تحميل رواية «عشقي الابدي» PDF
بقلم شيماء يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في صباح يوم ربيعي هادئ، كانت أسيا تجلس حول طاولة الطعام الصغيرة الموجودة بداخل مطبخها في منزلها المتواضع في أحد شوارع إسطنبول الجانبية. فبرغم صغر المنزل، إلا أنه كان أنيقًا، فقد اختارت كل قطعة أثاث منه بعناية فائقة وذوق مرهف كعادتها. كانت تنظر إلى الخارج من خلال النافذة المقابلة لها برضا، وهي تستنشق عبير الزهور القادم من حديقتها الصغيرة التي زرعتها بنفسها واهتمت بها طوال السنين الماضية. تنهدت براحة وهي تتذكر كيف كان وضعها في مثل هذا الوقت منذ خمس سنوات، عندما انتقلت حديثًا إلى ذلك المنزل وكيف اس...
رواية عشقي الابدي الفصل الأول 1 - بقلم شيماء يوسف
في صباح يوم ربيعي هادئ، كانت أسيا تجلس حول طاولة الطعام الصغيرة الموجودة بداخل مطبخها في منزلها المتواضع في أحد شوارع إسطنبول الجانبية. فبرغم صغر المنزل، إلا أنه كان أنيقًا، فقد اختارت كل قطعة أثاث منه بعناية فائقة وذوق مرهف كعادتها. كانت تنظر إلى الخارج من خلال النافذة المقابلة لها برضا، وهي تستنشق عبير الزهور القادم من حديقتها الصغيرة التي زرعتها بنفسها واهتمت بها طوال السنين الماضية.
تنهدت براحة وهي تتذكر كيف كان وضعها في مثل هذا الوقت منذ خمس سنوات، عندما انتقلت حديثًا إلى ذلك المنزل وكيف استطاعت تأسيس حياة جديدة لها.
أفاقت من أفكارها تلك على صوت صغير محبب إليها يناديها برقة:
"ماما.. ماما أنا خلاص خلصت الأكل بتاعي."
نظرت إلى طفلتها وعيناها تفيضان بالحب، وهي تتحرك في اتجاهها، تطبع قبلة صغيرة على جبينها وتقول بهدوء:
"طب ممكن أنا وأميرتي الصغيرة نتحرك دلوقتي عشان مامي عندها شغل كتير النهارده ويادوب أوديكِ الحضانة بتاعتك وألحق أروح المستشفى؟"
جاءتها إجابة سؤالها على هيئة حضن صغير دافئ جعل عينيها تمتلئ بالدموع. فتلك الصغيرة هي حياتها ودنيتها وسبب بقائها على قيد الحياة.
***
أوصلت أسيا طفلتها الصغيرة واطمأنت على جلوسها مع أصدقائها، قبل أن تتحدث إلى معلمتها:
"زي ما اتفقنا، والدتي هتخلص وتيجي تستلمها زي كل يوم."
أومأت لها معلمة طفلتها رأسها بإيجاب، مطمئنة، قبل أن تتوجه إلى صغيرتها تقبلها مرة أخرى وهي تحدثها بحنان:
"أسو، زي ما اتفقنا حبيبتي، هنقعد هاديين لحد ما جدتك تمر تاخدك، وأنا هشوفك بليل إن شاء الله."
هزت طفلتها رأسها الصغير بإيجاب، طائعة، فطبعت قبلة على جبينها وتحركت إلى الخارج مسرعة، يفيض قلبها بالحب من أجلها.
***
نظرت أسيا إلى ساعة يدها بقلق وهي تستقل سيارة الأجرة، قبل أن تتنهد براحة. فالوقت ما زال مبكرًا، والمرور يخدمها نوعًا ما. كان اليوم هو يوم استقبال المالك الجديد للمشفى، وباعتبارها رئيسة قسم الأطفال، يجب أن تكون أول المتواجدين لحظة استقباله.
وصلت إلى المشفى لتجد صديقتها عائشة في انتظارها عند الاستقبال في الطابق الأرضي، تصفر بإعجاب واضح عند رؤيتها:
"واو، الطقم هياكل منك حتة. أنا مش عارفة دماغك دي بس اللي تعباكي وتعباني! لو تسيبى نفسك وتبطل تصدي أي حد يحاول يقرب منك أو حتى يبين لك إعجابه، كان زماني مطمنة عليكي."
نظرت إليها أسيا بعتب صامت، فسارعت عائشة تضيف:
"خلاص.. خلاص سكت أهو."
وأشارت بحركة مضحكة للتعبير عن إغلاق فمها.
كانت عائشة محقة، فهي كانت جميلة فعلاً بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. فعلى الرغم من ضآلة حجمها، إلا أن جسدها كان ممشوقًا متناسقًا. تمتلك وجهًا صافيه مستديرًا رائع الجمال بعيون بنية واسعة وأهداب طويلة، وأنف يونانية صغيرة، إلى جانب تلك الغمزة التي كانت تزيد إلى جمال ضحكتها جمالًا من نوع خاص، إلى جانب شفاه وردية منتفخة وشعر بني طويل يمتد إلى منتصف ظهرها. كان يعجب بها كل من يراها.
أما عن ملابسها، فكانت ترتدي بلوزة زرقاء رسمية وبنطال أبيض فضفاض يضيف إليها القوة والمهنية. أما شعرها، فرفعته للأعلى على هيئة ذيل حصان ثم تركته ينسدل بنعومة.
كانت تسأل صديقتها عائشة بسخرية واضحة:
"يا ترى المالك الغامض وصل ولا لسه هنستنى عشان نعرف هو مين؟"
أجابتها عائشة بنفس السخرية:
"لأ، نجم اليوم لسه موصلش، دكتور طارق بس هو اللي هنا وكان بيطمن عليكي وصلتي ولا لسه."
ثم أكملت عائشة حديثها باستغراب:
"يا ترى كل التكتيم ده ليه؟ تفتكري فيه حاجة؟"
لترد أسيا بعدم مبالاة:
" كلها شوية ونعرف، متشغليش بالك. تعالي نشوف شغلنا، ولما يوصل أكيد حد هيبلغنا."
***
كانت أسيا داخل غرفة الاستقبال تفحص أحد المرضى، عندما سمعت إحدى الممرضات تعلمها بوصول المالك الجديد إلى مكتبه وتطلب منها الصعود للطابق العلوي للتعرف عليه. تحركت إلى الطابق العلوي مباشرة وهي تسمع همهمات من الممرضات حولها:
"شفتي شكله حلو إزززززززززززاي؟"
لتقاطعها أخرى مضيفة بحماس:
"لأ، ولا هيبته! عليه هيبة ولا أحلى من ممثلين السينما."
لتقول الثالثة بإعجاب واضح:
"ولا جسمه ولبسه ومشيته! شفتوا ماشي إزاي؟ مش هامه حد!"
ابتسمت أسيا من حديثهم وهزت رأسها بسخرية من تعليقاتهم السطحية. وهي في طريقها إلى دخول الطابق الرابع، التقت بعائشة التي سرعان ما علقت باستهزاء عند رؤية أسيا:
"أخيرًا هنعرف الأمير الغامض، قصدي المالك الغامض."
ثم غمزت لها بخبث لينفجرا في الضحك سويًا وهما يستأنفان سيرهما إلى التجمع.
رفعت أسيا رأسها وهي لا تزال تبتسم، لتتجمد الابتسامة على شفتيها وينسحب الدم من عروقها. فالمالك الجديد للمشفى لم يكن إلا ذلك الذي يسكن أحلامها ويقظتها معًا.
رواية عشقي الابدي الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء يوسف
نظرت أسيا بصدمة، تشعر كما لو أن الأرض تنسحب من تحت أرجلها والأصوات تتلاشى من حولها، ويدها ترتعش من شدة التوتر. أما هو، فكان ينظر إليها بتفحص شديد وعينيه تضيق عليها.
سألتها عائشة بقلق: "أسيا مالك، حصل حاجة؟"
هزت رأسها نافية وهي تبتسم، محاولة استجماع شجاعتها. أخذت تحدث نفسها بقوة: "اجمدي، أوعي تخليه يحس بحاجة. متنسيش وعدك لنفسك كل يوم، انتي تقدري تعدي الموقف ده."
