تحميل رواية عشقت خيانتها بقلم قوت القلوب pdf
بقلم قوت القلوب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماما..ماما!!!! ....متسيبينيش لوحدى لاااااااا ....هئ هئ هئ ......ماماااااا _ متخافيش يا حبيبتى أنتى مع "حسن" ... متخافيش .... _ أنا مش عايزة حد غيرك أنتى .... أنا عاوزة أبقى معاكى أنتى ..... _ حسن حياخد باله منك ..... أنا لازم أمشى دلوقتى .... مع السلامه يا "نسمه" .... _ لا ....لا ..... ماماااااااااا ... إرجعى يا ماما .... متسيبينيش لوحدى ......!!!!!! قامت من نومها مفزوعه بنهج شديد تحاول إدراك أن ذلك هو نفس الحلم مرة أخرى لتهمس لنفسها بخيبه أمل .... _ ااااه ... نفس الحلم تانى ....!!!!! رفعت عينيه...
رواية عشقت خيانتها الفصل الحادي عشر 11 - بقلم قوت القلوب
يومان يمران عليها شعرت بإعياء وإرهاق شديدين، لا تعلم هل الحادث هو السبب فيما تشعر به أم أن ذلك هو من أثر تلك الأدوية التي تتناولها، لكن أفضل شيء الآن أنها تماثلت للشفاء وانتهى هذان اليومان بخيرهما وشرهما، وها هي تعود مستأنفة دراستها بالجامعة.
***
بعد غياب ليومين على تجمعهم المحبب، تقابلوا جميعاً بسعادة لعودتهم مرة أخرى سالمين بعد هذا الحادث الذي لن ينسى أبداً، وبعد يوم دراسي حافل.
قضوا أغلب وقتهم برفقة بعضهم البعض حتى حان موعد العودة، لم يكن اليوم انتهى بالنسبة لـ "نسمة" بل ما زال بدايته، فعليها الذهاب لمكتبة عم "متولي" أولاً والعمل بها قبل عودتها لمنزل أخيها.
***
بعد انتهاء عملها بالمكتبة عادت "نسمة" إلى شقة أخيها "حسن"، لكن انتبهت لوجود أصوات غير مألوفة إليها، فقد كانت تستمع لضحكات وحديث رجولي خشن بغرفة الصالون الخاصة بهم، وعلى ما يبدو أن هناك زائر ما.
مرت "نسمة" من أمام غرفة الصالون متجهة نحو غرفتها بهدوء، لكنها فوجئت بنداء أخيها "حسن" إليها. ازدادت دهشتها لطريقته الودودة وتلك الابتسامة اللطيفة التي ملأت محياه وهو يقف قبالتها.
نعم، هو كان في الماضي قبل وفاة والدهم يبتسم لها مجبراً لإرضاء والدهم، لكنه منذ وفاته لم تر شبح تلك الابتسامة مطلقاً، لتعتلي ملامح الحيرة وجهها وهي تقف بسكون تام ناظرة نحوه بتعجب بالغ، لتهمس بداخلها:
"هو (حسن) بيكلمني وبيضحك معايا أنا...؟"
حين أكمل "حسن" بنبرة حانية وهو يضع ذراعه فوق كتفها ليحيطه بود:
"تعالى حبيبتي... تعالي..."
تحركت نسمة بضع خطوات بآلية شديدة وهي غير مصدقة لتغير أسلوب "حسن" معها، لتتسع عيناها العسليتين بدهشة حتى دلفا إلى داخل الغرفة، حين بدأ بتعريفها إلى أحد الأشخاص بحفاوة لا تليق به.
"دي بقى يا أستاذ "محمود"... "نسمة"... أختي الصغيرة..."
أكمل "حسن" وهو يتجه بنظراته إليها بحنو بالغ غير مصدق من قبالها بالطبع:
"أختي الوحيدة وماليش غيرها في الدنيا..."
نهض هذا الشخص من جلسته ماداً يده لمصافحتها قائلاً بابتسامة:
"أهلاً وسهلاً يا آنسة "نسمة"... الصراحة الأستاذ "حسن" دايماً بيحكي عليكي... لكن ظلمك في وصفه بصراحة... أنتي ما شاء الله أحلى وأرق من وصفه بكتير..."
بتوجس شديد صافحت "نسمة" هذا الرجل وهو تحاول رسم ابتسامة باهتة فوق ثغرها، لكن قلبها تخوف من تلك المقابلة للغاية، خاصة وهي ترى تعامل "حسن" الجديد كلياً معها، مما جعلها تقلق وتتوجس منه.
أجابت بدبلوماسية شديدة محاولة التهرب من وجودها معهم:
"شكراً... بعد إذنكم... أنا تعبانة وعايزة أرتاح..."
لحقها "حسن" قبل أن تتراجع خطوة واحدة بإيقافها مردفاً:
"وده ينفع برضه...؟ الأستاذ "محمود" ضيفنا ولازم نقعد معاه ولا إيه...؟"
ثم رمقها بنظرة ذات مغزى هي تعرفه جيداً. لتومئ برأسها خوفاً منه في هدوء. اتجهت لأحد مقاعد الصالون لتجلس عليه بهدوء وروية متحلية بالصمت.
دَلفت "حنان" بعد قليل وهي تحمل صينية كبيرة من الحلوى الشهية وقد اعتلت وجهها ابتسامة غريبة للغاية لم تعهدها "نسمة" لتثير دهشتها، حين وضعت تلك الصينية فوق المنضدة الرخامية وهي تهتف بكذب:
"دوق بقى عمايل إيد "نسمة"... ما شاء الله عليها... مش حتدوق أحلى من كده... حتاكل صوابعك وراها..."
تعلق بصرها بـ "زوجة أخيها" وتوالت الاندهاشات من تصرفات "حسن" و"حنان" بصورة مخيفة، حاولت فهم ما يحدث حولها، لكنها لا تدرك ما السبب في هذا التغير المفاجئ بتعاملهم معها حتى الآن.
انتظرت "نسمة" بعض الوقت لتجد حجة مناسبة متعللة بأنها تستيقظ مبكراً للغاية لتهرب من هذه الجلسة المملة والمخيفة في نفس الوقت.
وبسرعة فائقة دلفت إلى غرفتها وأغلقتها جيداً، حتى أنها لم تفكر في تناول الطعام خوفاً من أن تخرج مرة أخرى من الغرفة وهم جميعاً ما زالوا بالخارج.
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت "نسمة" كعادتها وبدأت في روتينها اليومي حين فاجأتها "حنان" من خلفها قائلة:
"نسمة... كلمي "حسن" عاوزك ضروري..."
مجرد ذكر اسمه جعلها تتوتر من طلبه لها بهذه الساعة الصباحية لتهتف بقلق:
"أنا...؟"
رمقتها "حنان" بنفور وهي تحدثها بنبرة متهكمة على غبائها:
"أمال مين يعني...!!! يلا هو مستنيكي في أوضته..."
"حاضر..."
بدون أدنى تأخير تركت "نسمة" ما بيدها فوق المنضدة الخشبية الصغيرة بالمطبخ قبل أن تتجه نحو غرفة "حسن" وقد اعتراها رجفة خوف من طلبه لرؤيتها. رجفة عصفت بها وأخذت تتضاعف حد الذعر كلما اقتربت خطوة من غرفته.
رفعت قبضتها لتطرق الباب بهدوء قبل أن تستمع لصوته الرخيم مؤذناً لها بالدخول:
"ادخل..."
"أنت عاوزني يا "حسن"؟"
"أيوه تعالي..."
إرتجف صوتها الرقيق وهي تتساءل بخوف:
"خير...؟"
"خير... خير أوي كمان.... عارفة "محمود" اللي كان عندنا امبارح ده..."
"ماله...؟"
"ده من أكبر رجال الأعمال هنا في مصر... وإحنا خلاص حنتشارك سوا..."
علقت "نسمة" بدون فهم، فهي لا تدرك ما دخلها بعمل أخيها، فتلك أول مرة يحدثها عن العمل.
"بجد... مبروك..."
استكمل "حسن" حديثه بابتسامة خفيفة متوارية خلف نظرات قاسية لا تناسب تلك الانفراجة التي حلت بملامحه:
"لأ مبروك دي... حتقوليها على حاجة تانية لما أقولك عليها..."
قبض قلب "نسمة" على الفور فقد توجست خيفة بما سيلقيه على مسامعها بتلك اللحظة، لتترقب بقلق.
"شوفي بقى يا ستي.... السعد اللي مستنيكي... أهو "محمود" ده بجلالة قدره طلب مني إيدك امبارح... ها.. إيه رأيك...؟"
تهدج صدرها بقوة وهي تحاول إخراج الكلمات من داخل حلقها محاولة استجماع شجاعتها:
"رأيي... في إيه...؟ .... "حسن" أنت بتتكلم بجد؟!!!!!!! ده أكبر مني ييجي بعشرين سنة؟!!!!!"
وقف "حسن" ليظهر فرق طوله وقوته بنيته بينها وبينه، ليعصف بغضب وقد احتدمت نبرات صوته الجهورية ليهتف بعصبية:
"وهو سن الراجل يعيبه في إيه؟!... ده أنتي لو لفيتي الدنيا بحالها مش حتلاقي راجل زي ده... ده غير العز اللي حتعيشي فيه... وحتعيشينا معاكي فيه..."
لاحت دمعة قهر بعينيها، فهي لن تستطيع الموافقة على طلبه القاسي.
"لأ يا "حسن"... لأ متظلمنيش كده..."
"وهو لما أجيبلك عريس زي ده يبقى أنا بظلمك... أنتي إيه...؟... قلتلك ده حيعيشك ولا ملكة زمانك... طلباتك كلها مجابة... دي جوازة أي بنت في الدنيا تحلم بيها..."
تعالت ضربات قلبها وتهدج صدرها لتخرج كلماتها المنتحبة من حلقها الجاف بصعوبة تستجدي رقة قلب أخيها:
"لأ يا "حسن" بالله عليك... مش عايزة الجوازة دي..."
قابل "حسن" رجاءها وبكائها بقسوة وقلب متحجر قائلاً بضيق من رفضها لتلك الفرصة التي لن تتكرر مرة أخرى:
"أنتي افتكرتي نفسك حاجة ولا إيه عشان أخدت رأيك؟!!!! .... لأااااا.... فوقي لنفسك وافهمي كويس إن أنا اللي كلمتي بتمشي هنا... برضاكي أو غصب عنك متفرقش معايا...."
"دي حياتي يا "حسن"... أنا مش موافقة..."
قبض "حسن" على ذراعها بقوة ليجذبها تجاهه وقد لمعت عيناه ببريق ناري يقذف شرره نحوها وهو يصرخ بها بغضب وقد اتسعت عيناها بهلع من رد فعله الغاضب ليستكمل حديثه بنبرة تهديد من بين أسنانه:
"مش موافقة دي لو أنتي عندك خيار تاني.... لكن أنتي معندكيش الخيار ده... بس أنا من أصلي معاكي حسيبك يومين بالعدد تيجي بعدها وتقوليلي موافقة برضاكي... بدل ما والله أقتلك أنا وأخلص منك ومن قرفك اللي معيشانا فيه ليل ونهار... أنا حذرتك... قدامك يومين.... وبس..."
أرخى "حسن" قبضته ليدفعها إلى الخلف ملقياً إياها لتهوى فوق الأريكة من خلفها، أخذ تنفسها يزداد صعوبة، تختنق.
نعم تختنق، فجميع أحلامها وسعادتها تنهار أمامها. ماذا ستفعل وكيف ستتصرف؟!!!!
تحركت من مكانها بصعوبة فهي تشعر بدوار يتحكم برأسها، لكنها يجب أن تذهب إلى الجامعة، يجب أن تقابل "عمر"، عليها أن تخبره بما سيفعله معها "حسن"، ربما يستطيع أن يخلصها من تلك الورطة، لتهمس بأملها الوحيد:
"أيوه... مفيش غيره قدامي يخلصني من اللي أنا فيه... هو كان عايز يتقدم لي لما أطلع من المستشفى... هو قال كده..."
لملمت أعصابها المنفلتة وهي تمسح دموع عينيها قبل أن تخرج من غرفة "حسن" متجهة نحو الجامعة مباشرة، فعليها مقابلة "عمر" اليوم.
***
وصلت إلى الجامعة دون أن تعي كيف وصلت إليها وكيف سارت بطريقها، كانت دموعها تسبقها، كادت أن تنهار من ضيقها وحزن قلبها.
تلفتت بكل الاتجاهات باحثة عنه، هو فقط... حبيبها ومخلصها وعليها إيجاده، لكنها لم تر حتى طيفه بعد، لتجلس بإحباط شديد فوق أحد المقاعد تحاول استجماع قوتها تحاول إخفاء هذا الانهيار الواضح عليها.
نظرت "دنيا" أمامها تحاول التأكد أولاً قبل أن تسأل "أحلام":
"الله... مش دي "نسمة"....؟!!!!! هي قاعدة كده ليه....؟"
"مش عارفة يلا نشوفها جري لها إيه...؟!!"
اقترب ثلاثتهم من "نسمة" الشاردة التي تغطي وجهها بدموع يرونها لأول مرة، فهي دائمة الابتسام.
جلست "سحر" و"دنيا" إلى جوارها بينما ظلت "أحلام" قبالتها يحاولون تهدئتها بعد رؤيتهم لبكائها بتلك الصورة.
أمسكت "أحلام" بكفها بحنو متسائلة:
"فيه إيه بس حبيبتي إيه اللي حصل....؟"
بصعوبة بالغة حاولت "نسمة" التحدث وسط شهقاتها المتوالية لتخبرهم بما حدث مع أخيها "حسن" هذا الصباح وإصراره على زواجها من هذا الشخص رغماً عنها.
أردفت "سحر" بهدوء:
"بالراحة حبيبتي... أكيد فيه حل..."
حاولت "دنيا" طمأنتها قليلاً، هي لا تدرك تماماً لم حاول أخيها إجبارها، لكنه بالطبع ليس هناك عائلة لا تحب أبناءها، فأجابتها بطبعها الحالم:
"متخافيش يا "نسمة"... ده مهما كان أخوكي برضه ومش حيرضى أنه يجبرك على حاجة زي دي..."
حركت "نسمة" رأسها نافية، فـ "دنيا" لا تدرك حقاً قسوة أخيها، فهي تظن أن الدنيا وردية للغاية، فهي وحيدة والديها ومدللتهم.
"أنتي متعرفيش حاجة... أنتي متعرفيش "حسن"... !!!"
ربتت "أحلام" بهدوء فوق كفها مردفة بعقلانية:
"طب أنتي شايفة إيه...؟ حتعملي إيه...؟"
برق الأمل مرة أخرى بنبرة صوتها وهي تردف ببكاء لا يتوقف:
"أنا لازم أقول لـ "عمر"... هو كان عايز يتقدم لي... خلاص يتقدم لي دلوقتي... ويخلصني من المشكلة اللي أنا فيها دي..."
اتسعت عينا "أحلام" الواسعة بذهول لتسألها باندهاش:
"عمر....!! هو قالك كده...؟"
"لمح لي..."
وقفت "أحلام" تسأل "نسمة" بتحديد ما إذا كان قالها لها صريحة:
"قالك ولا لمح لك...؟ تفرق...!!!"
"بالله عليكي يا "أحلام"... أنا مش مستحملة تفكير ووجع قلب... أنا حقوله وهو يتصرف..."
زمت "أحلام" شفتها إشفاقاً على حال صديقتها مردفة:
"طيب معلش... هدي نفسك.... عموماً هو تقريباً مجاش النهارده..."
رفعت "نسمة" وجهها المتوهج بحمرة شديدة أثر بكائها العنيف بصدمة:
"إيه....؟"
"أه أنا مشفتهوش... وشفت صاحبه "وائل" بس...."
"بس أنا معرفش أوصل له خالص!!!! أنا مش حقدر أستحمل كده..."
"اهدئي بس... وتعالى نخرج نشم شوية هوا لحد ما تهدى كده... وبكرة يحلها الحلال...."
اصطحبت "أحلام" "نسمة" متأبطة ذراعها بحنو لتخرجا إلى خارج الجامعة لتحاول أن تهدأ من روع صديقتها قليلاً، فالعيون أصبحت تراقبهما بعد رؤيتهم لانهيار "نسمة" بتلك الصورة.
جلست "دنيا" و"سحر" تشعران بالاشفاق على حال صديقتهم الرقيقة "نسمة" فهي حقاً لا تتحمل ذلك الضغط القوي عليها.
***
تملل "عمر" من صديقه "وائل" الذي أخذ يكتب المحاضرة بدفتره الخاص بعدما ينقلها من دفتر "عمر" ليهتف به "عمر" بقله صبر:
"يا ابني أخلص بقى... بقالك ساعتين بتنقل في السطرين دول..."
"يا سيدي اصبر... إن الله مع الصابرين...."
"أدينى صبرت... واخرتها.. ما كنت صورت الورقة بالموبايل وخلصنا..."
"مستعجل على إيه يعني...؟"
"ولا حاجة يا خفيف..."
"ولا حاجة برضو... ماشي.. على أساس إني مش فاهم حاجة..."
"بقولك إيه... متضايقنيش...!!"
"خلاص أهو خلصت...."
أغلق "وائل" دفتره ليتحرك برفقة صديقه بأرجاء الجامعة دون هدف، لكنه يعلم بقراره نفسه أن "عمر" يبحث عن تلك الفاتنة التي سلبت قلبه... "نسمة".
***
بقيت "دنيا" و"سحر" بمكانهما حتى هتفت "دنيا" بانفعال:
"إيه ده.... ؟؟؟ ده "عمر" هناك أهو هو و"وائل"....!!!!"
رفعت "سحر" رأسها بالاتجاه الذي تشير إليه دنيا مؤكدة صحة ما رأته حقاً:
"أه صحيح... يا ريتك ما مشيتي يا "نسمة"... نروح إحنا نقوله....؟"
برومانسية حالمة نهرت "دنيا" صديقتها الجريئة:
"لأ طبعاً.. مينفعش.. هي اللي لازم تقوله.. مينفعش تيجي مننا إحنا..."
لوت "سحر" فمها جانبياً فقد كانت تود إيجاد حل فوري لصديقتها مفطورة القلب:
"طب استنى أرن على "أحلام" أقولها تجيب "نسمة" وتيجي...."
أخرجت "سحر" هاتفها لتتصل بـ "أحلام" قبل أن تبتعدا كثيراً عن الجامعة:
"أيوة يا "أحلام"... "عمر" هنا أهو... هاتى "نسمة" وتعالى..."
"نسمة روحت... مرضيتش تقعد في حتة وهي بتعيط كده... خلاص بكرة تبقى تقوله..."
"يوووه... حظها وحش أوي البنت دي... طيب مع السلامة..."
"سلام..."
***
مع بحثه بين كافة الأرجاء وقعت عينا "عمر" على "سحر" و"دنيا" جالستان بأحد المقاعد الكبيرة بمقربة منهم، فأتجه نحوهم على الفور لسؤالهم عن "نسمة":
"هي فين "نسمة"....؟؟ مجتش النهارده ولا إيه...؟"
أجابته "دنيا" على الفور حتى لا تخبره "سحر" بشيء، فهي تريد أن تخبره "نسمة" بنفسها:
"ا ا... لا أبداً جت بس... كانت تعبانة شوية وروحت..."
لم يشأ "عمر" أن يطيل حديثه مع الفتيات بغير وجودها ليستأذنهم بالذهاب على الفور:
"طيب تمام.. بعد إذنكم.."
لكزت "سحر" "دنيا" بمرفقها تلومها بحدة:
"كده برضه... كنا قلنا له إحنا وخلصنا..."
"بس أنتي يا أم قلب جامد أنتي... هم لازم يقولوا لبعض... لازم تشوف رد فعله بعنيها..."
"يا سلاااام.... سبت لك القلب الرهيف يا أختي...."
***
جذب "عمر" "وائل" من مرفقه بقوة مبتعداً عن الفتيات يلومه على تأخره بنقل المحاضرة:
"شايف تأخيرك عمل إيه...؟"
"غصب عني بقى يا أخي... وبعدين هو أنا اللي تعبتها... هي طالما كانت تعبانة.. يعني كده كده كانت حتروح..."
"اسكت خالص مش عايز أسمع صوتك..."
"طب معلش... متزعلش نفسك.. تعالى نشرب أي حاجة في الكافتيريا..."
"عمر" بضيق:
"غور قدامي يلا..."
جلسا كلا من "عمر" و"وائل" بالكافتيريا ليصمت "عمر" بضيق لفترة حتى قطع "وائل" هذا الصمت قائلاً:
"طيب أنا أعمل إيه دلوقتي عشان متزعلش مني..؟"
"خلاص بقى بلاش وجع دماغ... اللي حصل حصل و أهي مشيت خلاص...."
"طب تشرب إيه..؟"
"حتحتفعني يعني..؟!!!!"
"أمال.... أنت فاكر إيه... هو محدش وارث غيرك ولا إيه...."
ابتسم "عمر" على محاولة "وائل" التخفيف عنه لضيقه بمعرفة أنه لن يرى "نسمة" اليوم.
"حقك يا عم..."
حاول "وائل" الحديث في عدة موضوعات حتى يعود "عمر" إلى طبيعته بعدما تضايق منه.
"أنت قلت لي جدك جاي إمتى من انجلترا....؟"
"يوم الخميس..."
"وأنت حتروح البلد معاه ولا حتسيبه يروح لوحده...؟"
"والله مش عارف... بس غالباً حروح معاه أوصله وأطمن عليه وأقعد كام يوم كده وأرجع..."
"إن شاء الله... خد بالك منه... العمليات اللي من النوع ده في القلب بتبقى مش محتاجة زعل ولا تعب إطلاقاً..."
"أنا عارف... أنا حتى كنت ناوي أفتحه في موضوع أني أتقدم لـ "نسمة" بس قلت أشوف حالته وأطمن عليه الأول..."
"إن شاء الله يكون كويس... ونفرح بيك قريب بقى يا عريس...."
سمعا صوتاً آتياً من خلفهم ليلتفتوا إلى "ماجد" الذي اقترب منهم للغاية متسائلاً بابتسامة:
"عريس....!!! مين العريس ده ؟؟ ... أنت يا "عمر" ؟؟!!"
رواية عشقت خيانتها الفصل الثاني عشر 12 - بقلم قوت القلوب
توقفت "نسمة" بإندهاش لحديث "عمر" و"وائل" وهي تتساءل:
_ مين العريس؟
أوعى تكون أنت يا "عمر"؟
صمت "عمر" لوهله قبل أن يجيب بنبرة متمللة من إقتحام حديثهم بتلك الصورة:
_ وإيه المشكلة يعني؟
جلس "ماجد" دون أن يدعوه أي منهما، ليستكمل حديثه بأريحية بالغة:
_ لا مفيش مشكلة ولا حاجة، بس أنا شايفك اليومين دول مرتبط أوي بالبنت اللي اسمها "نسمة" دي.
أوعى تكون بتفكر تتجوزها؟
إيه يا "وائل"؟ مش صاحبك ده والمفروض توعيه ولا إيه؟
إنفعل "عمر" بعصبية لتدخله فيما لا يعنيه، ليردف بحده:
_ أنت عايز إيه بالظبط؟
أمسك "وائل" بذراع "عمر" يحثه على هدوء نفسه قليلاً، فهم ما زالوا بالجامعة:
_ بالراحة شوية يا "عمر"، فيه إيه يا "ماجد"؟ ما بالراحة علينا شوية.
_ أنا مقصدش حاجة والله، أنا بس يصعب عليا واحد زي "عمر" محترم يقع في واحدة زي دي.
لم يستطع "عمر" تحمل سماجته أكثر من ذلك، ليهتف به بإنفعال:
_ لو سمحت، مسمحلكش تتكلم عنها بالطريقة دي.
إبتسم "ماجد" إبتسامة ساخرة مستفزة للغاية، ليستطرد حديثه المثير لنفس "عمر":
_ على مهلك بس! أنت بس البنت حلوة وشاغلة دماغك، بس لما تعرف هي بتعمل إيه بالظبط حتفهم إني قصدت مصلحتك.
زفر "عمر" بنفاذ صبر من تدخل هذا البغيض في علاقته مع "نسمة":
_ اللهم طولك يا روح. عايز تقول إيه؟ خلصني.
_ اللي عرفته إنها اليومين دول لفة على واحد جديد بره الجامعة، وأكيد حتقلبك زي اللي قبلك بنفس الإسطوانة المشروخة بتاعتها.
جلس "عمر" بصدمة مرة أخرى فوق مقعده، وقد هوى قلبه بين قدميه، تهدجت أنفاسه بضيق بالغ وهو يخرج كلماته بصعوبة:
_ أنت عرفت الكلام ده منين؟
_ مش مهم تعرف أنا عرفت منين، أهو عرفت وخلاص. المهم بقى حتلاقيها جايلك بالإسطوانة بتاعتها بتاعة التطفيش إياها، "أخويا جايب لي عريس وغاصبني عليه". وتعيط لك حتتين عشان تصعب عليك، وبعدين تسيبك. وهوب تلاقيها ولا إتخطبت ولا إتجوزت ولا نيلة وماشية مع غيرك وهكذا. يا ابني دي عملت معايا كده بالضبط. مش أنا قايل لك يا "وائل"؟ إحنا كنا بنحب بعض وبعدين سابتني وراحت للواد "هيثم".
زاغت عينا "عمر" بغير تصديق وهو يتحدث بصوت خفيض يكاد يسمعانه:
_ أنا مش مصدق ولا كلمة من الكلام ده.
_ ماشي يا سيدي، أهي الأيام دي زي ما بقول لك بتلف على واحد تاني، وحتلاقيها جايلك وعاملة الفيلم المشروخ بتاعها ده. والمية تكذب الغطاس. عايز تصدق صدق، مش عايز ... أنت حر.
تطلع "وائل" بصديقه المصدوم وهو يلتزم الصمت، ليتجه ببصره تجاه ماجد متسائلاً:
_ وأنت مصلحتك إيه يا "ماجد" في الكلمتين اللي مالهمش لازمة دول؟
_ "عمر" ده شكله راجل محترم، ولما سمعتكم بتتكلموا في جواز، أنا قلت أنصحه لوجه الله. وعموماً براحتكم، أنا قلت اللي عندي.
نهض ماجد من جلسته برفقتهما منصرفاً عنهما، بينما بقى "عمر" الصامت بذهول، ليردف "وائل" مشككاً بحديثه بعد ابتعاده عنهما:
_ "عمر"، أوعى تكون صدقته؟ أنت بنفسك قلت إن "نسمة"... آآآ...
