهم؟ شخص يهتم بوجودها وإرضائها، يسعد لابتسامتها ويحزن لحزنها؟
شغلت نفسها وتفكيرها طوال الليل بـ "عمر". لم تعط فرصة لعقلها أن يفكر، بل سيطر قلبها كاملاً عليها. فقد كانت بالفعل في احتياج لمثل هذا الاهتمام. وضعت رأسها على وسادتها وأخيراً نامت في سعادة لم تشعر بها منذ سنوات طويلة جداً.
عمر...
انشغل فكره كثيراً بتلك الفتاة، ودون وعي منه كانت تلازمه بطيفها طوال الوقت. كيف كانت تتحدث وتبتسم، كيف كانت رقيقة إلى هذا الحد. لكنه يعود ويذكر نفسه أنها ما هي إلا فتاة وقحة مستغلة مخادعة لكل أصدقائهم، وعليه تلقينها درساً لن تنساه.
***
في الصباح...
استيقظت "نسمه" سريعاً، فهذا اليوم خاصة تريد الذهاب مبكراً. ولا طاقة لها بمناقشات ومضايقات "حنان" و"حسن". أسرعت لتجهز الإفطار وترتيب ما تستطيع ترتيبه قبل أن تبدأ "حنان" بأي مجادلة من المجادلات التي تعشقها جيداً. أسرعت بتناول حقيبتها للذهاب للجامعة.
أثناء سيرها أخذت الأفكار تعصف برأسها لترسم ابتسامة لا تغيب عن شفاهها لمجرد تفكيرها به. بدون وعي لتتساءل بداخلها:
"هو ليه اختارني أنا بالذات؟ باين عليه من عيلة كبيرة أوي ده غير شكله وقوته. اشمعنى أنا اللي اختارني؟ وأكيد واحد زي ده حواليه كتير. يبقى أكيد بيحبني. أينعم هو ما قالش كده وقال إنه بس معجب بيا. ودي أكتر حاجة تبين إنه مش كذاب. واحد غيره كان كدب عليا. آه صح كده. معجب بيا. وبيحبني."
ظلت ترددها كثيراً حتى وصلت إلى الجامعة لتقابل صديقاتها بابتسامة صافية. جالت عيناها باحثة عنه في الأرجاء حولها حتى وقعت عيناها عليه ليخفق قلبها بشدة.
ها هو يتقدم نحوها بابتسامته الرائعة ذو الغمازتين وجسده الرياضي وطوله الفارع كأنه أحد عارضي الأزياء. حضوره الملفت جعلها تتشتت وتتيبس بموضعها كما لو أن الدنيا أصبحت حولهم فراغاً تاماً وأصبحت الجامعة تخلو إلا منهما فقط. لتجد نفسها تلقائياً تبتسم بخجل وسعادة.
أفاقها "أحلام" وهي تهتف باسمها.
"نسمه"... "نسمه"... أنتي رحتي فين؟
هه... بتقولي حاجة يا "أحلام"؟
يا خبر أبيض!!!! ده أنا بقالي ساعة بتكلم. مالك النهارده؟
قاطع حديثهما صوت "عمر" الواقف إلى جوارهن يلقي تحية الصباح.
صباح الخير.
التفتوا إليه جميعاً بصمت حين أجابته "نسمه".
صباح الخير.
لم تكن صدمتهم من قرب هذا الشاب الوسيم بل كانت من رد صديقتهم عليه وبذهول تام تابعوا حديث "عمر" الموجه لـ "نسمه".
يلا بينا المحاضرة حتبدأ.
تبدلت نظرات نسمه بينه وبين صديقاتها الفاغرين فاهم بذهول وهي تحثهم على الذهاب معاً.
يلا.
تقدمت "نسمه" صديقاتها لتسير خلف "عمر" بالمقدمة متوجهين نحو المدرج. بينما نظرت كلا من "دنيا" و"أحلام" و"سحر" إلى بعضهم البعض بذهول تام لما حدث أمام أعينهم منذ قليل. لتفرغ "دنيا" فاها بتعجب قائلة.
هو اللي أنا شوفته ده بجد؟
لتعقب "أحلام" بذهول لا يقل عن صديقتها.
هي دي "نسمه" ولا أنا بيتهيألي؟
حركت "سحر" رأسها تنفض ذهولها المسيطر عليها لتردف بعملية واهتمام.
مش فاهمه أي حاجة خالص؟ بس يلا فوقوا المحاضرة حتبدأ ودي محاضرة مهمة مش عايزين نضيعها.
أسرعن الفتيات يلحقون بـ "عمر" و"نسمه" نحو المدرج لحضور المحاضرة. من وقت لآخر ظلت الفتيات ينظرون نحو "نسمه" و "عمر" يتابعونهم بأعينهم. بينما لم ينتبها كلا منهما أبداً للمحاضرة وظلا يتحدثان سوياً طوال الوقت حتى انتهى وقتها. ودون انتظار خرجا سوياً ليجلسا في الكافتيريا يستكملا حديثهما.
لم تشعر "نسمه" بمرور الوقت معه، بل أحبت الدنيا معه. شعرت كأنها ترى الدنيا بعيون مختلفة، وكأن كل شيء تغير. أصبح فجأة جميلاً خلاباً. كانت سعيدة للغاية، شعور لم تشعر به من قبل. فقط كانت سعيدة. قضى الوقت بدون أن تشعر كما لو أن الدنيا بدأت تبتسم لها وتعوضها عن حرمانها ووحدتها.
***
تمر الأيام كحلم جميل، تغيرت ملامح الدنيا بعيونها. فقد وجدت لكلمة السعادة معنى أخيراً. هي لا تعلم لماذا أصبحت فجأة بتلك الروح المحبة المتفائلة، لكنها أحبت ذلك الشعور.
تقرب "عمر" أكثر وأكثر من "نسمه" وكانا يقضيان بالجامعة وقتاً أطول. ثم تعود لتجلس مع الفتيات تتحدث وتضحك وتعيش. نعم، لأول مرة تعيش. اعتادت "نسمه" وجوده حقاً.
أصبح من روتين يومها الجديد أن ترى "عمر" وتجلس معه ويتكلمان في أمور عامة أو الدراسة والجامعة. لكنها لم تحبذ أن تتكلم عن "حسن" وعما يفعله معها، فهو في النهاية أخاها الوحيد.
***
ذات صباح...
الجامعة...
ضمت "دنيا" فمها بضيق وقلق لتهوي فوق مقعدها مسندة وجهها فوق كفيها بإحباط تام ناظرة نحو "أحلام".
أنا خايفة أوي من الامتحان ده. معرفتش أذاكر كويس.
طيب خدي الملخصات دي يمكن تساعدك.
تفتكري؟ متوترة أوي.
سحبت "سحر" نفساً مطولاً لتهدئ من نفسها المغتاظة من "دنيا" واستهتارها بالمذاكرة.
لا بقولك إيه... فوقي كده ده باقي على امتحان الترم أيام. دي آخر سنة يا "دنيا". اهتمي بالدراسة شوية. وسيبك من الميكب والفاشون والهبل ده.
عقصت "دنيا" وجهها بنفور من تفكير "سحر" العملي للغاية مردفة.
ده هو ده اللي قاعد لنا. ونبقى بنات حلوين. بلاش شغل الغفر اللي أنتي عايشة فيه ده.
أنتي حتودي نفسك في داهية. بقى إننا نبقى بنات حلوين ده أهم حاجة؟ يا سطحية يا تافهة أنتي. ذاكري يا أختي وخلي لنفسك شخصية وأهمية. أنا مش عايزة أبقى صورة ولا مانيكان في باترينة.
ولا أنتي فاهمة حاجة.
دارت "أحلام" بعينيها تبحث عن نسمه فيم حولها دون الاهتمام لجدالهم الدائم.
هي "نسمه" فين مش باينة من الصبح؟
ابتسمت "سحر" بتهكم وهي تغمز بعينيها.
حتكون فين يعني ما أنتي عارفة. أكيد مع عمر زي كل يوم. واحدة طول النهار تحط روج والتانية سارحة في ملكوت الله مع عمر.
لأ... كده كتير.
وقفت "أحلام" لتبحث عن "نسمه" فقد آن الأوان للحديث مع "نسمه" بهذا الشأن. تحركت بعشوائية محاولة البحث عنها حتى وجدتها قرابة بوابة الجامعة مازالت تقف مع "عمر".
اقتربت "أحلام" منهما وقد بدا على ملامحها المقبضة بعض الضيق.
"نسمه"... عايزاكي ضروري.
التفتت إليها "نسمه" بقلق.
خير يا "أحلام" فيه حاجة؟
رمقت "أحلام" "عمر" بنظرة لم يفهمها كلاهما لتوجه حديثها إلى "نسمه".
عايزاكي في موضوع مهم.
تمام أنا جاية. بعد إذنك يا "عمر".
بنفور أردف "عمر" بغير اهتمام بوجود "أحلام" فهو لا يهتم بالفتيات إطلاقاً ويشعر بأنهم شيء مهمش للغاية بحياته.
حروح أنا أشوف "وائل" يا "نسمه".
التصقت "أحلام" بـ "نسمه" بحميمية شديدة وشبكت ذراعها في ذراع "نسمه" بود وبدأت تتحدث معها بصوت خفيض.
أنتي إيه آخرتها معاكي؟
قصدك إيه؟
"نسمه"... فوقي شوية. أنتي اتغيرتي أوي وأنا خايفة عليكي.
خايفة عليا من إيه بس؟
من اللي اسمه "عمر" ده.
اندهشت "نسمه" من تحذير صديقتها الحميمة من "عمر"، فهي أصبحت تحب الدنيا بوجوده بها. لم الآن تحذرها منه.
"عمر"؟ ماله "عمر"؟
أنتي مش حاسة بنفسك ولا إيه؟ ده أنتي من ساعة ما بتشوفيه كأنك مش شايفة غيره في الدنيا. هي إيه الحكاية بالضبط؟
هي تدرك ذلك حقاً لكن مع ذلك أصابها اضطراب مربك حين ذكرت "أحلام" ذلك.
حكاية؟ لا حكاية ولا حاجة. إحنا أصدقاء بس. عادي يعني.
أردفت "أحلام" بشك.
أنتي متأكدة؟ "نسمه".. أنتي أختي. ومش عايزة أقعي في غلط.
دق قلبها فرحاً وعلت وجهها تقاسيم سعادة وهي تصف حالتها بصدق لصديقتها.
غلط؟ أنا أول مرة في حياتي أحس إني بنى أدمة وليا وجود. وأنا معاه بحس إني مبسوطة أوي. بحس الدنيا حلوة. تقوللي وجودي معاه غلط؟ ده هو ده الإحساس الصح الوحيد في حياتي.
بعدم تصديق لهيام صديقتها وارتسام ملامحها الفرحة بتلك الصورة الحالمية همست "أحلام".
أنتي بتحبيه؟
ربما لم يكن هذا هو المعنى الذي تبحث عنه نسمه لكنها تشعر بسعادة بوجوده لتهمس بشرود.
بحبه؟ لأ... ااا... ممكن برتاح وهو موجود. دايماً مهتم بيا. بس بحبه. مش عارفة.
أمال أنتي فاكرة إيه؟ شكلك واقعة على آخرك.
بجد؟ أنا باين عليا أوي كده إني واقعة.
طبعاً. أنتي مش حاسة بنفسك؟ أنتي طول الوقت معاه. نظراتك وابتساماتك ليه. شكل تاني يا "نسمه".