ثم رفعت رأسها بكبرياء لتجده ما زال ينظر إليها كالصقر.
قطع الدكتور طارق الصمت بحديثه: "موظفي المشفى الكرام، أحب أقدم لكم السيد مراد سويدي، المالك الجديد للمستشفى بتاعتنا. طبعاً السيد مراد رجل أعمال مشهور وغني عن التعريف، وإن شاء الله ناوي يطور من المستشفى بتاعنا، وده لمصلحته ومصلحتنا ومصلحة المريض طبعاً. فمن فضلكم رحبوا بيه معايا."
ارتفعت الأصوات بالترحيب والتصفيق معاً.
تحدث الصوت الرجولي العميق، الذي تتذكره جيداً كما لو أنه كان يهمس في أذنها البارحة، ببضع كلمات مختصرة وافية كعادته: "أهلاً بيكم، أحب أرحب بنفسي وسطكم النهارده. المستشفى دي ملككم قبل ما تكون ملكي، وعشان كده أتمنى نتحد كلنا مع بعض ونتعامل كمجلس إدارة وطاقم طبي وإداري عيلة واحدة للوصول لأحسن النتائج اللي تخلينا المستشفى رقم ١ بالمدينة. وبالتوفيق وشكراً."
دوت أصوات التصفيق مرة أخرى، وبدأ بعض مسؤولي المشفى بالتجمع حوله.
نظرت أسيا مرة أخرى في اتجاهه تتأمله، فوجدته كما تركها منذ ست سنوات، لم يتغير به شيء، كأن كل هذا الوقت لم يمر عليه. لا، إنها كاذبة، فقد تغير به كل شيء. لقد ازداد وسامة إلى وسامته وقوة إلى قوته، حتى جسده أصبح مصقولاً أكثر كأنه تمثال يوناني منحوت، وهو يرتدي بذلة رمادية متناسقة تماماً مع عضلات جسده، وقميص أبيض أسفلها يعكس سمار بشرته. كان مسيطراً كعادته، تحيط به هالة من الوقار تضيف إليه هيبة وسيطرة في أي مكان يتواجد به. كان يتحدث باسترخاء مع أحد موظفي الاستقبال ويبتسم، لتكشف ابتسامته تلك عن أسنان بيضاء تتناسب تماماً مع ذقنه المشذب، فيبدو كشاب في العشرينات وليس بعمر السادسة والثلاثين. أما أكثر شيء يميزه، فهي تلك العينان الرماديتان الثاقبتان التي تستطيع اختراق أفكار أي شخص ببساطة وبرودة معاً.
نهرت أسيا نفسها بشدة، فهو لم يعد ملكها منذ عدة سنوات وليس لديها الحق في التفكير بأي شيء يخصه. حدثت نفسها بقوة: "إنه زوجها السابق، فقط السابق...!!"
سحبها من تلك الأفكار رنين جهاز النداء الآلي قادم من إحدى الغرف، لتركض إليها في عجلة.
رواية عشقي الابدي الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء يوسف
مر يومها دون أن تشعر به، فالعادة أن يوم الاستقبال يكون مضغوطًا بالنسبة إليها، ولكن في هذا اليوم بالتحديد كانت ممتنة لذلك الضغط الذي أخرجها من أفكارها وأعاد إليها شيئًا من هدوئها وتوازنها. فكما كانت دائمًا، بمجرد أن تصل إلى العمل وتتعامل مع هؤلاء الملائكة الصغار، تنسى كل ضغوط حياتها وتندمج معهم.
نظرت إلى ساعة يدها فوجدتها تشير إلى الثامنة والنصف. إذا، أمامها فقط نصف ساعة وتنتهي مناوبتها.
التفتت على صوت إحدى الممرضات تقول لها:
"دكتورة أسيا، دكتور طارق كان بيسأل عليكي. هو طلبك في مكتبه فوق."
ابتسمت لها أسيا بود كعادتها في تعاملها مع جميع الموظفين قبل أن تقول:
"أوكي، هطلعله على طول."
تحركت على الفور في اتجاه مكتبه وهي تبتسم لمجرد التفكير به. كان طارق هو رئيس الأطباء في المشفى، رجل في منتصف الخمسينات من العمر، متوسط الطول والجسم، ذو وجه أبيض مستدير وعينين سوداوين. بدأ شعره بالانحسار إلى الوراء بفعل السن. كان متزوجًا من قريبته السيدة أمل التي تشبهه في الملامح، ولكن للأسف لم يرزقا بأطفال، لذلك كان يتعامل مع أسيا كما لو أنه والدها الذي فقدته منذ صغرها. فمنذ أن وضعت قدميها في ذلك المشفى، وهو يعاملها كابنته، يساندها دائمًا ويشجعها ولا يبخل عليها بأي معلومة. بالعكس، فهو حريص على تعليمها كل ما تعلمه خلال سنوات حياته، كما أنه يستمع ويهتم إلى كل تفاصيل حياتها بلا كلل أو ملل، مما جعله والدها وصديقها المقرب وكاتم أسرارها الوحيد، بالرغم من فارق السن بينهما الذي يتجاوز العشرين عامًا.
طرقت أسيا على الباب برفق ليأتي إليها الرد من الطرف الآخر:
"ادخل."
فتحت أسيا الباب وهي تبتسم لتتفاجأ بذلك المتسلط يجلس على أحد المقاعد المقابلة لطارق. كان يجلس بتملك واسترخاء وهو ينظر إليها بكسل. تراجعت خطوة إلى الوراء، فالتوى فمه بنصف ابتسامة ساخرة. قررت التقدم برأس مرفوع متجاهلة وجوده ونظراته، تتحدث لطارق بابتسامة مشرقة:
"حضرتك طلبتني؟!"
تحرك طارق من مقعده بود واضح في اتجاهها:
"أيوه يا أسيا، إنتي الوحيدة اللي لسه متعرفتيش على السيد مراد."
تحدث لمراد بفخر واضح في نبرته:
"أستاذ مراد، أقدم لك دكتورة أسيا، أصغر وأكفأ رئيسة قسم عندنا. وبالمناسبة، هي رئيسة قسم الأطفال. أسيا، أقدم لك السيد مراد، الـ owner الجديد للمستشفى."
تجاهلت أسيا ذلك التعريف والتفتت إلى طارق تحدثه:
"آه معلش، وقت التعريف وصلت حالة طارئة واستدعوني."
خاطبها طارق بمرح:
"وطبعاً، مادام استدعوكي فلازم تنسي نفسك."
ابتسمت من انتصارها الصغير، فهي تعتقد أنها تخلصت من أولى مواجهاتها معه. لم تنتهِ من فكرتها تلك حتى وجدته يتحرك من مقعده بكسل وثقة، يقف أمامها يمد يده بابتسامة ساخرة وفم ملتوي:
"دكتورة أسيا، اتشرفت بمعرفتك."
نظرت إليه برعب فوجدت أنه يرفع إحدى حاجبيه ويده ما زالت ممدودة في اتجاهها. مدت يدها على مضض تتلمس يده بتوجس، فأخذ يدها بكلتا يديه يخفيها داخلهما وضغط عليها برفق. فسرت رعشة في يدها امتدت على طول عمودها الفقري من أثر لمسته البسيطة. ابتسم بانتصار لرده فعلها تلك، فسحبت يديها بعنف، توجهه كلامها مرة أخرى للدكتور طارق:
"لو حضرتك مش عايز مني حاجة تاني، اسمح لي أنزل عشان عندي حالة تحت."
أجابها طارق باستنكار:
"لا أبداً، اتفضلي. أنا كنت بحسب مناوبتك خلصت عشان كده طلبت منك تطلعي. بس تقدري تتفضلي. وأه يا أسيا، بكرة عندنا اجتماع الساعة واحدة كرؤساء أقسام مع السيد مراد عشان نناقش شوية قرارات جديدة، حبيت أبلغك من دلوقتي."
هزت أسيا رأسها موافقة وهي تضيف:
"إن شاء الله، وعن إذنك حضرتك."
خرجت وأغلقت الباب خلفها، آخذة نفسًا عميقًا تملأ به رئتيها، فهي تشعر كما لو أنها كانت تركض منذ ساعة.