قاطعه "عمر":
_ بكرة نشوف. أنا ماشي، سلام.
لم يعطه "عمر" الفرصة ليتركه مباشرة قبل أن يختنق أكثر من ذلك، شعر بشيء يطبق على صدره بقوة محاولاً رفض ما سمعه للتو، مشككاً بحديثه:
"لالالالا... شكله كداب لا... "نسمة" مش كده أبداً... مش ممكن تعمل فيا كده بعد ما حبيتها."
قضى بقية يومه متحيراً بضيق بحديث المدعو "ماجد"، فقد بث الشك بقلبه، خاصة مع تفكره فيما سيستفيد من كذبه عليه، ليعود مرة أخرى ينفي ذلك، فإحساسه بصدق "نسمة" أقوى وأعظم من مجرد كلمات.
***
اليوم التالي.
مرت ساعات الليل الطويله تنتظر قدوم الصباح، هو أملها الآن وليس لديها فرصة أخرى.
يجب أن تلتقي بـ "عمر" وتخبره بما سيفعله معها "حسن"، عليهما إيجاد حل، فـ "حسن" لن ينتظر أكثر من ذلك، فهو سيسألها عن ردها اليوم.
إرتدت ملابسها على عجالة لتنهي مهامها الصباحية كما اعتادت، لتذهب على الفور إلى الجامعة لانتظار "عمر".
وصلت "نسمة" مبكراً للغاية، اختارت مكان قريب من البوابة الرئيسية للجامعة حتى تستطيع رؤية القادمين بوضوح، لتنتظر مجيء "عمر".
أخذ الوقت يمر وكأنه ساعات وليس دقائق وهي تنتظر مجيئه بفارغ الصبر.
كلما مر الوقت زاد توترها وارتعاش أطرافها وكأنها مقبلة على الموت.
حضرت الفتيات وطلبوا منها أن تذهب معهم للجلوس سوياً، لكنها رفضت وكأن فرصتها لمقابلة "عمر" اليوم تتوقف عليها حياتها أو موتها.
حضر "عمر" بعد قليل، لكنه لم ينتبه لـ "نسمة" أثناء دخوله، فكل ما يشغل تفكيره هو حواره مع "ماجد" بالأمس، وكأنه منتظر اليوم حتى يتأكد من صحة كلامه أو كذبه.
فور دخوله سمع صوت "نسمة" تهتف باسمه من خلفه، ليستدير على الفور ملبياً ندائها متسائلاً بإستراب:
_ "نسمة"؟ أنتِ جاية منين؟
أقبلت "نسمة" باتجاه "عمر" وهي تجيبه بنبرة يملؤها التلهف لرؤيته أخيراً:
_ أنا كنت هنا من بدري.
_ مالك؟ فيه حاجة مضايقاكي؟
تطلعت به "نسمة" لوهلة وهي ترى نظراته القلقة بعينيه، لتجيبه على الفور:
_ الصراحة آه... عايزة أتكلم معاك في موضوع ضروري.
_ تعالي نقعد في الكافيتريا.
_ لأ... خلينا هنا أحسن. مش عايزة أروح هناك دلوقتي، الكافيتريا زحمة أوي.
_ تمام، تعالي نقعد هنا.
تحرك "عمر" و"نسمة" لبضع خطوات حتى جلسا على مقعد كبير بأحد الجوانب، لاحظ "عمر" ارتباك "نسمة" الشديد كمن يبحث عن كلمات ليبدأ بها حديثه.
أخذت "نسمة" تفرك كفيها بعضهما ببعض بتوتر بالغ، حتى بدأت حديثها مع "عمر" بلعثمة شديدة من توترها وقلقها:
_ "عمر"... آآآ... أنا آآآ...
_ "نسمة" قلقتيني، اتكلمي على طول، إيه اللي حصل؟
نبرته القلقة طمأنتها قليلاً، فهو مهتم للغاية لمعرفة ما بها، لتردف بإسهاب لم يعمل بقلبها:
_ "حسن" أخويا جايب لي عريس، وغاصب عليا أوافق عليه. فقلت لازم أقولك عشان نحل المشكلة دي سوا. و...
نظر لها "عمر" نظرة ساخرة صامتة وهو يرفع إحدى حاجبيه بتهكم، فقد تحقق ما قاله "ماجد" بالتفصيل، ثم أردف متسائلاً مدعياً عدم فهم مقصدها:
_ ...وإيه؟
_ مش أنت كنت قلت لي في المستشفى... آآآ... إن... أنت يعني... عايز تتقدم لي وكده؟
أخفى "عمر" تلك الإبتسامة الساخرة التي رسمت فوق ثغره وهو يحدث نفسه غير مصدقاً كيف ظهرت على حقيقتها أمامه:
"يااااه يا "نسمة"!!! أنتي طلعتي كده بجد؟ زي ما قالي "ماجد" بالضبط. حتى ما احترمتيش ذكائي وبتعيدي نفس اللي بتعمليه كل مرة!!! يعني ما كدبش عليا. قد إيه طلعتي رخيصة وكدابة!!! أنا مش مصدق إزاي أنا اتخدعت فيكي كل ده."
قبض على كفه بقوة محاولاً كبح تلك المشاعر الغاضبة من الظهور، غاضب من خداعها له وكذبها عليه، ألهذه الدرجة كان مغفلاً؟ لعبة تحركها بين أصابعها حتى تمل منها، لكنه ليس هذا الضعيف، بل عليه أن يرد لها الصفعة صفعتين، وها قد حان وقت الصفعة الكبرى، فلن يتركها تكمل لعبتها السخيفة عليه.
ثبتت ملامح "عمر" بقوة ليظهر تفاجؤ ولا مبالاة واضحة وهو يستنكر ما فهمته من قبل:
_ جواز؟ لالالالا... أنا مش بتاع جواز. أنا عمري ما قلت لك الكلمة دي. مش عشان كنا بننبسط مع بعض شوية هنا أبقى خلاص عايز أتزوجك! أنا يوم ما أفكر أتزوج مش حتكون واحدة زيك أبداً. لازم واحدة تليق بيا وبمكانتي وبعيلتي. فوقي كده. هما كانوا يومين حلوين وخلاص. مش أنا اللي أتدبس في جوازة بالشكل ده! ولا واحدة زيك!
رمقها "عمر" بنظرة استحقار عميقة وهو ينتظر ردها على كلماته الجافة، ترقب ملامحها بعمق محاولاً اكتشاف رد فعلها حقيقة قبل أن يتركها ويذهب.
لثوانٍ قليلة شعرت وكأنها بحلم ما، وأن ما حدث للتو ليس حقيقة واقعة، صدمة قوية من كلماته الحارقة لفؤادها، خنجر مسنون دب نصله الحاد ليشق قلبها نصفين ببرود تام.
جرح قلبها وإحساسها و... كرامتها.
أكان يلعب بها؟ كانت مجرد تسلية له بوقت فراغه؟ لم يحبها كما كانت تظن؟ ألهذه الدرجة كانت غير ذات قيمة بالنسبة إليه؟ ذلك المخادع الغادر.
ظلت صامتة لفترة من صدمتها وذهولها من رده عليها، تحاول أن تخرج أي كلمة من حلقها الجاف، لكن الكلمات أبت الخروج، غصة اجتاحتها وانتفاضة شعرت بها تجري بأوصالها، وقد بردت أطرافها بتخدر فأصبحت لا تشعر بجسدها المنهك.
تجمعت دموعها الحارة بعينيها الواسعتين، كم جرح قلبها وأطاح بكبريائها.
ثبتت عيناها المتألمة بوجهه الوسيم بصمت لفترة طويلة حتى أخذ صدرها يعلو ويهبط باضطراب قوي دون أن تنطق بكلمة، فقط تلك النظرات الملومة الثابتة نحوه.
تعجب "عمر" من طول فترة الصمت ونظرة عينيها التي يعلوها الدهشة والحسرة والحزن واللوم، فقد كاد قلبه يتمزق حزناً على حالها، كم يود احتواءها وأن يتأسف لها عما قاله منذ قليل، كم شعر بصدق إحساسها وجرحها بكلماته القاسية.
لكنه عاد وتذكر أنها كاذبة، اعتادت الكذب والخداع، فربما ممثلة قديرة أيضاً، وهذه ما هي إلا دموع التماسيح مثلما يقولون، تماسك "عمر" مرة أخرى وتذكر أنها كاذبة مخادعة.
بعد فترة طويلة من الصمت تكلمت "نسمة"، لكنها لم تكن كلمات، كان انفجار للقنبلة، كانت تتحدث بقوة وحدة وبكاء وحزن في نفس الوقت.
كانت تتحدث وتعلو شهقاتها في كلماتها لتنزل كالخناجر في قلب "عمر" المصدوم من قوتها:
_ خسارة فيك... كل الحب اللي حبيته لك جوه قلبي ده. كله خسارة فيك. مكنتش أعرف إنك ندل للدرجة دي!!! عشان تلعب بيا... وتستهتر بقلبي وبمشاعري... آآآ... أنا عمري ما حبيت حد قد ما حبيتك... لكن أنت طلعت متستاهلش ولا لحظة حب واحدة منها. أنا ماشية يا "عمر"، ماشية ومش حتشوف وشي تاني. ومسيرك حتندم... بس ساعتها مفيش قوة على الأرض حتقدر ترجعك تاني. اعتبر نفسك ميت بالنسبة لي. ولا عايزة أشوفك ولا أعرفك في حياتي تاني أبداً.
أنهت "نسمة" كلماتها وتناولت حقيبتها وأسرعت تركض إلى خارج أسوار الجامعة بسرعة، حتى "عمر" لم يستطع لحاقها من صدمته من رد فعلها، إحساسها بالانكسار والحزن كان قوي للغاية وحقيقي بدرجة لا توصف.
لم يستطع البقاء في الجامعة فتوجه إلى خارج الجامعة ذاهباً نحو شقته، أليس هذا ما كان يريده انتقاماً لكرامته وكذبها عليه؟ لم لم يعد يتحمل هذا الألم الذي أطاح بقلبه.
قابله "وائل" أثناء خروجه مندفعاً من البوابة الرئيسية ليتسائل بإستراب:
_ مالك يا "عمر"؟ فيه إيه؟
_ مروح.
_ إيه اللي حصل؟
_ سيبني لوحدي دلوقتي.
_ لا طبعاً، أنا جاي معاك.
***
شقة عمر.
بدون أن يجلس للحظة واحدة أخذ "عمر" يدور ويتحرك يميناً ويساراً متحدثاً بإنفعال دون أن يعطي الفرصة لـ "وائل" بالحديث معه، فقد كان يحاول التنفيس عن ضيقه وغضبه، يحاول إثبات لنفسه أنه على حق وأنه أخذ القرار الصحيح:
_ هي كدابة، كدابة. قالت لي نفس الكلام اللي قاله "ماجد"، بالحرف الواحد. قصة جايلى عريس وأهلي غاصبني عليه! والعياط والتمثيل بتاعها ده... مكنش ينفع أخليها تضحك عليا أكتر وتخدعني أكتر من كده. صح؟؟؟؟؟؟
أنا حبيتها... حبيتها يا "وائل" بجد... كان عندي استعداد أموت عشانها. تعمل فيا كده ليه؟ ليه لعبت بمشاعري وخلتني أحبها؟ أنا موجوع أوي يا "وائل"... قلبي بيوجعني أوي.
لم يجد "وائل" الكلمات المناسبة ليهدأ من انفعال "عمر"، لكنه كان يتعامل بلا مبالاة، فهي فتاة مثل كل الفتيات وغداً سينسى كل ما حدث:
_ أنا قلت لك من الأول، بلاش اللعبة دي. وقولت لك أنت بتلعب بالنار. عموماً إهدى كده وبكرة هتنساها. هو يعني اللي خلقها مخلقش غيرها. بكرة تحب وتتحب وتنسى كل ده.
توقف "عمر" بذهول وهو يعيد كلمة "وائل" غير مصدقاً لما وصل إليه:
_ أنساها؟ دي بقت كل حياتي وكياني. ده أنا مبقتش أفكر غير فيها. الكام شهر دول كانوا أحلى حاجة في حياتي كلها. حبيتها وأنا مش واخد بالي. أنا اتخدعت فيها... بس بحبها. أنا "عمر" ما قلبي اتهز ولا اتحرك من مكانه إلا عشانها هي وبس.
ألقى "عمر" جسده بقوة فوق الأريكة إلى جوار "وائل" الذي تفكر بعملية فائقة:
_ خلاص يا "عمر" متعملش في نفسك كده. إحنا خلاص باقي على الامتحانات أقل مش شهر ومعدتش حتشوفها تاني. ركز في مذاكرتك وحاول تنساها.
نكس "عمر" رأسه إلى الأمام ووضع كفيه فوق وجهه بحزن، يحاول تمالك نفسه وإخفاء تلك الدموع التي لاحت بعينيه، فهو ليس بالضعيف ليبكي، لكن قلبه ينزف حزناً، فمهما كانت تلعب بمشاعره إلا أنها الآن فارقته ولن يراها مرة أخرى إلى الأبد.
همس "عمر" بنبرة حزينة منكسرة:
_ مش حقدر أنساها... مش حقدر... حبها محفور جوه قلبي.
ثم رفع رأسه بحزن مردفاً تجاه "وائل":
_ أنا مش جاي الجامعة تاني. مش حقدر أشوفها.. أو أروح مكان جمعنا سوا. خليني اليومين دول هنا في البيت... لحد ما جدي يرجع من السفر يوم الخميس وحروح البلد معاه.
_ أحسن برضه. أهو تهدى شوية، والأمور حتعدي.
***
نسمة.
خرجت من الجامعة والدموع ما زالت تغطي عينيها لا تبصر الطريق من شدتها، جرحها للغاية.
حطم قلبها الصغير الذي تعلق به، لكن بقدر حبها العظيم له كان قدر جرحه لها.
لم تكن لتتخيل أو تظن يوماً أنه سيكون السبب بحزنها، كان بوابه سعادتها واطمئنانها، كانت يده هي التي تعبر بها إلى طريق السعادة، وكأن السعادة شيئاً ليس مكتوباً لها، فهي لم تشعر بحياتها بالفرحة إلا معه، وها هو كان سبب أكثر آلامها.
لم تستطع التنفس فجلست على أحد المقاعد على شاطئ النيل تحاول أن تتنفس، لكن بكائها كان يتزايد بحرقة دون استطاعتها على التوقف مهما حاولت.
"أنا عملت له إيه عشان يعمل فيا ده كله؟!!!!!!! ده أنا حبيته... حبيته أوي... بس خلاص.. مش عايزة أشوفه ولا أسمع اسمه حتى تاني... كرامتي فوق كل اعتبار... ااااااااااااه... ااه يا قلبي... أنساه إزاي.. ساعدني يارب."
ظلت جالسة في مكانها حتى مغيب الشمس وبدأت نفسها تهدأ قليلاً، فقررت العودة إلى المنزل بعد قضاء يوم عصيب مؤلم للغاية.
***
شقة حسن.
استقبلتها "حنان" بوجه ملتوي كعادتها وهي تنظر بساعة الحائط المعلقة من خلف "نسمة" بتهكم:
_ إيه ده جاية بدري يعني؟
_ تعبانة شوية.
_ آه... "حسن" أخوكي سأل عليكي. ادخلي له.
_ حاضر.
أجبرت ساقيها على التقدم نحو غرفة "حسن" فقد كادت تسقط أرضاً من تحطمها التام، كانت كقطعة زجاج متهشمة لا قيمة لها، تحاول إجبار نفسها على الاستمرار لكن ذلك كان صعباً للغاية، فكم هو قاسٍ أن تظهر لا مبالي وأنت محطم بتلك الدرجة غير قادر على المواجهة أو حتى العيش على الإطلاق.
طرقت باب غرفة أخيها بخفة ليسمح لها بالدخول.
_ كنت عاوزني يا "حسن"؟
_ أيوه... قلتي إيه في موضوع جوازك من "محمود"؟
هل يأخذ رأيها أم مقدمة لإجباره لها؟ لكن وما الفرق الآن؟ فهي حية ميتة، فقد قُتل قلبها للتو ولم يعد هناك فارق بحياتها أو موتها أو.... زواجها.
أجابته بضعف شديد ونفس مهشمة:
_ موافقة.
اتسعت عينا "حسن" بسعادة وارتسمت تعابير الفرحة بوجهه الغليظ مردفاً باستحسان:
_ هو ده عين العقل. عموماً حضري نفسك خطوبتك الخميس الجاي.
أومأت رأسها بخضوع صامت متجهة نحو غرفتها بصمت تام.
دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب من خلفها لتهمس بتحسر:
"خلاص مبقتش فارقة "محمود" زي غيره.. هي موته ولا أكتر."
رواية عشقت خيانتها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم قوت القلوب
اليوم التالي.
الجامعة.
بمعده محطمة وواهنه، جلست نسمة برفقة صديقاتها بالكافيتيريا تنتظر الوقت المناسب لتطلب منهم مساندتها يوم الخميس بحفل خطبتها المزعوم. لم تعد تتحمل رؤيته مرة أخرى، وعليها منذ هذه اللحظة ألا تخطو الجامعة مرة أخرى سوى بحضور الاختبارات فقط. فستطوى صفحة "عمر" تماماً وتحاول التأقلم مع تلك الحياة المقيته الجديدة التي ستعيش بها.
مع تجاذبهن لأطراف الحديث، نظرت أحلام نحو نسمة للحظات قليلة ملاحظة صمتها وشرودها، لتتساءل باهتمام.
"مالك يا نسمة؟"
"وشك أصفر كده ليه؟"
وضعت دنيا ذراعها فوق كتف نسمة قائلة.
"أنتي لسه تعبانة؟"
بسكون غريب أجابتهم نسمة بوجهها الشاحب بدون إبداء أي مشاعر أو اهتمام يذكر.
"عادي. أنا جاية بس عشان أعزمكم على خطوبتي يوم الخميس الجاي. عايزاكم تبقوا معايا."
ربما تفاجأت دنيا من ذلك الخبر الغريب، لكنها أردفت بحالمية.
"خطوبتك؟"
"على مين؟"
"عمر؟"
استكملت نسمة ردها بجمود عجيب.
"لأ، عمر خلاص. انتهى من حياتي."
اعتدلت دنيا ناظرة نحو نسمة بغير تصديق.
"أنتي بتقولي إيه؟ إيه اللي حصل؟"
لم تكن دنيا وحدها هي المهتمة بمعرفة ما حدث، بل أنصتت كل من أحلام وسحر باهتمام بالغ لسرد نسمة لما حدث مع عمر.
كانت تعيد ما حدث بينهما بالأمس مرة أخرى، لتشعر بأن كل حرف تتفوه به وكأنها تشعر به مرة أخرى للمرة الثانية. فكان سردها لما حدث مؤلم للغاية.
انهمرت دموعها بلا توقف بصمت واهن، لتشعر بالدوار يتملك منها. فهي لم تتناول شيئاً منذ الأمس.
أغتاظت سحر بشدة من تصرف عمر بخسة ونذالة معها، لتهتف بضيق.
"اهدّي حبيبتي، متزعليش نفسك. ده ميستاهلكيش."
زفرت أحلام بضيق معقبة على حديث نسمة.
"أهو اللي أنا كنت خايفة منه حصل. بس أنتي وافقتي ليه على الجوازة دي بس؟"
أمسكت نسمة برأسها الذي أخذ يدور بقوة.
"كل حاجة في الدنيا خلاص مبقاش ليها طعم ولا أي لازمة. وهو زي غيره، مش فارقة."
"أنتي بتعاقبيه ولا بتعاقبي نفسك بس؟"
"مش عقاب. بس خلاص معدتش حاسة بأي حاجة حلوة في حياتي. فمش فارقة زي ما..."
ولم تنهِ نسمة جملتها لتهوي على الأرض غائبة تماماً عن الوعي.
التف الطلاب حول زميلتهم يحاولون إفاقتها، حين وقف أحدهم يبعد الآخرين عنها، وأخرى تلوح لها بكتاب لتعطيها بعض الهواء المنعش لها.
أمسكت دنيا بحقيبتها الممتلئة بأدوات التجميل خاصتها، وأخرجت زجاجة عطر نفاذ، لتجثو إلى جوار نسمة الساجية أرضاً تحاول إفاقتها، فأخذت تساعدها باستنشاق هذا العطر.
بعد عدة دقائق.
أفاقت نسمة بوهن مستندة إلى أحلام التي حاولت رفعها إلى الأعلى، لتحيط بها سحر من الجانب الآخر، ليتجهوا جميعاً لمنزل نسمة المتعبة، فلن يتركوها بهذا الوضع مطلقاً.
على بعد خطوات منهن، جلس وائل يتابع نسمة ووجهها الشاحب وبكائها الفاطر للقلوب حتى سقوطها أرضاً مغشياً عليها. كم تعجب من أن تلك هي الفتاة التي لفتت أنظاره يوماً بابتسامتها التي تزين وجهها دائماً، ولم ير حزنها قط.
***
شقة حسن.
ساعدت الفتيات نسمة بالوصول إلى البيت وصعدوا معها إلى الأعلى ليطمئنوا عليها أولاً قبل تركها وعودتهم إلى منازلهم مباشرة.
دلفت الفتيات بغرفة نسمة لتلقي بجسدها خائرة القوى فوق الفراش طالبة منهم تركها لتستريح، فلم يجدن بد من الذهاب مستأذنين بالانصراف.
كان كل ذلك على مرأى من حنان، لكنها كانت كالعادة غير مهتمة إطلاقاً بما حدث، فتركتها بمفردها في غرفتها حتى حل المساء.
***
في المساء.
مر وائل بـ عمر دون أن يبلغه مسبقاً أنه سيأتي لزيارته، فوقف ببابه يطرقه ليرى تفاجؤ عمر من قدومه إليه بتلك الساعة المتأخرة.
"وائل!"
"تعالى، ادخل."
"إيه يا ابني أنت حابس نفسك ولا إيه؟"
"لأ أبداً، عادي."
"مجتش ليه الكلية النهارده؟"
"ما أنا قلت لك مش جاي."
جلس وائل بغرفة المعيشة بأريحية شديدة وهو يمد ذراعه فوق ظهر الأريكة.
"اللي أنت بتعمله ده مش حل."
أغمض عمر عينيه بتملل واضح ليفتحهما ببطء وهو يردف بنبرة يائسة.
"أنا لا عايز أحل، ولا أربط. أهم يومين يعدوا وجدي ييجي وخلاص."
"طب تعالى نخرج نتمشى شوية."
"لأ ماليش نفس. لو عايز تخرج أنت براحتك عادي."
"أنا بس مش عايزك تحبس نفسك كده."
"متقلقش عليا، مش هتجنن يعني."
نظر عمر تجاه وائل يريد أن يسأله عنها، لكنه تردد بذلك، ليتفوه ببعض الكلمات المبعثرة دون ترتيب.
"آآآ... وائل... هو... يعني...!!!"
"مالك بتتلجلج ليه كده؟"
حسم عمر أمره بالنهاية بألا يسأل عنها، وعليه التحلي بالقوة لنسيانها.
"مفيش، كنت بس عايز أسأل. عملتوا إيه النهارده في الكلية؟"
استطاع وائل بفراسة ماكرة فهم ما يرمي إليه عمر، وأنه يريد أن يسأل عنها.
"عملنا إيه النهارده؟"
"ولا بتسأل عليها؟"
لم يستطع عمر منع لهفته حين أطرق وائل لسيرتها أمامه.
"هي جت؟"
"جت... بس... كانت تعبانة أوي يا عمر. أنا عمري ما شفتها كده. لدرجة أنها أغمى عليها والدفعة كلها كانت بتفوقها."
نهض عمر من مقعده وقد زاغت عيناه بتخوف، ليهتف بتلهف واضح.
"إيه؟ أغمى عليها؟ ليه؟ وهي عاملة إيه؟"
"البنات روّحوها. بس عايز نصيحتي بالوضع اللي أنا شايفه ده، واللي أنت عامله في نفسك ده والحبسة اللي أنت فيها... أنت كده مش حتنسى. متسألش عنها تاني، عشان تقدر تنساها."
جلس عمر مرة أخرى بحزن عميق.
"تفتكر حقدر؟"
أجابه وائل بلامبالاة وفتور تام.
"أنت لسه في أول حياتك، وكل حاجة بتبقى كبيرة وتصغر بعد كده. أنت بس محتاج شوية وقت. وزي ما قلت لك، تبعد عنها ومتسألش عليها."
"ححاول."
هو بالفعل يتمنى نسيانها، لكن ذلك صعب، صعب للغاية. فكلما حاول إشغال عقله عنها، دق قلبه لها واشتاق إليها ولرؤيتها. لم يستطع منع طيف ابتسامتها الرقيقة من أن تتبعه أينما كان، وكأنها مرض عضال لن يستطيع التخلص منه بسهولة.
***
مرت تلك الأيام الثقيلة للغاية بهمومها الكبيرة فوق قلوبهم حتى حل يوم الخميس.
بيت حسن.
حضرت الفتيات مبكراً ليساندوا صديقتهم بهذا الوقت الصعب عليها، فحتى لو وافقت على تلك الخطبة، إلا أنهن يعلمون جيداً أنها لا تطيقه ولا يسكن بقلبها سوى عمر.
ارتدت نسمة فستان أسود طويل ذو ياقة عالية، ويعلوه جاكيت قصير أبيض اللون ذو أكمام طويلة. لم تجد سوى اللون الأسود معبراً عنها بتلك الليلة.
وضعت لها دنيا القليل من مساحيق التجميل لخبرتها العالية بهذا الشأن الذي تعشقه كلياً، فاليوم أرادت إخراج روح خبيرة التجميل من شدة عشقها لهذا المجال.
بدت نسمة ساحرة للغاية، فقد استطاعت دنيا إبراز لون عينيها العسليتين بوضوح. لكن مع جمالها المبهر، إلا أنها تعيسة للغاية، محطمة الفؤاد، فاليوم سترتبط بإنسان لا تعرفه، حتى أنها لا تدرك ملامحه جيداً، فلم تره إلا مرة واحدة ولم تتمعن به. لكنها تدرك تماماً أنها لا تحبه، فقلبها يدق لشخص آخر لا يستحق هذا الحب. لم تكن تدرك مدى حبها له إلا بعد جرحه لها بصميم قلبها.