للدرجة دي؟
مش هي دي المشكلة. المشكلة هو إيه؟
لم تفهم "نسمه" مقصد "أحلام" جيداً.
قصدك إيه؟
تنهدت "أحلام" وهي تحاول إيضاح الصورة كاملة لـ "نسمه" حتى تستطيع الحكم على مشاعره هو أيضاً تجاهها.
أنتي شايفة إن اهتمامه بيكي ووجوده دايماً معاكي. ليه؟
معجب بيا مثلا. أو... بيحبني.
معاكي. حنفترض مثلاً إنه هو بيقرب منك عشان بيحبك. أنتي متأكدة بقى إنه بيحبك فعلاً ومش بيضحك عليكي ولا بيلعب بيكي؟
هوى قلبها بسماعها لتلك الكلمة التي ليس لها وجود بقلبها.
يلعب بيا؟
وليه لأ؟ مش كل الشباب اللي هنا كده. يفهمونا إنهم معجبين بينا وبيحبونا ويطلعوا بيتسلوا ويلعبوا بينا وخلاص.
علت ضربات قلب "نسمه" خوفاً وضيقاً ليضطرب تنفسها وهي تشعر ببرودة تجتاح أوصالها بغير تصديق.
لا يا "أحلام". اا.. "عمر". حاجة. تانية.
وعرفتي منين إنه حاجة تانية؟ أنتي ساذجة أوي ليه كده!!!! بطلي يا بنتي الطيبة الزيادة دي. أنا خايفة عليكي ليكسر قلبك.
نظرت "نسمه" بعيون يملؤها الخوف تجاه "أحلام" مستطردة.
خوفتيني أوي يا "أحلام". أنا عمري ما فكرت في إن "عمر" زي ما بتقولي كده. خالص.
حكمي عقلك يا "نسمه". بدل ما قلبك يوديك في داهية.
ربتت "أحلام" بحنو على كتف "نسمه" وتركتها في حيرتها لما قالته عن "عمر" لتتركها تتخبط بأفكارها وتترك الشيطان يعبث بمسلماتها بحقيقة حبه لها.
***
عمر و وائل...
جلس "وائل" بتذمر شديد وقد لاحت تقاسيم الضيق بوجهه عن رؤيته لـ "عمر" يقترب منه ليجلس إلى جواره.
لا يا راجل. كويس إنك افتكرتنا.
مالك يا جدع. فيه إيه؟
تفحص "وائل" "عمر" بشك وهو يرفع إحدى حاجبيه محاولاً استنباط ما يحدث من حوله ليسأل صديقه باستغراب.
هي اللعبة قلبت بجد ولا إيه؟
لعبة إيه اللي قلبت بجد. ما تظبط كده أمال.
أخذ "وائل" يوضح لـ "عمر" ما يفعله به وجوده معها دون أن يدرك.
يا ابني أنت مش حاسس ولا إيه؟ ده أنت تيجي الصبح تدور عليها أول حاجة. وتبقى حتموت كدة عشان تلاقيها. وتروح لها ومحدش يشوف وشك تاني.
أردف "عمر" نافياً بصورة قاطعة.
لا طبعاً. أنت دماغك راحت فين؟ أنا بعمل كده وأنا قاصد كده عشان تتعلق بيا أكتر. أنا عارف كويس أنا بعمل إيه. أنا مش أي واحدة تهز فيا شعراية يا ابني.
طب وإيه الأخبار؟
اعتدل "عمر" بثقة مستكملاً.
الخطه ماشية زي ما إحنا عايزين بالظبط. دي خلاص بقت زي الخاتم في صباعي. ألبسه وقت ما أحب. وأقلعه وقت ما أحب.
صفق "وائل" بحماس.
أيوه بقى. هو ده "عمر" اللي أنا أعرفه. الصراحة لما بشوفك معاها حسيت إنك بدأت تعجب بيها. بقيت مهتم بيها زيادة عن اللزوم.
لأ طبعاً يا "وائل". متقلقش. أنا يوم ما أفكر ارتبط مش ارتبط بواحدة أخلاقها بالصورة دي.
خد بالك برضه. النوع ده بتبقى خبيثة وبتوقع في شباكها على طول. أكيد عايزة تستفاد منك بأي حاجة.
بتلك اللحظة لاحت أمام "عمر" تصرفاتها طوال الأيام الماضية ليردف باستغراب من تلك الفكرة بالأساس.
بس مش عارف ليه يا "وائل" محسيتهاش كده خالص. أنا برضه مش ساذج يعني وأعرف النوع الخبيث ده كويس. دي بريئة أوي. مش عارف ليه حاسس الكلام اللي سمعته منك مش راكب عليها ولا على تصرفاتها وعفويتها أبداً.
ضرب "وائل" كفه بالطاولة بتخوف مردفاً.
أهو هو ده اللي أنا خايف منه. مش بقولك إنها بدأت تأثر فيك؟
بس يا "وائل" بلاش كلام فاضي. خطتنا ماشية وخلاص. مش كل شوية تقوللي كده.
تركه "عمر" منفعلاً متوجها نحو المنزل فقد أصبحت الأفكار برأسه غير موزونة على الإطلاق فلابد من إعادة ترتيب أفكاره مرة أخرى بعيداً عن كل مصادر التشوش تلك.
بينما همس "وائل" لنفسه: "يا خوفى يا عمر ينقلب السحر على الساحر وتحبها بجد".
***
نسمه...
جالت بنظرها باحثة عن "عمر" لتتأكد مما قالته لها "أحلام" فمن الآن سوف تنتبه له ولتصرفاته معها خوفاً من أن تكون هي تسليته، وأن إحساسها الذي تشعر به بقلبها ما هو إلا مجرد وهم برأسها فقط.
لتحدث نفسه بتخوف.
"صح كده. مش لازم أرمي نفسي أوي كده. لازم أتأكد من مشاعره نحيتي الأول. طب أنا شاغلة نفسي دايماً بيه. أنا كده بحبه ولا اتعودت على وجوده واهتمامه بيا؟ ما يمكن أنا كمان مش بحبه. وأول ما يبعد عني مش حيفرق معايا خالص وحنساه."
تركت "نسمه" الجامعة وذهبت لمكتب عم "متولي" لتكمل عملها وتستذكر محاضراتها فقد تبقى على اختباراتها مجرد ثلاثة أيام فقط.
***
عمر...
جلس على أحد المقاعد بغرفة المعيشة وأخذ يسترجع حديثه الأخير مع "وائل". وكالعادة قفزت "نسمه" بضحكتها إلى عقله كما يحدث مؤخراً بشكل كبير.
تذكر بعض الأحاديث معها كم كانت تلقائية وبسيطة. هل يمكن لفتاة مثلها أن تكون النقيضين في نفس الوقت. بريئة وبسيطة، خبيثة وكاذبة. أيعقل؟
لقد اقترب منها ما يقارب من شهرين لم يشعر خلالهم لمرة واحدة بأنها كاذبة أو إنها حتى مثل أي فتاة يعرفها. بل إنها تجذبه رغماً عنه بسحرها وابتسامتها العذبة. فقد كانت بمعنى أدق رائعة ساحرة جذابة لا تقارن بغيرها.
"فيه إيه يا "عمر"؟ أنت طبت ولا إيه؟ لالالا... أنا زي ما أنا. دي لعبة. أنا لا بحبها ولا حاجة. هو أنا يعني ملقتش إلا دي؟ دي... مالها دي؟ ده أنا عمري ما شفت رقة ولا جمال ولا بساطة كده. أنتي إزاي كده؟ حتجنن. بس لالالا... مينفعش... مينفعش... أنا مبحبهاش... مبحبهاش. هو بس عشان بقالي فترة متعود أشوفها كل يوم. أنا لازم أقعد الكام يوم دول بعيد. وأكيد كل حاجة حترجع زي ما كانت."
رواية عشقت خيانتها الفصل السابع 7 - بقلم قوت القلوب
مرت ثلاثة أيام لم يذهب بها "عمر" إلى الجامعة، محاولاً إثبات لنفسه أن وجود "نسمة" بحياته لا يؤثر به إطلاقاً، وأن وجودها مثل عدمه ولن يتأثر بغيابه عنها، وأنه بمجرد غيابه لبضع أيام سيعود لنفسه القديمة ولن يفكر بها بالمرة.
بينما مرت تلك الثلاثة أيام بثقل على "نسمة"، فكلما ذهبت إلى الجامعة دون وجود "عمر" تشعر وكأن أحدهم اقتلع قلبها من صدرها، يعتصره بقبضة من حديد، فتترك الجامعة فوراً وتذهب لعملها بالمكتبة.
جاهد الاثنان بطريقتين مختلفتين، فهو يحاول أن ينساها، بينما هي تبحث عن وجوده الذي يطمئن فؤادها.
***
بعد مرور تلك الأيام، بدأت اختبارات نصف العام الدراسي بداية من اليوم.
وصلت "نسمة" إلى الجامعة مبكراً، فاليوم أول يوم بهذا الاختبار، وبالتأكيد سيحضر اليوم، هكذا تمنت بداخلها وتلهفت لرؤيته بعد غياب ثلاثة أيام.
قبل موعد الاختبار، جلست "نسمة" بإنتظار قدومه لوقت طويل، لكنه لم يظهر بعد. تجهزت أخيراً وبإحباط تام لبدء الاختبار، وبداخلها سؤال يتراود بذهنها بألم: "لما لم يأتي بعد؟!"
تمتمت بداخلها: "يمكن عيان؟ طيب أطمن عليه إزاي؟ حاسة إني حموت... بتخنق... أنا لا معايا تليفون ولا حتى أعرف رقم تليفونه."
***
"عمر" تعمد الوصول متأخراً، ففي هذا الوقت لابد أن الجميع بداخل اللجان الامتحانية. جال ببصره سريعاً وهو يهرول إلى داخل البناية للحاق بموعد الاختبار، في حين أخذ يتمتم يحث نفسه على أن رؤيته لها لا تؤثر به إطلاقاً.
"ما هو عادي يعني... أشوفها عادي... هو حيحصل إيه... أنا "عمر" برضه... مفيش ولا واحدة تهزني."
حاول كل منهما الإجابة عن الأسئلة بتشتت كبير خلال وقت هذا الاختبار، حتى انتهى وحان وقت تسليم الأوراق للخروج من اللجان.
تلاقت الفتيات بأسفل البناية لتسأل "أحلام" "نسمة" عن أدائها بهذا الاختبار.
"عملتي إيه يا "نسمة"؟"
أجابتها "نسمة" بإقتضاب شديد: "كويس."
"مالك؟"
"مفيش... مخنوقة شوية. أنا مروحة."
لم تعطِ "نسمة" "أحلام" فرصة للحديث لتتركها متجهة نحو البوابة الرئيسية للخروج.
أنهى "عمر" اختباره أيضاً مسرعاً نحو البوابة الرئيسية للخروج قائلاً لنفسه بتهرب: "أنا لازم أروح دلوقتي... ماليش مزاج أقابلها النهارده... حاسس إني مخنوق."
تسارعت خطواته الهاربة ليثبت فجأة عن الحراك وهو يراها أمامه تخرج من البوابة. تضاربت خفقات قلبه بشدة ليهيم قلبه بسعادة مباغتة لمجرد رؤيتها الآن.
اتخذ بضع خطوات سريعة لاحقاً بها وهو ينادي بإسمها بدون تفكير، فقط ترك عنان قلبه يخطو به نحوها.
"نسمة..."