كانت أسيا في طريقها إلى الطابق الأرضي عندما لمحت عائشة قادمة إليها تنظر بقلق وتتحدث بلهفة:
"إنتي فين من الصبح بدور عليكي، مش عارفة أمسكك؟ روحتي فين وسبتيني لوحدي؟ عندي نميمة تكفي أسبوع. شفتي المدير الجديد مزاز إزاي؟ وأنا اللي كنت فاكرة قصير وبكرش. أنا بقول نشد حيلنا بقى وكفاية علينا خيبة لحد كده. أنا ركزت معاه وأخدت بالي إنه مش لابس دبلة في إيده. تفتكري واحد زي ده متجوزش لحد دلوقتي ليه؟ ولا تفتكري متجوز ومن الناس اللي بتخبّي دبلتها استهبال؟!"
ردت أسيا ببرود موضحة عدم رغبتها في استكمال هذا الحديث:
"عائشة، معلش أنا تعبانة مش قادرة أتكلم ومناوبتي كمان خلصت. هتروحي معايا ولا إيه؟"
عائشة متذمرة:
"مانتي عارفة إن النهاردة النبطشية بتاعتي. وبعدين إنتي مالك من الصبح فيكي حاجة مش طبيعية!! في حد ضايقك؟ أسو كويسة طيب؟!"
أسيا مبتسمة:
"متخافيش، أسو كويسة وزي الفل وبتسأل عليكي كمان. أنا بس اللي مصدعة شوية واليوم كان مرهق ومضطرة أروح دلوقتي. معلش خلينا نكمل كلامنا بكرة."
ثم قبلتها مودعة وانصرفت بعد خلع معطفها الأبيض وأخذ حقيبة يدها.
بمجرد عبورها باب المشفى الخارجي، عادت إليها كل تلك الأفكار المرعبة التي تحاول تجاهلها منذ الصباح. حاولت طمأنة نفسها قليلاً، فكل ما عليها فعله هو تجاهله وعدم التواجد معه في نفس المكان قدر الإمكان، وبالطبع ألا يعرف شيئًا عن حياتها الخاصة، وخصوصًا صغيرتها.
كانت تعبر الشارع وهي غارقة في كل تلك الأفكار حين شعرت بيد قوية تسحبها وشخص تصطدم بصدره وصوت أبواق إحدى العربات يدوي من خلفها. نظرت برعب حولها قبل أن ترفع نظرها ترى من أمسك بها، فوجدته مراد ينظر إليها باهتمام ويسألها بصوت رقيق وهو خافضًا رأسه باتجاهها، قابضًا عليها بكلتا يديه يمنعها من التحرك:
"إنتي كويسة؟!"
قامت بدفعه بكلتا يديها تتحدث بقوة لم تعلم من أين أتت بها، تقول بحزم:
"ملكش دعوة، وبيتهيأ لي ما يهمكش في حاجة أكون كويسة ولا لأ. ابعد إيديك دي عني ومتفكرش تقرب مني ولا بأي شكل. وطول ما إنت بتتعامل معايا تحط بينك وبينى مسافة."
ثم أضافت بنبرة أكثر حدة:
"حتى لو إنت بقيت مدير عليا، ده مش هيفرق معايا وصدقني في أقرب فرصة هتخلص من الوضع ده!!!"
ثم تحركت بكبرياء مبتعدة عنه، توقفت إحدى سيارات الأجرة، وترمت نفسها بها دون النظر خلفها، لتتركه فارغًا. يقول بتحدٍ بعد استعادة وعيه:
"هنشوف يا أسيا، هتعرفي تتخلصي من الوضع ده إزاي!!!"
رواية عشقي الابدي الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء يوسف
قضت أسيا ما تبقى من رحلتها إلى المنزل وهي تتذكر لقاءهم الأخير. تنفض رأسها محاولة التخلص منه ليعود إلى ذاكرتها مرة أخرى. كانت تتلوى داخل مقعدها بألم وهي تتذكر كيف أمسك بها! كيف ظهر لها من العدم! والأسوأ كيف تغلغلت رائحته في كل حواسها لتشعرها بالخدر! كيف كان رأسها يصل إلى صدره لتشعر بحركة أنفاسه تحت رأسها! كل ما أرادت فعله تلك اللحظة هو الاستناد على صدره القوي لتستمد منه القوة دون التفكير بأي شيء آخر. نهرت نفسها بضيق تحاول التخلص من أفكارها نحوه، فكيف ما زالت تحبه بعد كل تلك السنوات؟ بعد كل ما فعله بها! بعد كل ما جعلها تمر به من ألم! لم تكن لتخدع نفسها، فهو كان يسكن ذاكرتها ومحفور داخل قلبها حتى في غيابه.
دخلت إلى المنزل تشعر بهم العالم يتجمع فوق أكتافها. أول شيء أرادت القيام به هو الاطمئنان على طفلتها الصغيرة. دخلت الغرفة فوجدتها نائمة بهدوء في حضن جدتها، فقامت بتقبيل كل منهما وخرجت بهدوء تغلق الباب خلفها. وصلت إلى غرفتها مقررة الاستحمام، لعل ذلك يهدئ من بعض توترها، فتوجهت إلى دولابها أولاً لتأخذ منه ملابس للنوم وتتجه إلى الحمام مباشرة. بعد بضع دقائق كانت قد خرجت منه تتجه إلى فراشها في محاولة منها للنوم، ولكن بمجرد أن وضعت جسدها عليه حتى تجمعت كل أحداث اليوم أمام عينيها، مما جعلها تنفجر باكية. أخذت تبكي بصوت مكتوم حتى لا توقظ والدتها، لتعود بالذاكرة ستة أعوام بالتحديد إلى ذلك اليوم الذي قلب حياتها وسعادتها رأساً على عقب.
استيقظت أسيا في ذلك اليوم تبتسم بسعادة كالبلهاء ورأسها يتوسط صدره، يحيطها بكلتا ذراعيه، رأسه مستند على رأسها باسترخاء. تشعر بأنفاسه المنتظمة عليها لتعلم أنه لم يفق بعد. تململت تحرك رأسها لتدفنها في ثنايا عنقه تستنشق رائحته التي أصبحت كالمخدر بالنسبة لها، تتلمس عنقه وتفاحة آدم تلك التي تصيبها بالجنون، ثم تتلمس برقة ذقنه النابت وهي تبتسم. كانت تتأمل ملامح وجهه الرائعة عندما ابتسم لها بكسل وهو يقول بصوت ناعس:
"صباح الخير."
ثم يقبلها برقة على مقدمة أنفها ويحك أنفه بأنفها، وهي تبتسم بخجل متمتمة:
"صباح النور. نمت كويس امبارح؟"
ليجيبها بتلك الابتسامة الساحرة:
"طب ده سؤال؟ حد يفضل نايم في حضن الملاك ده ومينامش كويس؟ طبعاً نمت، مع إني كنت أفضل حاجات تانية عن النوم."
وغمز لها بخبث، فدفنت رأسها في صدره بخجل متمتمة:
"مراد."
فدوت ضحكته عالية وهو يجيبها:
"أهو مراد ده هيجي يوم ويتجنن من كسوفك وجمالك ده."
رفعت رأسها إليه تتلمس وجنته برقة تقول متأثرة:
"متقولش كده بجد، بعد الشر عليك."
تنهد بعمق وهو ينظر إليها كأن عينيه تتحدث بما لا تستطيع كلماته التعبير عنه. وضع سبابته على طرف شفتيها يحركها بلطف، فتحركت مشاعرها معها، تنظر بوهن وعيون ناعسة وتبدأ شفتيها في الانفراج، لتدمر هذه الحركة كل دفاعاته وهو يقول بمرح:
"قلتلك قبل كده مية مرة بلاش النظرة دي، ما دام بصيتلي البصة دي متلوميش غير نفسك."
ثم يأخذها بين ذراعيه هو يلتف بها ليصبح فوقها ويبدأ تقبيلها بنهم، لتكون هذه فقط البداية لمشاعر تعلمها جيداً.
بعد فترة من الوقت لم يشعرا به، كان يتمطى بكسل وفخر، وهي تحثه على التحرك:
"يلا هتتأخر على الاجتماع بتاعك."
فأجابها بكسل:
"مش مشكلة، يقدروا يستنوا شوية."