جلست بحجرتها مع صديقاتها تتصنع الابتسام كعادتها، فقد أصبحت بارعة في ارتداء هذا القناع، لكن من يتعمق في عيونها بالطبع يدرك تماماً تلك النظرات التي يملؤها الألم والحزن.
جلست بصمت تنتظر وصول العريس وكأنها تنتظر جنازتها اليوم.
التفت صديقاتها حولها مدركين ما بداخلها بخلاف تلك الابتسامة الواهية المتكلفة فوق محياها، يدركون تماماً أنها حزينة للغاية وليست سعيدة على الإطلاق كما يراها البعض.
أخذن يتبادلن النظرات بتحسر، فليس بيدهم شيء يقومون به سوى مساندتها اليوم وبقائهم إلى جوارها.
علت الأصوات المهللة بالخارج وسماع أصول التبريكات والتهاني إعلاناً بوصول العريس المنتظر.
سحبت نسمة نفساً عميقاً تمنع به تلك الدموع التي وقفت بجفنيها من الهطول، فعليها التحلي بالقوة والمضي قدماً، فقد سبق السيف العزل ولم يعد هناك رجعة بقرارها.
نظرت نحو صورة والديها المعلقة بالغرفة، تتمنى لو أن يخرجوا منها لإنقاذها مما فعلته بنفسها ومن حياتها الكئيبة للغاية. كانت كمن تستنجد بهم ليخلصوها من كل المآسي التي تشعر بها.
نهضت نسمة من فوق فراشها الذي كانت تجلس عليه، لتحاوطها صديقاتها، لتتحرك ببطء تجاه غرفة الصالون حيث يتواجد العريس جالساً بانتظارها.
فور خروجها، علت أصوات الاحتفال بمجيء العروس. انبهر الجميع من جمالها الهادئ.
ليتقدم محمود نحو نسمة، مقابلاً إياها بابتسامته العريضة قائلاً.
"مبروك يا عروسة، ما شاء الله زي القمر."
هزت نسمة رأسها في صمت، ثم جلست على المقعد المجاور له. نظرات حنان وحسن المتبادلة تعلن انتصاراً قاما به، وعلت وجوههم ابتسامة فرحة لوصولهم لمبتغاهم بخطبة نسمة لهذا الثري الذي سوف يغدق عليهما بالنقود والهدايا لهذه الزيجة.
وقفت الفتيات إلى جوار نسمة يحاولن الابتسام ليشعرونها ولو بلحظة من السعادة والفرحة بصديقتهم، لكن أين الفرحة من قلبها المكسور.
بعد قليل من الوقت، تعالت الزغاريد لخروج حنان بصينية أنيقة مزينة بصورة ملفته للغاية، ووضع عليها قطع من المشغولات الذهبية الثمينة كشبكة للعروس.
اتسعت عيون الجميع ما بين منبهر وحاقد بغير تصديق لتلك الكمية الهائلة من المصوغات والمجوهرات باهظة الثمن، والتي سوف يقدمها العريس للعروس اليوم.
مالت أحلام على أذن نسمة تهمس بإنبهار شديد غير مصدقة لما تراه بأعينها.
"واو! كل دي شبكة؟ ده أنتي حظك من السما يا نسمة. يا أختي انسي بلا حب بلا وجع قلب. دي الشبكة تنسيكي الدنيا بحالها."
رفعت نسمة وجهها تجاه صديقتها تتمنى لو كانت تستطيع الشعور بما تهمس به أحلام حقاً، لكنها لم تكترث يوماً للمال، فكل ما كانت تتمناه هو قلب محب. همست نسمة بانكسار حزين.
"أنتي شايفة كده؟ ولا كنوز الدنيا كلها تعوضني عن كسرة قلبي يا أحلام."
زمت أحلام شفتيها وهي تطالع سحر ودنيا بقله حيلة، فلن تستطيع تغيير نظرة نسمة للأمور بتقبل ما هي مقدمة عليه، ليلتزمن جميعاً الصمت متصنعات الابتسام لخطبة نسمة.
بسعادة تامة، ألبس محمود وحنان تلك المصوغات لـ نسمة احتفالاً بخطبتهما، حتى انتهت تلك الدقائق القابضة للأعصاب، ليردف محمود وسط ابتسامة لم تختف عن ثغره.
"مبروك يا نسمة."
"شكراً."
"إيه مفيش مبروك؟"
"مبروك."
"عارفة أنا أكتر واحد محظوظ في الدنيا كلها عشان قمر زيك يكون من نصيبي."
نكست نسمة وجهها إلى الأسفل متصنعة الخجل، لكنها أرادت الهروب بأي اتجاه آخر بعيداً عنه، فهي تعلم حقاً أنها إذا رفعت عينيها نحوه فسيدرك تماماً مدى حزنها وتعاستها.
كم تمنت تلك اللحظة التي ظلت تحلم بها كثيراً، لكن ليس هو المقصود، بل كانت تتمنى وجودها إلى جواره هو فقط، لم تظن أنها ستزف يوماً لسواه.
امتلأت عيناها بالدموع التي غشت مقلتيها بتعاسة، فقد شعرت بأنها قيدت بأغلال سميكة وليس بمصوغات مبهرة كما يراها الجميع، تمنت لو أنها تستطيع الهرب والفرار من كل شيء، خاصة من هذا الشخص الذي يجلس إلى جوارها.
مر الوقت بصعوبة حتى طلب العريس الانصراف مستأذناً من الجميع، ليتبعه بقية المدعوين بعد مباركتهم لها بزواج سعيد، لتبقى جالسة لبعض الوقت بمقعدها حتى اقتربت الفتيات منها يتلفتون تجاه بعضهن البعض بحيرة، لا يدركون ما عليهن فعله، أيباركون لها مثلما بارك لها الجميع، أم يواسونها على حزنها وانكسار قلبها، ليسلمن عليها بحرارة وينصرفن بهدوء، لتنتهي تلك الليلة أخيراً.
دلفت بعد ذلك إلى غرفتها لتبدل ملابسها بآلية دون أي مظهر من مظاهر السعادة التي كان من المفترض أن تشعر بها كل فتاة بليلتها الخاصة. جلست بطرف فراشها وهي ترفع كفها ناظرة لهذا المحبس الذهبي الذي خنق إصبعها معلناً ارتباطها بشخص غريب، ليزيد من انقباض قلبها.
تراجعت إلى الخلف قليلاً لتتكور على نفسها ممسكة أرجلها بذراعيها، تاركة العنان لتلك الدموع الحبيسة للانطلاق.
***
المطار.
تأكد عمر من موعد الطائرة وهو ينظر بساعته أثناء وقوفه بصالة الانتظار، متلهفاً لتلك الطائرة القادمة من لندن والتي ينتظر لقاء جده الغالي بعد غياب طويل للعلاج.
بعد حوالي نصف ساعة، بدأ الركاب بالخروج من صالة الوصول، لينتبه عمر نحوهم متفحصاً تلك الوجوه باحثاً عن مصدر الطمأنينة الخاصة به.
بعد فترة وجيزة، وقعت عيناه عليه وهو يراه يتحرك بواسطة أحد المقاعد المتحركة، فمع كبر سنه لم يعد يستطيع التحرك بصورة جيدة، وأضطر لاستخدام هذا المقعد المتحرك حتى لا يجهد القلب في الحركة. حاوط صالح اثنان من المرافقين مرتدين الحلل السوداء قد اصطحبهما برفقته طوال فترة علاجه.
اقترب منه عمر على الفور بخطوات مستعجلة يرحب بعودته سالماً إليه.
"جدي، حمد الله على السلامة."
"عمر، تعالى حبيبي. أخبارك إيه يا غالي يا ابن الغالي؟"
"ماشي الحال. المهم صحتك أنت؟"
"بخير يا ابني طول ما أنت بخير."
"مدحت جه بالعربية بره، يلا بينا نطلع."
أمسك عمر بمقبض المقعد المتحرك ليدفع جده إلى خارج المطار. تقدم نحو سيارة جده السوداء ذات الماركة العالية قادمة خصيصاً إليه من المنيا لتقله.
استقبله مدحت ذراع صالح الأيمن ومدير شركاته بغيابه، مصافحاً الجد بحرارة يتحمد الله على وصوله بصحة ومعافاة بعد علاجه.
أنزل صالح قدميه من فوق المسند الحديدي أرضاً فور وصوله بالقرب من السيارة، ليدلف بعدها إليها ببطء وتروٍ جالساً بالمقعد الخلفي، مشيراً إلى عمر ليجلس إلى جواره.
تحرك مدحت بالسيارة متخذاً طريق الخروج من المطار، حينما تساءل الجد.
"أنت ناوي تيجي معايا المنيا ولا حتقعد هنا عشان الجامعة؟"
ارتسمت ابتسامة باهتة على ثغر عمر مجيباً إياه.
"لأ يا جدي، أنا جاي معاك."
"على بركة الله. يلا يا مدحت، اطلع على الطريق."
سافر عمر بصحبة جده إلى بيتهم بالمنيا، متمنياً أن يكون هذا البعد كافياً للنسيان.
***
أسبوع مر ثقيل الوقت على كل من عمر ونسمة، فقد ظن عمر بوجوده مع جده في البيت الكبير بالمنيا أنه سوف ينسى أو على الأقل يتناسى ما حدث مع نسمة.
لكن ذلك لم يزده إلا حزناً وتعاسة على فقدانه أغلى حب بحياته، لكن ما فعله كان أفضل له، وقد استطاع كسب نفسه من غدرها وكذبها.
***
نسمة.
لم تخطُ خطوة واحدة خارج البيت منذ يوم خطوبتها، فقد آثرت عدم الذهاب إلى الجامعة، حتى توقفت عن الذهاب لعملها بمكتبة العم متولي.
بعد ما حدث بينها وبين عمر وقرار خطبتها الخاطئ كلياً، فقدت حقيقة متعة الحياة. أصبحت تقضي الوقت بآلية شديدة، وما عليها سوى أن تأكل وتشرب وتساعد زوجة أخيها دون حتى مناقشتها بأي شيء مطلقاً، سواء هي أو أخيها حسن، فقد شعرت بأن طاقتها قد نفذت وانتهى كل شيء.
***
الجامعة.
أخذت دنيا تعبث بالخاتم الذهبي الذي ترتديه بإصبعها بتملل وهي تتنهد بضيق، فقد كانت تظن أن تلك القصة الحالمه الرومانسية يجب أن تنتهي نهاية أفضل من ذلك، فنسمة كانت تحب عمر حقاً من صميم قلبها، حتى هو كان يظهر دوماً عشقاً واهتماماً بها، فماذا حدث؟ لم يتغير عمر إلى هذا الحد؟
قطعت شرودها بتساؤل.
"هي نسمة حتفضل حابسة نفسها في البيت كده ومش حتيجي خالص ولا إيه؟"
أجابتها سحر بعملية فائقة، فيجب على نسمة أن تفيق مما حدث ولا تضيع دراستها، فهي أهم شيء بالحياة.
"والله ما عارفة. ده إحنا حتى عندنا امتحان أعمال السنة يوم الأحد الجاي وهي متعرفش."
تفكرت أحلام لوهلة لتعقب على حديثهم.
"طب نروح لها البيت نقولها ولا إيه؟"
"المفروض نروح والله. نقولها على الامتحان ونطمن عليها برضه."
"خلاص بعد ما نخلص المحاضرة نبقى نعدي عليها."
***
وائل.
بعد غياب عمر، اقتصر وائل جلسته على بعض الأصدقاء ولم يحاول التحدث لأي من الفتيات، خاصة دنيا التي قد أثارت انتباهه بشدة بالفترة الأخيرة.
أخرج هاتفه محاولاً الاتصال بـ عمر ليطمئن على أحواله بالمنيا بعد قضاءه هناك أسبوعاً كاملاً.
"إيه يا عمر الغيبة دي؟"
"عادي، هو فيه حاجة مهمة يعني؟"
"عندنا امتحانات يوم الأحد الجاي، حتيجي ولا إيه؟"
"الأحد؟ يعني كمان ثلاث أيام. حاجى والأمر لله."
"أنا مش عاجبني حالك يا عمر."
"متقلقش عليا. عموماً أنا حاجى بكرة القاهرة وأجي على الامتحان يوم الأحد، مش ححضر السبت تمام."
"تمام. لما توصل بكرة كلميني أجيلك نقضي اليوم سوا."
"إن شاء الله. سلام."
"مع السلامة."
***
بعد انتهاء المحاضرة، اتخذت الفتيات طريقهن لبيت نسمة الذي أصبح معلوماً بالنسبة إليهم أخيراً.
قابلتهم حنان ببرود شديد وقد ارتسمت على ملامحها علامات ضيق بالغ فور رؤيتهم.
ابتسمت أحلام بخفة وهي تسأل حنان عن نسمة.
"مساء الخير. نسمة موجودة؟"
أجابتهم حنان بوجه ممتعض من وجودهم.
"ممم... أي خدمة؟"
"إحنا أصحابها في الكلية... وكنا عايزين نطمن عليها."
"طيب."
ثم نادت حنان لـ نسمة صارخة باستهزاء.
"يا نسمة... كلمي... ضيوف!!!!"
تعجبت نسمة من ندائها، فمن هذا الذي يريد رؤيتها. نظرت من خلف حنان بوجه شاحب وابتسامة باهتة نحو صديقاتها.
"تعالوا اتفضلوا."
تطلعت الفتيات ببعضهن البعض وسط نظرات حنان النارية نحوهم، ليدلفوا إلى الداخل مع شعور متعاظم بداخلهن أنهم غير مرحب بهم على الإطلاق.
ضاقت دنيا حاجبيها بإشفاق على حال صديقتها الرقيقة.
"مالك حبيبتي؟"
"مفيش حاجة، ما أنا كويسة أهو."
نهرتها سحر بقوة، فعليها أن تواجه الحياة بتحدٍ وقوة، فالضعيف بهذا الزمن يتلقى كل الصفعات وعليها التحلي بالقوة.
"مينفعش اللي أنتي عاملاه ده. أنتي اخترتي، يبقى تنسي وتكملي."
"بحاول."
أنهت أحلام حديثهم بعجالة، فعليهم الانصراف فوراً، فهي لا تشعر بالراحة بسبب زوجة أخيها تلك.
"المهم عشان إحنا عايزين نمشي. فيه امتحان يوم الأحد مهم لازم تيجي وتحضري بقى."
"مش عايزة أجي."
"أنتي حتضيعي السنة ولا إيه؟ بصي لنفسك ومستقبلك بقى. اللي حصل ده مش آخر الدنيا يعني."
"ححاول طيب."
"ماشي. إحنا حنمشي دلوقتي مرات أخوكي شكلها عايزة تقتلنا. باي."
أنهين تلك الزيارة السريعة لعدم شعورهن بالراحة، لتتجه كل منهن إلى بيتها وينقضي يوم آخر.
ويبقى للأحداث بقية.
رواية عشقت خيانتها الفصل الرابع عشر 14 - بقلم قوت القلوب
تطلع "صالح" بحفيده بإستراب لصمته الغريب الذى لم يعتاد عليه منه أبداً.
تنهد "صالح" بتيقن أن بداخل ولد ولده شئ عظيم لكنه لن يجبره على الحديث.
كانت خبرته بالدنيا تؤكد له أن "عمر" به شئ مختلف متغير تماماً لكنه سيتركه حتى يأتى إليه بدون أى ضغوط.
لكن قلبه القلق لم يتحمل صمته بهذا الشكل وأراد فقط الإطمئنان على أحواله المتغيره بغيابه.
"مالك يا أبنى.. أنت مش عوايدك تقعد ساكت أوى كده؟ أحوالك مش عاجبانى خالص!"
"لا أبداً يا جدى... قلقان بس شويه من الإمتحانات.. خلاص قربت."
أدرك "صالح" بفطنته أنه لا يود البوح بما يختلج صدره ويشغل تفكيره الآن ليتصنع تصديق حجته الواهيه مردفاً:
"ربنا معاك يا أبنى.. بس مش عارف ليه حاسس إنك مخبى عليا حاجه؟"
"لا أبداً يا جدى وحخبى إيه بس... متقلقش أنت بس عليا.. إحنا ما صدقنا بقيت كويس."
"الحمد لله."
"جدى أنا نازل القاهرة بكره عشان عندى إمتحانات.. أسبوع بالكتير وأرجع تانى."
"وماله يا أبنى.. كل إللى أنت محتاجه أطلبه من "مدحت" يحضرهولك.. و أهو هانت خلاص تخلص دراستك وتيجى بقى تستقر هنا معايا وتمسك الشركه أنتى بقى."
"إن شاء الله يا جدى... بعد إذنك أنا طالع أوضتى أرتاح شويه."
أومأ له "صالح" متفهماً ليتركه "عمر" صاعداً لغرفته.
ليهمهم الجد بفراسه:
"ده أنت فيك حاجه.. وحاجه كبيره كمان."
***
فى اليوم التالى.
بيت حسن.
إستغلت "حنان" صمت "نسمه" وإنزوائها طوال الوقت لتزيد من تسلطها عليها خاصه وهى لا تتخذ أى رد فعل حتى ولو بكلمه.
إتجهت لغرفه "نسمه" لتستند بذراعها على جانب الباب محدجه "نسمه" بنظرات إحتقاريه كعادتها هاتفه بها بتذمر:
"يلا قومى معايا ورانا حاجات كتير أوى النهارده ولا حتعمليلى فيها عروسه؟"
"عروسه؟ لا يا "حنان".. شوفى أنتى عايزة إيه ونعمله حاضر."
"عايزين نعمل غدا محترم للعزومه وحلويات كمان.. ومفيش وقت مش حنلحق."
تعجبت "نسمه" من أمر تلك العزيمه المفاجئه لتتسائل بإستراب:
"عزومه.... !! مين إللى جاى عندنا؟"
"مش "محمود" حييجى يتغدى معانا النهارده؟ ما هو قايل جاى يتغدى معانا الجمعه."
للحظه وبدون إدراك هزت "نسمه" رأسها بتعجب من الإسم لتتسائل بتشتت:
"محمود مين؟"
رفعت "حنان" حاجبيها بإندهاش من تصنع نسمه الغباء وعدم معرفتها لإسم خطيبها لتتوسط خصرها بكفيها مردفه بإستهزاء من طريقه "نسمه" المزيفه:
"يا حلوة.....!!!! ده إستعباط ده ولا إيه؟ "محمود"... خطيبك."
تذكرت "نسمه" للتو أن هذا الشخص يدعى "محمود" لتهتف بصوت خفيض:
"ااااااه."
"يلا عشان نخلص بدرى وتجهزى كده بلبس كويس قدام الراجل.. ولا عايزة تفضحينا بمنظرك العره ده؟"
أخذت "نسمه" نفساً عميقاً فهى تحاول تجنب المشاكل مع "حنان" لتتغاضى عن حديثها وطريقتها المستفزة.
خرجت "نسمه" برفقه "حنان" إلى المطبخ وأخذت تساعدها أو بمعنى أدق تنفذ طلباتها وأوامرها بتحضير أصناف الطعام الشهيه.
إستغراقها بالعمل بصمت جعلها تفكر كثيراً بما تفعله بنفسها حقاً:
"هوه إيه إللى أنا عملته فى نفسى ده؟ أنا حتى إسمه نسيته.. مش حينفع أكمل كده.. أنا برمى نفسى فى النار.. وعشان إيه ولا مين؟ أنا لوحدى فى دنيتى محدش لا بيحبنى ولا بيخاف عليا عشان أضحى بنفسى عشانه.. يبقى لازم أفوق لنفسى.. كويس أنه جاى النهارده حوضح له أنى مش بحبه ونسيب بعض من غير مشاكل.. وبعيد عن حسن عشان ميعملش مشكله."
بعد إنتهائها من تجهيز كل شئ دلفت مرة أخرى إلى غرفتها لتبدل ملابسها بأخرى لا تختلف كثيراً عما ترتديه الآن فهى لن تتحضر لهذا العريس المشؤوم.
***
شقه عمر.
بعد سفر دام لساعات بالقطار فـ جده لا يحبذ قيادته للسيارة طوال تلك المسافه بمفرده، وصل "عمر" إلى القاهرة واتجه مباشرة نحو شقته.
لم يلبث كتيراً حتى مر به "وائل" ليستقبله "عمر" بحفاوه.
"حمد الله على السلامه يا "عمر"."
"الله يسلمك.. أدخل يا "وائل"."
دلف "وائل" إلى داخل الشقه وهو مستمر بحديثه وتساؤلاته لـ "عمر":
"طمنى على أخباركم.. وجدك عامل إيه دلوقتى؟"
"جدى كويس الحمد لله بس برضه الحركة مش قد كده.. أنا فعلاً خايف عليه أوى."
"إن شاء الله يتحسن ويبقى تمام."
"يا رب."
بنظره ماكره سأله "وائل":
"وأنت؟"
"بص يا "وائل".. أنا مش عايز اتكلم فى حاجه.. أنا بس جاى أحضر الإمتحان بتاع بعد بكره بس وخلاص.. وزى ما قلتلك أنا مش جاى الكليه بكره."
"متعقدهاش بقى.. إللى أنت بتفكر فيها دى مبقتش تيجى الكليه.. فخليك براحتك بقى."
لم يكن هذا ما يود سماعه "عمر" عنها مطلقاً، ليلتفت نحو "وائل" بإندهاش وهو يتسائل بإهتمام بالغ:
"مش بتيجى؟ ليه؟"
"معرفش.. مكلمتش حد منهم من ساعتها.. تعالى نروح الكليه.. حتى تخرج من الجو الممل إللى أنت عايش فيه لوحدك ده و أهو بالمره فيه ملزمه مهمه مع دكتور "طارق" لازم ناخدها منه.. هو طلب كده عشان فيها حاجات مهمه عشان الإمتحان."
تشتت أفكاره بعد حديث "وائل" عن تغيب "نسمه" عن الجامعه ليجد نفسه لا إرادياً يهز رأسه بالموافقه على الذهاب بالغد دون إعتراض منه.
***
بيت حسن.
إستقبل "حسن" "محمود" بحفاوه ودعاه لتناول الطعام الذى تم تجهيزه بتحضير مأدبه طعام فاخره للغايه.
بعد تناولهم للطعام جلسوا جميعاً بغرفه الصالون.
كان "محمود" يسترق النظر من آن لآخر نحو "نسمه" الصامته للغايه سواء أثناء تناولهم الطعام أو حتى بعد إنتهائهم منه.
بعد قليل من الوقت إستأذن كلاً من "حسن" و"حنان" ليتركا "نسمه" و"محمود" سوياً بمفردهما.
حاول "محمود" التقرب بالحديث إلى "نسمه" محاولاً خلق مجال للحديث بينهما ليمحو ذلك الخجل من تلك الرقيقه الخجوله.
بدأ يتحدث معها عن الجامعه وأصدقائها ودراستها، فما كان لـ "نسمه" إلا أن ترد بإقتضاب عن أسئلته مما جعله يتسائل بإهتمام:
"مالك يا "نسمه".. فيه حاجه مضايقاكى؟"
"لا.. عادى."
"طيب قوليلى.. حابه تسكنى فين؟ المكان إللى تحبيه حيجهز ويبقى تحت أمرك.. خلصى أنتى دراستك بس و أعملك أحسن فرح فى الدنيا كلها."
تطلعت نحوه "نسمه" بتخوف رهيب وهى ترى كم أن زواجها به قريب للغايه، هى غير مستعده إطلاقاً لتلك الخطوة الصعبه بل والمستحيله بالنسبه إليها، كيف ستكون زوجه لهذا الرجل ومازال "عمر" ساكن بقلبها، كيف ستستطيع فعل ذلك، لقد أخطأت... أخطأت للغايه بقبولها هذا الزواج، كانت تظن أنه لا شئ فارق بينما كانت تدنو من الإنتحار بهذا القرار المتسرع.
إبتلعت ريقها بتخوف وتهدج صوتها قائله:
"فرح!!!! مش ااا.... لسه بدرى؟ يعنى.... اااا ... نستنى شويه."
"أنا عارف زمانك مستغربه إزاى بعمل شبكه وفرح وكده!!! بس أنا ميهمنيش حاجه."
رفعت رأسها بعدم فهم لما يقول لتسأله بإستراب:
"مش فاهمه؟ وأنت إيه إللى كان يمنعك يعنى؟"
إمتعض وجهه قليلاً ثم أردف بنبره متعجبه من إندهاشها وتساؤلها فهى بالتأكيد تعرف السبب:
"إن أنا متجوز."
إتسعت عيناها العسليتان لتضوى ببريق دهشه صادمه:
"متجوز......؟؟؟؟!!!!"
"أيوه متجوز وعندى أولاد كمان.. هو "حسن" مقالكيش ولا إيه؟"
وقفت "نسمه" بغضب لم يفعل بها أخيها هذا، ولأجل ماذا؟ أيلقى بها لرجل متزوج ولديه أولاد أيضاً، رمقته بحده ليزداد بريق عيناها المائل للصفار كعيون قطه بريه شرسه لتهتف بحده:
"لا... أنت فاكر إيه؟!!!! وكمان طلعت متجوز!!!!!! وجاى تشترى عروسه جديده بفلوسك!!!! أنسى... مش أنا إللى أتجوز واحد زيك... أبداااااا!!!!"
وقف "محمود" بمجابهتها وبحده تعلو حدتها ليصيح بها بنبره غاضبه مستنكره:
"نعم!!!!! أنتى فاكرة نفسك مين يعنى السفيره عزيزة!!!!!!!! ده أخوكى إللى رماكى عليا.. هو أنا يعنى واقع فى غرامك... إعرفى حجمك كويس يا ماما!!!!! مش "محمود منصور" إللى يتقاله الكلام ده.. أنا بس أشاور بصوباعى البنات تترمى تحت رجليا."
لم تشعر "نسمه" بنفسها إلا وأنها يجب أن تثأر لكرامتها التى بعثرها هذا المتعالى بالتحقير منها:
"تترمى تحت رجليك... ليه؟؟!! مش شايف نفسك ولا إيه؟!!! ولا فاكر شويه الملاليم بتوعك دول حيعملوا لك قيمه!!!!! إتفضل دبلتك أهى وحاجته كلها حاجيبهالك.... أنا مينفعنيش واحد زيك... قال متجوز قال...."
أسرع كلاً من "حنان" و"حسن" بخطوات سريعه تجاه غرفه الصالون بعد سماعهم للجدال الحاد بين "محمود" و"نسمه" ليسرع "حسن" بغضب صارخاً بـ "نسمه" حتى تتلجم وتصمت تماماً:
"نسمه.....!!!"