أخذت تسير بطريقها بلا وعي، شعرت بضيق يعتريها ويطبق على صدرها، ففرت منها دمعة ساخنة على وجهها البارد بفعل تلك الرياح الشتوية المحيطة بها.
لتخرج من تشتتها الحزين بسماعها لصوته الشجي يهتف بإسمها. هل هي تحلم؟ أم أن ما تسمعه الآن حقيقة؟
رغم الدموع التي علقت بأهدابها، إلا أنها ابتسمت، حتى لو أنه حلم، فيكفيها أنها تسمع صوته حتى لو في أحلامها.
إستدارت بقوة لتتأكد مما سمعته، لتجده حقيقة واقعة، يقف خلفها بطوله الفارع ينظر إليها بعينيه الثاقبتين يبتسم لها بغمازتيه بفرحة تغمر وجهه.
سمعتها مرة أخرى وهو يهتف بإسمها بهمس يخترق قلبها المتراقص فرحاً.
"نسمة..."
بتلهف شديد وإشتياق ضربت بكل الأقاويل عرض الحائط لتترك العنان لمشاعرها للتحرر وتظهر إشتياقها لرؤياه، وقد سبلت عيونها بوهج فرح.
"أنت فين...؟"
هام "عمر" بعسليتيها ليجيبها بدون تردد: "معاكي."
"كنت فين كل ده... غبت ليه كده...؟"
"غصب عني... سامحيني..."
لتهدأ نفسها وتتسع ابتسامتها بصفاء كنقي قلبها تماماً.
"المهم إنك هنا دلوقتي."
لاحظ "عمر" تلك الدموع التي بللت أهدابها لينقبض وجهه بضيق متسائلاً: "أنتي كنتي بتعيطي...؟"
مسحت تلك القطرات عن عيونها مجيبة بنفي، فيكفيها رؤيته الآن.
"لا أبداً... أصل النهارده الدنيا ساقعة أوي... فالهوا دخل في عيني."
ترك العنان لقلبه يتحدث وهو يهيم بتلك الصغيرة التي خطفت قلبه، بلحظة منع نفسه من الإنجراف خلفه.
"وحشتيني على فكرة."
تلك السعادة التي شعرت بها بكلماته كانت تكفي عمرها كله، حتى لو أنه كاذب كما تدعي "أحلام"، لكن تلك السعادة التي تشعر بها الآن تكفيها. هي تتمنى حقاً أن تكون مخطئة وألا تكون بالنسبة إليه مجرد تسلية وأنه يحبها حقاً. لكن ما يهمها الآن هو أنها تحبه صدقاً ولا تود أبداً الابتعاد عنه مهما كانت الأسباب.
عاد مرة أخرى إلى داخل الجامعة ليجلسا سوياً يتحدثان في اللاشيء، فقط كل منهما يستمتع بوجود الآخر معه حتى لو لم يتحدثا مطلقاً.
***
بعد انتهاء جميع الاختبارات وبدأت بالفعل إجازة نصف العام الدراسي.
شقة عمر.
أسرع "عمر" بتلهف يجيب عن ذلك الاتصال الدولي بإشتياق بالغ.
"ألو... جدي... أخبارك إيه؟ وحشني أوي... صحتك عاملة إيه دلوقتي... الدكاترة قالوا إيه؟"
ضحك "صالح" من تلهف حفيده مجيباً: "الحمد لله على كل حال يا ابني... متنساش أنا معدتش صغير... يلا حسن الختام بقى."
"متقولش كده يا جدي... أنا عمري كله فداك والله... أنا ماليش في الدنيا غيرك ربنا يديك الصحة... حترجع إمتى... أنت واحشني أوي."
"وأنت يا ابني والله... لسه الدكاترة مقرروش أرجع إمتى... بس هانت إن شاء الله... المهم أنت أخبارك إيه... والدراسة عاملة معاك إيه؟"
"الحمد لله يا جدي... إحنا بكرة أول يوم في الإجازة أهو."
"بجد... طيب كويس أوي... أصل أنا كنت عايزك تسافر البلد... وكنت خايف أعطلك عن مذاكرتك!"
"خير يا جدي فيه حاجة...؟"
"أبداً يا ابني بس "مدحت" كان عايز شوية أوراق مهمة من مكتبي وأنت عارف إني قافل على الأوراق دي ومحدش معاه المفتاح غير أنا وأنت."
"اه طبعاً يا جدي فاهم... بس هو ضروري أوي أسافر يعني؟ مينفعش السفر يتأجل؟"
"لا يا "عمر" يا ابني... الورق ضروري أوي وأنت عارف أنا هنا في المستشفى مقدرش أتحرك."
"لا طبعاً... أنت تأمرني يا جدي... هو أنا ليا غيرك... بكرة إن شاء الله أسافر وأعملك كل اللي أنت عاوزه."
"بإذن الله... ولو احتجت أي حاجة اطلبها من مدحت على طول."
"إن شاء الله."
"مع السلامة."
"مع السلامة."
بعدما أنهى ذلك الاتصال الذي أوجب عليه السفر على الفور غمغم "عمر" بتملل: "وأدي كمان الإجازة اتضربت... بس وماله كله عشان جدي حبيبي ربنا يديه الصحة يا رب."
***
مكتبة عم متولي.
وقفت "نسمة" مبكراً بباب مكتب عم "متولي" تطلب منه المغادرة والذهاب لبيته ليستريح لتقوم هي بالعمل نيابة عنه، لكنه يصر للبقاء معها.
"هو اليومين دول حتيجي بدري ولا إيه؟ أنا مش واخد على كده!"
"أدينى بونسك يا عم "متولي" بدل قعدتك لوحدك... وأنا كمان مش بحب الإجازات أوي... حقعد في البيت أعمل إيه؟"
"يا سلام... وهو أنا أطول القمر ده يونسني."
"إلا قولى يا عم "متولي"؟ مش أنت وبابا الله يرحمه كنتوا أصحاب أوي...؟"
"أصحاب؟ ده إحنا كنا ولا الأخوات... لا كان ليه غيري ولا ليا غيره... سبحان من له الدوام بقى."
"أمال ليه بعد ما بابا مات مبقتش تيجي عندنا زي الأول...؟"
"الصراحة يا بنتي... أصل أخوكي "حسن" ده يتفات له بلاد... يلا ربنا يصلح له أحواله بقى... هو اللي كان مُصر إنه يقطع أي علاقة بينه وبين أي حد أبوكي أو أمك يعرفه."
تنهدت "نسمة" بتحسر: "حسن أتغير أوي بعد وفاة بابا."
"أيوة فعلاً... أتغير أوي وبعدكم عن كل حبايبكم... ربنا يهديه."
"آمين يا رب."
***
دنيا.
كانت تلك الأيام البسيطة بعطلة منتصف العام مجرد أيام راحة وإستجمام بالنسبة لـ"دنيا"، لتريح جسدها وإرهاقها من عناء ومشقة الدراسة، وأيضاً وقت مستقطع لإجهاد بشرتها من تلك الأجواء المتغيرة خارج المنزل.
إستعاضت عن تسليتها بتسوقها المرضي لشراء مستحضرات التجميل تلك التي توقت لشرائها بعيداً عن "سحر" التي لا تنفك بتأنيبها على إنفاقها كل مالها على مستحضراتها المحببة.
***
سحر.
قضت "سحر" تلك العطلة بالإشتراك مع إحدى المجموعات النشطة والتي انضمت إليهم عبر الإنترنت لعمل ورشة عمل للتعمق بسوق المال والتعاملات المالية بالبورصة، ذلك المجال الذي يستهوي تفكيرها مؤخراً وأصبح شغفها الشاغل مؤخراً إلى جانب دراستها.
***
مرت عطلة منتصف العام القصيرة لم تلتقِ بها "نسمة" بـ "عمر" أو حتى استطاعت أن تلتقي بصديقاتها لتنتهي تلك الأيام وتعود الدراسة إلى استئنافها ليعودوا جميعاً إلى جامعتهم المحببة.
الجامعة.
الفتيات.
بسعادة غامرة وإشتياق اهتز لها كيانها أخذت "نسمة" تلقي كلماتها على صديقاتها بسعادة غامرة: "أخيراً رجعنا تاني... دول مكانوش أسبوعين ابدااا... دول كانوا سنتين."
غمزت "دنيا" بشقاوة تجاه "نسمة" واعتلى ثغرها ابتسامة ماكرة مردفة: "الكلام ده لينا إحنا برضه... ولا تقصدى حد تاني...؟"
توهج وجه "نسمة" بإحمرار شديد من خجلها من مقصد "دنيا" لتنهرها بخجل: "دنيا وبعدين."
ضحكت "دنيا" و"سحر" على رد فعل "نسمة" الخجول.
"خلاص خلاص... ده كفاية وشك اللي قلب كل الألوان ده."
زمت "أحلام" شفاهها بضيق من مضايقات "دنيا" المستمرة: "والله أنتي رايقة يا "دنيا"."
"وما أروقش ليه؟ أمال أفضل أدور على الكآبة زيك كده."
ضربت "أحلام" كتف "دنيا" بمزاح: "أنا برضه كئيبة؟ أنا...!!"
أردفت "سحر" ضاحكة: "سيبيها يا "أحلام"... هي "دنيا" كده عمرها ما حتتغير... مش يلا بينا نحضر المحاضرة بقى ولا إيه...؟"
"اه صح إتأخرنا."
***
في المدرج.
مع انتظار "نسمة" لرؤية "عمر" إلا أنه لم يأتِ بعد لتصاحب صديقاتها نحو المدرج بإنتظار بداية المحاضرة.
تطلع "وائل" بساعة يده لتأخر صديقه مهمهاً: "أتأخر ليه ده...؟ ده عمره ما عملها... ليكون لسه مرجعش من السفر؟ عموماً لو مجاش بعد المحاضرة أتصل بيه وأطمن."
أخذت "نسمة" تبحث عن "عمر" بعيونها بداخل المدرج لكنها لم تجده بعد، كما لاحظت "وائل" يجلس بمفرده بعيداً عنهم لتتيقن أن "عمر" لم يأتِ بعد.
جلست بتجهم تنظر بإتجاه المحاضر لتبدأ بتدوين الملاحظات التي طلبها منهم.
بعد قليل من الوقت.
إستأذن "عمر" للدخول.
ليتوقف المحاضر عن الحديث بضيق: "أنا قلت محدش يحضر بعدي؟"
"أسف يا دكتور والله... أنا كنت مسافر ولسه راجع دلوقتي وأتأخرت في المواصلات."
"عموماً عشان إحنا في البداية بس حقولك اتفضل... بس بعد كده والكلام للجميع محدش يدخل بعدي."
أومأ "عمر" له وهو يتجول بعينيه باحثاً عنها هي فقط متصنعاً البحث عن مكان يجلس به.
تلاقت عيناهما لتحتل الابتسامة وجهيهما بسعادة. تحرك نحو "وائل" ليجلس إلى جواره بإنتظار انتهاء المحاضرة.
بينما أطرقت "نسمة" رأسها أرضاً من الخجل فقد اشتعل وجهها حمرة مرة أخرى وتعالت ضربات قلبها بشكل غير طبيعي.
أكمل المحاضر شرحه حتى توقف عند أحد الأجزاء معقباً: "الموضوع ده... مش هشرحه دلوقتي... لكن أنا عاوز منكم بحث عنه أشوفه المحاضرة الجاية وطبعاً البحث ده هو اللي ححسبه في أعمال السنة... ومفيش مشكلة لو كان البحث ده في مجموعات مش فردي."
***
بعد انتهاء المحاضرة.