مدت يديها تدفعه من فوق الفراش ليتحرك، فأستجاب لها بمرح وضحكته تدوي حتى اختفى داخل الحمام.
كانت أسيا في الطابق الأرضي تنتهي من وضع الفطور على طاولة المطبخ، حتى وجدته يهبط مرتدياً بذلة زرقاء وتحتها قميص أبيض وربطة عنق زرقاء حريرية، وشعره رطب من أثر الاستحمام. تجمدت من وسامته الطاغية، تتأمل ذلك الوسيم زوجها وحبيبها وهو يقترب منها بابتسامته المشعة، يحتضنها وهي ترتدي إحدى قمصانه معلقاً:
"امممم انتي بتغريني عشان متحركش من جنبك صح؟"
دوت ضحكتها وهي ترجع رأسها إلى الوراء بفرح، تجيبه بخبث:
"أنا مش فاهمة انت بتتكلم عن إيه."
رد عليها بنبرة تهديد لذيذة، ضاغطاً على كل حرف يخرج منه:
"متخلنيش دلوقتي أثبتلك أنا بتكلم على إيه وهنا كمان. وبالنسبة لضحكتك دي لو شفتك بتضحكيها لحد غيري مش هيحصل كويس."
شهقت بفزع وهي تضع يدها على فمها مجيبة:
"خلاص بهزر، ممكن بقى تفطر بسرعة عشان متتأخرش."
رفع يده ينظر إلى ساعة معصمه وهو يتمتم بعبوس:
"أنا فعلاً اتأخرت ولازم أتحرك دلوقتي، بس وعد إني مش هتأخر عليكي بليل عشان عندي شوية إثباتات محتاج أعرفها لك."
ثم قبلها سريعاً وتحرك إلى الخارج، وهي تبتسم من خلفه.
لم تكن أسيا تشعر أن معدتها بخير منذ الصباح، لذلك ألغت فكرة الفطور وقررت التحرك مباشرة إلى المشفى والانتهاء من بعض الملفات التي تخص رسالتها التمهيدية. في أثناء وجودها بالمشفى شعرت بذلك الدوار يعود إليها مرة أخرى، فقررت الذهاب إلى أحد المعامل الخاصة لإجراء ذلك التحليل الذي تؤجله منذ عدة أيام، والآن تشعر بضرورة القيام بتلك الخطوة. تحركت على الفور لا تريد فقدان الوقت. ذهبت إلى أقرب مركز لها، فبالطبع لم تكن لتقوم به في مكان عملها للحفاظ على خصوصيتها. قامت بعمل الفحص، ولضيق وقتها لم تستطع الانتظار لظهور النتيجة، فاتفقت مع الأخصائية، ولحسن حظها أنها كانت على معرفة بها، أن تبلغها بالنتيجة هاتفياً.
عادت إلى المنزل تبتسم بفرح، فهي تعلم النتيجة مسبقاً، ولكنها تريد التأكد لإخبار مراد بهذا الحدث السعيد. كانت تفكر برد فعله وهي تبتسم كالبلهاء، فهي تعلم كم سيسعده مثل هذا الخبر. قررت عمل عشاء رومانسي على ضوء الشموع وانتظار مراد لتفاجئه بهذا الخبر بعد الحصول على النتيجة النهائية.
كانت تنتظره وهي ترتدي إحدى فساتينها المفضلة له ولها بالطبع، فهو هدية منه. تنظر إلى ذلك المنزل الفخم، منزلها السعيد الذي قررت أن يكون مملكتها بدون تدخل أو مساعدة من إحدى الخادمات. سمعت صوت سيارته في الخارج فتحركت مسرعة لاستقباله بابتسامتها المعتادة وهي تحتضنه، فأنتفض من لمستها! نظرت إليه لتجده مشعث الشعر، ربطة عنقه مرخية بعشوائية، والزر الأول من قميصه مفقود. سألته بقلق وهي تتفحص ملامح وجهه:
"مراد مالك؟ في حاجة حصلت؟"
لم تتلقى أي إجابة على سؤالها هذا، فأعادت السؤال مرة أخرى برعب، ولكن وجهه ما زال على جموده. تحدث بنبرة خالية:
"أسيا لو سمحتي تعالي نتكلم شوية."
كان قلبها ينبض بعنف وقلق وأعصابها تتداعى، تفكر في كل الاحتمالات السيئة معاً. جلست أمامه بهدوء، ولكنه لم يتحدث. نظرت إليه بقلق لتلاحظ أن وجهه يعكس صراع مشاعره. تحرك فجأة للوقوف يضع يديه في جيبه بتوتر يقول لها باختصار وبدون أي مقدمات:
"أنا عايز انفصل."
كان رد فعلها الأول هو الضحك بسخرية:
"مفهمتش يعني إيه؟!"
ليعاود كلامه هذه المرة بحزم ونبرة مستاءة:
"عايز انفصل! يعني عايز نطلق! أنا بصراحة زهقت من الحياة دي واكتشفت أنها رتيبة ومملة، فعايز نطلق."
شعرت بمعالمها تنهار من حولها وإقدامها لم تعد تقوى على حملها، فارتمت على المقعد مرة أخرى تبكي وتبكي وتبكي، وهو يقف أمامها جامداً بلا حراك. لم تعلم كم مضى من الوقت قبل أن تجد صوتها وتشعر أنها قادرة على تحريك أطرافها. تحدثت بما وجدته من صوتها ليخرج ضعيفاً، متقطعاً:
"لو انت عايز تنفصل معنديش مشكلة، بس على الأقل احترم ذكائي وقولي سبب مقنع."
نظرته كانت خالية من أي مشاعر وهو يتحدث باقتضاب:
"هكون صريح معاكي، كان في واحدة أعرفها قبلك بسنين وانفصلنا وافتكرت إن خلاص نسيتها لحد ما قابلتها تاني من يومين واكتشفت إن مشاعري ناحيتك كانت وهم وإنها هتفضل هي الحقيقة الثابتة في حياتي، فمكناش ينفع أكمل معاكي وأنا قلبي في مكان تاني."
ثم نظر إليها بأسف مضيفاً:
"أنا آسف إني بقولك كده، بس إنتي طلبتي الحقيقة. وطبعاً كل حقوقك هتتحط في اسمك بالبنك والبيت ده اعتبريه هدية مني أو تعويض للي حصل."
ثم خرج بهدوء دون الالتفات إليها، ليتركها مصدومة جامدة تشعر كما لو أنها في كابوس ولكن لا تستطيع الإفاقة منه. رن هاتفها الخلوي فأجابت بهدوء لتسمع الطرف الآخر يتحدث:
"مدام أسيا: مبروك حضرتك حامل من شهر تقريباً..."
رواية عشقي الابدي الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء يوسف
لم تعلم متى غفت وسط ذكرياتها حتى شعرت بجسد صغير يتحرك فوقها يهزها برفق:
"مامي يلا قومي بقينا الصبح."
ثم مالت تقبلها على وجنتها بشعرها البنى الرائع وجسدها الصغير لتقابل أسيا ذلك الفعل بابتسامة مشرقة.
أضافت أسو بحماس:
"عارفة يا مامي عملنا ايه امبارح أنا ونانا؟!"
أجابتها أسيا بنفس النبرة المتحمسة:
"عملتوا إيه احكيلي؟!"
أسو:
"دخلنا المطبخ وعملنا فطاير كتير سوا، ونينا خلتني أنا أفرد معاها العجين كده."
وأشارت بيدها تمثل لها الحركات مرة أخرى ببراءة لتنفجر أسيا في الضحك من هذا الوصف وتتحرك تحملها فوق أكتافها وهي تقول بمرح:
"طب يلا نروح نصحى نينا ونعمل الفطار سوا عشان منتأخرش."
كانت والدة أسيا السيدة جميلة تعيش على مقربة منها مع زوجها السيد كمال. تمتلك متجرها الخاص بالمخبوزات فقد كانت بارعة فيها حقاً. أما عن ملامحها فكانت لا تختلف كثيراً عن ملامح ابنتها التي ورثت عنها معظم صفاتها الجمالية شكلاً وموضوعاً. كان الفارق الوحيد بينهما هو تقدم والدتها في السن وبالتالي امتلاء جسدها قليلاً مع بعض التجاعيد. أما عن زوجها السيد كمال فقد كان لواء متقاعد مثال للخلق الطيب والتفاهم. وكم أصر هو وزوجته على أسيا بالعيش معهما بعد انفصالها عن مراد، ولكنها رفضت في كل مرة هذا العرض مصّرة على الاستقلال مع ابنتها في بيت خاص بها.