وبالفعل مجرد سماعها لصوت صراخ "حسن" بإسمها إنتفضت بهلع لتصمت تماماً قبل أن تتركه متجهه تجاه غرفتها لتحضر بقيه شبكتها وتنهى تلك الخطبه فهى لا تستحق تلك المعامله ولا تلك الحياه القميئه ويحب أن تعدل من خياراتها السيئه.
إتجه "محمود" صوب "حسن" بعصبيه مفرطه من إستهزاء "نسمه" به يلومه على ما فعلته أخته:
"جرى إيه يا "حسن"؟"
إرتبك "حسن" من فعله "نسمه" وظل يتوعدها سراً لكنه رسم ابتسامه مصطنعه بإضطراب شديد وهو يحاول تهدئه روع "محمود" المستشيط غضباً:
"إيه بس يا "محمود".. متزعلش نفسك.. دلع بنات وأنا حكسر لك دماغها."
"أنت قايلى إنك مفهمها ظروفى كلها.. إيه إللى بيحصل ده؟!!!!!! أنا.... أنا ... أتهزق بالشكل ده؟!!!!"
"معاش إللى يهزقك والله.. أنا حشد عليها متخفش."
لم يكاد "حسن" ينهى جملته ليتفاجئ الجميع بدخول "نسمه" تحمل علبه الذهب الكبيرة وهى تمد بها إلى "محمود" وقد تحلت بقوة لا تدرى من أين إكتسبتها بتلك اللحظه:
"إتفضل.. حاجتك أهى.. مالكش هنا عرايس."
ثار "حسن" وأمسك "نسمه" من ذراعها ليخرجها إلى الصاله متحدثاً معها بغضب من بين أسنانه:
"أنتي إتجننتي!!!!!!!! أدخلى جوه مشوفش وشك."
عاد "حسن" مسرعاً تجاه "محمود" بعدما دفعها بقوة تجاه غرفتها لتترنح "نسمه" قليلاً من دفعته القويه، تأهب "محمود" لينصرف وهو يتوعد "حسن" بأنه سينتقم:
"بقى أنا... "محمود منصور" على سن ورمح أتهزق من بت مفعوصه زى دى!!!! والله يا "حسن" لا أدفعك الثمن غالى... و أسجنك بوصلات الأمانه إللى أنت ماضيها دى... صبرك عليا."
"محمود.. متخدش على كلامها دى عيله طايشه.. تاخدنى بذنبها ليه؟"
رمقه "محمود" بنظرات غاضبه متوعده ثم أردف بإستنكار للفظه بإسمه بدون ألقاب:
"محمود....!!! "محمود بيه".. أنا ماليش فيه.... أنت إللى معرفتش تحكمها... إما وريتك وجرجرتك فى المحاكم... نهايتك على أيدى يا "حسن".. حمسحك من على وش الدنيا خالص."
أسرع "محمود" بالإ نصر اف بعد إحساسه بالمهانه من "حسن" وأخته ليقف "حسن" مذهولاً بصدمه من تهديد "محمود" له ليردف بعدم تصديق:
"أنا ضعت خلاص!!!!!!"
وقفت "حنان" إلى جانب زوجها المصدوم مستفسره منه بتخوف:
"يعنى إيه.... ؟ تفتكر حيعملها بجد ولا بيهدد وساعة غضب؟"
"وهو ده بتاع تهديد... أنا خلاص لعبت بالنار.. وأهي بتحرقني خلاص عشان واحدة ***** زى دى... أنتي يا ****..."
إرتعدت أوصالها وهى تستمع لنداء أخيها الغاضب فلابد أنه سيعاقبها عقاباً شديداً الآن على ما أقترفته، لم تستطع النهوض من موضعها لتدعو الله أن يمر الأمر بسلام.
"يااارب.. ماليش غيرك يارب.. يارب إبعد عنى شره يا رب.. وحياه حبيبك النبى.... أنا ماليش غيرك.. أنت إللى تقدر عليه... يا رب.. يا رب أصلح لى حالى وأبعد عنى شره يا رب."
سمعت صوت "حسن" الغاضب يقترب من غرفتها، لملمت نفسها بيديها تنتظر إنفجاره.
تنظر برعب تجاه باب الغرفه.
حينما فتحه "حسن" بقوة متجهاً إليها ليمسكها من شعرها وهو يجرجرها نحوه:
"حتت بت زيك أنتي تبهدلني بالشكل ده!!! أهديني رحت في داهية بسببك يا ***** أنتي."
حاولت "نسمه" تخليص نفسها من يد "حسن" القويه لتبتعد عنه قليلاً:
"إهدى يا "حسن".. أنا بس مش عاوزاه.. ده متجوز!!!!!!! هو أنا قليلة أوى عندك كده؟... ترميني الرمية دي."
"أنتي فاكرة إنك ليكي قيمة ولا إيه؟ لا... ده لو كان عايز يتجوزك... بس عشانى أنا.. لكن أنتي ولا تسوى حاجة أصلا."
إنهمرت الدموع من عينيها بقوة فقد حز بنفسها طريقة أخيها معها وتقليله من شأنها وقيمتها دوماً لتعاتبه ببكاء حار:
"أنت بتعمل معايا كده ليه؟!!!!! هو أنا عملت لك إيه؟!!!!!!!! أنا خلاص تعبت منك ومن عمايلكم معايا... أنا حمشي من البيت ده.. ده أنا لو أعيش في الشارع أكرم لي من العيشة معاكم."
وهَمَت "نسمه" بالخروج من الغرفه، ربما هي تهدد وربما تقوم بها جدياً، توقعت ولو للحظه أنه سيتمسك بوجودها ويشعر بقسوته وجفاءه نحوها، ربما سيرق قلبه لها حين يدرك أنها ستتركه وترحل.
لكنها فوجئت به يمسكها من شعرها بقوة متحدثاً بغضب شديد مقرباً وجهه القاسى المظلم تجاه وجهها بقوة مخيفة ارتعشت لها أوصالها من الخوف:
"أنتي رايحة فين.....؟؟؟ هو بعد التعب إللى تعبته معاكى ده كله تقوليلى حتسيبى البيت وتمشى."
أحست "نسمه" أنه ربما استيقظ عنده إحساس الأخوة وسوف يمنعها من ترك المنزل، استطرد حديثه قائلاً:
"أنتي مش طالعة من البيت ده إلا لما تمضى تنازل عن كل جنيه ليكي في الشركة الأول وبعدها غورى في ستين داهية."
تهدجت أنفاسها بصدمه، أهذا كل ما يفكر به، المال.... هو الشئ الوحيد الذي يمنعه من تركها بالشارع، هي لا تهمه على الإطلاق وكل ما يفكر به مالها ونصيبها بالشركة.
"فلوس..... !!!! كل إللى همك الفلوس.... أنا لا عايزة فلوس ولا عمري اهتميت بيها... تغور الفلوس يا أخى تغور الفلوس...."
إنهارت "نسمه" باكيه لتهوي جالسة بصدمه، حينما اقترب منها "حسن" وهو يلقي إليها بورقة وقلم:
"إكتبي تنازل دلوقتي وأمضي عليه."
أسرعت "نسمه" بغضب تمسك بالورق وتكتب تنازل عن كل ما يخصها لأخيها "حسن" ودموعها تعيق رؤيتها لما تكتبه لكنها تريد أن تعاقبه وتشعر بالندم لمقايضتها حريتها وحياتها بالمال.
"إتفضل التنازل أهو.... ياا..... ياااأخويا.... !!!"
"أنتي حتقرفيني.. هاتى... وتغوري من البيت ده مش عايز أشوف وشك تاني."
"أنت أخ أنت!!!!!! أنت بتعمل معايا كده ليه؟!!! عمرك ما حسستني بخوفك عليا ولا بحبك ليا... أنا عمري ما ضايقتك ولا زعلتك..... أنت بتعمل معايا كده ليه... ليه.. لييييه؟!!!!"
"عارفه ليه....؟؟؟ أنا حقولك ليه....."
ليستكمل "حسن" بصراخ:
"عشان أنتي مش أختي.... مش اختتتي... مش اختتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت تتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتت
رواية عشقت خيانتها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب
رواية عشقت خيانتها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم قوت القلوب
الفصل الخامس عشر
🔶🔸 من أنا ....؟!!!!!🔸🔶
إرتجفت "نسمه" وإنخفض صوتها حاولت الكلام لكنها شعرت بأن الكلمات تحشرجت بحلقها لا يصدر منها سوى صوت همهمه ، حاولت أن تعلى من صوتها ليبدو واضحاً قليلاً ....
_ للدرجه دى !!!!؟؟ ... بتكرهنى للدرجه دى .. لدرجه إنك تقول أنى مش أختك ...!!!!!
_ لا دى الحقيقه ... ولا أبويا أبوكى ولا أمى أمك ...
_ إنت بتقول إيه ..... ؟!!!!! إزاى ده ...؟؟ أنا عارفه إن ماما مش أمك .. بس بابا ...؟؟؟؟؟!!!
كان كل ما يهتم به "حسن" هو ورقه التنازل تلك التى أصبحت بحوزته ليستكمل حديثه القاسى بلا إكتراث لما يهشم بداخلها ويحطم قلبها ....
_ أبويا بعد ما أمى إتوفت جت أمك الواطيه ولفت عليه وكانت ساعتها حامل فيكى .. وبعد ما ولدتك إتجوزوا وكتبك ساعتها بإسمه ... الله أعلم أنتى بنت مين ؟!!!!!!! ... وفى الآخر يجى أبويا ويكتب لك نصيب من الشركه ... كان خايف منى !!!!! ... أخدتى منى كل حاجه .. أخدتى حُبه و إهتمامه وفلوسه وأنا إبنه .... وأنتى مش بنته !!!!! ... كان بيعمل معايا كده ليه ؟؟!!!!!!! ... بس خلاص ... حقى ورجع لى .. ومن النهارده مش عايز أشوف خِلقتك دى تانى هنا .... برررره ...
لم تدرى "نسمه" ما عليه فعله لكنها وجدت نفسها تتحرك بغير إرادتها نحو الخارج ...
شعرت ببروده شديده تجتاح أطرافها غير قادرة على إستيعاب ما تفوه به للتو ...
تحركت نحو خارج البيت لتستدير نحوه ناظره إليه بتحسر كما لو كانت تودعه بتلك النظرة الاخيره فهى لن تعود إليه مرة أخرى ، هذا البيت الوحيد الذى كان يضمها ويحتويها ولا تدرك غيره بيت لها ، بيتها الوحيد الذى تعرفه ...
لم تدرك "نسمه" أين ستذهب الآن وجميع الأبواب مغلقه بوجهها ......
بكت كما لم تبك من قبل ...
" أنا مش معترضه على إللى بيحصل لى .. بس أنا تعبت أوى ... اووووى ..... ولو حسن مش أخويا وبابا مش أبويا ... أنا بنت مين ؟!!!!!! .... بنت ميييين ...؟؟؟!!!!
____________________________________
حسن ....
كانت "حنان" تشاهد كل ما حدث بصمت وربما بشماته بتلك الفتاه التى طالما شعرت بالحقد تجاهها ، سعدت للغايه بطردها من البيت والخلاص منها ، لكن تبقى تلك المشكله التى حلت فوق رؤوسهم بسببها مع "محمود منصور" ....
جلست إلى جوار زوجها الذى شعر بغبطه لإسترجاع حقه من تلك البغيضه لتحدثه بتخوف ...
_ حنعمل إيه يا "حسن" فى المصيبه إللى حلت على دماغنا دى ...؟؟!!!!
_ مش عارف ....؟؟ بس ححاول أروح له بكرة الشركه أتفاهم معاه ....
_ ربنا يستر .. أنا مش عارفه بيحصل لنا كده ليه بس ...؟!!
_ أنا حتصرف ... المهم أنى أخدت حقى منها وإرتحت ...
_ أنت بتقول فيها ... محدش إرتاح من خلقتها قدى ...
____________________________________
سارت "نسمه" هائمه لا تدرى إلى أين تذهب ، تحركت بلا وجهه تسير بالطرقات ، سارت وحيده لا تملك من حطام الدنيا شيئاً ، فقد خرجت من البيت دون أن تأخذ أى شئ معها ....
تقابلت مع العم "متولى" أثناء إغلاقه للمكتبه ، لا تدرى هل لقائها به الآن من "حسن" حظها أم من سوءه ، لكنها وحيده وقد أوقفه الله بطريقها بهذه الساعه المتأخره من الليل ...
إندهش العم "متولى" من رؤيته لها بهذا الوقت فليس من عادتها التواجد خارج البيت بمثل هذه الساعه ...
_ "نسمه" ....!!! مالك يا بنتى ... ؟؟!!! إيه إللى منزلك متأخر كده من البيت ....؟؟
ما كان رد "نسمه" إلا شهقات بكاءها ليشفق على حالها قائلاً .....
_ تعالى يا بنتى ... تعالى ... نروح البيت عندى .. أهو بالمرة تقعدى مع أم "سعيد" شويه ....
تحركت معه "نسمه" وكأن الله بعثه لها نجده الآن فلم يعد لديها سبيل آخر للذهاب إليه ....
____________________________________
بيت عم متولى ...
فور أن رأت أم "سعيد" ( زوجه العم "متولى") وجه "نسمه" المنتفخ من أثر بكائها أشفقت على حالها الرث فهى أيضاً تعلم كيف يعاملها أخيها ، رحبت بها بحفاوة وهى تتسائل عن سبب بكائها ....
_ أهلاً أهلاً يا "نسمه" ... مالك يا بنتى بالراحه شويه .. إيه إللى حصل ....؟؟
نهرها العم "متولى" عن أسئلتها المتوالية قبل أن تدعوها للدخول ...
_ دخليها الأول يا "سناء" وبعدها يحلها ربنا ....
_ تعالى يا بنتى إدخلى يا حبيبتى ...
جلست "نسمه" على الأريكة المتواضعه ببيت العم "متولى" ، ضاعت الكلمات التى يجب أن تنطق بها لتصف حالتها وهما ينظران نحوها بتلهف لمعرفه ما حدث لها لتبكى بتلك الطريقه ....
تفكرت للحظات هل تقول لهم الحقيقه وما حل بها ... أم تخفى السبب وتتكتم مثلما هى معتاده دائماً ...
قطع تورترها وتفكيرها حديث عم "متولى" ....
_ "حسن" عمل فيكى إيه تانى يا بنتى .... ؟؟؟
نظرت له "نسمه" متعجبه من فراسه هذا الرجل المسن فكيف فهم أن "حسن" هو السبب بتعاستها ، ربما لأنه لا يوجد بحياتها غيره ....
_ مش عارفه أقولك إيه يا عم "متولى" ...!!؟؟
_ إتكلمى يا بنتى .. أنا عارف من زمان هو بيعاملك إزاى!!!! ... وكنت بدعى دايماً إن ربنا يهديه ... ويحن عليكى ...
علا صوت نحيبها المستمر مخرجه قسوة الدنيا عليها بدون إختيار لكلماتها كما إعتادت ....
_ مكنتش فاكره الدنيا وحشه أوى كده يا عم "متولى" ...؟!!!!!
_ومين قالك كده يا بنتى !!!! .. إحنا بس إللى بنبص للدنيا من تحت رجلينا ومش شايفين الخير إللى ربنا بيحضره لينا ... دى هى كده تُحكم على البنى آدم وبعدين تفرج مره واحده ... خلى أملك بالله بس ...
ربتت أم "سعيد" على كتفها بحنو قائله ...
_ معلش يا بنتى تبات نار تصبح رماد ... بكره إن شاء الله عمك "متولى" يروح ويصالحكم على بعض ....
إنتفضت "نسمه" بهلع لمجرد فكرة عودتها إليهم بعدما علمت أنها ليست أخته ....
_ لااااا .... أنا مش راجعه هناك تانى خلاص .... مش راجعه .... معدش ينفع ...
_ ليه بس يا بنتى ... هو جامد عليكى شويه ...بس إن شاء الله يحن عليكى ....
_ لأ يا أم "سعيد" ... أنتى مش فاهمه حاجه ....!!!!!!
بهدوء وتروى أردف العم "متولى" يهدئ من روعها وإنتفاضتها القويه ...
_ طب إهدى كده يا بنتى بالراحه قوليلنا إيه إللى حصل ....؟؟!!!
_ مش عارفه يا عم "متولى" ... أنا نفسى مش فاهمه حاجه ... بس ممكن أنت تفهمنى ... مش أنت كنت صاحب بابا الله يرحمه ... ومش بيخبى عنك حاجه ؟؟!! ... أنا ححكيلك يمكن تفهم و تفهمنى ....
_ قولى يا بنتى ..
_ أنا و"حسن" شدينا مع بعض عشان فسخت الخطوبه مع شريكه ده ... وزعل منى أوى ... ولما قلت له أنت بتعمل معايا كده ليه هو أنا مش أختك؟!! ... قالى لأ مش أختى !!!! .... وإن بابا إتجوز ماما وكتبنى بإسمه بس هو مش بابا ...
إندهش العم "متولى" للغايه مما سمعه من "نسمه" ليتسائل بتعجب ....
_ إيه ....؟؟!!!! لا يا بنتى "على" عمره ما قالى حاجه عن الموضوع ده ... بس إستنى ...هو كان دايماً خايف عليكى من "حسن" وأنه ممكن ميديكيش حاجه لو جراله حاجه وكنت بستغرب ليه يعنى ده شرع ربنا و"حسن" ميقدرش ياكل حقك ... وكنت بستغرب لما لقيته كتبلك جزء من الشركه بيع وشراء ... وكان دايماً بيحبك ويقول عليكى .. دى يتيمه وغلبانه ...
_ بابا كان بيقول عليا يتيمه وهو عايش ... يبقى صح يا عم "متولى" ...!!!!!!
إزدادت بإنهيارها فيبدو أن "حسن" محق وهى بالفعل ليست شقيقته كما كانت تظن ....
_يبقى صح ... أنا مش بنته !!!!! ... وكان خايف عليا من "حسن" لا يرمينى فى الشارع .... بس فين أبويا الحقيقى ؟!!!!! ... أعرفه إزاى بس .... ليه بس كده يا ربى ....
نظرت أم "سعيد" نظره إستنكار شديده بإتجاه زوجها وهى تربت بكتف "نسمه" مرة أخرى لتهدئتها قليلاً ...
_يا بنتى بالراحه على نفسك ... أنت بتقول إيه بس يا "متولى" ؟!!! ...خليت البنت تعمل كده فى نفسها بدل ما تهديها ... أكيد يا بنتى "على" أبوكى .... و"حسن" قال كده من الزعل بس ....
أردف عم "متولى" مصححاً ما إقترفه وزاد به من هموم "نسمه' ...
_ يا سناء أنا معرفش حاجه أنا بخمن بس ....!!!
لم تجد "نسمه" سوى العم "متولى" ماداً لها يد العون لتسأله ربما تجد عنده الحل ...
_ طب أنا أعرف منين بس يا عم "متولى" ؟!!!!!! ... ده أنا معرفش حتى قرايبنا ... ولا عم ولا خال ...!!!!!
انتبهت أم "سعيد" على ذكر كلمه (خال) لتردف بتذكر ...
_ خال ....!!!! ..... إستنى إستنى ... فاكر يا "متولى" الست الحلوة دى إللى كانت بتزور أم "نسمه" كتير وهى صغيره أول ما جت هنا ؟!!!! .. وأبو "نسمه" طردها يوم وفاه أم "نسمه" بعد الدفنه وحصلت بينهم مشكله كبيره ... فاكر ؟!!!
_ أيوه أيوه فاكرها .. كانوا بيقولوا لها ...... أم "ريم" ...صح ؟!!!!! .. دى كانت أختها ... يعنى خالتك يا "نسمه" ...
بإنتباه شديد إعتدلت "نسمه" منصته لحديثهم وتوقفت تماماً عن البكاء لتمسح دموعها بظهر كفها مردفه بدهشه ...
_ خاله ....!!!! أنا ليا خاله ....؟؟!! طب ألآقيها فين دى ؟!! ...متعرفوش ساكنه فين أو أى حاجه عنها ...؟!!
_ والله يا بنتى الكدب خيبه ... بس أنا ححاول أسألك "حسن" يمكن يقولى ...
أهدلت كتفيها بخيبه رجاء وهى تتحدث بصوت خفيض يائس للغايه ...
_ "حسن" ....!! ....وهو حيرضى يقول حاجه بعد إللى حصل النهارده ..!!!!
_ أصبرى يا بنتى وأنا ليا طريقتى إللى أقدر أتفاهم معاه بيها ...
نهضت أم "سعيد" طالبه من "نسمه" أن ترتاح قليلاً ...
_ تعالى يا بنتى إرتاحى وإن شاء الله بكرة عمك متولى يشوف خالتك فين بالضبط ويوصلك ليها ....
بإستكانه تامه تبعتها "نسمه" لتدلف لغرفه ولدهم سعيد الخاليه بعد زواجه منذ عده شهور لتقضى معهم الليله مجبره فلا مأوى آخر لها الآن ....
لم تستطع النوم بعد ما مرت به لتظل تناجى الله ليخفف عنها حزنها الذى ملأ حياتها ولم تعد ترى شعاع ضوء بحياتها المظلمه ، لكن ذلك لابد وله حكمه ما ...
" أنا أقوى من كل ده .. وبكرة أعرف فين أهلى .. وأبعد عن "حسن" وعن "عمر" وعن كل حاجه هنا ... يمكن أعرف أنسى كل إللى حصل ده ...."
____________________________________
فى الصباح ....
هاتف "وائل" "عمر" ليؤكد عليه ذهابهم إلى الجامعه قبل المرور به ...
_ ها ..... إيه يا "عمر" جاهز أعدى عليك ....؟؟؟
_ معلش يا "وائل" ... أنا مش عايز أروح النهارده .. روح أنت ..
_ يا "عمر" والله إللى أنت بتعمله ده غلط ...
_ خلاص يا "وائل" .. متضغطش عليا ... بكره آجى أحضر الإمتحان وخلاص ...
_ طب والورق ... ده دكتور "طارق" عايز كل واحد يستلم الورق بتاعه بنفسه وهو بيمضى على الورق من فوق عشان نحضر يبه الإمتحان ...!!!!!
_ بكره نبقى نروح بدرى شويه ناخده منه وخلاص ... أنا ماليش نفس أروح الكليه النهارده ...
_ خلاص على راحتك .... سلام ..
_ مع السلامه ...
جلس "عمر" ينظر إلى الفراغ ويتنفس بعمق فهو لا يريد أن يذهب إلى الجامعه ويمر بنفس الأماكن التى كانوا يتقابلوا بها فذلك يؤلمه أكثر وأكثر ولن يساعده مطلقاً على نسيانها ...
____________________________________
عم متولى ...
إستيقظ عم "متولى" مبكراً ليلحق بـ "حسن" قبل أن يتوجه إلى الشركه بهذا الصباح ليتحدث معه أولاً ...
بعد دقائق قليله وصل العم "متولى" لشقه "حسن" القريبه ليطرق بابهم بخفه ليقابله "حسن" متفاجئاً من قدومه بتلك الساعه المبكره ...
_عم "متولى" ؟!!!!!!!! ...خير على الصبح ...؟!!
_ كنت عايزك فى كلمتين قبل ما تروح الشغل ...
"حسن" بتملل ...
_ إتفضل ...
جلس عم "متولى" على أحد المقاعد إلى جوار "حسن" ....
_ ليه يا "حسن" إللى عملته مع أختك ده ....؟؟
_ ااااااه .. هى إشتكت لك ...!!!!!
_ أنا لقيتها بالليل لوحدها ماشيه فى الشارع مفلوقه من العياط ... دى وصيه أبوك برضه ...؟!!!!!!
_ أبويا مات خلاص ... وهى أظن أنها قالتلك على إللى قلتهولها ...؟!!!!!
عم "متولى" بنفاذ صبر ...
_ يعنى مش ناوى ترجعها البيت تانى يا بنى ...؟؟؟!!
_ لأ .... معدلهاش صفه هنا .. وأنا معدتش مستحمل حمل زياده ...
_ طب هات عنوان خالتها ولا رقم تليفونها تروح لها ... أمال حترميها فى الشارع ...؟!!!
_ وأنا مالى تترمى فى الشارع ولا تروح فى أى داهيه ....
لم يجد العم "متولى" بُد من تهديد "حسن" فيبدو أن اللين والطبع الطيب لن يجدى مع أمثاله شيئاً ....
_ لا يا "حسن" ... حتجيب العنوان أو رقم التليفون .. أنا عارف أنهم معاك .. وإلا أنا إللى حطالب بحق "نسمه" فى الشركه .. مش ده إللى أنت خايف عليه ...؟!!!
ضحك "حسن" ساخراً من تهديد هذا العجوز له قائلاً ....
_هى مقالتلكش أنها مضت على تنازل ولا إيه ....؟؟
_ التنازل ده باطل ...!!! .. لأنها لسه مكملتش واحد وعشرين سنه .... يعنى مالهاش تتنازل عنه ... يعنى التنازل ده تبله و تشرب ميته ...
"حسن" بتخوف من أن يضيع كل ما فعله سدى ...
_ إيه ...؟؟؟
_ وأنا عارف إنها مش عايزه الفلوس .. خليها توصل لأهلها وخلى لك التنازل بتاعك .. ده أنا حتى ممكن أقنعها أنها لما تتم الواحد وعشرين سنه تروح تسجلهولك كمان ....
_ ماشى ... ماشى يا عم "متولى" .. بتلوى لى دراعى ... حديك رقمها .. بس محدش فى الدنيا حيقدر ياخد حقى منى فاهم ....
تحصل العم "متولى" على رقم أم "ريم" من "حسن" ليتجه مباشرة نحو شقته ليعطى الرقم لـ "نسمه" التى كانت تنتظره بفارغ الصبر ....
ويبقى للأحداث بقيه ،،
انتهى الفصل الخامس عشر،،
قراءه ممتعه ،،،
رشا روميه (قوت_القلوب)
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية عشقت خيانتها الفصل السادس عشر 16 - بقلم قوت القلوب
شقه عم متولى ....
بعدما قابل "حسن" وإستطاع إقتناص رقم أم "ريم" خاله "نسمه" منه بصعوبه عاد إلى شقته لمقابله تلك التى تنتظره على أحر من الجمر بتلهف ، فبعد سنوات وسنوات أصبح لها عائله أخرى غير "حسن" وستبحث عنها وعن الأمان معها ....