خرجوا جميعاً من المدرج وتباطأ "عمر" حتى تحركت "نسمة" ليلحقها فقد اشتاق كثيراً لها.
"إيه... مفيش ولا سلام ولا كلام كده...؟"
أجابته بخجل شديد وهي تعيد بتوتر خصلة متمرده من شعرها خلف أذنها: "عادي يعني."
إصطنع "عمر" الضيق قائلاً: "الظاهر إني موحشتكيش."
رفعت رأسها بإندهاش شديد فكيف يفكر بهذا.
"ليه بتقول كده...؟"
"أهو... تحسي إنك مش فارق معاك وجودي من عدمه."
"لأ طبعاً... متقولش كده... أنا يعني... مش عارفه بس أقول إيه."
"ماشي يا ستي... عقبال ما توصلوا تحت حروح لـ"وائل" أقوله حاجة وأرجع لكم."
"اوك."
***
عاد "عمر" لصديقه "وائل" مصافحاً إياه بمحبة صادقة مرحباً بعودته من سفره ليكمل "وائل" بجدية: "عمر... بقولك إيه؟ كفاية كده... الموضوع دخل في الجد... وطولنا أوي... بلاش نعمل كده في بنات الناس... وهي ربنا يتولاها بقى وخلاص... خلينا نلتفت للي باقي السنة دي ونخلص."
أجابه "عمر" بجدية لا تقل عنه: "بص يا "وائل"... أنا مش ساذج ولا عبيط... بس البنت دي مفيهاش أي حاجة من اللي أنت كنت بتقول عليها... دي بتتكسف تقول جملتين على بعض."
تطلع "وائل" بإستراب شديد نحو "عمر" محاولاً فهم قصده حقاً.
"قصدك إيه...؟"
"مش يمكن كل ده تأليف... وأنها معملتش أي حاجة من دي... أنت شفتها بعينك مع حد فيهم...؟"
"الصراحة لأ."
"طب فكر معايا كده... واحدة بالشكل ده والأسلوب ده... وعمرك ما شفتها بتكلم شاب بأي صورة... يبقى إزاي بس...؟"
"وائل" بتفكر في حديث "عمر".
"أمال تفتكر هما قالولي كده ليه...؟"
"ما يمكن عشان معرفوش يوصلوا لها."
حرك "وائل" كتفيه بمعنى لا أدري.
"يمكن... ليه لأ يعني... عموماً على كل حال... خلاص كده وتبعد عنها وتسيبها في حالها وخلاص."
بهت "عمر" من مجرد فكرة الابتعاد عنها ليبتلع ريقه باضطراب قبل أن يهمهم بخفوت: "أسيبها... إزاي...؟"
"زي الناس... طالما بتقول أنها مالهاش في الكلام الفاضي ده... يبقى كفاية لعب بمشاعرها أكتر من كده... شكلها اتعلقت بيك بجد... وحرام تلعب بيها كده... أنت مبتحبهاش."
"مبحبهاش...؟"
"مالك بتعيد نفس الكلام ليه؟ أوعى تكون حبيتها...؟"
ضحك "عمر" بسخرية كاذبة.
"حبيتها؟ إمتى يعني... إزاي...؟ لأ طبعاً."
تفحص "وائل" رد فعل "عمر" العجيب مردفاً بشك: "متأكد...؟"
نظر "عمر" مطولاً إلى "وائل" فهو لا يدرك ما يقوله الآن، ولا يعرف بالفعل إن كان يحبها حقاً أم لا ليهمس بعدم دراية لمشاعره حقيقة: "مش عارف... بس الحب ده حاجة كبيرة أوي... مش كده...؟"
"وأنا أعرف منين...؟ أنا ولا عمري جربت ولا حبيت."
"هو يعني إيه بحبها...؟ أنا بس متعود أشوفها بقالي فترة... يمكن أقرب للأصدقاء ممكن... صح...؟"
"مشاعرك دي أنت بس اللي تحددها... بس بيتهيألي أن الحب مش تعود ولا صداقة... دي روح بتتقابل مع بعضها متقدرش تبعد عنها وشاغلة دايماً تفكيرك وقلبك... تخاف عليها وتحميها... ومتقدرش تستغنى عنها ولا تجرحها... شوف أنت يا "عمر" هي إيه بالنسبة لك قبل ما تظلمها معاك."
هز "عمر" رأسه عدة مرات كأنه يعيد كلمات "وائل" مرة أخرى برأسه.
وبدأ السؤال الأعظم. هل ما يشعر به تجاهها هو ما يسمى الحب؟ أم تعود وصداقة مثلما يقول لنفسه.
رواية عشقت خيانتها الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب
أخذ يفكر كثيراً بحديثه الذى دار بينه وبين "وائل" منذ قليل، ليقع بحيرة شديدة فهل هو بالفعل وقع قلبه أسيرًا بحب تلك "نسمة" أم لا؟
ففي كل الحالات يجب أن يأخذ قرارًا مهمًا وعليه الاختيار، إما أن يكمل طريقه معها وتكون هي مالكة قلبه، والارتباط بها بعد انتهاء دراستهم فلا شيء يمنعه من ذلك.
أو أنه لا يحبها فيجب عليه ألا يلعب بمشاعرها بعد الآن وأن يبتعد عنها حتى لا يؤذيها أكثر من ذلك، فهي لا تستحق أن يُكسر قلبها الرقيق.
اقترب "وائل" من "عمر" مستكملًا حديثه بغمز لطيف وقد توسطت ثغره ابتسامة عريضة.
ماااا... تعرفنا طيب على أصحابها دول... ولا أنا يعني ماليش في الحب نايب؟
انتبه "عمر" لحديث "وائل" مجيبًا إياه بعدم تركيز لما سيطر على تفكيره بتشتت واضح.
هاه... آه... ماشي... حاضر... يلا نروح لهم... بس بلاش حركات ملهاش لازمة.
رفع "وائل" رقبته بخيلاء وهو يشير بكفه المنبسط فوق صدره بإيماءة مسرحية.
متخافش... وهو أنا وش ذلك برضه... أنا بقول نتعرف بدل ما أنا قاعد بوزي فـ بوز الحيطة طول النهار... وإنت مع ست الحسن.
بزمجرة خفية ليقطع سيل تهكم "وائل" الذي يعرفه جيدًا.
"وائل"... وبعدين... لم نفسك أمال!
خلاص خلاص... متبقاش قفوش كده... يلا بقى... نروح لهم.
***
جلست "نسمة" مع صديقاتها بالكافيتيريا تبتسم على أحاديثهم بتشتت دون إدراك مطلقًا عما يتحدثون به، فقد شغل تفكيرها تأخير "عمر".
لتحدث نفسها قلقة من هذا التأخير غير المعتاد منه.
يا ترى راح فين بس ده كله... لتكون زعلت لما لقيتني مقفلة معاه... بس أنا بجد مش عارفة أقول إيه؟
كل الكلام اللي جوايا أول ما بشوفه بيضيع مني... يا رب... اجعله من نصيبي أنا بحبه أوي... أنا عمري ما حبيت حد في حياتي زي ما حبيته... ده هو اللي هيبقى خلاصي من عيشتي مع "حسن"... يا رب ما تبعده عني ولا تبعدني عنه... أنا مش عارفة من غيره حياتي هتبقى عاملة إزاي؟
هو أكيد مش بيلعب بيا... إحساسي بيقول كده... ده لو طلع بيكدب عليا أنا ممكن أموت.
قطع شرودها وصول "عمر" ومعه "وائل" لتطالعه يدنو تجاههم من بعيد، لتعلو ثغرها ابتسامة فرحة وتتسارع دقات قلبها بسعادة.
أقبل "عمر" مستأذنًا بتأدب.
ممكن نقعد معاكم ولا تضايقوا؟
آه طبعًا... اتفضلوا.
جلس "عمر" و"وائل" معهم ليبدأ "عمر" بتعريفهم بصديقه "وائل"، فتلك أول مرة يتداخل معهم بصحبة "عمر".
ده "وائل"... أكيد طبعًا عارفينه... ما هو معاكم من ثلاث سنين هنا في الجامعة.
آه طبعًا.
بدأت أحاديث عامة بين الجميع انجذب أطرافها بين "وائل" و"دنيا" كثيراً، كما تدخلت كل من "سحر" و"نسمة" ببعض الموضوعات، كان "عمر" من خلالها يراقب "نسمة" بكل تعبيراتها بتمعن، كيف كانت تتحدث وتضحك وتندهش، ذاب بملامحها وأصبح مغيبًا عن الواقع، لا ترى عيناه سواها تلك قطعة "الزمرد" النفسية التي تتوسط جلستهم جميعًا.
بصمت تام وتفكر بحديث "وائل" معه، ذلك الحديث الذي كان له سحر جديد جعله ينظر لـ"نسمة" بعين عاشق وكأنه يراها لأول مرة من جديد، لم يلاحظ أبدًا عيون "أحلام" وهي مسلطة عليه وهو يتعمق نظره بـ "نسمة".
ظلت "أحلام" صامتة للغاية تراقبهم جميعًا، خاصة "عمر" و "نسمة" التي عندما تتلاقى نظراتها مع "عمر" تبتسم بخجل لتبتعد ببصرها بعيدًا عنه، لتحادث "أحلام" نفسها بتعجب.
هي إيه الحكاية...؟ المرة دي داخلة في الجد ولا إيه؟
قطع شرودها تساؤل "نسمة".
إيه... مالك النهارده يا "أحلام" اللي واخد عقلك؟
أبدًا... مش عارفة ليه حسيت إني عايزة أنام... أنا بفكر أروح شكلي مش متظبطة.
ما أنتي قاعدة معانا... وإحنا شوية صغيرين ونروح كلنا.
معلش... خليكم أنتوا براحتكم.
استأذنت منهم "أحلام" وبعدها بقليل تحركوا جميعًا نحو منازلهم، بينما تحركت "نسمة" نحو مكتبة عم "متولي" لتبدأ عملها اليومي.
***
بعد عدة أيام...
الجامعة...
جلسن كعادتهن بالكافيتيريا بعد إلغاء تلك المحاضرة لترفع "دنيا" حاجبيها وتخفضهما سريعًا بحركة إعجاب شقية وهي تستكمل حديثها مع "سحر".
أه والله يا بت يا "سحر"... مكنتش أعرف إن "وائل" ده دمه خفيف كده.
زمت "سحر" شفتيها وهي تنظر بسخافة تجاه "دنيا" السطحية للغاية.
بلا دمه خفيف... بلا دمه تقيل... ركزي في مستقبلك الأول يا أختي... نخلص دراستنا الأول وبعدين نبقى نفكر في الحاجات دي.
حركت "دنيا" رأسها باستنكار من جدية "سحر" طوال الوقت متسائلة باستغراب.
إنتي إيه... قلبك ده مبيدقش خالص... حاطاه في الصيانة ولا إيه؟
رفعت "سحر" جانب شفتها باستنكار ساخر معقبة بتهكم.
لا وانتي الصادقة حطاه في الجراج مش الصيانة... هبلة أنا أضيع وقتي في حب وكلام فارغ... أنا طموحي... شغل وكاريير حلو.
بس بس... سيبنالك الكاريير يا أختي... خلينا إحنا في الحياة الحلوة دي... نحب ونتجوز... وأنتي اشتغلي.
تافهة!
شكرًا.
انتبهت "سحر" بتذكر لما طلبه الدكتور بمحاضرته الأخيرة لتوجه لهن جميعًا حديثها بتنبيه.