كانوا يتناولون الإفطار جميعاً عندما فاجأت أسو والدتها وجدتها بسؤالها:
"مامي صحابي في الحضانة بيسألوني هو ليه أنا وأنتي عندنا نفس الاسم؟ ليه أنا كمان اسمي أسيا زيك؟!"
نظرت أسيا إلى والدتها قبل أن تجيب على سؤال ابنتها الصغرى وهي تبتسم بحب شديد:
"عشان إنتي لما اتولدتي أنا نمت فترة كبيرة والدكاترة قالت لنينا إني ممكن أفضل نايمة كده على طول ومأصحش تاني. فهي قررت تسميكي أسيا عشان لو أنا مصحيتش تاني إنتي تكوني معاها باسمي. فهمتي؟"
هزت أسيا الصغيرة رأسها بالموافقة فأمسكت أسيا يديها الصغيرتين تقبلهما بحنان:
"دلوقتي ممكن تطلعي تحضري حاجتك ولبسك وأنا هاجي وراكي على طول."
أطاعتها الطفلة على الفور وقبل الصعود طبعت قبلة صغيرة على وجنتها ثم ركضت إلى الطابق العلوي. انتظرت أسيا حتى تأكدت من صعود ابنتها واستدارت تقول لوالدتها بجدية حقيقية:
"مراد هنا والأهم من أنه هنا أنه بقى مالك المستشفى الجديد اللي حكيتلك عنه."
شهقت والدتها برعب وهي تضع يديها حول فمها قبل أن تتحدث بنبرة قلقة:
"طب وبعدين هنعمل إيه دلوقتي؟!"
أجابتها أسيا بحزم:
"أهم حاجة إنه ميعرفش حاجة عن وجود أسيا. لا يعرف مكان البيت ولا أي معلومة تخص حياتي. وكده كده هي مكتوبة على اسمي واسم بابا ده غير إننا كتبنا ميلادها بتاريخ بعيد عن أي حسابات ممكن تشككه فمش هيشك في حاجة أبداً. وأنا هبدأ من النهاردة أقدم في مستشفيات تانية وأكيد هلاقي مكان حتى لو بوضع أو مرتب أقل!"
ردت والدتها بقلق:
"وإنتي فكراكي إن ده هيكون كفاية؟ هيكون معاكي في نفس المدينة ومش هيعرف حاجة عن بنته؟! والأهم ينفع تفضلي حارمة بنتك من باباها اللي بتسأل عليه كل يوم تقريباً؟ وليه كل الولاد زملاها عندهم أب وهي لأ؟ إنتي شايفة إن تصرفك ده صح بحرمانها منه؟!"
أجابتها أسيا بعصبية:
"آمال عايزاني أعمل إيه؟ أروح أقوله بنتك اللي أنت رميتني ورميتها من قبل ما تعرف عنها حاجة بتسأل عنك كل يوم تعالي يلا مارس أبوة هي مستنياك!!! ولا أقوله أنا آسفة إني معرفتش أملي عينك وقلبك فمن فضلك تعالى خدني أنا وبنتك نعيش معاك!!!! تلاقيه اتجوز دلوقتي من اللي بيحبها وعنده ولاد ومش محتاج لأسيا. وبالنسبة لبنتي هتفضل فاهمة إن باباها مسافر في مكان بعيد لحد ما تكبر وتفهم وأقدر أشرحلها الحقيقة كلها وساعتها تقرر بنفسها حاباه يكون فين من حياتها. ولغاية ما اليوم ده يجي أسيا بنتي أنا. أنا وبس."
هزت والدتها رأسها بأسف فهي تعلم أن يوم لقائه بحفيدتها قريب وأن مراد سويدي إذا علم بالحقيقة فأن الله وحده من يستطيع إيقافه.
رواية عشقي الابدي الفصل السادس 6 - بقلم شيماء يوسف
رواية عشقي الابدي الفصل السابع 7 - بقلم شيماء يوسف
مر الوقت سريعا وقاربت الساعة على الواحدة ظهرا. انشغلت أسيا خلاله بتفقد بعض المرضى ثم الصعود إلى مكتبها لترتيب أوراق القسم قبل ذلك الاجتماع المزعوم.
طرق باب مكتبها فأجابت بانشغال:
"ادخل."
عائشة: أسيا لو سمحتي كنت عايزة أسألك على البيانات الناقصة في ملف الطفل محمد اللي لسه داخل من يومين على عهدتك. كنتي قلتي لنرمين إن المعلومات الناقصة هتدوري عليها بنفسك وتتأكدي من صحتها قبل ما ندخله تحت بند (الحالات الغير مقتدرة)...
نبه كلام عائشة أسيا فانتفضت من مقعدها تحدث نفسها:
"أيوه صح شئون العاملين، بياناتي كلها هناك، لازم أحذرها."
وخرجت تركض مسرعة دون الانتباه لاستغراب عائشة من تصرفها.
كان مراد يجلس خلف مكتبه يتحدث عبر الهاتف عندما طرق الباب ثم دخل مساعده أنور يتحدث:
"الملف اللي حضرتك طلبته مني جاهز خلاص تحب تشوفه دلوقتي؟"
أشار إليه مراد بالجلوس وهو لا يزال يتحدث إلى الطرف الآخر عبر الهاتف بتركيز تام:
"تمام جداً، لا كده كفاية، زي ما اتفقنا، يهمني إني أعرف لو فيه أي مستشفى تاني قدمت فيه. الرفض من غير أسباب يكفي، آه وده ينطبق على أي مستشفى بره المدينة كمان، تمام، أنا واثق فيك."
ثم أغلق الهاتف وابتسم برضا قبل أن يحدث أنور:
"تمام يا أنور تقدر تسيبه هنا وأنا هبص عليه."
فوضعه أنور على طاولة المكتب واستأذنه للخروج.
انتظر مراد حتى خروج أنور ليقوم بفتح الملف الذي أمامه ينظر إليه باهتمام. عبس وجهه واسودت عيناه وهو يغلقه بعنف ثم قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصلها يحدث نفسه بنبرة يسودها الغضب:
"يعني بقى عندك بنت والأهم إنك حملتي بيها بعد انفصالنا بـ 3 شهور بس!!!"
"ينفع أدخل؟؟؟"
رفعت نيرمين مديرة شئون العاملين رأسها لترى أسيا هي من تتحدث فأبتسمت لها بود تقول بنبرة سعيدة:
"ولو مينفعش ينفع عشانك طبعاً، مع إني عارفة إنك مش بتزوريني غير عشان الشغل وأكيد الزيارة دي كمان لكده."
ابتسمت أسيا تجيب بخجل:
"عندك حق والحق المرة دي عليا كمان، بس أنا عندي طلب واستفسار لو مش هتزعجك."
نيرمين باهتمام:
"لا طبعاً ياريت تزعجيني كل يوم، اتفضلي أنا تحت أمرك."
أسيا: "دلوقتي طبعاً أنا كل بياناتي موجودة هنا وبتتحدث كمان أول بأول صح؟"
نيرمين: "صح."
أسيا: "طب هو من حق أي حد يشوفها أو يطلع عليها؟"
نيرمين باستغراب: "قصدك حد زي مين؟"
أسيا: "أي حد مثلاً رئيس قسم أو رئيس الأطباء أو رئيس مجلس الإدارة."
نيرمين: "لا بس بيتهيأ لي رئيس مجلس الإدارة بس أو المالك هو اللي يقدر يطلع على البيانات دي."
أسيا: "طب عندي منك رجاء، ينفع لو حد طلب منك بياناتي أو إنه يعرف فيها إيه تبلغيني الأول قبل أي خطوة؟"
نيرمين بقلق: "فيه إيه يا أسيا قلقتيني؟!"
أسيا كاذبة: "لا أبداً مفيش بس فيه حد بيحاول يفرض نفسه عليا وبيحاول يعرف أي معلومة عني زي عنوان بيتي أو تفاصيل شخصية عني يتقرب بيها مني وأنا مش حابة أطلع أي معلومة لحد، فمن فضلك لو أي حاجة زي دي حصلت ممكن تبلغيني الأول."