تابعت "نسمه" دخول عم "متولى" المرهق حتى جلس على مقعده وهى تحاول مسك لسانها عن الحديث حتى يرتاح قليلاً لتهتف بقلق متوقه لمعرفه عنوان خالتها التى تحدثوا عنها بالأمس ...
_ ها يا عم "متولى" ... جبت العنوان ...؟؟!
_ لأ يا بنتى ... جبت لك الرقم ... خدى الرقم أهو ...
لم تكاد تصدق عيناها وهو يلوح بقطعه صغيره من الورق أمام أعينها دون عليها رقم هاتف لتتمسك بتلك الورقه بحماس كما لو كانت ترى عائلتها وأملها بتلك الورقه ...
_ بجد ...!! أنت عرفت تجيب لى الرقم من "حسن" يا عم "متولى" ؟!! ... ربنا يخليك ليا يا رب ....
أردف العم "متولى" بإستياء شديد من تصرفات "حسن" معها ...
_ بس "حسن" مش حيتنازل عن حقك فى الشركه ...!!!!
_ أنا مش عايزة منه حاجه ... ولا شركه ولا فلوس .. خليه يشبع بيهم ...
_ أمال حتعملى إيه بس يا بنتى ...؟!!
_ المهم دلوقتى أوصل لأهلى ... يمكن أعرف أوصل لوالدى الحقيقى ....
_ على الله يا بنتى ... ربنا يجبر بخاطرك ...
مع شعورها بأنها أثقلت كثيراً على هذا الرجل الطيب لكنها كانت مرغمه بطلبها ، لتطلب منه بخجل شديد ...
_ ممكن أتكلم من تليفونك يا عم "متولى" ... إنت عارف مش معايا تليفون ...؟!!!
_ وده كلام برضه ... إتفضلى يا بنتى ....
أمسكت "نسمه" بهاتفه الذى مده إليها على الفور لتدق بأصابعها النحيله فوق الارقام الواحد يلو الآخر وهى ترفع الهاتف نحو أذنها بترقب ولهفه غير مصدقه حقيقه لما تفعله ...
_ السلام عليكم ...
_ هلا وعليكم السلام .. مين معايا ....؟؟
دق قلبها بقوة فور سماعها لصوت تلك السيده والتى لابد أنها هى خالتها أم "ريم" التى تحدثوا عنها ، أجابتها "نسمه" بتلعثم من فرط إرتباكها ....
_ أنا .. اااا .. "نسمه" ... أنا أبقى ....
لم تمهلها أم "ريم" وقت لتوضح لها من هى لتهتف بسعاده مهلله ...
_ "نسمه" !!!!!! ... "نسمه' بنت "فاتن" أختى ؟!!!!!!!! ... أنتى "نسمه" بجد ...؟!!!!
_ أيوه .. أنا ...
_ والله فرحت .. أخيراً "حسن" خلاكى تكلمينى ... رقمك ده يا حبيبتى ...؟!!!
_ لأ .. ده رقم عم "متولى" صاحب بابا ... أنا ... ااااا ..... حصلت مشكله بينى وبين "حسن" .. وكنت ... عايزة يعنى ....
صمتت "نسمه" فماذا ستقول لها فتلك أول مرة تتحدث إليها ، لتتراجع خجله من تفوهها برغبتها بالذهاب إليها ، لتقطع أم "ريم" حيرتها برد قاطع ...
_ أنتى بتفكرى؟!!!!!! ... تعاليلى حبيبتى ... حديكى العنوان ..........
إستمعت "نسمه" لوصف أم "ريم" لعنوانها بالتفصيل ثم إستطردت ...
_ أيوه ... تمام .. عرفته خلاص ... أنا جايه لحضرتك ... ساعه بالكتير وأكون عندك ... مع السلامه ..
_ بالسلامه حبيبتى ...
أنهت "نسمه" مكالمتها لتعيد الهاتف مرة أخرى لعم "متولى" قائله ...
_ أنا خلاص عرفت العنوان ورايحه لها ... أنا متشكره ليكوا أوى على إللى عملتوه معايا ...
أجابتها أم "سعيد" بإشفاق على حالتها ...
_ ما تخليكى معانا يا بنتى ...؟!!!
_ متشكره أوى يا أم "سعيد" ... أنا مش عارفه من غيركم كنت عملت إيه .... بس الحمد لله عرفت خالتى وأخيراً حروح أدور على أهلى إللى بجد ...
بعد أن ودعتهم "نسمه" إتجهت بطريقها نحو عنوان خالتها أم "ريم" مباشرة ...
توقفت "نسمه" أمام إحدى البنايات الراقيه وهى تنظر نحوها بإعجاب شديد لتتأكد أن رقم هذه البنايه هى بالفعل التى أعطته لها خالتها ، صعدت إلى الدور الرابع باحثه عن شقتها التى وصفتها لها بالتفصيل ...
توقفت أمام باب الشقه لبضع لحظات بتخوف قبل أن تطرق الباب الذى كان كبوابه الأمان التى تبحث عنها طوال عمرها ....
فتح الباب شاب طويل أبيض البشره ذو عينين زرقاوتين يشبه الأجانب إلى حد كبير ، ضيق بين حاجبيه بخفه ليعود وجهه للإرتياح بإبتسامه خفيفه متسائله ....
_ هلا ... كيفك .. أنتى "نسمه" ...؟؟
تطلعت نحوه "نسمه" بإستراب قليلاً ثم تسائلت بشك ...
_ أيوه .. مش خالتى أم "ريم" ساكنه هنا صح ...؟؟!!!!!!!
_ بلى ... تفضلى ...
دلفت "نسمه" إلى الداخل وهو يشير إلى الأمام بترحاب شديد لتدلف إلى غرفه معيشه فاخره وقد تحلت بصمت تام ، حتى إستمعت لصوت إمراه من خلفها لتستدير نحو هذا الصوت المهتز بسعاده بحضورها ....
أقبلت أم "ريم" تجاهها بخطوات متعجله لتبتسم "نسمه" بخفه قائله بداخلها ..." ياااه .. دى شبه ماما أووى ..."
_ "نسمه" ..... حبيبتى ... أخيراً شفتك ... وحشتينى أوى يا "نسمه" ... سبحان الله شكل "فاتن" بالضبط ... الله يرحمك يا أختى ....
تلقتها أم "ريم" بأحضانها دون إنتظار أى كلمه من "نسمه" التى أغمضت عيناها براحه وسكينه وهى تردف بتأثر بالغ ...
_ ماما ....!!! أنتى شبه ماما أوى ..... ماما وحشتنى أوى أوى ...
بصوت متحشرج و دموع مختلطه بمزيج من اللهفه والشوق واللوم ...
_ الله يسامحه "حسن" ... مكانش راضى يخلينى أشوفك نهائى ... بس الحمد لله أنى شفتك وأطمنت عليكى ....
_ أنتى كنتى فين من زمان ... أنا تعبت مع "حسن" أوى ....؟!!!!
_ خلاص ... مفيش تعب ولا زعل تانى ... من النهارده حتعيشى معايا هنا ... ومحدش حيقدر يزعلك تانى أبداااااااااا ...
إبتسمت "نسمه" براحه فكم تشبه خالتها أمها الراحله كثيراً حتى فى نبره صوتهاا ....
_ تعالى بقى جمبى كده و إحكيلى كل حاجه ... عايزة أعرف عنك كل حاجه يا "نسمه" ...
_ حاضر ...
شعرت "نسمه" بألفه كبيره بينها وبين خالتها وظنت لبعض الوقت أنها تتحدث إلى أمها التى لا تتذكر من تفاصيلها إلا القليل ....
سردت لها "نسمه" بأريحيه عن أشياء كثيره حدثت فى حياتها .. خاصه ما كان يحدث بينها وبين "حسن" ....
حين جاءت الحظه لتقص لها عما حدث بالأمس ....
_ طردنى يا خالتى ... طردنى ومهمهوش حاجه ولا كأنى أساوى عنده أى حاجه .... حتى إنه قال إن أنااااا ...
عقبت أم "ريم" تكمل لها جملتها ....
_ مش أخته ...!!
إتسعت عيناها بذهول وهى تتسائل ...
_ أنتى عارفه ....؟؟؟
_ ده سر كبير مكنش يعرفه غير أنا و"على" جوز مامتك ... ومرضيناش نقول لحد خالص عشان هو كتبك بإسمه .... وكانت وصيه أمك قبل ما تموت أنى أخدك تعيشى معايا .. بس "على" كان بيحبك زى بنته ومرضيش أبداا أنى أخدك .. ده حتى حصلت مشكله كبيره بينا يوم وفاه والدتك ... وطردنى ومنعنى حتى أنى أشوفك تانى .. عشان مقولكيش على الحقيقه .. من كتر حبه ليكى ... وكمل "حسن" و بَعدك عنى .. خصوصاً أنى سافرت فترة السعوديه ولما رجعت حاولت أخدك .. رفض خالص ..
_ إحكيلى يا خالتى وقوليلى مين أبويا الحقيقى ... أنا بنت مين ...؟؟
_ أبوكى راجل محترم أوى ... وغنى أوى أوى ... من عيله كبيره ... شاف أمك الله يرحمها وحبوا بعض جداً .. مهمهوش إنها فلسطينيه زى ما ناس كتير هنا بيفرق معاها الموضوع ده ... مع أننا عايشين هنا بقالنا سنين .. بس هم لسه بيعتبرونا أغراب ... لكن أبوكى لأ ... حب مامتك جداً وإتجوزوا ....
_ طيب إيه المشكله ..؟؟ ليه معرفهوش ولا هو يعرفنى ....؟؟ وليه إتكتبت بإسم بابا "على" ....؟؟
_ عيله أبوكى .. الله يسامحهم بقى ... خصوصاً جدك أبو والدك .... كانوا رافضين تماماً موضوع جوازه من "فاتن" ... وطردوها وخلوا باباكى يطلقها .. ولأنه كان فى نظر "فاتن" ضعيف ومقدرش يحافظ عليها ولا على حبهم ده .. بعدت خالص .. كانت ساعتها حامل فيكى ...
_ أيوة برضه مفهمتش ... ليه مكتبونيش بإسم والدى الحقيقى ...؟؟
_ خافت لياخدوكى منها ... أصلهم قالولها عيالنا مش بنربيهم بره ... ساعتها إتعرفت على "على" فى الشغل إللى كانت فيه وعرف بمشكلتها وعرض عليها يتجوزوا ويساعدها ويكتبك بإسمه ويعاملك زى بنته بالضبط ... وهى من خوفها وافقت .. "على" كمان كان طيب أوى ...
_ طب فين أبويا الحقيقى ... أنا عايزة أوصل له وأثبت أنى بنته ...!!!
_ أنا معرفش معلومات كتير عنه .. لأنه مش من القاهرة ... هم إتجوزوا هنا .. وأنا مش عارفه أصل عيلتكم منين ... لكن ...!!
_ لكن إيه ....؟؟
_ أمك .. كانت سايبه وصيه .. فى ظرف مقفول .. وطلبت منى إنك لما تيجى عندى وتكبرى أديهولك ... وأنا شايلاه أمانه عندى ...
_ هو فين يا خالتى ....؟؟
_حقوم أجيبهولك ...
تركتها أم "ريم" لبضعه دقائق ثم عادت وهى تحمل ظرف مغلق كُتب عليه إسم "نسمه" من الخارج ....
_ أهو يا "نسمه" ....
مدت "نسمه" يدها لتأخذ الظرف من خالتها حينما أمسكت أم "ريم" يدها بقوة ....
_ بنتى ... أنا ما صدقت إنك رجعتى لى أخيراً ... مهما كان إللى فى الظرف ده ... خليكى عايشه معايا ..أعوضك عن أمك ... وتعوضينى عن بنتى "ريم" الله يرحمها ....
علا وجه "نسمه" نظرات حزينه متفاجئه ...
_ هى "ريم" اااا .....؟؟
_ أيوه بنتى "ريم" الكبيره ... إتوفت ... من زمان ... وأنتى زى "ريم" بالضبط .. خليكى عايشه معانا ...
_ أنا حبيتك أوى يا خالتى ....
إرتمت "نسمه" بأحضانها تلتمس بها حب أمها الذى فقدته من زمن بعيد .....
_ حبيبتى يا بنتى ....
_ بس عايزة أعرف أبويا برضه .. و أوعدك أنى حرجع لك تانى .... أكيد ...
_ شوفى الوصيه بتاعه أمك .. وأنا حروح أحضر لك حاجه تاكليها ونقعد مع بعض نحكى ونحكى ...
هزت "نسمه" رأسها موافقه ....
خرجت أم "ريم" من غرفه المعيشه التى كانوا يجلسون بها تاركه "نسمه" بمفردها ، فتحت "نسمه" الظرف لتجد ورقه كبيره مطويه بعنايه .
" بنتى حبيبتى (نسمه) ... لو الوصيه دى وصلتك يبقى أنا مش جمبك دلوقتى وأنتى عروسه كبيره ...بحبك أووى يا أغلى ما فى حياتى ويا ريت يا بنتى متزعليش منى من إللى عملته ... أنا عملت كده عشان خفت عليكى وخفت ياخدوكى منى ... بس مش عارفه إللى أنا عملته ده صح ولا غلط ؟؟!!!!! ... بس ده أبوكى برضه وحقك تعرفيه وتعرفى عيلتك وناسك ... لو حبيتى فى يوم توصلى له ... أنا سايبه كل المعلومات عنه فى خزنه أمانات فى بنك ... ده الرقم السرى******* بتاع الخزنه والمفتاح مع أختى أم (ريم) ..سامحينى يا نور عينى يا عمرى كله لو كان تفكيرى ظلمك فى يوم من الأيام و أوعى تزعلى منى ... أمك (فاتن) ...."
همست "نسمه" بعيون غائمه ....
..."عمرى ما أزعل منك أبداا ... يا ماما ...."
_____________________________________
شركه محمود منصور ....
توقف "حسن" كالطفل الصغير الذى أذنب ذنباً لا يغفر وهو منكس الرأس يخفض من صوته بترجى و خنوع ...
_ والله يا "محمود" بيه طردتها بره بيتى ... متزعلش أنت نفسك بس ...
بتفاجئ تام فغر "محمود" فاه وهو ينهض من مقعده الجلدى الوثير ...
_ طردتها ...!!
_ أيوة طبعاً .... كله إلا زعلك والله ... أنا مستعد أعمل أى حاجه عشان أرضيك .. أُؤمر أنت بس ....
ضرب "محمود" كفيه بعضهما البعض مستنكراً للغايه ما فعله هذا المنحط بأخته لمجرد رفضها للزواج منه ليردف متعجباً ...
_ أنت فاكرنى إيه ....؟؟ .... هو عشان معايا فلوس يبقى خلاص معنديش ضمير .... أنا إللى من عينتك دول بستحقرهم ...أه فعلاً إتضايقت من إللى حصل وكلامها وتصرفها كان زى الزفت ... وأنا لسه عند كلمتى إنك معرفتش تحكمها ... بس عُمرى ما كان ضميرى زى ضميرك و أبيع أهلى عشان الفلوس ...
حاول "حسن" الدفاع عن نفسه والتهرب من توقيع "محمود" الأخطاء عليه ...
_ على فكرة هى مش أختى شقيقتى .. دى بنت مرات أبويا ... ورضاك عندى أهم ... ده أنا عملت كده عشان أرضيك ..!!!
_ ترضينى ..!! .... ترضينى إنك ترمى بنت يتيمه ملهاش أهل فى الشارع عشان زعلتنى ؟!!!!!! .. أنت إنسان جاااااحد ومعدوم الضمير وده حيخلينى أتمسك أكتر بإللى كنت ناوى أعمله معاك ... لأن الطماع إللى زيك مكانه يترمى فى السجن يمكن يتوب لربنا ....
_ لا يا "محمود" بيه بالله عليك ... أنا .. أنا حرجعها طيب .. شوف أنت عايز إيه وأنا أعمله .. بلاش السجن أبوس إيدك ...
_ إطلع بره ... بررره ..
إضطر "حسن" للخروج وهو يجر أذيال الخيبه ويتوعد سراً لـ"نسمه" بالإنتقام منها لما حل به ...
على الفور هاتف "محمود" أحد الضباط اللذين يعرفهم معرفه وطيدة ...
_ أيوة ... إزيك يا "رجائى" باشا... بقولك .. عايز أبلغ عن وصلات أمانه عندى ... تمام .. حعدى عليك ااقدمهالك .. بس خدمه ليا ... يتشد على طول ...تسلم عينيك ... مع السلامه ...
بإبتسامه خيلاء منتصره أنهى "محمود" تلك المكالمه قائلاً لنفسه ..." أبقى ورينى حتطلع منها إزاى ... إنسان حقير وواطى .."
___________________________________
شقه أم ريم ...
بود شديد عاتبت أم "ريم" "نسمه" على عدم إنهائها طعامها قائله ...
_ ليه ما أكلتيش كويس يا حبيبتى ..؟؟
_ ماأكلتش !!!!!!! ... ده أنا تقريبا خلصت الأكل كله ... تسلم إيدك ...
إبتسم "ياسر" إبن خالتها معقباً ...
_ يمكن ما بيعجبها الأكل الفلسطينى ...؟؟؟
_ يا خبر .. لأ طبعا ده حلو جداً .. بس هو إشمعنى أنت يا "ياسر" إللى لسه بتتكلم فلسطينى شويه ...؟!!
أجابتها أم "ريم" على تساؤلها قبل أن يجيبها "ياسر" ...
_ أصله بيسافر "الأردن" كتير و كان بيدرس هناك كمان ....
_ اااه .. عشان كده ...
_ تعالى بقى نشرب كوبايتين شاى من إيدى وتقعدى تكملى لى وتحكيلى عن كل حاجه ...
جلست أم "ريم" و"نسمه" بالشرفه يحتسيان الشاى ، بدأت "نسمه" تحكى لأم "ريم" عن دراستها والجامعه وعملها بالمكتبه .... ثم بالنهايه .... (عمر) .... كانت تود أن تخرج ما بداخلها لأحد ولم تجد أفضل من أمها الثانيه التى ظهرت إليها أخيراً ...
إنقلبت تعبيرات وجه أم "ريم" إلى حزينه للغايه بعد سرد "نسمه" ما فعله "عمر" بها ...
_ كسر بقلبك ... ليه عمل كده ؟!!! .. الشباب اليومين دول كتير كده ... كويس إن الحكايه دى خلصت بدرى ...
_ خلصت؟؟؟؟ !!!!! ... ده ووجعنى أوى يا خالتى .... كنت فاكرة إن هو إللى حيخلصنى من "حسن" ومشاكله ويبقى هو الفرحه إللى فى حياتى ... لقيت إن مشاكل "حسن" جنب إللى عمله فيا ولا تساوى أى حاجه .....
_ الإنسان لازم فى الدنيا بيتعلم .... ومفيش تعليم ببلاش ...
تنهدت "نسمه" تنهيده طويله مؤلمه للغايه ...
_ صح .. مفيش حاجه ببلاش ... صحيح يا خالتى أنا عايزة المفتاح إللى ماما شايلاه معاكى عشان بكرة حروح البنك ...
_ المفتاح ... الصغير دة ... اه إفتكرته .... حجبهولك حاضر .... بس على طول كده ...
_ أيوه ... عايزة أعرف ... وأشوف حعمل إيه...؟!!!
_ زى ما تحبى يا بنتى ... تعالى بقى ندخل نرتاح وننام وبكرة إن شاء الله نروح البنك ...
_ إن شاء الله .. تصبحى على خير ...
_ تلاقى الخير ..
رواية عشقت خيانتها الفصل السابع عشر 17 - بقلم قوت القلوب
اليوم التالي...
بتملل واضح وقف "وائل" أسفل البنايه التى يقطن بها "عمر" ليهاتفه أولاً.
_ أيوة يا "عمر" أنا مستنيك تحت البيت أنزل نروح الجامعه سوا.
_ ماشى يا "وائل" .. أنا نازل أهو.
تقابل كلاً من "عمر" و "وائل" أسفل البنايه، إستنكر "عمر" إلحاح "وائل" وتخوفه بتلك الصورة من ألا يذهب معه اليوم إلى الجامعة.
_ فيه إيه يا إبنى هو أنا حهرب منك !!!!! ... ما أنا قلت لك جاى.
_ مش عارف خفت تِعنِد ومتجيش.
_ لا طبعا ده إمتحان .. يعنى مستقبلى .. مش حضيعه هو كمان.
_ كويس إنك عارف كده .. يلا بينا.
***
الجامعه ....
تجمعت "دنيا" مع صديقتيها "سحر" و"أحلام" بداخل الجامعه، أمسكت "سحر" إحدى الملزمات تقرأ بعض النقاط الهامه قبل بدء موعد هذا الإختبار بينما تعجبت "دنيا" من توتر "أحلام" وإلتفافها عده مرات حول نفسها كمن تبحث عن شئ ما.
_ مالك يا "أحلام" مش على بعضك من الصبح كده ليه وعماله تبصى يمين وشمال ...؟؟
_ مفيش .. مفيش ... بدور على حد بس.
_ حد مين ...؟؟
بعصبيه غير مبرره صرخت "أحلام" بـ "دنيا" التى تحشر أنفها بكل صغيره وكبيره.
_ يوووة .. متوجعيش دماغى على الصبح بقى ...!!!
تركتهم "أحلام" وإبتعدت عنهم لتقلب "دنيا" شفتيها بتعجب وإستراب من تصرف "أحلام" الغريب.
_ مالها دى ..؟؟
رفعت "سحر" وجهها عن ملزمتها مردفه بدون فهم.
_ أنا عارفه !!!!!! ... أهى بقت كده كتير اليومين دول .... متشغليش بالك ... المهم .. تفتكرى "نسمه" حتيجى النهارده ...؟؟
زفرت "دنيا" بحزن على حال صديقتها وهى تقلب شفتيها بتقوس غريب للأسفل أثناء رفعها لكتفها وإهداله مره أخرى.
_ والله ما أنا عارفه !!!! ... ولا نعرف عنها أى حاجه ... بس دى لو محضرتش يبقى ضاع منها أعمال السنه كلها !!!!
_ربنا يستر.
***
خارج أسوار الجامعه ....
وصل "وائل" و"عمر" إلى الطريق المقابل للجامعه، وقعت عينا "عمر" على فتاه تعبر الطريق بسرعه تشبه "نسمه" بهيئتها كثيراً من ظهرها فظن أنها هى.
تعلقت عيناه بها أثناء عبورها بتعجل للطريق، تسارعت دقات قلبه كقرع طبول الحرب لقد إستوطنت قلبه رغماً عنه، لم يعد متحكماً به بعد الآن فهو ملكها هى فقط، لقد خانه قلبه وأصبح أسير تلك "النسمه".
ثبتت عيناه تجاهها وهى تقف أمام بوابه الجامعه ليتأكد هل هى حقاً "نسمه" أم أنه يتخيل، لم يكن ينتبه إلى أنه أصبح واقفاً بمنتصف الطريق بدون وعى منه.
أفاق "عمر" من غياهبه بتلك الفتاه على صوت قوى لمكابح تلك السياره المتوجهه نحوه دون أن ينتبه لها فقفز بسرعه يعبر الطريق، لكن قدمه خانته وإلتوت أسفله مسببه له ألماً كبيراً.
_ اااه.
فزع "وائل" لرؤيه "عمر" يتعثر بتلك الصورة القويه ليقترب من صديقه يلحق به قائلاً.
_ "عمر" !!!!!! ... مش تاخد بالك ؟!!!! .. مالك ماشى سرحان كده ...؟؟
أفاق "عمر" على كلمته (سرحان) لينظر مره أخرى بإتجاه الفتاه ليرى أنها ليست "نسمته"، هى ليست "زمردته" التى يبحث عنها قلبه.
إحساس غريب إجتاحه فجأه، شعوره بخيبه الأمل لم يكن يتوقعه إطلاقاً أن يكون هذا الشعور الذى سيشعر به عندما يدرك أن "نسمه" ليست هنا.
إحتار بأمر نفسه فلماذا مازال منتظراً رؤيتها؟!!!! .. يا لقلبه الضعيف الذى يخونه رغم إرادته ويحن إليها ويشتاق لها، كيف يفكر بها مرة أخرى.!!!!!!
أسند "وائل" صديقه محاولاً السير على قدمه لكن "عمر" لم يستطع الضغط على قدمه الملتويه فبها ألم عظيم حقاً.
_معلش ... على مهلك.
_الحمد لله على كل حال.
سارا كلاً منهما ببطء شديد، أخذ "عمر" يعرج قليلاً مستنداً إلى "وائل".
_ قادر تطلع لمكتب دكتور "طارق" نجيب الورق.
_ مضطر يا "وائل" ... أعمل إيه ...؟!! ما إنت بتقول إنه مصمم آجى بنفسى أستلمه منه.
_ معلش واحده واحده إحنا مع بعض.
***
البنك ...
بتلهف لم تكن تدرى "نسمه" أنها ستكون بمثل هذا الحماس والتوتر بذات الوقت وقفت تنصت بإهتمام لموظف البنك الذى أخذ يسرد لها عن أفضليه تلك الخزائن وأنها محظوظه جداً لبقائها طوال تلك السنوات.
_ الخزاين إللى من النوع ده المفروض إن لها وقت محدد بس مش عارف الخزنه دى تقريباً مدفوع لها مبلغ كبير عشان تفضل موجوده بعد السنين دى كلها أكيد ... أو إن حظك حلو.
_ أصل فيها حاجات مهمه أوى.
أدخلهم الموظف للجلوس على أحد المكاتب وأخرج لهما الخزنه المغلقه بالرقم الذى طلبته "نسمه" وخالتها.
أدخلت "نسمه" المفتاح والرقم السرى لتفتح الخزنه، وجدت مجموعه من الأوراق محفوظه بمغلف قيم للغايه.
ألقت "نسمه" نظره على تلك الأوراق لتجد بها قسيمه زواج أمها الأصليه وصوره بطاقه والدها الحقيقى. وبعض الصور لوالدها مع والدتها.
تمعنت للحظات بتلك الصور القديمه وهى ترى والدها لأول مره بحياتها، لملمت "نسمه" كل الأوراق والصور مرة أخرى بداخل المغلف لتضعهم بحقيبتها خارجه بصحبه خالتها عائدين إلى الشقه مرة أخرى.
***
شقه أم ريم ...
جلست أم "ريم" إلى جوار "نسمه" المتأملة بصوره والدتها ووالدها لتهتف بإشتياق لأختها الراحله.
_ ورينى كده الصور دى يا "نسمه" ... وحشتنى "فاتن" أوى.
_و أنا كمان يا خالتى.