هو إحنا إيه اللي جرى لنا... !!!! إحنا نسينا خالص موضوع البحث اللي طلبه الدكتور!!!! ده باقي يومين بس... حنعمل إيه دلوقتي؟
بتفاجؤ تام أردفت "نسمة".
يا خبر.....!!!!! ده إحنا نسينا خااالص.
اتسعت عينا "دنيا" وهي تعود للواقع الهام بحياتهم جميعًا والانتباه لدراستهم.
طب والعمل... حنعمل إيه؟
لتجيبهم "سحر" على الفور.
وهي دي ليها حل تاني... إحنا لازم نطلع لمكتبة الجامعة نحاول نجمع أي حاجة من المراجع اللي فيها.
طيب يلا بينا... المحاضرة النهارده اتلغت ومفيش حاجة تاني... وعندنا وقت مناسب كبير أوي.
دنت منهم "أحلام" موافقة على اقتراح "سحر".
صح كده... يلا.
عقبت "دنيا" وهي تلملم أدواتها من فوق الطاولة.
فكرة حلوة... وممكن كمان نقسم الأجزاء بيننا عشان نخلص بسرعة.
توجهن مباشرة نحو المكتبة بالدور الثالث لينتهوا من عمل البحث المطلوب منهم قبل أن يمر الوقت.
***
عمر ووائل...
أقبل "عمر" برفقة "وائل" تجاه الكافيتيريا حين لاحظا خروج الفتيات متجهين نحو مبنى المكتبة ليتساءل "عمر" باستغراب.
رايحين فين دول؟
تلاقيهم طالعين المكتبة اللي في الدور الثالث... أكيد عشان يكملوا البحث.
ضرب "عمر" جبهته بكفه لنسيانه ذلك البحث وما طلبه منهم الدكتور.
يا خبر... ده أنا نسيت البحث ده خااالص.
ومين سمعك... ده اللي يعرفك ينسى نفسه.
خلاص يا عم المجتهد... استحملني الشهرين اللي باقيين دول وخلاص حترتاح مني ونخلص السنة دي.
طب إيه....؟ حنفضل كده إحنا كمان... ولا حنروح نعمل البحث؟
طيب تعالى بس نطلع نشحن الموبايل وبعدين نرجع للمكتبة... أحسن كنت عايز أكلم جدي؟
على سيرة جدك صحيح... هو عامل إيه دلوقتي؟
تحسنه بطيء أوي والله... أنا خايف أوي عليه... القلب عنده بقى ضعيف ومش مستحمل... حتى بعد العملية.
ربنا يشفيه ويخليهولك يا رب.
يا رب.
تذكر "وائل" شيئًا ما ليتساءل بفضول.
ومفيش أي أخبار عن ابن عمك ده؟
بإحباط شديد أجابه "عمر".
أبدًا... تعبنا وإحنا بندور عليه!!!! ويمكن ده أكتر سبب تاعب جدي... خلاص مش قادر يستحمل أكتر من كده... أنا خايف يروح مني والله وأنا معدش ليا حد غيره في الدنيا بعد بابا وماما ما اتوفوا.
إن شاء الله مسيركم تعرفوا مكانه... يلا بينا إحنا عشان نلحق نرجع نكمل البحث.
***
المكتبة...
حملت "نسمة" بعض الكتب وقد اتجهت إلى المنضدة الخشبية الطويلة التي يجلس حولها صديقاتها قائلة.
يا بنات أنا لقيت الكتابين دول حبدأ بيهم.
وأنا لقيت المعلومات الإحصائية أهي... حبدأ أطلع منها.
أنا كمان لقيت كام كتاب يعتبروا مراجع للموضوع حبدأ الاقتباس منهم وأسجلهم.
وقفت "أحلام" بضيق وقد تذكرت شيئًا ما لتهتف بعجالة.
أوووة.... أنا نسيت المذكرة بتاعتي تحت في الكافيتيريا حنزل أجيبها بسرعة وأرجع.
متتأخريش طيب عشان نلحق نخلص كلنا بدري.
تركتهم "أحلام" بالمكتبة واتجهت نحو الكافيتيريا لتحضر دفترها المفقود لتلاحظ "عمر" و"وائل" يقفان أسفل المبنى يتحدثان سويًا وقد اتفقا على الصعود للمكتبة للقيام بالبحث عن مصادر لبحثهم أيضًا.
***
المكتبة...
جلست "نسمة" تتفحص الكتب التي استعارتها لتبدأ بتدوين بعض النقاط الهامة للبحث، في حين وقفتا "دنيا" و"سحر" إلى جوار ماكينة التصوير التابعة للمكتبة لتصوير بعض الأوراق بدلًا من كتابتها.
تلفتت "سحر" حول الماكينة لتردف بتملل.
الماكينة دي مفصولة يا "دنيا".
يووه... ناقصة هي تضييع وقت... يعني إحنا في مكتبة مش المفروض الماكينات دي تبقى متوصلة بالكهرباء على طول... ولا غاويين يتعبونا بس.
متعرفيش بتشتغل إزاي دي؟
طبعًا يا بنتي أنتي نسيتي إن بابا عنده واحدة زيها في المحل... وأنا كنت ساعات بقف معاه بعد الضهر لما بيرجع من الشغل.
آه صحيح... طيب يلا شغليها.
تمام... روحي أنتي هاتى باقي الكتب اللي حنصور منها... عقبال ما أشغلها أنا.
اتجهت "سحر" تجاه المنضدة الخشبية الطويلة التي جلست عليها "نسمة" منذ قليل لتحضر تلك الكتب التي قد وضعتها أمامها لتعطيها لـ "دنيا" ليصوروا أهم الصفحات منها.
أمسكت "دنيا" بالقابس الكهربائي للماكينة لتوصلها بالكهرباء استعدادًا للتصوير.
عادت "سحر" لتقف إلى جوار "دنيا" يقلبون بأحد الكتب لاستخراج الصفحات التي سيقومون بتصويرها.
بتلك اللحظة لم تنتبها كلتاهما أن هذا السلك الكهربائي الواصل بالماكينة قد أصابه عطب ما وبدأ بإخراج بعض الشرر الكهربائي دون إدراكهم لذلك.
تلك الشرر المتكررة تحولت بعد ثوانٍ إلى بقعة نيران وقد صعدت منها بعض الأدخنة السوداء، ولأن الماكينة بها مواد زيتية وكيروسين فتحول الشرر بسرعة إلى ألسنة نار ودخان أسود كثيف ناتج من احتراق الأسلاك الكهربائية والأوراق التي بداخل الماكينة.
وبدون انتباه وضعت "دنيا" يدها فوق ماكينة التصوير ليصيبها صعقة كهربائية شديدة لترمى أرضًا من أثرها وفقدت الوعي في لحظات.
كانت ماكينة التصوير أمام مدخل المكتبة مباشرة فمنعت دخول أو خروج أي فرد من المكتبة فألسنة النيران أخذت تعلو وتشتعل أكثر فأكثر.
حجب الدخان الكثيف المتصاعد من الماكينة الرؤية رويدًا رويدًا ليبقى الجميع حبيسًا بداخل المكتبة دون سبيل للخروج منها والهروب من ألسنة النيران التي أخذت تزداد وتعظم بقوة.
حاول جميع من في داخل المكتبة من الطلبة والعاملين بها إطفاء الحريق لكن للأسف بدأت النيران تزداد لما تحتويه المكتبة من كتب وأوراق زادت من اشتعال النيران كما لو أصبحت حطبًا يساعدها على القوة وسط هلع الجميع.
وصلت النيران سريعًا إلى الخشب المبطن لحائط المكتبة وقد تصاعد الدخان الأسود مما سبب حالات اختناق عديدة وصرخات استغاثة متتالية دون جدوى.
نسمة...
بينما وقفت "سحر" و "دنيا" لتصوير الأوراق سمعت "نسمة" صوت صريخ صديقاتها لترفع بصرها بسرعة لتجد ماكينة التصوير تحولت إلى شعلة نار كبيرة وسجت "دنيا" أرضًا فاقدة لوعيها.
حاولت التوجه لصديقاتها محاولة منها لمساعدتهم والخروج من المكتبة لكن النار انتشرت بسرعة في رفوف المكتبة والكتب الموضوعة عليها لتجد نفسها وسط النيران تحيط بها في كل مكان.
مع انتشار الدخان انعدمت الرؤيا عندها تمامًا وأيقنت "نسمة" أن اليوم هو النهاية.
أحست باقتراب أجلها وربما حانت اليوم ساعتها.
بدأت تسعل بشدة من كثرة الدخان المحيط بها، حاولت أن تتنفس لكن الدخان الكثيف جعل تنفسها غاية في الصعوبة، احمرت عيناها بحرقة شديدة.
شعرت بحالة هستيرية من الخوف وتسمرت في مكانها جلست على الأرض ببطء وقد حاوطت ساقيها بكلتا يديها بيأس شديد وأخذت تردد الشهادة وهي تبكي ويضيق تنفسها أكثر وأكثر.
***
عمر ووائل...
صعدا كلا من "عمر" و "وائل" متجهين نحو المكتبة عند سماعهما لأصوات الصراخ المتعالية والاستغاثة القادمة من ناحية المكتبة.
أسرع كلا منهما بالجرى بسرعة صاعدين درجات السلم ليتبينوا ماذا حدث.
صعدا بسرعة ووصلا أمام المكتبة وكانت "أحلام" تلحقهم مباشرة.
تفاجؤوا بالنيران الكثيفة التي تخرج من المكتبة مع تصاعد الدخان الأسود الخانق، كانت المكتبة عبارة عن شعلة نار كبيرة، تمنع بألهبة نيرانها أي فرد من الدخول أو الخروج من المكتبة.
***
نسمة....
استسلمت "نسمة" وأيقنت أنه لا نجاة اليوم، انهارت باكية باستسلام تام مستكينة في مكانها في بقعة لم تصلها النار بعد لكنها تحيط بها.
شعرت بالاختناق يتزايد.
حاولت التنفس لكن بصعوبة جدًا وهي تسعل فقط امتلأت رئتيها بالدخان وتشوشت الرؤية عندها.
أمالت رأسها فهي بين الصحوة والإغماء وأدركت أن النهاية حلت.
نطقت الشهادة واستسلمت غائبة عن الإدراك.
وأغمضت عينيها في استسلام لمصيرها ونهايتها المحتومة.
رواية عشقت خيانتها الفصل التاسع 9 - بقلم قوت القلوب
تهدجت أنفاس "عمر" بقوة فور رؤيته لألسنة النيران تلتهم المكتبة بمن فيها، ليهرول بتخوف تجاهها. حين منعه أحدهم من التقدم، أخذ يتلفت يميناً ويساراً يبحث عن أحد ما. دون أن يدرون أن قلبه تعلق بالمكتبة ومن فيها بهلع.
للحظة تيبس بمكانه دون إدراك لما عليه فعله الآن. فكرة عدم رؤيتها أمامه أصابته بفزع شديد، أنها ربما تكون مازالت بالداخل. تملكه الخوف وتسارعت ضربات قلبه بشدة متسائلاً بارتباك:
"نسمة" فين؟ حد شاف "نسمة"؟ "نسمة"......!!!! "نسممممممممه"....!!!!