نيرمين بتفهم: "حاضر متقلقيش مفيش أي معلومة هتطلع تخصك لأي حد إلا بعد الرجوع ليكي وهنبه على كل الموظفين بده كمان لو أنا مش موجودة."
قامت أسيا تحتضنها بود كبير:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي على مساعدتك وتفهمك ده."
نيرمين بصدق: "مهما عملت استحالة أوفيكي حقك، انتي نسيتي إنك كنتي السبب في علاج ابن أختي الوحيد."
أسيا وهي تحتضن يد نيرمين: "متقوليش كده، كل دي أسباب ربنا." ثم نظرت إلى ساعتها لتجدها الواحدة إلا ثلاث دقائق فانتفضت بقلق:
"نيرمين أنا آسفة بس عندنا اجتماع دلوقتي ولازم أتحرك."
ثم ركضت مسرعة تتجه إلى غرفتها تأخذ بعض الملفات قبل دخول غرفة الاجتماعات.
كانت الساعة الواحدة ودقيقة عندما وصلت أسيا إلى غرفة الاجتماعات. وقفت أمامها ترتب من ملابسها وشعرها قليلاً. ثم أخذت نفس عميق يهدئ من توترها قبل أن تطرق الباب وتدلف بداخلها. وجدت الجميع متواجد وعلى رأسهم مراد بهيئته المستبدة ولكن يبدو عليه الانزعاج. فكرت بيأس وهي تجلس في المقعد الوحيد الشاغر بجوار طارق: "ما الذي يزعجه؟ هل بسبب تأخرها؟ أو ربما ندم على ذلك التقارب الذي حدث بينهما صباحاً؟!" هزت رأسها محاولة نفض تلك الأفكار فربما لديه مشاكل أخرى ليس لها دخل بها. ابتسم إليها طارق بود وهو يضع يده على ذراعها ويضغط عليه مشجعاً. فهو أكثر شخص يستطيع تفهمها وخصوصاً في توترها فتبادلت معه ابتسامته بابتسامة واسعة. رفعت نظرها لتجد مراد ينظر إليها بغضب فزفرت بحنق. إنها تعرفه وتعرفه جيداً. لتعلم أن تلك النظرة الغاضبة كانت لها لسبب ما ولكن ما هو فهي لا تعلمه!!! بدأ الاجتماع طويلاً لا ينتهي وهم يتناقشون في كثير من الأمور الإدارية وتفاصيل أخرى كنظم للتحديث وغيرها. شعرت بألم في عنقها فرفعت يدها تمسده قليلاً. لتراه ينظر إليها بنظرة لم تفهم معناها ثم تتحول لغضب مرة أخرى!! يا إلهي لو فقط ينتهي هذا الاجتماع حتى تستطيع الهروب بعيداً عن تلك النظرات!!! نظرت إلى ساعة يدها لتجدها السابعة مساءً. مرت 6 ساعات وهي في ذلك المقعد اللعين تحت نظراته الفولاذية تلك. والأسوأ أنها لا تستطيع التحرك. تنهدت بتعب قبل أن يدوي صوته في الغرفة يتحدث بعمق:
"أظن أنكم تعبتم اليوم فكفاية لحد كده وممكن نكمل يوم تاني."
كانت أسيا أول من تحرك من مقعدها فرحة بالتخلص من نظراته القاسية ولكن أوقفها صوته الرجولي يقول:
"دكتورة أسيا، لو سمحتي ممكن الملفات دي تجيبهالي على مكتبي نتناقش فيها شوية؟"
كانت توشك على البكاء من اليأس والتعب ولكنها التفت تجيبه بابتسامة متصنعة يعرفها جيداً:
"آه أوك تمام ربع ساعة وتكون على مكتبك."
والتفتت مرة أخرى للخروج دون النظر خلفها لتتركه في غضبه.
كانت تتلكأ وهي تصعد الدرج تتجه إلى غرفته محدثة نفسها داخلياً بتشجيع:
"تمام، تدخلي بكل ثقة، انسى اللي حصل الصبح معاه، انتي عارفة إنه مضايق بس متخليش ده يأثر عليكي بأي شكل، اتعاملي بمهنية واتكلمي بس في الشغل واطلعي بسرعة، والأهم تحافظي على مسافة بينك وبينه وكده كده الوضع ده مش هيطول وممكن المستشفى اللي قدمتي فيها النهارده تكلمك بسرعة."
وصلت إلى باب غرفته أغمضت عينيها أخذت نفس عميق ثم أخرجته ببطء وطرقت على الباب لتسمع الإجابة من الطرف الآخر "اتفضل."
فتحت الباب ودقات قلبها تتسارع. دخلت إلى الغرفة فوجدته ينظر إلى أحد الملفات وقد خلع جاكيته وأرخى ربطة عنقه وحرر الزر الأول من قميصه ليكشف عن عنقه الأسمر وأكمام القميص مطوية بعناية لتكشف عن ذراع أسمر قوي. رفع رأسه ينظر إليها بعبوس وهو يرتدي نظارة طبية جعلت قلبها يتوقف تماماً عن العمل من وسامته. لوت فمها بإحباط فليس من العدل أن يكون وسيم بهذا القدر وهو فقط يرتدي نظارة طبية ويعمل. نهرت نفسها وتذكرت ما حدثت به نفسها قبل قليل "ركزي على الشغل."
عادت إلى الواقع فوجدته ما زال ينظر إليها رافعاً إحدى حاجبيه يقول بنفاذ صبر:
"اتفضلي!!"
أسيا بعصبية: "اتفضل إيه؟ مش حضرتك طلبت مني أسلمك الملفات اللي معايا نتناقش فيها؟ اتفضل إيه بالظبط؟"
مراد باستغراب: "تمام، مانا بقولك اتفضلي حطيها على المكتب واقعدي عشان نتكلم."
تنحنت أسيا وهي تشعر بالخجل ثم جلست في المقعد المقابل له بحذر.
مراد: "ممكن اختصاراً للوقت تقوليلي فيها إيه وأنا هبقى آخدها معايا البيت أراجعها على مهلي بدل ما أعطلك، أنا عارف إن مناوبتك قربت تنتهي وأكيد عايزة تروحي."
ردت أسيا بغضب غير مبرر: "لا أنا النهاردة يوم النبطشية الليلية بتاعتي ومناوبتي تخلص بكرة الصبح."
ثم لوت فمها وهي تكمل حديثها:
"بس لو حضرتك مستعجل وعايز تروح للمدام أو حاجة ممكن أوفر عليك كل ده وأسجلهالك voice note وتبقى تسمعها في البيت كمان وتراجعها هناك."
التوى فمه بنصف ابتسامة وهو يتحرك من مقعده ليجلس في المقعد المقابل لها وهو يتحدث بمرح:
"لا أنا معنديش مدام عشان تضايق إني بشتغل في البيت فمتخافيش من النقطة دي خالص."
نهرت أسيا نفسها على ذلك التصرف الغبي منها ما شأنها إذا كان لديه زوجة أو لم يكن!!!
أجابته بعصبية بسبب ضعفها:
"بيتهيألي ميهمنيش ولا يخصني إني أعرف حاجة عن حياتك الشخصية أنا قلت كده بس في سياق الكلام مش أكتر ولا أقل ولو هنتكلم في أمور شخصية يبقى اسمحلي أستأذن."
شعرت بالغضب يزحف مرة أخرى إلى عينيه ففكرت في أسهل وسيلة للتخلص من ذلك الغضب وهو الهروب!! نهضت من مقعدها فجأة تتحدث بنبرة مفتعلة:
"أنا شايفة إن أحسن طريقة لمناقشتهم إني أسجلها كملاحظات زي ما اقترحت وانت تبقى تسمعهم على مهلك، عن إذنك."