_ ها لقيتى إيه تانى.
_ دى القسيمه بتاعه بابا وماما ... ودى صورة بطاقه بابا .. أكيد ماما كانت خايفه لا يضيعوا فحطتهم فى الخزنه دى.
_ بس العنوان مش باين أوى كده.
_ هو مبهم شويه .. بس على الأقل عرفنا إسم البلد (مغاغه).
_ وحتعملى إيه بقى.
هنا رفعت "نسمه" وجهها تنظر بوجه خالتها مردفه برد قاطع.
_ حروح العنوان ده طبعاً .. وأسأل على بابا ... لازم يعرفنى و أعرفه.
بتخوف شديد إجتاح أم "ريم" من بُعد "نسمه" بعد أن وصلت إليها أخيراً بعد عناء شديد.
_ طب ولو معرفتيش توصلى له.
أردفت "نسمه" بخيبه أمل لا تريد أن تحدث مطلقاً.
_حرجع أكيد يا خالتى ... حعمل إيه تانى.
_ ونويتى تسافرى إمتى.
_ النهارده ... حروح النهارده.
بترجى شديد حاولت أم "ريم" إثناء "نسمه" عن تأجيل سفرها إلى الغد.
_ طب خليها بكرة ... أنتى مستعجله ليه بس.
_ معلش يا خالتى خلينى على راحتى.
فوضت أم "ريم" أمرها لله، فهى لا تستطيع منعها من البحث عن والدها بعد كل تلك السنوات من الغياب.
_ طيب يا حبيبتي ... زى ما تحبى.
***
الجامعه ....
دلف "عمر" إلى داخل الجامعه برفقه "وائل"، تجول بعيناه سريعاً فلم يرى طيفها ليتدارك نفسه على الفور متجهاً إلى مكتب الدكتور "طارق" بالدور الرابع فعليه الإهتمام بإختباره ودراسته أولاً.
صعد الإثنان ببطء إلى الدور الرابع حيث القاعات الصغيره ومكتب هذا الدكتور حيث تحامل "عمر" كثيراً على قدمه التى إزداد ألمها كثيراً حتى توقف بتألم بالغ.
_ خلاص يا "وائل" مش قادر أدوس على رجلى ... سيبنى أنا هنا أقعد أرتاح شويه وأنت روح هات الورق.
_ بس أنت لازم تيجى معايا.
_ مش قادر بجد ... روح أنت ولو أصر حبقى آجى معاك وأمرى لله.
_ ماشى.
تسند "عمر" بالحائط ليجد مقعد قد وضعه أحدهم بالممر الطويل.
أعدل "عمر" من وضع المقعد بحرص إلى أحد الزوايا مسنداً اياه إلى جوار الحائط ثم جلس عليه يريح قدمه قليلاً ريثما يعود "وائل" بعد قليل.
كانت الإضاءه بتلك الزاويه خافته للغايه فلا يستطيع الماره رؤيته وهو جالس.
أسند رأسه إلى الخلف وهو يغمض عيناه بتألم شديد.
سمع "عمر" أصوات أقدام مهروله تقترب منه بإتجاه الزاويه الجانبيه للممر. ولأن جميع الطلاب كانوا بالأسفل فهذه القاعات كلها خاويه ومقفله إستطاع سماع أصوات المتحدثين بوضوح تام.
وقفت "أحلام" تهتف مناديه بترجى.
_ "ماجد" !!!! .. إسمعنى بس.
توقف "ماجد" ليرمقها بإستحقار شديد وهى تستجديه لأن يستمع لها.
_ إبعدى عنى بقى أنا مش عارف أنتى عايزة منى إيه تانى !!!!! .. مش كفايه كده.
_ ما تظلمنيش يا "ماجد" أنت عارف إن أنا بحبك.
_ بتحبينى ....؟؟!! .. أنت مصدقه نفسك ؟!!!!! .. أنتى انسانه أنانيه متحبيش الا نفسك وبس ... أنا مش متخيل أنا طاوعتك إزاى فى كل إللى أنتى كنتى بتطلبيه منى ده بس ...؟!!!!!!!
_ اسمعنى بس ... آخر مرة.
_ ولا آخر مرة ولا أول مرة ... ده أنا إللى كل الناس عارفه أنى مبيهمنيش حد والمهم عندى مصلحتى مهما عملت ومش بيفرق معايا حد نهاااائى .. إستحقرت نفسى يا شيخه من كتر إللى بتطلبيه منى !!!!! .. أنا عملت حاجات كتير أوى غلط إلا أنى أخون ثقه أصحابى .. ودى مش صاحبتك وبس ... "نسمه" دى المفروض إنها أقرب واحده ليكى.
إنقلبت تعابير "أحلام" الوديعه لأخرى متهكمه للغايه من تصوير "ماجد" لنفسه بهذا النبل والأخلاق الفاضلة.
_ "ماجد" !!!!! .. متعملش فيها الطيب دلوقتى.
_ لا طيب ولا شرير .. أنا بس صعبت عليا الغلبانه دى إللى أنتى من ناحيه عامله صاحبتها .... ومن الناحيه التانيه بتضربيها فى ضهرها.أآمن على نفسى إزاى معاكى.!!!!!!!!
عادت "أحلام" بوجهها البرئ ناظره نحوه بوداعه.
_ "ماجد" .. أنت حاجه تانيه .. لكن هى تستاهل كل ده.
_ليه بقى فهمينى.
_ أنا مش عارفه الكل بيحبها ومهتم بيها كده ليه ؟!!!!!!! .. والكل عايز يتعرف عليها ويتقرب منها.
_عارفه ...... فى الأول لما خلتينى أطلع عليها سُمعه إن أخلاقها مش كويسه وبتتقابل وتخرج مع شباب ومتصاحبه مع كذا حد .... قلت مصلحه .. واحده زى دى لما أطلع سمعه عليها زى كده أنا وهى ..... كل شباب الجامعه نفسهم يتعرفوا عليها ... ساعتها أبقى واد جامد ... لكن الموضوع زاد أوى ومخلتيش حد حاول يقرب منها إلا ولازم أقوله كده وأكتر ... آخرهم "عمر" إللى فعلاً كان شكلهم بيحبوا بعض بجد وأنا روحت وقلتهله الكلام البايخ إللى أنتى قولتيهولى ده .. و أهُم .... فى الآخر سابوا بعض !!!!! ... حسيت قد إيه أنا حقير وأنا بكذب عليه وإن كل ده محصلش وإن البنت دى عمرها ما كلمت شاب حتى.
توسطت خصرها بكفيها مردفه بسخرية شديده من دور الواعظ الصادق ذو الضمير والأخلاق.
_ يا سلام !!!!!!! .. وأنت دلوقتى ضميرك صحى ؟!!!! ... لا فوق ..... زى ما أنا كنت بعمل أنت كمان كنت بتعمل .. أنت مش عيل صغير حضحك عليه .. أنت كمان كنت حابب تعمل كده.
_ وفوقت خلاص .. وحسيت إننا خلاص كده مينفعش نكمل مع بعض ... عمرى ما حعرف أآمن لواحده خاينه زيك.
_ لا يا بابا .... فوق كده وأعرف أنت بتكلم مين.
تطلع "ماجد" نحوها بغضب وقد إتسعت عيناها بشرر محتقراً تلك الأفعى الخبيثه التى تبث سُمها بكل من حولها حتى هو.
تقدم نحوها وهو يرفع سبابته محذراً إياها من تطاولها عليه لتتحول نبرته الغاضبه لتهديد عنيف شعرت وقتها "أحلام" بالخوف من نظرته الشرسه.
أخذت تتراجع بخطوات بطيئة إلى الخلف وهى تنكمش على نفسها أثر صوته الهادر بغضب.
_ أنتى بتكلمينى كده إزاى ؟!!!!! ... ده أنا ممكن أمسحك من على وش الأرض ... أنتى إفتكرتى إنك تساوى حاجه ولا إيه ؟؟!!!! .. فوقى أنتى لنفسك .. أنا ممكن ااا ......
توقف "ماجد" عن الحديث حينما رأى وصول "أحلام" بظهرها لحافه درجات السلم من خلفها بلحظه عمى فيها الإدراك وحلت كلمه القدر.
لم تشعر "أحلام" بنفسها إلا وقد إنزلقت قدمها لتهوى متدحرجه من أعلى السلم إلى أسفله وهى تتخبط وتصرخ صرخات عاليه متألمه.
_ اااااااااه .... اااااااااااااااااه .....
إستقرت "أحلام" بالأسفل مسجيه على ظهرها فاقده الوعى تماماً.
أسرع الطلبه نحو "أحلام" يحاولون مساعدتها وإفاقتها وطلبوا مجئ سياره إسعاف فوراً ليتم نقلها إلى المستشفى.
إضطرب "ماجد" وهو يتابع سقوط "أحلام" من فوق درجات السلم وتملكته رجفه خوف شديده وأسرع راكضاً بالإتجاه المعاكس حتى لا يلاحظ أحدهم وجوده ويتهموه بدفعها فوق السلم.
***
وسط كل تلك الأحداث الزخمه كان يجلس "عمر" مذهولاً مندهشاً بشده رافعاً حاجباه بدون تصديق، مع إتساع عيناه المندهشه ولمعانها ببريق نارى لما سمعه بالصدفة فلو كان يرتب معرفه الحقيقه لن تكون بمثل ما رتبها القدر له.
" معقول ... كل ده عملوه ... عشان إيه ؟؟!! .. يبوظوا سمعه بنت عشان الغيره إللى ملت قلوبهم .... بعدونى عنها وكسروا قلبى وقلبها ... أنا كمان غلطان إزاى أصدقهم؟!!!!! .. إزاى مصدقتش حزنها وكسرتها قدامى؟؟!!!! .. إزاى أنا أعمل فيها كده !!!!!! .... بس غصب عنى ... والله غصب عنى يا (نسمه) ..."
تذكر "عمر" آخر كلمات "نسمه" بلقائهم الأخير بالجامعه، ذلك اليوم الذى لم يرها بعده حتى الآن تذكر كلماتها وعباراتها الحازمه الحزينه وهى تقول.
" خساره فيك ...... خسارة فيك كل الحب إللى حبيتهولك جوه قلبى ده ... كله خساره فيك .... مكنتش أعرف إنك ندل للدرجه دى .... ععـ ... عشان تلعب بيا ..... وتستهر بقلبى وبمشاعرى ..... اا .... أنا عمرى ما حبيت حد قد ما حبيتك !!!! ... لكن أنت طلعت متستاهلش ولا لحظه حب واحده منها ...... أنا ماشيه يا (عمر) ... ماشيه ومش حتشوف وشى تانى .... ومسيرك حتندم ... بس ساعتها مفيش قوه على الأرض حتقدر ترجعك تانى ...... إعتبر نفسك ميت بالنسبه لى .... ولا عايزة أشوفك ولا أعرفك فى حياتى تانى أبداااااااااا ...."
ظلت تتردد هذه العبارات بخياله وهو يسترجع كل كلماتها وتهديدها بأنه لن يراها مره أخرى.
أخذ يحرك رأسه رفضاً لقرارها لكن متأخر جداً.
" لأ .. لأ .. أنا لازم أفهمها ... لازم أوضح لها أنى كنت مخدوع ومصدق كلام مش صحيح عنها ... لازم أفهمها خيانه صاحبتها ليها ... كان غصب عنى مش بإيدى ... لازم أخليها تسامحنى مهما كان ... مقدرش أستحمل بُعادها عنى ... لأ ... لأ ..."
وقف "وائل" يلوح بيده أمام عينا "عمر" الشارد بأفكاره بعيداً عنه قائلاً.
_ "عمر" ... "عمر" ... يا "عمر".
_هاه ... "وائل" ....!!
_ أيوة "وائل" ... أنت مالك فيه حاجه و لا إيه شكلك مش طبيعى.
_ تعالى معايا وأنا أقولك وإحنا نازلين.
إتكأ "عمر" على ذراع "وائل" وهو يقص على مسامعه ما حدث منذ قليل بين "أحلام" و "ماجد" وكيف إنتهى حوارهم بسقوط "أحلام" وهروب "ماجد" وسط علامات الإندهاش على وجه "وائل".
_ ياااه على كميه الشر ... هى عملتلهم إيه عشان ده كله.
_ المهم دلوقتى "نسمه" .. لازم أشوفها وأفهمها وأعوضها عن الكلام الجارح إللى أنا قلتهولها ده.
_ عموماً النهارده فيه إمتحان يعنى هى أكيد موجوده .. تعالى نسأل أصحابها عليها.
تحرك "عمر" و"وائل" نحو الفتيات يسألون عن "نسمه" و تناسى "عمر" تماماً ألألم بقدمه وظل يهرول ذاهباً نحوهم.
بتتوق شديد لرؤيتها و الإعتذار منها تسائل "عمر" عنها بتلهف.
_ فين "نسمه".
عقدت "سحر" ذراعيها أمام صدرها وقد أعلت حاجبها الأيمن بإستهزاء مجيبه.
_"نسمه" ...!! أنت بتسأل عليها ليه مش كفايه إللى أنت عملته فيها.
_ مش وقته يا "سحر" .. قوليلى بس "نسمه" فين .. جت النهارده.
أجابته بإقتضاب شديد.
_ لأ.
_ إزاى .. دة النهارده فيه إمتحان.
قطعت "دنيا" الصامته سكونها بمتابعه حديث "سحر" و"عمر" قائله بتحسر على حال صديقتها التى جُرح قلبها المحب بسبب هذا "الـعمر".
_ "نسمه" خلاص إتخطبت يا "عمر" ...و حتقعد فى البيت و مش عايزة تيجى الكليه تانى.
أحقاً ما يسمعه، هل نطقتها "دنيا" حقيقه أم تخدعه هى الأخرى.
تيبست حركته تماماً بغير تصديق لخبر خطوبه "نسمه"، تثلجت أطرافه كلها وشعر بأن روحه تسحب منه مره واحده.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يهوى جالساً فوق المقعد بقوة مردداً كلمه واحده فقط.
_ إتخطبت .....!! إتخطبت ...!!
رواية عشقت خيانتها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم قوت القلوب
قطعت "دنيا" الصامته سكونها بمتابعة حديث "سحر" و"عمر" قائلة بتحسر على حال صديقتها التي جُرح قلبها المحب بسبب هذا "العمر"...
"نسمة خلاص اتخطبت يا عمر...
وحتقعد في البيت ومش عايزة تيجي الكلية تاني."
أحقاً ما يسمعه، هل نطقتها "دنيا" حقيقة أم تخدعه هي الأخرى؟ تيبست حركته تماماً بغير تصديق لخبر خطوبة "نسمة". تثلجت أطرافه كلها وشعر بأن روحه تُسحب منه مرة واحدة.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يهوي جالساً فوق المقعد بقوة مردداً كلمة واحدة فقط.
"اتخطبت.....!!
اتخطبت...!!
إزاي وإمتى ده حصل....؟"
لم تستطع "سحر" تمالك تماسكها كثيراً لتنفجر صارخة به، ألم يكن هو السبب بذلك، ألم يكن هو من حطم فؤادها من الأساس.
"أنت بتستعبط ولا إيه؟!!
ده على أساس أنها ما جتلش تقولك إن أخوها غاصبها على الجواز...
وأنت اللي عملتلي فيها ندل وخلعت وسبتها."
بندم صريح لم يعد هناك ما يخفيه، بل يقر ويعترف بأنه هو المخطئ بتخليه عنها مهما كانت الأسباب.
"ندل... أنا...
أنا سبتها تضيع من إيدي...
أنا اللي ضيعتها...
أنا اللي ضيعتها...."
كان من أهم ما تعلمه من جده "صالح" أن الرجل لا يبكي ولا ينهار، لكن الوضع الآن مختلف. لم يعلم جده أن للرجل أيضاً قوة تنفذ وتخر قواه ليسقط ببئر عميق لا فرار منه.
لم يعد يهتم لما تعلمه من قوة وتمالك للنفس ليهوي صريع أحزان قلبه باكياً. لم يكترث مثل كل مرة تدمع عيناه ويخفي ذلك، لم يهتم بمن يراه وماذا يقول عنه وعن ضعفه. لم يشغل فكره سواها هي فقط، "زمردته" الضائعة وهو من أضاعها من بين يديه.
كيف لم يحافظ عليها وعلى حبهما، كيف سمح لمثل هؤلاء بإفساد حياتهم. "لكن لا... لن أستسلم..." هكذا ردد "عمر" في داخله، فما زالت هناك فرصة لتوضيح ما حدث ويستعيد "نسمته" مرة أخرى، فقط عليه رؤيتها وإيضاح كل شيء لها.
***
شقة أم ريم...
بحقيبة ظهر متوسطة الحجم وقفت "نسمة" بباب شقة خالتها استعداداً للرحيل، باحثة عن والدها التي ستراه ويراها لأول مرة بحياتهما. نادت خالتها قائلة.
"خلاص يا خالتي أنا جاهزة."
"البيت هنا بيتك ومفتوح لك في أي وقت يا بنتي...
حستناكي أكيد."
"طبعاً يا خالتي...
أنا لسه مش عارفة الدنيا مخبية لنا إيه ولا أبويا حيعاملني إزاي وحيتقبلني ويصدقني أصلاً ولا لأ...
ما يمكن اتجوز وعنده ولاد ومش حابب أي غريبة تتطفل على حياته من أول وجديد."
"ليه يا بنتي متشائمة أوي كده؟"
"أصلي اتعودت خلاص إن الدنيا دي مش بتديني حاجة حلوة إلا لما تاخد مني حاجة تانية تزعلني أوي."
"أنتي لسه صغيرة يا نسمة ومشفتيش حاجة..
وإن شاء الله بكرة الدنيا تكون أحسن وتفرحي وتنبسطي."
"إن شاء الله...
أشوف وشك بخير يا خالتي."
تراجعت أم "ريم" خطوة إلى الخلف لتفتح أحد الأدراج الخشبية مخرجة منها بعض المال لتمد يدها به تجاه "نسمة" قائلة.
"استنى يا نسمة...
خدي يا بنتي الفلوس دي خليها معاكي...
أنتي متعرفيش إيه اللي حيقابلك وحتتصرفي إزاي."
عقبت "نسمة" بإندهاش لحنان خالتها معها.
"إيه ده كله!!!!!
ده كتير أوي."
"لا كتير ولا حاجة...
خليهم بس معاكي وخدى بالك من نفسك...
وابقي هاتي تليفون وطمنيني عليكي...
وأول ما توصلي كلميني طمنيني عليكي."
"حاضر... مع السلامة."
"مع السلامة...
ربنا يبعد عنك كل شر يحفظك يا بنتي يا رب."
ودعت "نسمة" أم "ريم" وتوجهت نحو محطة القطار لتبدأ رحلتها في البحث عن والدها المجهول، متفكرة هل سيتقبل وجودها أم لا.
***
الجامعة...
تبادلت "سحر" و"دنيا" نظرات متحيرة لرد فعل "عمر" حينما علم بخطبة "نسمة" لتلين "دنيا" بحديثها تجاه "عمر" متعجبة من إنهياره منذ قليل.
"غريب رد فعلك بصراحة!!!!!
مش أنت اللي رفضتها وكسرت قلبها؟!!!!"
"مكنتش أعرف...
أنا اتخدعت وفهمت غلط...
ولازم أصلح غلطي."
"فهمت إيه غلط؟"
قص "عمر" عليهم ما سمعه من حوار "ماجد" و"أحلام" منذ قليل وكيف خانت "أحلام" صداقة "نسمة" وكانت هي السبب في المشاكل التي حدثت بينهما وسوء الظن الذي بثه "ماجد" بداخل "عمر" تجاه "نسمة". لتردف "دنيا" بذهول فلم تكن لتتخيل أبداً أن سبب شقاء "نسمة" هو صديقتهم "أحلام".
"معقول ده.....؟؟؟!!!
أحلام....!!!!"
لتهدأ نفس "سحر" قليلاً من انفعالها تجاه "عمر" متعجبة.
"عمري ما كنت أتخيل ولا أتوقع ده أبدًاااااا."
"عرفتوا بقى إنه كان غصب عني."
"طب والحل...
دي نسمة حالتها وحشة أوي..
أنت مشفتهاش يا عمر...
قوليله يا سحر."
تنهدت "سحر" بعمق لتنحى جانب تفكيرها المنطقي وتترك العنان للين قلبها تجاه هذا المتألم من فراق حبيبته لتردف بتأكيد لحديث "دنيا".
"هي فعلاً تعبانة وزعلانة أوي يا عمر...
لازم تصلح اللي حصل."
"أعمل إيه...
أنا لازم أقابلها أوضح لها اللي حصل...
مش لازم تضيع من إيدي مرتين."
"إحنا ممكن نروح لها البيت ونجيبها تقابلك وتفهمها."
"مظبوط يا سحر...
إحنا خلاص عرفنا عنوان بيت أخوها."
شعر "عمر" ببعض الأمل بدأ يتسلل إلى قلبه المحطم آملاً بعودة حبيبته "زمردته" الغائبة إليه مرة أخرى.
"طب ومستنيين إيه!!!!
يلا بينا."
أثناء خروجهم من الجامعة جميعاً أقترب "وائل" من "دنيا" متحدثاً بنبرة خافتة.
"يعني لا سلام ولا كلام خالص كده؟"
رفعت "دنيا" حاجبيها بتعجب قائلة بنبرة توازي نبرته الخفيضة حتى لا يستمع "عمر" أو "سحر" لحديثهما الجانبي.
"أنت لسه فاكر...
ما أنت صاحبك خلع وانت خلعت وراه...
لا جيت ولا اتكلمت معانا."
بلوم لطيف وبعض التخوف أجابها "وائل".
"الصراحة خفت تكونوا زعلانين مني زي ما زعلتوا كده من عمر...
بس لو كنت حسيت إنه عادي أكلمكم كنت جيت على طول."
"وأنت بقى حتبقى مربوط بتصرفات عمر كده على طول...
ولا إيه؟"
إشرأب "وائل" بعنقه محاولاً إظهار أنه له شخصيته المستقلة.
"لأ طبعاً...
أنا بس كنت خايف من أنك أنتي تكوني زعلتي على زعل نسمة ومتكلمنيش."
زمت "دنيا" شفاها بإبتسامة خفيفة مردفة.
"لأ عادي... مزعلتش."
علت ثغرة إبتسامة خيلاء وهو يظهر أنه لا يتبع "عمر" بأي مكان يذهب إليه ليتفوه بنبرة واضحة يحدث "عمر" بينما مازال ينظر تجاه "دنيا".
"طب معلش بقى يا عمر...
أصلي عندي مشوار ضروري...
روحوا أنتوا وحبقى أطمن منك عملتوا إيه."
إلتفت "عمر" لـ "وائل" محركاً رأسه بالإيجاب تفهماً.
"ماشي... تمام."
بعدما تركهم "وائل" مبتعداً ليثبت لـ "دنيا" أنه له تصرفاته وأشغاله المستقلة اتجهوا مباشرة إلى بيت "حسن" لمقابلة "نسمة" خاصة وقد ألغى الاختبار بسبب حادث سقوط "أحلام" وحدوث بعض التوتر في الجامعة.
***
القطار...
جلست "نسمة" على مقعد بجوار النافذة وهي ترى الأشجار تتسابق بجانبها وكأن الدنيا مع سباق معها لكنها لا تدري نهاية هذا السباق.
كانت ذكرياتها تجري أمام عينيها مرة أخرى مثلما يجري الطريق إلى جوارها. لا تدري لماذا تذكرت ضحكاته وإبتسامته التي سلبت عقلها وقلبها معاً، لكنها لم تنسى كيف ألمها فراقه وكيف جرحها بخناجر كلماته القاسية.
أسندت رأسها بحزن إلى زجاج النافذة لتغمض عينيها لتحتفظ بذكرى السعادة الوحيدة التي شعرت بها في حياتها بوجوده معها. كم هي ذكراه سعيدة وجارحة معاً، كيف تنساه وهو يسكن روحها.
***
المستشفى...
نُقلت "أحلام" إلى أحد غرف المستشفى بعد القيام بفحصها وتجبير كامل لها، فقط أثر سقوطها على أغلب هيكلها العظمي خاصة ظهرها ورقبتها.
أطمأن الأطباء أن "أحلام" لم تصب رأسها إلا بصدمة بسيطة لم تسبب لها ضرر كبير، لكن بها كسور مضاعفة ستجبرها على البقاء بتلك الجبيرة لشهور عديدة.
أفاقت "أحلام" لترى وضعها وتشعر بآلام حادة بكامل جسدها، لم تجد سوى دموعها أنيساً لها بتلك اللحظة وهي تشعر بإنشقاق روحها ومهانتها لما سببته لنفسها بنفسها لتترك العنان لدموعها بالإنهمار في صمت.
"آه... أنا تعبانة أوي...
أنا خايفة ده يكون عقاب ليا للي عملته في نسمة...
سامحيني يا رب لو كنت غلطت...
سامحيني يا رب.. واشفيني وأرجع أقف على رجلي تاني..."
***
بيت حسن...
وقف "عمر" بإنتظار "دنيا" و"سحر" أسفل البيت بينما صعدتا لمقابلة "نسمة" وإقناعها بالذهاب معهم لتستمع لحقيقة ما حدث من "عمر".
طرقت "دنيا" الباب لتقابلها "حنان" التي تذكرتها منذ الوهلة الأولى، وتذكرت أن "نسمة" هي سبب كل المعاناة التي تعانيها الآن هي وزوجها. رمقتهما "حنان" بتقزز وإمتعاض شديد وهي تردف بنفور تام.
"أفندم؟"
"نسمة موجودة."
"لأ."
"طب متعرفيش هي فين أو حتيجي إمتى؟"
إنفعلت "حنان" صارخة بوجهيهما بطريقة أفزعتهما للغاية من هول المفاجأة غير المتوقعة.
"معرفش ومش عايزة أعرف أهي غارت في ستين داهية...
سبب البلاوي كلها...
أنا لا طايقة اسمها ولا عايزة أسمع سيرتها...
أووووف."
بحالمية ورقة لم تناسب الموقف إطلاقاً حاولت "دنيا" تلطيف الأجواء المشحونة لتهدئة تلك السيدة المثارة بانفعال.
"إيه بس اللي حصل؟"
بنظرات قاسية وقد استدارت عينا "حنان" بقوة مخيفة زادت من فزع "دنيا" بارتباك لسماع صوتها الصارخ تجاهها.
"وأنتي مالك إيه اللي حصل!!!!!
أما أنتي باردة زي صاحبتك صحيح!!!!