أخذ يصرخ باسمها بخوف، لكن دون رد. لم يدرِ بنفسه إلا وقد ألقى بنفسه داخل النيران محاولاً البحث عنها، فمجرد التفكير أنه قد يصيبها سوء يقتله. حاول أحدهم منعه، لكنه لم يلحقوا به ليصبح بثوانٍ معدودة بداخل المكتبة وهو يهتف صارخاً بفزع:
"نسمة"! أنتي هنا؟ سامعاني؟
لكن لا مجيب. حاول التحرك متجنباً النيران التي أضرمت في هذا المكان، حتى أن الألواح الخشبية المعلقة بالسقف والتي التهمتها النيران بدأت بالتساقط. فزع "عمر" من سقوطها وأخذ يتفاداها بصعوبة للبحث عن "نسمة"، ولم يكترث بالمرة لأن يصيبه شيء، فكل تفكيره كان منصباً عليها فقط.
"نسمة"... بعد قليل من البحث وجد كومة من الكتب ملقاة على الأرض وشبح فتاة خلفها تحتمي بها. خلال ذلك الوقت، حاول بعض الطلاب إطفاء بعض النيران حتى وصلت سيارات الإطفاء والإسعاف خارج الجامعة.
اقترب "عمر" باحثاً عن "نسمة" ليجدها غائبة عن الوعي خلف كومة الكتب. ليهتف بفزع:
"نسمة"! ردي عليا... بالله عليكي ردي عليا يا "نسمة"!
جسدها الساكن المتراخي أصابه بفزع لرؤيتها بتلك الهيئة، حتى كاد قلبه يتوقف خوفاً من أن يكون الوقت قد فات. حملها سريعاً مسرعاً نحو الخارج غير عابئ ببقايا النيران التي تحيط به. وضعها على الأرض خارج ممر المكتبة محاولاً إفاقتها، لكنها كانت في عالم آخر.
وصل المسعفون ليطلبوا منهم جميعاً التنحي جانباً:
بعد إذنكم شوية كده عشان الهوا.
حمل المسعفون الطلاب المصابين باتجاه سيارات الإسعاف ومن بينهم "نسمة"، ليتبعها "عمر" رافضاً تركها بمفردها معهم:
أنا مقدرش أسيبها، لازم آجي معاها.
مينفعش... أنت ممكن تيجي على المستشفى، لكن مينفعش تركب معانا.
أنا جاي وراك.
استقل "عمر" إحدى سيارات الأجرة ليلحق بسيارة الإسعاف متجهين نحو المستشفى.
***
المستشفى...
ترجل "عمر" من السيارة بتعجل ليلحق بالمسعفين الذين أسرعوا للداخل بنقل المصابين إلى المستشفى، ومن بينهم "نسمة". أخذ "عمر" يبحث عنها بتخوف بين جميع الطلاب المصابين دون العثور عليها. شعر باضطراب يجتاح روحه، كما لو أن شيئاً ثقيلاً يطبق على صدره بضيق شديد. شعور لم يمر به من قبل، قلق وتوتر وخوف شديد.
بعد عدة محاولات للبحث عنها، وصل أخيراً إلى الغرفة التي أدخلت بها "نسمة"، ليحاول الدخول إليها والاطمئنان إن كانت بخير. منع الطبيب ومن معه من طاقم التمريض الذي يعمل بالمستشفى الجميع من الدخول حتى يتم فحصهم ومعرفة مدى الإصابة والضرر من هذا الحادث.
***
وائل...
مع انشغال "عمر" ببحثه عن "نسمة"، شعر "وائل" بالقلق باحثاً هو أيضاً عن "دنيا" حين علم أنها أيضاً أصيبت بصدمة كهربائية أثناء حادث الحريق. ليتجول بقلق داخل أروقة المستشفى باحثاً عن "دنيا".
قابل "سحر" بالصدفة أمام إحدى الغرف، وقد بدا على ملامحها التخوف الشديد لما أصاب صديقاتها أمام أعينها، ليدنو منها "وائل" على يقين بأن "دنيا" بالتأكيد قريبة من هنا، فهما لا يفترقان على الدوام. تساءل "وائل" بقلق:
إيه الأخبار يا "سحر"؟ "دنيا" أخبارها إيه؟ حد طمنك عليها؟
لسه يا "وائل"... دخلوها جوه ومحدش قال حاجة لسه. أنا خايفة عليهم أوي.
ربنا يعدي الأمور على خير. هي "دنيا" اتكهربت بجد؟
أيوه... يا حبيبتي أول ما لمست الماكينة ولقيت جسمها كله بينتفض مرة واحدة.
بس كويس أوي اللي إنتي عملتيه مع "دنيا" ده. أنا سمعت إنك شديتيها بعيد بره المكتبة؟
أنا مش عارفة عملت كده إزاي؟ أنا محسيتش بنفسي إلا وأنا بشد "دنيا" من وسط النار بعد ما اتكهربت من الماكينة. الله أعلم لو مكنتش عملت كده كان هيجرى لنا إيه جوه...
فعلاً ربنا ستر. دي الماكينة أول حاجة اتحرقت.
أجرى تلك المحادثة مع "وائل" هدأت من روعها قليلاً حتى خرج الطبيب من داخل الغرفة مطمئناً إياهم عن حالة "دنيا" واستقرارها. وعلى الفور دلف "وائل" و"سحر" إلى داخل الغرفة للاطمئنان على "دنيا".
بوهن خفيف جلست "دنيا" بوجه شاحب قليلاً فوق أحد الأسرة، لكن على ما يبدو أنها بخير. ارتسمت ابتسامة راحة على وجه "وائل" لرؤيتها بخير قائلاً:
حمد الله على السلامة.
الله يسلمك يا "وائل". إيه اللي حصل؟ حد جرى له حاجة؟
أردف يصف لها بذهول ما رآه بالحادث:
المكتبة كلها بقت فحمة. ربنا يستر على الباقي. أنا سمعت إن فيه إصابات كتير أوي.
تذكرت "دنيا" أن "نسمة" كانت مازالت بالداخل لتلتفت نحو "سحر" بتخوف وقد قلبت شفتاها بفزع:
و"نسمة" يا "سحر"!!!!!!! اتطمنتوا عليها؟ هي كويسة؟
مش عارفة عنها حاجة؟ لسه هروح أطمن عليها.
طيب بالله عليكي لما تطمني عليها تعالي وطمنيني.
أومأت "سحر" بالموافقة حين وجهت حديثها لـ"وائل":
أكيد أنا هروح أشوفها دلوقتي وأنت خليك هنا يا "وائل" مع "دنيا".
تمام.
خرجت "سحر" من الغرفة باحثة عن الغرفة التي تتواجد بها "نسمة"، ليردف "وائل" براحة:
ده إنتي انكتب لك عمر جديد. قلقتيني عليكي.
ابتسمت "دنيا" بخجل من اهتمام "وائل" بها لتردف بهدوء:
الحمد لله. أنا أغمى عليا محسيتش بحاجة غير وأنا هنا.
الحريقة كانت جامدة أوي. ربنا يستر.
أنا خايفة أوي على "نسمة" يا رب تكون بخير. أصلها لبخة ومش بتعرف تتصرف. وأكيد معرفتش تخرج. بيجيلها زي صدمة كده وبتخاف أوي.
معقول. إن شاء الله تكون كويسة. طيب أنا هروح لـ"عمر" عشان نطمن على "نسمة" هي كمان. وأكيد هرجع لك تاني. ارتاحي إنتي شوية.
هزت "دنيا" رأسها وأغمضت عينيها لترتاح قليلاً.
***
سارت "سحر" داخل الأروقة الطويلة للمستشفى باحثة عن "نسمة"، فتقابلت مع "أحلام".
إيه؟ إنتي فين يا بنتي؟ والله ده إنتي فيكي شيء لله. أول ما تنزلي تحصل كل المصايب دي!
أنا اترعبت. بس الحمد لله على كل حال.
متعرفيش فين "نسمة"؟
لا مش عارفة.
طيب أنا هروح أدور عليها عشان أطمن عليها هي كمان.
وأنا هروح لـ"دنيا".
ماشي.
***
بعد قليل من البحث، استطاعت "سحر" رؤية "عمر" من بعيد يقف قبالة أحد الغرف، لتتيقن أنه لابد أن "نسمة" بداخل تلك الغرفة، لتتجه نحوه مباشرة لتطمئن عليها. في هذه الأثناء، لحقها "وائل" ليطمئن على حالة "نسمة" هو الآخر.
أسند "عمر" ظهره إلى حائط الممر محاولاً ضبط أنفاسه اللاهثة خوفاً على فقدان "نسمة"، حين دنا منه "وائل" متسائلاً:
إيه الأخبار؟
مش عارف. الدكتور مانع حد يدخل وبقالو كتير أوي جوه. أنا قلقان عليها أوي.
إن شاء الله بسيطة. دي النار مجتش ناحيتها خالص.
أنت مش فاهم؟ دي تقريباً مكنتش بتتنفس خالص. أنا خايف يا "وائل" لا يجرى لها حاجة. مش قادر أتخيل إنها ممكن تروح مني.
دمعة خفية لاحت بأعين "عمر" ليسيطر عليها بقوة مانعاً إياها من الظهور، ليرفع كفه محاولاً حجب عينيه به، فهو لم يبكِ منذ وفاة والده لأي سبب أبداً. شعر "وائل" بتخوف "عمر" ليربت على كتفه مطمئناً إياه:
اهدأ بس. دلوقتي الدكتور يطلع يقول إنها بقت كويسة.
يا رب يا "وائل". يا رب.
لاحظت "سحر" تخوف "عمر" الشديد على "نسمة"، لتبتسم من داخلها على هذان المحبان، فما أجمل تلك المشاعر القوية. لتتدراك نفسها بانتظار خروج الطبيب لتطمئن أولاً على صديقتها.
بعد قليل، خرج الطبيب من غرفة "نسمة" متسائلاً باتجاههم:
أنتم زميلها؟
أيوة يا دكتور. طمنا هي عاملة إيه دلوقتي؟
بالنسبة للحروق، الحمد لله هي مفهاش إصابات ناتجة عن الحريق. بس...
بس إيه؟
الرئتين عندها اتضروا جداً من الفترة الطويلة اللي استنشقت فيها الدخان، وواضح إنها من الأساس ضعيفة. فده هيسبب لها ضيق شوية في التنفس ولازم تاخد جلسات تنفس عشان تبدأ ترجع لطبيعتها تاني.
كاد قلبه يتمزق من شدة خفقاته وهو يتساءل بتخوف:
بس هي فايقة وكويسة صح؟
آه الحمد لله. وتقدروا تدخلوا لها عادي. بس يا ريت بلاش إجهاد لأن التنفس عندها ضعيف جداً. ويا ريت تبلغوا أهلها لأنها لازم تفضل هنا في المستشفى على جهاز التنفس.
حاضر إن شاء الله.
تركهم الطبيب ليدلفوا جميعاً للاطمئنان على حالة "نسمة".
***
نسمة...
أفاقت "نسمة" على إضاءة بيضاء مرهقة لأعينها. حاولت جاهدة فتح عينيها، لكنها شعرت بحرقة شديدة فيهما وبدأت عيناها تدمعان باحمرار شديد. حاولت التعرف على المكان وأين هي، لكنها لم تدرك سوى أنها في مكان غريب مستلقاة على ظهرها فوق سرير معدني بارد يحيط وجهها جهاز صغير تتنفس منه.
أسندت ظهرها إلى السرير تحاول إدراك المكان، ولأول مرة تشعر بالخوف.
آه... أنا فين؟ دماغي... دماغي بتوجعني أوي.
بهذه اللحظة، فُتح باب الغرفة لترى "عمر" قادماً نحوها بتلهف. فكم تمنت أن تراه هو فقط بهذه اللحظة. شعر "عمر" باطمئنان قلبه فور دخوله الغرفة ورؤيتها أمامه، ثم لحقه كلاً من "وائل" و"سحر".