همت بالخروج ولكنه تحرك مسرعاً يقف أمامها يسد عليها الطريق فأصبحت محاصرة بينه وبين الطاولة الصغيرة وهو أمامها مباشرة دون أي مخرج للهروب. تحرك قريباً منها حتى شعرت بأنفاسه الحادة عليها وهو يتحدث بنبرة تملؤها الغضب:
"بيتهيألي أنا مخلصتش كلامي ولا سمحتلك تخرجي عشان تعملي كده من نفسك!! أحب أفكرك بحاجة لو نسيتيها، أنا هنا مديرك، يعني إحنا قاعدين دلوقتي نتكلم في شغل، مش بنلعب مع بعض قط وفأر!! لو معندكيش المهنية اللي تخليكي تفرقي بين علاقاتك بره الشغل وجواها يبقى محتاج أراجع قرار رئاستك لقسم كامل من تاني!!"
شهقت من طريقة كلامه الجارحة وفتحت فمها لتجيبه والشرر يتطاير من عينيها ولكن أوقفتها طرقات الباب فأجاب وهو على نفس وضعيته:
"ادخل."
دخلت إحدى الممرضات متوترة موجهة حديثها لآسيا بقلق:
"دكتورة أسيا، فيه والد طفل مريض في غرفة 303 عامل مشكلة كبيرة مع الطاقم تحت ومحتاجينك فوراً."
تحرك من مكانه ليسمح لها بالمرور أما هي فخرجت مسرعة تركض إلى الطابق السفلي الذي تتواجد به الغرفة غافلة عن ذلك الذي لحق بها دون أن تشعر.
رواية عشقي الابدي الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء يوسف
بمجرد وصول آسيا إلى الطابق الثاني، سمعت صوت صراخ والد الطفل يملأ الطابق والممرات. أسرعت في خطوتها أكثر حتى وصلت إلى باب الغرفة، وجدته مفتوحًا. وداخل الغرفة اثنتان من الممرضات، ودكتورة مقيمة، ووالدة الطفل المريض، وبالطبع الطفل ممدد على سريره.
كان أول رد فعل صدر من آسيا هو أنها طلبت من والد الطفل الخروج من الغرفة:
"لو سمحت مبدئيًا، ممكن نطلع من الأوضة نتكلم بره وبهدوء، لأن الأسلوب ده هيأثر أول حاجة على نفسية طفلك، وده أكيد مش في مصلحته."
نظر الوالد إلى زوجته التي أومأت له برأسها موافقة. فتحرك معها على مضض، ولكنه بقى على حالته الانفعالية.
آسيا:
"دلوقتي نقدر نتكلم مع بعض بهدوء، ومتنساش حضرتك إننا في مستشفى، فممكن أعرف إيه المشكلة؟ وبكرر طلبي تاني بهدوء، لأن العنبر هنا كله أطفال، ومش حاجة كويسة أبدًا إنهم يسمعوا زنق حضرتك بالمنظر ده."
لصدمتها، والد الطفل أجابها بنبرة أعلى مما كان يتحدث بها وبأسلوب أكثر همجية:
"دلوقتي الهانم دي (وأشار بيده إلى إحدى الممرضات التي بجوارها) شايفة ابني عمال يتوجع ومش هاين عليها تديله مسكن ولا أي حاجة تريحه بيها! عايزاني أعمل إيه؟ أطبطب عليها؟ ولما بترد عليا بتقول لي: أنا أديته جرعته ومقدرش أزود عن كده! أسيبه يموت قدام عيني عشان ترتاح هي وجرعتها؟"
سارعت الممرضة بالتبرير لها:
"دكتورة، أنا عطيته جرعتين مسكن في أقل من ساعة، غير مضاد حيوي 500 مجم، مقدرش أديله أي مضاد تاني قبل 8 ساعات. لو عطيته أي حاجة زيادة عن كده مش كويس عليه أبدًا."
هزت آسيا رأسها بتفهم للممرضة، وعادت مرة أخرى للتحدث لوالد الطفل الذي صدمها من طريقته في التعامل. فأخذت نفسًا عميقًا محاولة الحفاظ على هدوئها، قبل أن تتحدث بنبرة صوتها الهادئة:
"أولًا، للمرة التالتة بطلب من حضرتك توطي صوتك، لأننا في مستشفى والزنق ده مينفعش وحوالينا مرضى. ثانيًا، أنا مش هسمح لحضرتك إنك تتعامل مع أي حد من الطاقم بتاعي بالأسلوب ده أو إنك تشاور عليهم بالطريقة دي. تالت حاجة بقى وده الأهم، إن ابن حضرتك زي ما شرحتلك مينفعش نديله أي جرعة زيادة عن اللي أخدها. أنا مقدرة إنك مضايق لألمه ده، وصدقني كلنا هنا عندنا نفس الإحساس، بس لو حضرتك صبرت ربع ساعة كمان هتلاقي الألم ده بيقل. هو ده تكنيك الدوا بتاعه للأسف. وأنا بطلب من حضرتك تتفضل معايا فوق في المكتب نتكلم شوية وأشرحلك تفاصيل أكتر عن أسلوب العلاج الخاصة بيه عشان تتفهم حالته."
ثم مدت ذراعها تحثه على التقدم، لتتفاجأ به يلوح لها بعصبية ويتحدث بنبرة تصم الآذان:
"أنا مش رايح معاكي في حتة، وبعدين إنتي مين أصلًا عشان تكلميني؟ أنا عايز المدير هنا."
فتحت آسيا فمها للتحدث، ولكنه أوقفها بذراع قوية تمتد أمامها كموضع حماية. حركها مراد بيده لتقف خلفه، ثم تحرك ليقف أمامها بجسده الطويل. كانت كل عضلة من عضلات جسده منتفضة. تقدم ليقف أمام والد الطفل يتحدث والغضب واضح في نبرته وهو يضغط على كل حرف يخرج منه:
"إنت عايز المدير؟ اتفضل أنا مدير المستشفى، بس أولًا، زي ما الدكتورة طلبت منك صوتك ده يوطى، إنت مش بتتكلم مع ناس مبتسمعش! إحنا هنا في مستشفى محترم مش قاعدين في الشارع! تاني حاجة، الدكتورة آسيا هي رئيسة القسم هنا، يعني هي المسؤولة الأولى عن أي حاجة تخص القسم بكل محتوياته. وأعتقد إنها شرحتلك الوضع وإن مفيش في إيديهم حاجة يعملوها تاني! أما تالتًا ورابعًا وخامسًا وعاشرًا، فأياك ثم إياك تفكر تتعامل معاها بالأسلوب ده تاني، أو طول فترة إقامتكم هنا إيديك تتحرك بحركة زي اللي حصلت من شوية دي وانت بتتكلم معاها."
ثم تحرك خطوة أخرى إلى الأمام جعلت والد الطفل يتراجع في حركة تلقائية منه. ثم أضاف بنفس النبرة الحاسمة:
"احمد ربنا إن مريضك اللي هنا هو طفل صغير، لأن ده السبب الوحيد اللي بيمنعني إني أرميك بره دلوقتي حالًا."
أنهى مراد حديثه واستدار مبتعدًا عنه، ثم عاد بعد تحركه ليضيف وهو يتقدم منه مرة أخرى:
"آه، وحاجة أخيرة، هستنى أسمع إنك اعتذرت لها عن أسلوبك معاها هي والممرضة."
ثم تحرك مبتعدًا عنهم دون الالتفات وراءه. كانت آسيا تراقب كل ذلك بفم مفتوح من الصدمة والفرح معًا، وهي تشاهد والد الطفل ينسحب إلى غرفة طفله، لتتحرك هي الأخرى والسعادة تملأ عينيها.
كانت تتحرك والابتسامة البلهاء مازالت على وجهها من أثر تصرفه مع والد الطفل. كانت الساعة تقارب العاشرة مساءً عندما انتهت من فحص جميع الغرف ما عدا غرفة 303. كانت قررت نسيان كل ما حدث من أجل الطفل الصغير، ففي النهاية كان الأب في وضع لا يحسد عليه وهو يرى صغيره يتألم أمامه. دخلت الغرفة تبتسم لذلك الصغير الساكن من شدة تعبه، تربت على يده وتقبل جبينه قبل البدء بفحصه. جلست ما يقارب الربع ساعة تمزح معه وتحاول التخفيف عنه قليلاً. ثم ابتسمت مطمئنة لوالدته واتجهت للخارج، لتتفاجأ بوالد الطفل يظهر أمامها من العدم، يبدو متوترًا. تحدث على عجل محاولاً إيجاد صوته:
"دكتورة، أنا آسف إني اتعاملت كده من شوية. أنا عارف إن أسلوبي كان غلط، بس أتمنى تعذريني وتقدري موقفي."