طردناها خلاص.. راحت للشارع اللي هي منه أصلاً...
وغوري يلا أنتي وهي من هنا بالسلامة يلا."
دفعتهما "حنان" بأطراف أصابعها بقوة وهي تصفق الباب بوجهيهما بقوة انتفضتا لها بانزعاج.
وقفت "سحر" بذهول لبعض اللحظات قبل أن تردف بتعجب من تلك المرأة.
"دي مجنونة دي ولا إيه؟"
"إيه الناس الغريبة دي..
يلا يا سحر."
خرجتا من البيت وقد ارتسمت على وجوههم علامات الضيق والانزعاج من تلك المزعجة غريبة الأطوار ليقابلهما "عمر" بتلهف متسائلاً.
"ها.. كلمتوها؟"
قوست "دنيا" شفتيها بانزعاج لا تستطيع تخطيه مجيبة إياه.
"لأ.. نسمة مش فوق...
ناس قليلة الذوق."
"ايه اللي حصل؟"
بإنفعال شديد أجابته "سحر" تلك المرة.
"مرات أخوها المجنونة دي بهدلتنا وطردتنا."
"طردتكم.. ليه انتوا قلتوا لها إيه؟"
"إحنا سألنا بس على نسمة...
راحت طالعة فينا وبهدلتنا وطردتنا...
بس بتقول أنهم طردوا نسمة بره البيت."
تجمدت ملامح "عمر" بصدمة مما سمعه للتو ليهتف بإنفعال.
"نعم.... طردوها....!!
يعني إيه....؟!"
"مش عارفه...
أنا عمري ما شفت أهل كده بصراحة...
أتاريها على طول مخبية عننا أهلها دول ولا حتى جابت سيرتهم في يوم."
"اه والله يا سحر...
بس يا ترى نسمة الغلبانة دي راحت فين؟"
"مش عارفه...
وبيتهيألي ملهاش قرايب أو حد نعرفه...
مش عارفة تكون راحت فين؟"
قاطعهما "عمر".
"يعني إيه الكلام ده؟!!
خلاص نسمة ضاعت كده!!!!!!
اترمت في الشارع!!!!!
إحنا لازم ندور عليها ونلاقيها..
أكيد ليها حد راحت له أو أي حاجة...
حاولوا تسألوا مرات أخوها دي تاني."
بتخوف شديد تذكرت "دنيا" ملامح "حنان" المنفعلة فربما إذا حاولت الصعود إليها مرة أخرى تدفعها بشيء ما أو تضربها لتهتف بذعر.
"لأ لأ لأ طبعاً...
أنا مش حطلع للست المجنونة دي تاني."
كذلك تراجعت "سحر" عن مقابلة تلك المعتوهة مرة أخرى.
"ولا أنا...
أكيد هي عند حد من قرايبهم مش في الشارع يعني."
"يعني ولا انتي ولا هي عايزين تطلعوا...
طيب حنتطمن عليها إزاي بس؟"
"مش عارفه...
بس سؤال الست المجنونه دي تاني.. لأ...
أنا مش حطلع لها تاني...
أنا رايحة."
"وأنا كمان..
خديني معاكي يا دنيا."
راقب "عمر" ابتعادهما ليبقي وحده مازال واقفاً أسفل بيتها.
"يعني إيه... خلاص كده.. لأ طبعاً.. لازم أدور عليها وألاقيها."
لم يجد "عمر" بداً من أن يصعد بنفسه تلك المرة للسؤال عنها.
طرق الباب لتفتح له "حنان" بإستغراب لوجود هذا الشاب بعتبة بيتها، أخذت تطالعه بتفحص وهي تتسائل.
"أيوه... خير؟"
"لو سمحتي.. كنت عايز أعرف نسمة فين بالظبط."
عقصت "حنان" أنفها بقوة وهي تميل بإحدى شفتيها بإستهزاء.
"نسمة!!!!!!!!!!
هو فيه إيه النهارده كلكوا بتسألوا على زفته الطين دي...
أوووف... بص أنا معرفش غارت في أنهي داهية ومش عايزة أعرف....
هي مشيت وخلاص."
"طيب مفيش حد من قرايبكم تكون راحت له؟"
"ملناش قرايب....
حاجة تانية.. يلا إتفضل مع السلامة...
كانت ناقصاك هي كمان."
تعجب "عمر" من هذه السيدة الفظة لكنه ظل يتسائل ترى إلى أين ذهبت "نسمة"؟ وكيف سيجدها ويعثر عليها؟
عاد "عمر" إلى شقته وقد اجتاحه اختناق بالغ وضيق بروحه. فتح نافذة غرفته ليستنشق بعض الهواء ظناً منه أنه ربما ينعشه قليلاً ويرتاح لبعض الوقت. ظل يدور بالشقة باحثاً عن فكرة أو حل ربما يستطيع وقتها معرفة إلى أين ذهبت "نسمة". لكن كان الإحباط حليفاً له ولم يستطع التوصل لحل ما.
***
شركة حسن...
تقدم أحد الضباط ومعه بعض أفراد الشرطة إلى داخل الشركة لينفذ أمرًا وُكّل إليه. لم يكن وصول الضابط إلى "حسن" بالصعوبة مطلقاً وقد انتبه جميع العاملين بتخوف حين دلفت قوات الشرطة إلى داخل الشركة.
"فين حسن علي صاحب الشركة؟"
"جوه يا فندم."
دلف الضابط إلى داخل حجرة مكتب "حسن" على الفور وهو يدفع الباب بقوة لينهض "حسن" من خلف مكتبه مذعوراً.
"أنت حسن علي؟"
إبتلع "حسن" ريقه بهلع وهو يومئ بارتجاف شديد.
"أيوه يا فندم... فييييه حااااجة؟"
"معانا أمر بالقبض عليك."
"خييير.. يا فندم... أنااا.. معملتش حاجة والله.... أنا ااا...."
"متقدم ضدك خمس بلاغات لإيصالات أمانه للأستاذ محمود منصور...
ويا الدفع يا الحبس...
يلا اتفضل معانا."
غمغم "حسن" بصوت خفيض للغاية.
"عملتها يا محمود الـ***..."
"أكيد فيه سوء تفاهم يا حضرة الضابط...
بس استنى."
"الكلام ده هناك في القسم..
يلا قدامي... خدوه."
أمسكه الشرطيان وتوجهوا نحو سيارة الشرطة المتوقفة أمام مبنى الشركة ليتوجهوا إلى قسم الشرطة.
***
القطار...
طالت تلك الرحلة كثيراً بسفرها لأول مرة إلى خارج القاهرة. بعد مرور القطار بالعديد من المحطات جلست إحدى الفتيات بالمقعد الشاغر المقابل لـ"نسمة".
ملامحها الودودة وابتسامتها اللطيفة كانت إشارة لبدء حديث مع "نسمة" لتمضية الوقت الطويل بسفرهم. بدأت الفتاة بتعريف نفسها إلى "نسمة" بأسلوب اجتماعي لطيف.
"إزيك... أنا شيماء."
"أهلاً وسهلاً...
أنا نسمة."
"أنتي نازلة فين؟"
"نازلة مغاغة... تعرفيها؟"
"أيوة عارفاها طبعاً...
بس ده لسه الطريق طويل أوي."
"كله بيعدي...
وأنتي نازلة فين يا شيماء؟"
أجابتها شيماء ضاحكة.
"مغاغة برضه....
شفتي الصدف."
بوقت آخر كانت لتتسع ضحكتها لكنها لم تقوى سوى على ابتسامة باهتة حين تسائلت بهدوء.
"أنتي تعرفي البلد كويس؟"
"أه يعني..
هي بلدنا أه بس مش حفظاها أوي...
أصل أنا مش من النوع اللي بيخرج كتير أوي...
بس أعرف فيها حاجات كتير طبعاً."
"اه تمام...
أصل أنا أول مرة أروح."
"والله...
تبقي ضيفتنا بقى."
"شكرا ليكي...
بس كنت عايزة لما نوصل توصفلي عنوان كده أروحه إزاي."
"بس كده...
وأوصلك لحد هناك كمان."
"بجد تبقي عملتي فيا معروف كبير."
"معروف إيه بس...
مش بقولك أنتي ضيفتنا...
أنتي متعرفيش إحنا في وجه قبلي هنا مينفعش نسيب الضيف كده...
إحنا صعايدة برضه."
"أحسن ناس طبعاً."
***
في المساء...
مر "وائل" بشقة "عمر" ليقضي معه بعض الوقت، خاصة وقد تركهم بالجامعة وعاد إلى منزله مباشرة ولم يدر ما فعله "عمر" مع "دنيا" و"سحر".
"إيه يا عمر..
عملتوا إيه بعد ما سبتكم؟"
"روحنا بيت نسمة لقينا أخوها طردها."
بملامح مصدومة للغاية تعجب "وائل" من فعله أخاها فهل هناك أخ يطرد أخته الصغيرة بتلك الطريقة البشعة.
"طردها!!!!!!!!
ده مجنون ده لا إيه؟
وبعدين؟"
"مش عارف...
مش عارف...
أنا خلاص دماغي حتقف..
مش عارف ممكن تكون راحت فين..
مش عارف أدور عليها فين بس؟"
"طب مفيش حد من قرايبها..
تكون راحت عنده أو حد من الجيران مثلاً...
حد يكون من ناحيتهم كده."
أثار حديث "وائل" انتباه "عمر" لأمر ما.
"إيه..!!!
من ناحيتهم؟"
"أيوه.. حد من الجيران ولا حاجة."
وقف "عمر" على الفور وهو يهتف بقوة.
"المكتبة.....!!!!!"
تطلع وائل بـ"عمر" بإستغراب.
"مكتبة إيه؟"
"الراجل صاحب المكتبة اللي كانت بتشتغل عنده نسمة..."
"ماله؟"
"نسمة كانت بتقولي إنه صاحب والدها الله يرحمه...
ما يمكن عارف هي راحت فين...
قوم معايا يلا...
قوم نروح نسأله."
تطلع "وائل" بساعته يده بهدوء وهو يعيد بصره تجاه "عمر" المتحمس للغاية.
"نروح فين دلوقتي؟!!!!!!!!
هو فيه حد فاتح مكتبات دلوقتي زمانه قافل أصلاً....
اهدأ كده وبكرة الصبح أول ما يفتح نروح ونسأله."
هوى "عمر" بجسده بإحباط شديد فوق المقعد.
"يااااااه...
لسه هستنى لبكرة الصبح."
رواية عشقت خيانتها الفصل التاسع عشر 19 - بقلم قوت القلوب
بعد مرور عدة ساعات طويلة، وصل القطار أخيراً لمحطته المنتظرة، رحلة طويلة مرهقة بالفعل.
حملت نسمة حقيبتها، وكذلك فعلت مرافقتها الجديدة شيماء، ليترجلا سوياً من القطار.
خرجت الفتاتان من محطة القطار، لتردف نسمة بامتنان بالغ:
"أنا مش عارفة أقول لك إيه والله، كفاية إننا واصلين متأخر كده وأنتِ كمان جاية توصليني."
"متقوليش كده، فين العنوان اللي أنتِ عايزة تروحيه؟"
أخرجت نسمة ورقة مطوية من حقيبتها، لتشير بها لشيماء قائلة:
"العنوان أهو في الورقة دي."
أمسكت شيماء الورقة تنظر بها بتمعن، لتبدل ملامحها بملامح مندهشة، لترفع بصرها نحو نسمة تتساءل بفضول:
"أنتِ تقربي لهم إيه؟"
"بتسألي ليه؟ ومالك اتفاجئتي ليه كده؟ أنتِ تعرفي اللي ساكنين هنا؟"
بضحكة قصيرة ساخرة أجابتها:
"ومين ميعرفهمش يا بنتي، دول نار على علم، دول اللي بيوقفوا البلد دي كلها على رجل."
اتسعت عينا نسمة ببريق مندهش تلك المرة:
"للدرجة دي؟"
"طبعاً، مقولتيش بقى، أنتِ تقربي لهم إيه؟"
"آنا قريبتهم من بعيد وعايزة أوصلهم."
أكملت شيماء تساؤلها بشك:
"يعني أنتِ متعرفيهمش خالص؟"
"لا، خالص، دي أول مرة يشوفوني وأشوفهم."
"طيب، أنا هوصلك كده من بعيد، أنا إيش يوصلني للناس اللي فوق دي، دول ناس صعبين جداً، وليهم حراسات خاصة."
اندهشت نسمة، فهي استمعت لخالتها أم ريم حين قالت لها أن عائلة والدها كبيرة، لكنها لم تظن أنهم بهذه القوة.
بدأت تعذر والدتها في قرار هروبها، فمن الواضح أنها كانت سوف تفقدها إلى الأبد إذا وافقت على أن يأخذوها من والدتها ويربيتها معهم.
همست نسمة لنفسها:
"كان عندك حق يا ماما، خوفك عليا كان في محله."
"إيه يا بنتي سرحتي في إيه؟"
"ولا حاجة، يلا بينا؟"
"يلا."
اصطحبت شيماء نسمة بطريق ذهابهن لعنوان والدها المدون ببطاقته الشخصية، قد ظنت وقتها أن هذا العنوان عنوان مبهم للغاية، لكنها أصبحت تدرك الآن أن لهذه العائلة شهرة ونفوذ جعلها معروفة للغاية.
عائلة لها قوة وسطوة وثروة لم تكن تتخيلها كما قالت لها رفيقتها منذ قليل.
توقفت شيماء بقارعة أحد الطرق وهي تشير مادة ذراعها للأمام:
"شوفي بقى يا نسمة، شايفة الطريق ده؟"
"آه."
"آخر الطريق ده العنوان اللي بتدوري عليه."
"أيوه يعني، أنهي بيت؟ شكله إيه كده يعني؟"
لم تستطع شيماء تدارك ضحكتها التي سيطرت عليها بسؤال نسمة الساذج للغاية:
"لا متقلقيش ميتوهش، مش هتلاقي غيره أصلاً."
رفعت نسمة بصرها تجاه الطريق ببراءة لا توصف معقبة بصوت خفيض:
"معقول؟ لوحدهم كده في المنطقة، غريبة؟"
"لا غريبة ولا حاجة، امشي بس كده وأنتِ هتفهمي."
"أوك، تعبتك معايا خالص، شكراً يا شيماء."
"العفو على إيه، وأكيد هنتقابل تاني."
"إن شاء الله."
كانت تلك نهاية صحبتهم، لتستدير نسمة تجاه الطريق الذي أشارت إليه رفيقتها منذ قليل، لتبدأ أولى خطواتها به بمفردها.
ظلت تسير على نفس الطريق لبعض الوقت، حتى لاحت بعض الأنوار لمبنى ضخم يبدو عليه الفخامة والثراء.
يحيطه من بعيد سور كبير يكاد يلتهم من شدة الإضاءة الكاشفة الموضوعة عليه، ذو بوابة سوداء كبيرة جداً، لم ترى نسمة مثلها في حياتها بعينيها وبهذا القرب.
وقفت تتأمل مظهر الثراء المخيف على هذا البيت الرائع بفخامة:
"إيه ده؟ ده بيت بابا؟ معقول؟ بيت... بيت إيه بس، أمال القصر ولا الفيلا يتقال على إيه؟"
اقتربت نسمة بإنبهار وتخوف أيضاً نحو البوابة، لتجد حارس فظ الملامح يتجه نحوها يصرخ بقوة بلهجة صعيدية:
"مين؟"
صوته الخشن جعلها تنتفض اضطراباً بقوة، لترتجف صوتها مجيبة إياه:
"أنااا... آآآ... كنت عايز حد من أصحاب البيت."
"مين يعني؟"
"ممكن بس أقابل حد فيهم."
نظر لها الحارس نظرة متفحصة، فقد علم ببداهيته البسيطة أنها لا تدرك من يعيش في هذا الصرح الضخم، ليتساءل باستراب:
"عايزة مين يعني؟ اخلصي؟"
لملمت شجاعتها الواهية وهي تجيبه بنبرة مهترئة:
"عايزة أقابل... آآآ... محمد سليمان."
قضب حاجباه بقوة وهو يهتف بصدمة أخافتها للغاية:
"مين؟"
طريقته الفظة جعلتها ترتجف كما لو أخطأت بفعل ما، لتردف بنبرة مهتزة للغاية:
"محمد سليمان، إيه فيها حاجة دي؟ ولا اللي زينا مينفعش يقابلوه؟"
"خليكي عندك اهنه، إني راجع لك طوالي."
وقفت نسمة بالباب في انتظار عودة الحارس، وهي تتخيل خطواته نحو الداخل وكيف قابل والدها وأخبره أن هناك من تسأل عنه:
"يا ترى شكله إيه دلوقتي؟ وحيفرح لما يشوفني ولا لأ؟"
بعد بضعة دقائق، عاد الحارس ومعه رجل آخر يرتدي حلة سوداء أنيقة، أخذ يتطلع تجاهها متفحصاً بشدة:
"أنتِ مين؟ وبتسألي عن مين؟"
انتابها قلق شديد من كثرة الأسئلة عمن تحاول الوصول إليه، كما لو كان مقابلة هذا الشخص عملية حربية أو ما شابه.
"فيه إيه؟ أنا عايزة أقابل محمد سليمان، مش ده بيته برضه؟"
"طيب أنتِ مين بس؟"
"واحدة عايزاه في موضوع مهم."
"ممكن أعرف بخصوص إيه؟"
"هو مين حضرتك عشان أقولك؟"
"أنا مدحت مدير أعمال الحاج صالح سليمان."
باستهجان شديد زفرت نسمة من شدة التسلط الذي يفرضه هؤلاء على مقابلتها لوالدها، أردفت باختناق:
"تمام، أنا عايزة بقى ابنه محمد، ممكن أقابله ولا فيه مانع؟"
لمعت نظرة حزينة منكسرة بأعين هذا الرجل الأنيق، ليردف بأسى ملحوظ:
"أنا مش عارف أنتِ مين، بس من الواضح إنك متعرفيش محمد بيه، الله يرحمه."
تهدل كتفاها وهي تشعر بارتخاء جسدها بصدمة لمعرفة خبر وفاة والدها الذي لم تره بعمرها قط، لتنطق بذهول بنبرة شارده غير مصدقة:
"مااات؟"
انهارت كل أحلامها بلقائها الأول بأبيها، كم تأخرت فرصتها لرؤيته، وضاعت فرصتها مرة أخرى في أحضان عائلة محبة تضمها.
بكت والدها الذي لم تراه يوماً، وما تعرفه عنه مجرد بعض الصور لم تتحقق ملياً من ملامحه بها.
وضعت يدها فوق رأسها وكأنها تحاول أن توقف عقلها عن التفكير للحظة، فربما يقل حزنها.
همست بحزن بداخلها:
"ليه يا رب كل الأبواب مقفولة في وشي؟ إيه حكمتك يا رب؟ يا رب ارحمني برحمتك، أنا بجد تعبت وصبرت."
تعجب مدحت من رد فعل تلك الفتاة وحزنها البالغ الذي حل على ملامحها بقوة:
"يا آنسة، مالك، أنتِ تعبانة؟"
ضاعت منها كل العبارات، لتهمس بضياع:
"شوية."
"طب تعالي ارتاحي جوه، وحبلغ الحاج صالح إنك بتسألي على محمد بيه الله يرحمه."
تحركت بآلية خلف مدحت إلى داخل هذا الصرح الضخم، وقد ضاع كل انبهارها به، تلاشى بهاؤه وفخامته، أصبح كجدران باردة لا قيمة لها، فقد أصبح خالياً من الأحبة، وها هي عادت شريدة وحيدة دون ملجأ ولا سند.
خطوات متباطئة أخذت تتحرك بها، فهي على وشك مقابلة صاحب القلب القاسي المتحجر الذي فرق بين أبيها وأمها.
ستقابل جدها... صالح سليمان.
جلست نسمة في البهو الضخم للفيلا منتظرة مجيء جدها، وهي معتزمة القرار ألا تخبره من هي، فماذا ستقول وماذا ستصف؟
فجدها من الواضح أنه بنفس القوة والجبروت الذي منع وجود أمها لمجرد أنها لا تناسب هذه العائلة.
فهل سيسمح اليوم بوجود ابنتها؟
"لأ، مش هقوله أنا مين، كأني غريبة وبسأل على ابنه وخلاص، وأرجع أعيش مع خالتي أم ريم، وكفاية لحد كده."
***
مع حلول الليل واقتراب موعد النوم الخاص به، جلس الحاج صالح فوق فراشه استعداداً للنوم بعدما أنهى كافة الأعمال الخاصة له، وترك بقيتها فوق كاهل مدحت مدير أعماله حتى ينتهي عمر من دراسته خلال الأسابيع القليلة المتبقية، ليتفرغ بعدها لإدارة أموال وأعمال العائلة.
سمع صالح طرقات خفيفة تدق باب غرفته، ليسمح للطارق بالدخول.
"أدخل."
أطل مدحت بوجه ممتعض للغاية، متأسفاً على إقلاق هذا الكهل بهذا الموعد المتأخر.
"أنا آسف يا حاج صالح، عارف إنك تعبان وده معاد نومك."
"خير يا مدحت، فيه مشكلة ولا إيه؟"
"لا بس... فيه ضيفة تحت."
"ضيفة؟" صالح وهو ينظر إلى ساعة يده متسائلاً باستراب.
"دلوقتي؟ مين دي وعايزة إيه؟ لو مش حاجة ضرورية مشيها وتيجي في وقت تاني."
"المشكلة مش هي عايزة إيه؟ المشكلة هي عايزة مين؟"
بقوته الجسورة التي لا تناسب سنه ولا وضعه الصحي، والتي توحي بكم كان هذا الكهل ذو مهابة وحزم.
"هو لغز ده ولا إيه؟ حتكون عايزة مين يعني؟ ما تتكلم على طول يا مدحت."
"بتسأل على محمد سليمان."
صالح بصدمة ألجمت كلماته، ونظر بدهشة نحو مدحت، فمجرد سماعه عن ضيفه تسأل عن ولده محمد... ولده الذي مات قهراً من ظلمه له عندما أصر على أن يترك زوجته، حتى ظل حزيناً على فراقها هي وولده الذي كانت تحمله في أحشائها، حتى مات بحسرته عليهما.
تذكر ولده الذي لم ينساه، وكيف حاول أن يكفر عن خطأه، وبحث كثيراً عن زوجته وولده، لكنه لم يجد لهما أثراً نهائياً.
تهاوى هذا الجبل الشامخ بلحظات لمجرد سماعه بضيفه تسأل عن ولده، ليحل الضعف والحسرة قائلاً بنبرة مهتزة حزينة:
"محمد... إبني؟ مين دي؟ وهي فين؟"
"قاعدة تحت وأنا مش عارف مين هي، مقالتش."
"أنا رايح لها، حالاً."
توجه صالح نحو بهو البيت باحثاً عنها، متسائلاً ترى من تكون؟ هل تعرف شيئاً عن زوجة ابنه أو ولده الذي لا يعرف عنهما شيئاً؟
هبط درجات السلم وهو يطالع تلك الفتاة التي تجلس على أحد المقاعد بارتباك شديد، وهي تفرك كفيها بعضها ببعض بتوتر.
تسلطت عيناه المتفحصتان لملامحها بتعمق، ثم هتف بدهشة صادمة:
"فاتن... أنتِ فاتن؟ لأ... أنتِ مش فاتن... أنتِ... أنتِ... أنتِ بنت محمد ابني!"
لم تتخيل نسمة أن جدها يدرك هذا الشبه الصريح بينها وبين والدتها إلى هذا الحد، كما أنها لم تتوقع رد فعله ونظرة الفرح الممزوجة بالدموع التي تملأ عينيه تلك.
لا تعلم لماذا شعرت بالحنين لهذا الكهل المتعب، رغم القليل الذي عرفته عن قوته وجبروته لفرض سطوته على أبنائه بتلك الصورة، إلا أنها الآن تراه هش ضعيف حنون مثقل بالتعب والعجز.
تلقائياً وجدت نفسها تجيبه بالإيجاب بعدما كانت ستنكر نفسها منه وترحل.
"أيوة... أنا نسمة بنت محمد."
أغمض الجد عينيه لوهلة متضرعاً إلى الله بامتنان لتلك الراحة التي بثها بقلبه قبل أن يترك تلك الدنيا.
"بنتي... يااااه... أحمدك وأشكر فضلك يا رب... أحمدك وأشكر فضلك يا رب."
اعتلى ثغرها ابتسامة لتقبل جدها وجودها، بل سعد للغاية لرؤيتها كما لو كان ينتظر قدومها حقاً، لتهتف بتساؤل:
"أنت جدي... صالح... صح؟"
وقع صدى تلك الكلمة بأذنه الآن لها رنين مختلف محبب لقلبه للغاية.
"جدي؟ مكنتش متخيل أني هسمعها من بنتك يا محمد! ارحم يا ابني في تربيتك خلاص لقينا بنتك الغالية، ألف حمد وشكر ليك يا رب."
بدأ صالح يترنح وتنفسه يتقطع.
أسرع مدحت يسنده ويجلسه على المقعد المجاور بخوف.
فزعت نسمة من تعب جدها المفاجئ، وأخذت تقترب منه بلهفة، فهي لا تود خسارته الآن بعد ما أخيراً وجدت عائلتها.
"جدي! مالك؟ حصل إيه؟"
أجابها مدحت وسط تخوفه من فقدان الحاج صالح، فالطبيب طلب منهم ألا يتعرض لأي صدمات مطلقاً، لكنهم لم يتوقعوا أن الصدمة ستكون مفرحة وليس العكس.
"أصل الحاج صالح مريض قلب، ولسه عامل عملية صعبة، ومينفعش يجهد نهائي، وواضح إنه أجهد لما شافك."
"يا ريتني ما جيت ولا خضيتك كده!"
رفع صالح كفه ناهياً ما تفوهت به بكل ما استطاعه من قوة.
"لا طبعاً يا بنتي، أنا ما صدقت لقيتك، أنا تعبت وأنا بدور عليكِ أنتِ وأمك، بس مكنتش أعرف إن محمد جاب بنت زي القمر كده، كنت فاكر والدتك حامل في ولد."
"طيب متتعبش نفسك بالكلام طيب."
"يا ريت كل التعب اللي في الدنيا كده، أنتِ كنتِ فين وروحتي فين أنتِ وأمك؟"
جلست نسمة بالمقعد المجاور لجدها قائلة:
"ماما اتجوزت بعد انفصالها من بابا، وجوزها كتبني باسمه، الله يرحمهم بقى."