ابتسمت "نسمة" ابتسامة باهتة على وجهها المرهق لم تظهر من جهاز التنفس الذي يغطي أنفها وفمها معاً. اقترب "عمر" أولاً تجاهها وهو ينطق بتلهف:
حمد الله على سلامتك. أنتي كويسة دلوقتي؟
بصعوبة شديدة حاولت "نسمة" إخراج الكلمات لضيق أنفاسها لتخرج منها همهمات متقطعة مجهدة للغاية، ليهتف بها "عمر":
بلاش تتعبة نفسك. المهم إنك بخير.
دنت منها "سحر" بابتسامة خفيفة:
سلامتك يا "نسمة". خضتيني عليكي.
حاولت "نسمة" التحدث بصوت متحشرج تريد الاطمئنان على "دنيا":
"ددنيا"؟
متقلقيش هي كويسة خالص. دي زي القطط بسبع أرواح.
ابتسمت "نسمة" بوهن بالغ حين أردف "عمر" موضحاً:
إنتي لازم تقعدي في المستشفى هنا عشان الجهاز. عايزين نبلغ أهلك إنك هنا، ومفيش حد فينا معاه رقم تليفون ولا عنوان.
زاغت عينا "نسمة" قليلاً لتجيبهم باقتضاب:
ححبقى... ااديهم... رقم... أخويا... يكلموه.
بجدية شديدة، أراد "وائل" إلقاء تحيته على "نسمة" للعودة إلى "دنيا" التي تركها بمفردها:
عموماً حمد الله على سلامتك يا "نسمة". أنا هروح بقى أطمن على "دنيا" وأروحها البيت. هي كويسة الحمد لله وتقدر تروح.
حركت "نسمة" رأسها بإيماءة واهنة، بينما خرج "وائل" ومعه "عمر" لخارج الغرفة.
"وائل"، روح أنت. أنا هستنى حد من أهل "نسمة" ييجي الأول وبعدين أروح أنا.
ماشي تمام. وأنا هبقى أعدي عليك في الشقة نقعد سوا بالليل.
ماشي، هستناك.
"نسمة"... انتظرت "سحر" خروج "عمر" و"وائل"، لتقترب من "نسمة" وهي تغمز بإحدى عينيها مستكملة بمزاح ماكر:
أيوه يا عم. مين قدك النهاردة؟
هزت "نسمة" رأسها مستفهمة وهي تتنفس بقوة لأنها لا تستطيع إخراج الكلمات بسهولة.
ما تتعبيش نفسك، أنا هحكيلك لوحدي. بصي يا ستي... بعد ما "دنيا" اتكهربت وقعت في الأرض ولقيت الماكينة ولعت. شديتها بسرعة بره المكتبة، ومن ساعتها المكتبة كلها بقت حريقة والعة. ولقينا "عمر" جاي ينادي عليكي وبيصرخ. وراح رامي نفسه في وسط النار ومطلعش غير وهو شايلك من جوه. يا عيني يا عيني. ده كان هيموت عليكي يا بنتي والله.
ابتسمت "نسمة" بسعادة قائلة لنفسها: "للدرجة دي كان خايف عليا؟ لدرجة إنه يرمي نفسه في النار عشاني؟ كان ممكن يجرى له حاجة، مخافش على نفسه... عشاني. أنا حاسة إنه هو ده اللي ربنا عوضني بيه عن اللي أنا عايشاه ده."
قطعت "سحر" شرودها:
روحتِ فين يا بنتي بكلمك.
"نسمة" مستفهمة:
إيه؟
بقولك هاتِ رقم أخوكي أكلمه عشان ييجي.
هزت "نسمة" رأسها وأحضرت لها "سحر" ورقة وقلم لتدون رقم "حسن" الذي احتفظت به "سحر" لتبلغه بما حدث لـ"نسمة" وأنها سوف تبقى في المستشفى حتى تتحسن.
عاد "عمر" إلى داخل الغرفة، لتوجه له "سحر" حديثها:
كويس إنك جيت. أنا هنزل أبلغ أخو "نسمة" إنها هتبات في المستشفى وأنت خليك جنبها بقى.
ثم نظرت "سحر" إلى "نسمة":
هاتصل أنا بـ"حسن" وأروح أنا و"دنيا". بكرة إن شاء الله حاجي لك. باي.
بااا..ي.
اقترب "عمر" من الفراش ليجلس على المقعد المجاور لها بعد رحيل "سحر".
مش مصدق إنك فوقتِ. أنا كنت خايف عليكي أوي.
ابتسمت "نسمة" وسط إعياءها الشديد:
شكر..ا....... على..... إللي... أنت... عملته... عشانى.....
أنا معملتش كده عشان تشكريني. أنا كنت هاموت بجد لو كان جرى لك حاجة.
أسرعت "نسمة" بتلهف:
بعد.... الشر...
أشفق "عمر" على حالتها قائلاً:
ما تتكلميش يا "نسمة". عشان متعبيش. وعايزك تفوقي كده. عشان إن شاء الله أول ما تطلعي من هنا بالسلامة... فيه زيارة مهمة أوي لازم أعملها لأخوكي "حسن".
غمز لها بطرف عينه، فهمت منه "نسمة" مقصده، وعلمت أنه سيطلب يدها من "حسن"، ويتوج هذه المشاعر بينهم برباط قوي، ويجعل حبها يخرج للنور. ابتسمت بغبطة شديدة ثم أغلقت عينيها تتخيل متى ستخرج من المستشفى لتبدأ أولى خطوات السعادة معه.
***
سحر...
دقت "سحر" برقم "حسن" أخو "نسمة".
السلام عليكم... أستاذ "حسن"؟
وعليكم السلام. أيوه أنا "حسن". مين معايا؟
أنا "سحر" زميلة "نسمة" في الكلية.
"حسن" بتملل:
آه... خير!!!
أصل حصلت حريقة في الكلية و"نسمة" تعبانة في المستشفى وممكن تبات عشان محتاجة جهاز التنفس.
والمطلوب مني؟
أنا ببلغ حضرتك ودي اسم المستشفى عنوانها ______ ....
ماشي. سلام.
أنهى "حسن" المكالمة على الفور وببرود شديد، لتتعجب "سحر" من رد فعله بصورة كبيرة.
لا حول ولا قوة إلا بالله. إيه البرود ده؟ أتارى الواحد مش بياخد كل حاجة. وإحنا اللي كنا بنقول عندها كل حاجة مال وجمال. الله يعينك يا بنتي. ده ولا مهتم حتى يعرف إنتي في أنهي مستشفى.
تحركت "سحر" خارجة من المستشفى مع "دنيا" وقررت ألا تبلغ "نسمة" عن رد فعل أخيها حتى لا تتأثر حالتها النفسية، فيكفي التعب الذي تشعر به.
رواية عشقت خيانتها الفصل العاشر 10 - بقلم قوت القلوب
شقه حسن ....
أنصتت "حنان" بإهتمام بالغ لتلك المكالمه الهاتفيه منذ قليل وإنتظرت بتلهف حتى إنتهت لتسأل "حسن" بفضول عارم ..
خير يا "حسن" ..؟؟
أجابها "حسن" بتملل من أفعال "نسمه" التى باتت لا تطاق ..
أنا عارف ... واحده مع "نسمه" فى الكليه بتقول تعبانه ومحجوزة فى المستشفى ...
زمت "حنان" شفتيها وهى تنهره بقوة قبل أن ينطق بحرف واحد ..
بقولك إيه ... أنا لا فيا حيل أروح مستشفيات ولا أخدم عيانين ..... وخصوصاً البنت دى !!!! .... أنا مش حسيب عيالى يتبهدلوا وأتشحطط أنا فى المستشفيات ...
_ يعنى أنا إللى فاضى ... وبعدين دى بتقولك إنها عندها إختناق بس .. يعنى لا إتحرقت ولا حاجه ...
بتهكم شديد شهقت "حنان" وهى تلوى فمها جانبياً ..
إختناق ...!!! ودى حاجه تستاهل بيات فى المستشفى ...؟!! دلع بنات صحيح ...سيبها تتربى وتعرف إننا مبنحبش الدلع ده ..
_ على رأيك ... أنا كمان مش ناقص وجع دماغ ... خصوصاً أنى دماغى مشغوله و داخل على شراكه جديده مع "محمود منصور" ... ودى حاجه مش سهله ... الراجل ده حيرفعنا لفوق أوى ...
_ يا ريت ... ونقب بقى على وش الدنيا ...
شرد "حسن" بطمع شديد هاتفاً ..
إللى فى دماغى ده لو حصل ... كل إللى بتحلمى بيه حيتحقق وأكتر كمان ...
المستشفى ....
نظر "عمر" إلى ساعته فالساعه كادت تقترب من السابعه مساءً ، تعجب "عمر" كيف لم يأتى أحد من أهل "نسمه" حتى الآن للإطمئنان عليها ...
بينما ظنت "نسمه" أنه قد مل من الجلوس معها وبالتأكيد يود العوده الى منزله فقد قضى اليوم كله برفقتها بالمستشفى ...
همست "نسمه" بأنفاسها المتقطعه تحثه على الذهاب ...
روح أنت .. بقى ... أنا .. بقيت .. أحسن ..
_ أروح ....؟؟ للدرجه دى زهقتى منى ولا إيه ...؟؟
_ إزاى .. تفكر .. كده .. أنا عارفه ... إنك ما .. إرتحتش ... ولازم ... ترتاح ...
_ أنا راحتى بس لما اشوفك مبسوطه ومرتاحه ... أنا بس مستغرب أخوكى مجاش ليه لحد دلوقتى ...؟!!!!!
إبتسمت "نسمه" إبتسامه ساخره بخفه تداركتها على الفور لم يلحظها "عمر" فهى كانت متأكده تماماً أن "حسن" لن يأتى لتبرر تصرف أخيها بعدم إقتناع لكن عليها ذلك ...
أصل .. أخويا .. مشغول على ...طول .. وأكيد .. زمانه جاى ... دلوقتى ...
_ أكيد طبعاً ... أمال يعنى حيسيبك لوحدك ...!!!!
_ أنا .. كمان ... حنام ... روح .. أنت ... وأبقى .. تعالى .. تانى ...
_ أنا مش عايز أسيبك أبداً ... بس المستشفى مش حتوافق أنى أبات معاكى هنا ... ده كويس أنهم سايبنى قاعد لحد دلوقتى معاكى ... لكن أنا مش عايز أمشى وأسيبك هنا لوحدك ...
_بكرة ... أبقى .. كويسه.. وأروح ... وأنت .. كفايه .. عليك ... كده .. النهارده ...
دلفت الممرضه إلى داخل الغرفه تطلب من "عمر" المغادرة لإنتهاء موعد الزياره بالمستشفى ...
بعد إذن حضرتك .. ممكن تمشى بقى .. مينفعش حضرتك تبات هنا والزياره كده خلصت ....
_ فهمت ...حاضر ...
ثم نظر إلى "نسمه" مودعاً إياها قبل تركه لها ليعدها بالعودة فى الصباح الباكر ...
بكرة إن شاء الله من بدرى حاجى عشان أطمن عليكى ...
إبتسمت "نسمه" وهى تومئ رأسها بخفه و إمتنان لما فعله معها اليوم ...
اليوم التالى ...
عاد "عمر" مسرعاً إلى المستشفى فى الصباح للإطمئنان على "نسمه" فقد إنشغل بها طيله الليل بتركها بمفردها بتلك الصورة وحيده بالمستشفى ...