"إيه؟ عشان كده مكنتش لاقي حد متسجل باسم محمد ابني، ليه بس أمك عملت كده؟"
"خلاص يا جدي، اللي فات مات، مش هنحاسبهم دلوقتي."
نظر صالح تجاه مدحت، ليتجلى على ملامحه ملامح قوية بخلاف تلك اللينة التي تحدث بها معها للتو، لتشعر بأن لجدها حقاً قوة حتى لو خارت قواه.
"مدحت من بكرة تاخد كل ورق نسمة وتثبت اسمها الحقيقي نسمة محمد سليمان، وميهمنيش أعرف حتعمل إيه، تتصرف وبس."
"تحت أمرك يا صالح بيه، أستأذن أنا دلوقتي."
كانت تتابع بإنبهار تام جدها القوي يأمر هذا الرجل الأنيق، ليتحول بنظرة تجاهها بحنو بالغ، غير ذلك المسيطر القوي منذ لحظات.
"تعالى بقى أملي عينى منك، واحكي لي عنك كتير أوي."
"حاضر يا جدي."
حكت له نسمة الكثير عنها والقليل عن حسن، فلم تعد تريد أي مشكلات بعد اليوم.
كانت تحكي له عن الأشياء التي تحبها والأشياء التي لا تحبها، عن جامعتها ودراستها.
حتى أنهكهما التعب.
أشار الجد لأحدهم دون التفوه بكلمة، ليأتي الآخر ملبياً طلبه بخضوع على الفور.
"أيوه يا حاج."
"خد يا عبد القادر الأنسة نسمة وصلها للأوضة اللي جنب أوضتي على طول عشان ترتاح فيها."
"حاضر يا حاج."
نهضت نسمة من جلستها تتبع عبد القادر، بعدما تمنت ليلة سعيدة لجدها واتجهت نحو غرفتها الجديدة في بيت جدها البيت الكبير.
***
جلس عمر بشرفة شقته ينظر إلى السماء الصافية منتظراً مرور الساعات ليذهب إلى العم متولي ليعرف منه أي معلومات عن مكان نسمة، ليهمس للقمر حالماً بأن يوصل لها رسالته وشوقه لها.
"وحشتيني أوي... هو ليه الواحد مش بيحس بالحاجة الحلوة اللي في حياته إلا بعد ما تروح منه؟ يا ترى أنتِ فين دلوقتي؟ حموت من خوفى وقلقى عليكِ، نفسي بس أطمن عليكِ، نفسي تسامحيني على اللي عملته من غير ما أعرف الحقيقة، نفسي أقولك... إني بحبك."
***
نظرت نسمة حولها، كم كانت الغرفة أنيقة وجميلة.
جلست على السرير الفخم الموضوع في منتصف الغرفة، تحيطه ستائر رمادية رائعة للغاية.
"أنا مش مصدقة كل اللي بيحصل لي في حياتي ده، معقول أنا هنا؟ أنا صاحية ولا بحلم؟ أخيراً بقى ليا أهل وعزوة، حد يحبني كده من غير ما يعرفوني حتى، بيحبوني لمجرد إني بنتهم."
أسندت رأسها على مؤخرة الفراش، وها هو طيف عمر يحل من جديد.
"أديني بعيييييييد أوي عنك، بس ليه مغروس في قلبي؟ عايزة أنساك، مينفعش أفكر فيك تاني، بس إزاي؟ إزاي بس أنساك وحتى صورتك مش مفارقة خيالي؟ يا رب، زي ما غيرت كل حالي من غير ما أدرى، ابعد حبه عن قلبي."
رواية عشقت خيانتها الفصل العشرون 20 - بقلم قوت القلوب
صباح اليوم التالي.
وما كان من ساعات الليل إلا حملاً جثى فوق قلبه المحترق وهو جالس بشرفة شقته منتظراً حلول الصباح بصبر زهيد.
قطعت خطوط الشمس ذلك السواد الأعظم من الليل لتنجلي ببريق النور ليتحفز "عمر" أخيراً للذهاب لتلك المكتبة التي كانت تعمل بها "نسمة".
هبط درجات سلم بنايته بتعجل غير قادر على الانتظار أكثر من ذلك، قابله "وائل" يقطع طريقه فهو يعلم صديقه جيداً وأنه لن ينتظر أكثر من ذلك.
"إيه يا "عمر" حتروح من غيري ولا إيه؟"
"جاي معايا يلا بينا. أنا مفيش حمل للكلام."
تبعه "وائل" لاحقاً به وهو يسرع بخطواته فلا يمكنه تركه وهو بتلك الحالة المضطربة فربما يتصرف بتهور غير مطلوب بالمرة.
"على مهلك يا "عمر". أنتي بتجري بسرعة كده ليه؟"
"بقولك إيه حتعطلني إتكل أنت على الله أنا معدتش مستحمل."
"ماشي حعديهالك المرة دي. بس خليك هادي مع الراجل ليخاف منك وميرضاش يقولك حاجة عنها."
"حاضر. حاضر. أمشي بقى إتأخرنا."
قطعا مسافة كبيرة حتى وصلا أخيراً لمكتب عم "متولي" لينظر "عمر" نحوها بإحباط شديد وهو يرى أبوابها مازالت مغلقة ليهتف "عمر" بتذمر شديد ونبرة صارخة لنفاذ صبره من الانتظار.
"ااااااه. إيه الحظ ده."
"معلش يا "عمر". اصبر شوية. إحنا برضه جايين بدري أوي."
تهدج صدره بنهج شديد وهو ينظر بساعته قائلاً.
"بدري إيه دي الساعة بقت تسعة هو فيه مكتبة بتقفل لحد دلوقتي؟"
"الغايب حجته معاه. أصبر شوية."
***
بعد قليل.
مع انتظار "عمر" و "وائل" على مضض تقدم كهل كبير تجاه المكتبة مخرجاً سلسال يحمل العديد من المفاتيح ليبدأ بنزع الأقفال وفتح أبوابها.
ضرب "عمر" "وائل" بظهر كفه منبهاً إياه للنظر تجاه المكتبة ليتجها صوبها من فورهم.
ألقى "عمر" التحية بتلهف للحديث مع عم "متولي".
"السلام عليكم."
التفت عم "متولي" تجاههم ظناً منه أنهم بعض الزبائن مردفاً.
"وعليكم السلام. ثانية واحدة أفتح الباب وأجيب لكم إللي أنتوا عايزينه."
"لا. ااا... إحنا كنا عايزين حضرتك في موضوع كده. ممكن؟"
"آه يا ابني أهلاً وسهلاً. اتفضلوا."
فتح عم "متولي" أبواب المكتبة ليدلف بخطوته البطيئة إلى داخلها أولاً وهو يدير مفاتيح إنارتها طالباً منهم الدخول إلى داخل المكتبة.
"تعالوا. اتفضلوا."
قرب عم "متولي" مقعدين من البلاستيك نحوهما ليجلسا أولاً ثم تبعهم هو الآخر بالجلوس بتحفز لما يريدانه منه هذا الشابان الغريبان عنه.
أشار "وائل" لـ "عمر" بالصمت ليتولى هو الحديث مع عم "متولي" حتى لا يستريب في أمرهما بسؤالهم عن "نسمة".
"لو سمحت إحنا كان لينا طلب عند حضرتك. أو بمعنى أصح سؤال."
"اتفضل يا بني. لو أعرف أجاوبك وأفيدك مش حتأخر."
تحفز "عمر" بجلسته ليتقدم بجزعه نحو عم "متولي" ليسأله بتوتر.
"إحنا... أأ..."
قاطعه "وائل" على الفور.
"إحنا زملاء "نسمة" في الكلية وعرفنا إن حصلت مشكلة مع أخوها وطردها لما البنات زميلاتنا جم سألوا عليها. وكنا عايزين نعرف من حضرتك. لو هي يعني راحت عند حد من قرايبها. عشان نطمن عليها ونطمن أصحابها."
أجابهما عم "متولي" بإشفاق كبير على حال "نسمة" فهي لا تستحق مثل تلك المعاملة القاسية التي تلقتها من "حسن".
"آه والله يا ابني كان فيه مشكلة بينها وبين أخوها. وللأسف هي راحت تقعد عند خالتها."
تهللت أسارير "عمر" بابتسامة رائعة وهو يرى تقلص المسافة بينه وبينها وأنه على مقربة أخيراً من إيجادها ليتساءل بتلهف.
"خالتها؟ طيب هي فين أو ساكنة فين يعني؟"
"والله يا ابني أنا مش عارف هي ساكنة فين."
عاد الإحباط واليأس مرة أخرى لقلبه وضم شفتيه بضيق معقباً.
"إيه. متعرفش مكانها؟"
"بس معايا رقم تليفونها لو حبيتوا تاخدوه تتصلوا بيها تطمنوا على "نسمة"."
عادت الابتسامة مرة أخرى على ثغره هاتفاً بفراغ صبر.
"آه طبعاً. ده كفاية أوووي. بعد إذن حضرتك ممكن الرقم."
أخرج عم "متولي" هاتفه وأخذ يبحث عن رقم أم "ريم" خالة "نسمة".
"أهو يا ابني. هو الرقم ده."
تناول "عمر" الهاتف من عم "متولي" وسجل الرقم بهاتفه من ثم أعاد الهاتف مرة أخرى لعم "متولي" الذي أتم مهمته بالنسبة إليه على خير وجه ليستأذن بالانصراف مع "وائل" بعدما تحصل على مبتغاه.
"شكراً يا عم "متولي". شكراً أوى."
"بعد إذن حضرتك."
***
في الطريق.
كاد أن يقفز فرحاً بحصوله على رقم هاتف خالتها، هو من يقال عنه الثقيل الرزين، أودت "نسمة" بنقائها ورقتها بكل ذلك عرض الحائط بعد أن تملكت من قلبه الذي لم تجرؤ سواها على اقتحام قلاعه.
هتف بسعادة غامرة.
"أخيراً يا "وائل" حوصلها. مش قادر أستنى بصراحة. أنا حكلم خالتها دلوقتي وأروح لها. لازم أروح لها حالاً."
كان وجود "وائل" إلى جوار عمر كناقوس محذر له عن تلك العاصفة الهوجاء التي أطاحت برزانته وسيطر قلبه المتلهف وبقوة.
"تروح فين؟ إهدى كده وبالراحة. إحنا ليه بدري أوي يا "عمر". أصبر شوية دي الساعة مجتش عشرة."
"لا مش حقدر. أنا حكلمها وإللي يكون يكون بقى."
أخرج هاتفه ليدق برقم الهاتف الخاص بأم "ريم" لتجيبه بعد عدة دقات.
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام. أم "ريم" معايا؟"
"أيوه. مين معايا؟"
"اا... إحنا زملاء "نسمة" في الكلية وجبنا الرقم من عم "متولي". وكنا عايزين نيجي لحضرتك ممكن بس العنوان."
"اااه. حاضر. العنوان هو..."
"تمام إحنا جايين لحضرتك على طول."
بمجرد إنهاء "عمر" للمكالمة توجه على الفور بصحبة "وائل" إلى عنوان أم "ريم" الذي لم يبعد كثيراً عنهم.
***
بنفس الوقت تفكرت أم "ريم" عمن يكون هؤلاء الذين يسألون عن "نسمة" لتتوقع بذكاء بعدما عرفته من "نسمة" أن هذا لابد أن يكون "عمر" لتهمس لنفسها بتتمعن.
"شكله هو ده (عمر). مش عارفة أقوله مكانها ولا لأ؟ بس هي كانت مش حابة خالص إنها تشوفه تاني. وأنا مينفعش أتعبها. طالما كان بيلعب بيها مش حسمح له إنه يلعب بيها تاني. مش حقوله مكانها. وهي لازم تنساه وتعيش حياتها مع الأحسن منه. ماله (ياسر) ابني. حيحفظها ويصونها. بس يا ريت توافقي يا (نسمة). يا ريت."
***
المنيا.
الحديقة.
جلس الحاج "صالح" على أحد تلك المقاعد الخيزران المرتبة بعناية وقد توسطت تلك الجلسة منضدة دائرية مصنوعة أيضاً من نفس النوع تعلوها دائرة زجاجية زادت من جمالها.
نظر "صالح" للأعلى تجاه شرفة الغرفة التي تقيم بها "نسمة" الآن والتي كانت غرفة والدها من قبل.
تملكه شعور بالسعادة فأخيراً حفيدته عادت مرة أخرى إلى أحضان عائلتها لتحيطها برعاية واهتمام حرمت منه عمرها كله.
قرر الحاج "صالح" تعويض هذه الفتاة اليتيمة عن كل ما حرمت منه. بداية بالملابس والاحتياجات الخاصة والمال. وأشياء أخرى أيضاً يرتبها برأسه. لكن لم يحن وقتها بعد.
صاح الحاج "صالح" منادياً بتساؤل.
"ها يا "مدحت" عملت إيه في إللي قلت لك عليه؟"
"بالنسبة لشهادة الميلاد الجديدة للأنسة "نسمة". هي إن شاء الله حتتعمل بس حتاخد شوية وقت. بس متقلقش يا "صالح" بيه. وبالنسبة للحاجات إللي حضرتك طلبت إننا نشتريها. فالموضوع ده تم يا حاج وكله تمام وكل حاجة جاهزة في العربية."
"كويس أوي."
ثم استدار نحو الباب الزجاجي الكبير منادياً.
"يا "عبد القادر"."
أقدم "عبد القادر" تجاه الحاج "صالح" مهرولاً ملبياً لندائه.
"أفندم يا حاج."
"خد الحاجات إللي في عربية الأستاذ "مدحت" وطلعها أوضة الست "نسمة" أنت و"سعيدة" مراتك وعلى الله أسمع إن "سعيدة" أزعجت الست "نسمة" وصحتها من النوم. عايزكم تحطوا كل الأكياس دي في الأوضة من غير ما تحس. فاهم؟"
"فاهم يا حاج. ولا حتحس بينا واصل."
صعد كل من "عبد القادر" وزوجته "سعيدة" يضعان الحقائب البلاستيكية العديدة أمام غرفة "نسمة".
وحين انتهوا فتحت "سعيدة" باب الغرفة بهدوء شديد لتتسلل إلى الداخل بخفة على أطراف أصابعها. بدأت بوضع الحقائب واحدة تلو الأخرى بهدوء تام إلى جوار خزانة الملابس.
أتمت مهمتها على أكمل وجه لتخرج من الغرفة متسللة مرة أخرى خوفاً من أن يعنفهم الحاج "صالح" إذا استيقظت "نسمة".
امتلأت أرضية الغرفة عن آخرها بالعديد والعديد من الحقائب البلاستيكية دون أن تشعر "نسمة" بشيء مطلقاً.
***
شقة أم ريم.
فور أن وصلا "عمر" و "وائل" إلى تلك البناية التي تقطن بها أم "ريم" صعد "عمر" درجات السلم راكضاً إلى الأعلى ومن خلفه "وائل" يحاول لحاقه لاهثاً.
بعد أن دق "عمر" جرس الباب فتحت امرأة أربعينية الباب تشبه "نسمة" إلى حد بعيد. تطلعت بهم جيداً ثم رحبت بهم على الفور.
"أهلاً وسهلاً. أنتم زملاء "نسمة". صح؟"
"أيوة."
"اتفضلوا."
أشارت لهم أم "ريم" بالدخول ليدلف "عمر" إلى الداخل بتلهف شديد وهو يتساءل عنها.
"أمال فين "نسمة"؟ اا... إحنا بس عايزين نطمن عليها."
نظرت لهم أم "ريم" بتفحص.
"مش أعرف أنتوا مين طيب الأول؟"
"أنا "عمر". وده "وائل". زي ما قلنا لحضرتك إننا زملاء "نسمة" في الكلية."
بعد تأكدها من هوية "عمر" وأنه بالتأكيد "عمر" الذي تقصده "نسمة" أردفت بإصطناع عدم المعرفة.
"اااه. طبعاً طبعاً. بس أنا مش عارفة فين "نسمة"."
وقف "عمر" مندهشاً مصدوماً.
"إيه؟ إزاي يعني. عم "متولي" قال إنها جايه لحضرتك. أمال حتكون راحت فين يعني؟"
"هي جتني فعلاً. بس مشيت تاني يوم. ومعرفش هي فين."
علا صوت تنفسه الناهج فلم بحثه عنها كقبضة على الماء أو الركض خلف السراب وكلما ظن أنه أقترب منها يسقط ببئر سحيق والعودة مرة أخرى لنقطة الصفر. إبتلع ريقه الجاف وهو يتساءل بإحباط بالغ.
"متعرفيش راحت فين خالص؟ تفتكري تكون راحت فين بس؟"
"معنديش فكرة بجد. أنا لو أعرف حقول على طول. بس هي مقالتش."
"طيب ممكن لو عرفتي أي حاجة. أي حاجة عنها أو عن مكانها. ممكن تبلغيني. وأنا رقمي مع حضرتك أهو."
"حاضر. أكيد لو عرفت حاجة حبلغكم."
أمسك "وائل" بذراع "عمر" يسحبه نحو الخارج فقد أغلق هذا الباب أيضاً بوجوههم.
"شكراً لحضرتك. بعد إذنك. لازم نستأذن إحنا دلوقتي. يلا يا "عمر"."
"مع السلامة."
رافق "عمر" صديقه إلى الخارج وقد تمكن اليأس منه تماماً ليحل الصمت عليه حتى وصلا إلى شقة "عمر".
***
نسمة.
استيقظت بتثاقل تشعر بإرهاق من سفر الأمس. نهضت من فراشها بتكاسل لترفع جسدها لتعتدل بجلستها فوق هذا الفراش الوثير.
وقعت عيناها على تلك الحقائب الموضوعة أرضاً تكاد تمتلئ بها أرضية الغرفة.
نهضت مسرعة لتتفحص ما بداخل هذه الحقائب لتجد ملابس من كل الأنواع والأشكال وحقائب وأحذية وأشياء كثيرة لم تكن تدري ما هي حتى. فهي لم تشتر مثل هذه الأشياء يوماً.
حلت ابتسامة واسعة بسعادة قائلة. "يااااه. كل الحاجات الحلوة دي ليا أنا. جبتها إمتى بس. يا حبيبي يا جدو."
خرجت إلى الشرفة لتنظر إلى الحديقة الواسعة لتقع عيناها على جدها الجالس بالأسفل وهو يطالعها بابتسامة حانية لم تر مثلها منذ وفاة والدتها.
لوحت له بقوة وقد أشرقت ابتسامتها لتضيء عيناها ذات اللون المميز ببريق متوهج فيبدو أن هذا الجد سيسرق قلبها وتتعلق به كأمل وحيد بآخر من بقى من عائلتها ويعوضها عن حرمانها من هذا الحنان والاهتمام.
استدارت بسرعة لتخرج من غرفتها وهي تركض هابطة فوق السلالم الكبيرة المنحنية لتجد نفسها أمام البوابة الزجاجية الكبيرة.
خرجت مسرعة من الباب الزجاجي لتجد جدها يجلس أمامها مباشرة.
أقبلت نحوه "نسمة" بابتسامة محبة لتحتضن جدها بغبطة.
"شكراً يا جدو على الحاجات الجميلة أوى إللي أنت جبتهالي دي. ده كتير أوى أوى عليا."
"صالح" وهو يربت على ذراعها بحنان أبوي اشتاقت له للغاية.
"ده لا كتير ولا حاجة دي أقل حاجة ممكن أعوضك بيها. ولسه ياما حتشوفي ويجيلك كل إللي بتحلمي بيه. أنتي بنت "محمد سليمان". وحفيدة "صالح سليمان". يعني منتش قليلة أبداااا. أنتي ست البنات."
لأول مرة تشعر بأن لها قيمة بهذا الشكل. إحساسها بعباراته الصادقة التي خرجت من قلبه مباشرة عصف بها لتشرق بسعادة حقيقية. سعادة تخطت كل ما كانت تتخيله يوماً. حتى مع فرحتها بكل تلك الهدايا إلا أن شعوره الصادق نحوها كان أجمل بكثير من كل شيء مادي. فاليوم تشعر بأن هناك من يحبها حب حقيقي ويخاف عليها وعلى مصلحتها. لأنها من دمه. هو فقط من لها بالدنيا جدها.
جلست إلى جواره دون أن تتخلى عن تلك الابتسامة المشرقة. مع هبوب بعض نسمات الرياح النقية والتي أخذت تداعب شعرها وهي تلملم خصلاته بانتشاء حقيقي. رفعت بصرها تنظر إلى السماء لتشكر الله على كل نعمة التي وهبها إياها بعد حرمانها الطويل.
***
نظر "عمر" إلى السماء وقد غامت عيناه بعبرات متألمة لشعوره بخيبة الرجاء. فبعد كل تلك المحاولات لإيجادها إلا أنه شعر بها تضيع من بين يديه للأبد.
"يا ترى أنتي فين ومع مين؟ يا ترى جرى لك إيه؟ يا رب. يا رب رجعها لي يارب. يا رب. دي خلاص بقت بعيد أوي عني ومش عارف أوصل لها إزاي. يا رب إجمعني بيها. أطمن بس إنها بخير."
تقدم "وائل" لبضع خطوات وهو يسند كفه على كتفه من الخلف يشد من أزره.
"متعملش في نفسك كده. "نسمة" مش طفلة صغيرة. أكيد هي كويسة في المكان إللي هي فيه."
"أنت متعرفش "نسمة" كويس. "نسمة" قلبها فعلاً قلب طفلة. بريئة زي الأطفال بجد. متستحملش البهدلة والمرمطة دي. ممكن أي حد يستغلها أو يؤذيها بسهولة. أنا خايف عليها أوى. أنت عارف يا "وائل". إنها تكون حواليا ورافضاني أحسن عندي من أني مش عارف هي فين ولا جرى لها إيه."
"إن شاء الله حتطمن عليها. وبإذن الله في أقرب وقت حتسمع خبر يطمنك."
"يااااارب يا "وائل". يااااارب."
دق هاتفه برقم جده ليزفر بهدوء محاولاً تمالك نفسه المحطمة حتى لا يسبب لجده القلق.
"السلام عليكم. إزيك يا جدي عامل إيه؟"
"وعليكم السلام. أنا مفيش أحسن من كده الحمد لله."
"الحمد لله."
شعر "صالح" بنبرة مختنقة بصوت "عمر" ليتساءل بإستراب.
"مالك يا ابني فيك إيه؟"
"مفيش يا جدي. متشغلش بالك."
"إزاي بس. اتكلم يا ابني!!! أوعى يكون فيه عندك مشكلة ولا حاجة وأنت مش راضي تقولي؟"
"لا أبداً يا جدي. موضوع كده شاغلني ححكيلك عليه أول ما أشوفك."
"ماشي يا ابني. عموماً أنا عايزك تجيلي فوراً."
توجس "عمر" قلقاً من طلب جده للحضور بتلك السرعة.
"خير يا جدي فيه حاجة ولا إيه؟"
"أخييييراً يا ابني لقينا بنت عمك "محمد"."
"بجد. بنت عمي؟!!!! الله. هو مش ابن عمي؟"
"لا. دي بنت. وزي القمر أخلاق وجمال ما شاء الله عليها."
"الحمد لله يا جدي. الحمد لله. ربنا جمع شمل عيلتنا من تاني."
"الحمد لله. المهم أنا عايزك تيجي عشان تتعرف على بنت عمك."
"بس يا جدي!!!!!! أنا هنا ورايا موضوع مهم أوي. أخلصه بس وأجي."
أردف "صالح" بصرامة فلا يمكن التهاون بأمر له خاصة بما يخص العائلة.
"مفيش حاجة أهم من العيلة ولا نسيت. فوراً تكون عندي."
لم يجد "عمر" بداً من الانصياع مجبراً لأمر جده مردفاً بقله حيلة.
"حاضر يا جدي. حركب قطار بكرة الصبح أوصل بكرة بالليل إن شاء الله."
"مستنيك يا ابني متتأخرش."
أنهى "عمر" مكالمته مع جده ليكمل بحزن مع "وائل".
"أنا لازم أسافر لجدى يا "وائل". بالله عليك يا "وائل" دور على "نسمة" عقبال ما أرجع. اسأل في المستشفيات وأقسام الشرطة. أي حاجة. أي حاجة. يمكن نلاقيها."
"هو أنت لازم تروح يعني؟"
"لازم يا "وائل" لسببين. أولهم إنك أنت عارف إن جدي تعبان قد إيه ومش عايز أزعله خالص ليجرى له حاجة وهو مش حيستحمل. وتاني حاجة أنا من يوم وفاة عمي و وراه بابا وهو مالهوش أحفاد غيري أنا وبنت عمي دي وهو حالف إن مفيش حاجة أهم من العيلة بعد كده. ونفسه يكفر عن إللي عمله مع عمي. ومش حينفع أكسر كلمته. لازم أروح."
***
المنيا.
أغلق الحاج "صالح" الهاتف بعد حديثه مع "عمر".
كانت "نسمة" تنظر إليه بإعجاب شديد وهي ترى كيف أن لجدها هذه الهيبة في الحديث والأمر المطاع.
"كنت بتكلم مين يا جدو؟"
"ده "عمر" ابن عمك الوحيد. ولازم ييجي يتشرف بيكي طبعاً."
"كمان ابن عم!!! ياااه أخيراً ليا عيلة كبيرة."
"طبعاً كبيرة. ولسه حعرفك على كل العيلة بعيال أعمام أبوكي وخيلانهم. حاجة كده تشرف."
"جدو هو ممكن أسأل سؤال؟"
"اتفضلي يا بنتي."
"أصل أنا أعرف إن الناس في الصعيد بيبقى ليهم أولاد كتير وكده. أمال فين أولاد عمي الكتير. مفيش غير إللي إنت كنت بتكلمه في التليفون ده؟"
"أبوكي يا بنتي اتوفى بدري. الله يرحمه. عمك بقى ربنا ما أرادش بقى إنه يكون له ولاد غير "عمر". بس والله أنتي وهو عندي بالدنيا."
"ربنا يخليك لينا يا جدو."
"أنا تعبان شوية حطلع أرتاح. وأنتي حضري نفسك بكرة بقى ابن عمك جاي من السفر."
ضحكت "نسمة" برقتها التلقائية وهي تردف.
"متخافش يا جدو ححضر له التشريفة."
ضحك "صالح" مستغرباً من نفسه فقد مر العمر ولم يشعر بالفرحة ولا الضحكة من سنوات عديدة مرت.
ضحك اليوم فرحاً بالتئام الشمل مرة أخرى.