دلف إلى الغرفه ليجد الطبيب يتابع حالتها ليقترب منه متسائلاً عن حالتها الآن ...
خير يا دكتور إيه الأخبار .... ؟؟
_ الحمد لله التنفس إستقر بنسبه كبيرة وفيه تحسن ملحوظ ...
_ طيب هى ممكن تخرج إمتى من المستشفى ...؟؟
_ والله لو إتوفرت لها الراحه اليومين الجايين ممكن تطلع دلوقتى لو حبيتوا ..
_ أكيد طبعاً .. ترتاح فى البيت أفضل ...
ظن "عمر" أن راحتها ستكون ببيتها وسط عائلتها أفضل من بقائها بمفردها بالمستشفى ، توجه الطبيب بالحديث نحو "نسمه" قائلاً ...
طيب أنا حكتب لك على خروج بس مش لازم تنزلى من البيت اليومين الجايين دول .. جو الشارع والتراب ميناسبش وضعك الصحى دلوقتى خالص ....نرتاح يومين فى البيت حتكونى أحسن .. ولو حسيتى بأى تعب أو ضيق تنفس ممكن تاخدى كمان جلسه أكسجين وحتبقى تمام ....
_ إن شاء الله ....
إنتظر "عمر" خروج الطبيب من الغرفه ليعيد التنبيه على "نسمه" بألا تهمل بحالتها الصحيه حتى تتحسن ...
سمعتى .. الكلام ده يتنفذ بالحرف الواحد ... مفيش خروج من البيت نهائى ولا الكليه ولا المكتبه .. تمام ...
بتملل شديد وقد تحولت ملامحها لضيق بالغ أردفت ...
بس أنا مش بحب قاعده البيت خالص ....!!!!
_ لا ... ده أمر ... وربنا يصبرنى على اليومين إللى مش حشوفك فيهم دول بقى ....
نكست "نسمه" عيونها بخجل حين إستطرد "عمر" ...
إلا قوليلى صحيح ... اخوكى جه إمبارح ...؟؟
"نسمه" بإرتباك ...
اا... اه ...
_ كويس .. أنا كنت قلقان عليكى لما سيبتك لوحدك ...
_ لا متقلقش عليا ... أنا كويسه ...
_ طيب أنا حنزل أتابع إجراءات خروجك من المستشفى تكونى جهزتى عشان أروحك البيت ....
_ أوك ...
خرجت "نسمه" بصحبه "عمر" إلى خارج المستشفى متجهه نحو المنزل حين أصرت ألا يقوم بإيصالها خوفاً من أن يعلم "حسن" بذلك ، طلبت منه أن يرافقها إلى مكتبه عم "متولى" فقط وهى بعد ذلك ستذهب إلى البيت مباشرة ، ومع رفضها الشديد وإلحاحها فى ذلك حتى تتجنب أى مشكله مع أخيها وافق "عمر" على ذلك على مضض ....
ولو إن المفروض تروحى على البيت على طول ...!!
_ معلش ... أطمن بس عم "متولى" وحروح على طول .. والبيت قريب خالص مش بعيد ...
_ على فكرة أنا مش فاهم أنتى ليه بتشتغلى فى المكتبه دى ...؟؟
_ عم "متولى" صاحب بابا الله يرحمه .. وأنا بحب أساعده ... وزمانه قلقان عليا أوى عشان مجتش إمبارح ولا أتصلت بيه .... حطمنه بس وأروح على طول ...
_ على سيره الإتصالات بقى ... أنتى ليه مش معاكى موبايل ... مش عارف أطمن عليكى خالص ...!!!!!
_ أبداً ... مش بحبه ... بس قريب أوى حجيب واحد عشان تبقى تطمن عليا و .....ااا... ابقى أطمن عليك برضه ....
_ يااااااا .. أخيراً فكرتى فيا وقولتيلى كلمه تبل ريقى ...
شعرت "نسمه" بالخجل و توهجت وجنتيها بشده ليدرك "عمر" ذلك ويردف بمزاح ....
خلاص ... خلاص ... كل ده كسوف من كلمتين .....
_ لا... ااا ..عادى ... إحنا وصلنا أهو ... حدخل أنا لعم "متولى" وأنت كفايه عليك كده .. تعبت معايا أوى ...
_ إيه إللى أنتى بتقوليه ده .... ده أنا عمرى كله فداكى ... المهم إن أنتى كويسه وبخير ...
إبتسمت له خجلاً وتركته مسرعه لتدخل إلى المكتبه ، تبسم "عمر" لرد فعلها الخجوله وتركها عائداً إلى الجامعه ....
بالمكتبه ...
بقلق بالغ هتف عم "متولى" بـ"نسمه" حين وقعت عيناه عليها ...
"نسمه" !!!! أنتى فين يا بنتى قلقتينى عليكى ....؟؟
_ الحمد لله يا عم "متولى" ...كنت تعبانه فى المستشفى والله يا عم "متولى" معرفتش أكلمك خالص ...
_ ألف سلامه عليكى يا بنتى ... وأنتى عامله إيه دلوقتى ...؟؟
_ الحمد لله ... أنا جيت أطمنك .... وأقولك برضه أنى مش حقدر آجى اليومين الجايين حقعد فى البيت ..
_ على راحتك خالص يا بنتى .. المهم سلامتك ....
استأذنت "نسمه" من عم "متولى" لتعود إلى بيت أخيها لشعورها بإعياء شديد ، اقتربت من البيت كارهه مكوثها ليومين كاملين مع "حسن" و"حنان" دون الخروج منه لكنها مجبره بأمر الطبيب ....
و"عمر"....
شقه حسن ....
إستقبلتها "حنان" بضيق وهى تناظرها بإستحقار شديد لتخرج من صمتها بتهكم واضح ...
أهلاً أهلاً بالسنيوره ...
_ إزيك يا "حنان" ....؟؟
_ والله أنا كويسه ... أنتى بقى كويسه برضه ...!!
_ الحمد لله ...
_ ما أنتى مش تعبانه ولا حاجه أهو ...؟؟!! ..كان لازمتها إيه البيات فى المستشفى يعنى !!!! ... ولا هو دلع وخلاص .... عموماً أنا مكانش ينفع أسيب ولادى و آجى .. حوديهم فين ....؟!!!!
لم تكترث "نسمه" بحديث "حنان" فهى كانت تعلم جيداً أنه لن يأتى أحد منهم للإطمئنان عليها ...
فاهمه .. فاهمه ... أنا داخله أرتاح شويه .. لسه مش عارفه أتنفس كويس ...
تركتها "نسمه" وإتجهت نحو غرفتها لتبتعد عن "حنان" ومشاكلها فهى لا تتحملها الآن ....
ألقت بجسدها المنهك فوق الفراش تلتمس بعض الراحه بعد تناول دوائها الذى سبب لها النعاس فوراً وغطت فى نوم عميق ...
عمر ....
رن هاتفه معلنا وصول رقم من خارج البلاد جعله ينتفض سريعاً للرد عليه متيقناً بأنه جده "صالح" ....
السلام عليكم ...
_ وعليكم السلام .. إزيك يا "عمر" ..؟؟
_ الحمد لله يا جدى ... أخبارك أنت إيه ....؟؟؟
_ الحمد لله ... بقيت أحسن والله ...
_ الحمد لله .. وحشتنى جداً والله يا جدى ...
_ والله يا بنى ما حد واحش حد غيرك .. معلش يا بنى لولا العمليه مكنتش سيبتك كل ده قاعد لوحدك كده ...
_ متقلقش عليا يا جدى .. وراك رجاله ...
_ أنا عارف يا أبنى ... المهم ..الدكتور هنا خلاص حيكتب لى خروج من المستشفى ...
_ بجد .. وحتيجى مصر إمتى إن شاء الله ....؟؟
_ كمان أسبوعين ... حبقى أكلمك أديك المعاد واليوم بتاع الطياره بالضبط بس لما نحجز ....
_ إن شاء الله توصل بالسلامه يا جدى ... وبإذن الله حستناك فى المطار ....
_ إن شاء الله ..خد بالك يا أبنى من نفسك .. مع السلامه
_ مع السلامه ...
أنهى "عمر" الإتصال محدثاً نفسه بسعاده لتلك الفرصه التى لاحت لتحقيق مبتغاه ..." كويس أوى ..حتى ساعتها تكون (نسمه) بقت كويسه ... أكلم جدى ونروح نخطبها على طول ..."
شقه حسن ....
عاد "حسن" من الشركه ليجد "حنان" جالسه على إحدى الأرائك بغرفه المعيشه ...
أخبارك إيه يا "حنان" ....؟؟
_ كويسه ... المحروسه جت .. ومن ساعتها نايمه ...
_ ليه بقالها كتير نايمه ...؟؟
_ اه .. يجى أربع ساعات وأكتر ... أنا بعت "عمرو" من شويه يبص عليها لقاها نايمه فى سابع نومه محستش بيه خالص ...
_ ماشى ...
دق هاتف "حسن" لينظر الى شاشته بتملل ثم سحب نفساً عميقاً وزفرة بقوة قبل أن يرد على تلك المكالمه الخانقه متمتماً بضيق ....
يا دى وجع الدماغ ... أنا ناقصها دى كمان ...!!!
ألو ... أيوه يا أم "ريم" ....
_ إزيك يا "حسن" ...
_ كويس ...
_ و"نسمه" عامله إيه ....؟؟ قلبى واكلنى عليها ... وحشتنى أوى ...
_ متشوفيش وحش ... ما تخلصينا بقى يا أم "ريم" من مكالماتك إللى مبتخلصش دى ...!!!!!!
_ نفسى أطمن عليها يا "حسن" ...سنين يا أبنى ولا حتى خلتنى أشوفها ولا أكلمها أنت وأبوك من يوم أمها ما ماتت !!!! ... ده أنتى حتى مش جايب لها تليفون أكلمها وأطمن عليها ده أنا برضه خالتها ...!!!
_ ريحى نفسك يا أم "ريم" ...مش حتاخدى "نسمه" عندك .. وقلتلك قبل المرة مليون مره .. إنسيها بقى وخلاص ...
_ أنساها ... أنساها إزاى ؟!!! ... دى وصيه أمها ... كان نفسها أنى أخدها تعيش معايا وأنت وأبوك الله يرحمه رفضتم كده ...!!!
_ ولحد دلوقتى يا أم "ريم" .. بقولك مش حتاخدى
ها نهائى ...
_ ليه بس يا أبنى ... ده أنا حخف الحمل من عليك ... ده أنا حتى ممكن أجوزها "ياسر" أبنى ...
ثار "حسن" عندما ذكرت أم "ريم" ذلك فهو لن يتنازل عن حقها فى الشركه والذى سجله لها والدهم قبل وفاته ، وعندما يتزوجها إبن هذه السيده فسوف يطالب بحقها وهذا ما لا يسمح بحدوثه إطلاقاً ليهتف بها بعصبيه شديدة ...
بقولك إيه يا ست أنتى ...دى آخر مرة أسمعك بتتصلى وبتسألى عليها تانى ... وروحى مطرح ما كنتى أحسنلك .. مالكيش حد عندنا تسألى عليه ... والرقم ده تنسيه نهائى ...
_ حسبى الله ونعم الوكيل ...
اغلق "حسن" هاتفه بعصبيه ...
دى حتقرفنى دى كمان ... ناقصها أنا .. ويجى سى "ياسر" دة ياخد الشركه على الجاهز .... دى شركتى أنا لوحدى ... وفلوسى أنا وبس ...