ابتسمت له آسيا مطمئنة وهي تربت على كتفه وتقول بعاطفة حقيقية:
"حصل خير، مفيش حاجة وربنا يطمنك عليه. انسى الموقف كله."
ثم انسحبت من أمامه بهدوء.
بدأ الهدوء يعم المشفى مع بداية دخول منتصف الليل، وبالطبع هناك شيء واحد كان يشغل بالها. كانت في مكتبها وقد انتهت تقريبًا من كل أعمالها الإدارية إلى جانب جولتها المسائية، فتململت في مقعدها بضيق تتساءل بفضول: هل ما زال بالمشفى أم لا؟ لقد كانت إجابته واضحة، إذاً، فهو ليس لديه زوجة. إذاً ماذا حدث لتلك الفتاة التي تركها من أجلها؟ أتركها أم أنها ما زالت معه؟ لماذا لم يتزوجها؟ أم أنها عشيقته؟ لا، إنه يعرفه جيدًا، فهذا ليس طبعه. إذا ما الذي حدث لها وأين هي؟ فتحت عينيها بصدمة وهي تفكر: أيعقل أنها تركته من أجل رجل آخر؟ لا، فمراد لا يقارن بأحد، وخصوصًا إذا أحب. تأففت وهي تأنب نفسها بصوت مرتفع:
"يسيبها، أول شيء ميخصكيش، خليكي في حالك وفي بنتك."
ثم تحركت من مقعدها وقررت الهبوط إلى الطابق الأرضي، لعلها تجد ما يشغل أفكارها عنه.
كان الهدوء يعم الطابق الأرضي أيضًا، فقررت التحرك إلى الحديقة بجوها المنعش، لعل مشاعرها تهدأ قليلاً. وبالطبع إذا حدث شيء مهم فيمكنهم استدعائها من خلال الجهاز. كانت تتمشى ببطء غارقة في أفكارها، حتى لمحته يتجه إلى الخارج متجهاً إلى سيارته. فركضت خلفه مسرعة تهتف باسمه:
"مراد، مراد."
توقف مراد على الفور بمجرد سماعه صوتها واستدار ينظر إليها، ليجدها تبتسم بسعادة عارمة وبدأت تتحدث على الفور باندفاع:
"اعتذر لي على فكرة، وأنا طالعة من الأوضة لقيته جاي بيعتذر لي على اللي عمله معايا من شوية."
نظر إليها مطولاً وهي تتحدث بسعادة وحماس كطفلة صغيرة. كان يفكر بيأس أنها تمتلك أجمل ابتسامة رآها يومًا. إنها تقف أمامه الآن تبتسم بتلك الطريقة الرائعة والعفوية، ولا تدري كم هي مدمرة تلك الابتسامة لدفاعاته. وجد نفسه يبتسم بالمقابل أمام سعادتها الواضحة.
مراد بابتسامة واضحة:
"طب دي حاجة كويسة، مبسوط إنك اتبسطتي باعتذاره."
خفضت رأسها قليلاً بخجل وهي تقول:
"بس إنت السبب، لولا اللي إنت عملته مكنش هيعتذر. وكمان أنا كنت حابة أشكرك إنك وقفت معانا النهارده من قبل ما تعرف المشكلة فين."
هز مراد كتفيه بعدم اهتمام وهو يتذكر ارتمائها بأحضان رجل آخر:
"أنا معملتش حاجة مهمة، بيتهيأ لي ده واجبي كمدير، ولو كان الموقف ده حصل مع أي حد من الموظفين كان هيبقى ده موقفي برضه."
اختفت ابتسامتها من وجهها وبدت خيبة الأمل تظهر واضحة على تعابيرها. ابتسمت بخفوت ونبرة صوتها خرجت ضعيفة:
"احم، فهمت، بس في كل الأحوال شكرًا ليك بصفتك مدير على تصرفك الإيجابي معانا. عن إذنك."
ثم استدارت عائدة إلى الداخل دون انتظار. سارت وهي تنهر نفسها والدموع بدأت تتجمع داخل مقلتيها:
"غبية، إنتي افتكرتي إيه؟ عشان موقف إداري منه إنك بقيتي مهمة عنده؟ بطلي تعشمي نفسك بحاجة مش موجودة غير في خيالك وبس."
ثم اختفت داخل المشفى تحاول السيطرة على دموعها، فـأمامها ليلة طويلة تعلم أن أفكارها لن تتركها تمر عليها بسلام.
دخل مراد منزله الجديد وهو عبارة عن شقة سكنية في أفخم مباني وسط المدينة. كان يقع في الطابق الثالث والعشرين، يرى المدينة بأكملها أسفله عندما ينظر من نافذته الكبيرة. أما عن الشقة فكانت مؤثثة على أحدث طراز لتشعر ساكنها بالراحة والفخامة معًا. قرر الاستحمام أولاً، فاتجه إلى الحمام ثم خرج بعد دقائق قليلة وهو يرتدي تي شيرت أسود وبنطال رياضي مريح من نفس اللون. رمى بجسده على الأريكة الكبيرة التي تتوسط غرفة المعيشة. فتح ملفها مرة أخرى يتفحصه وهو ينظر بعبوس. لم تستخدم المنزل الكبير الذي تركه لها!!! ولكنها فضلت عليه ذلك البيت الصغير في الحي المتواضع بجوار منزل والدتها!!! حسابها البنكي الذي أنشأه لها أيضًا لم تستخدمه على الإطلاق!! كل تلك الملايين التي وضعها تحت تصرفها لم تلمس منها قرشًا واحدًا. أما أسوأ ما في الأمر هو أنها ارتمت في أحضان رجل آخر بعد طلاقهم بثلاثة أشهر!! فقط ثلاثة أشهر!! بينما كان قلبه يتمزق من الألم والقلق عليها كانت هي تخطته تمامًا وعاشت مع رجل آخر ما كان يعيشه هو معها. زفر بألم وهو يعود بذاكرته إلى ذلك اليوم الذي ظنوا فيه أنها حامل وكيف كانا سعيدان بأحلامهم وتخيلاتهم عن طفلهم المنتظر. كانت تمازحه بسعادة: "أنا عايزة بنت على فكرة، اممم لا أنا عايزة ولد يكون شبهك في كل حاجة، شكلك وشخصيتك وتفاصيلك كل حاجة. بس أنا برضه نفسي في بنت عشان البنات حنينة وبصراحة عايزة أعمل أنا وهي عصابة عليك، بص أنا قررت خلاص أنا عايز ولد وبنت سوا." ليبادلهما هو ابتسامتها وسعادتها مجيبًا بحب وهو يحتضنها: "لا أنا عايز بنت ويكون ليها نفس عيونك ونظرتك والأهم إني عايز أسميها آسيا على اسمك، عشان كل ما أشوفها افتكرك وكل ما أنادي عليها افتكرك. وتبقى الوحيدة اللي دخلت قلبي من بعدك هي (آسيا) قطعة منك."
عاد إلى حاضره يفكر بسخرية: لقد فعلت ما طلبه منها ولكن مع تغيير واحد فقط هو أن الطفلة ليست ابنته إنما ابنة رجل آخر. أغلق الملف واتجه إلى غرفة نومه محاولاً النوم ولكنه كان بعيدًا كل البعد عنه. فأخذ يتأفف وهو يتحرك في مخدعه حتى الصباح.
رواية عشقي الابدي الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء يوسف
نظرت أسيا إلى ساعتها لتجدها قاربت على التاسعة صباحاً، اقترب موعد انتهاء مناوبتها. بالطبع لم تكن ليلتها بأحسن منه، ولكنها اعتادت على ذلك. ففي أحسن حالاتها كانت تستطيع النوم خمس ساعات متواصلة وتكون ممتنة إن لم يهاجمها خلالهم كابوس أو اثنان. في الحقيقة لم تكن تتذمر من هذا الوضع، فعلى العكس استطاعت الوصول إلى كل ما وصلت إليه في هذا السن الصغير بسبب طول نهارها. كان النهار لعملها وطفلتها ودراستها، أما الليل فكان لقلبها، أو بالأدق لألم قلبها، وما كان أسوأه من ألم! انقضت سنوات عمرها الست الماضية وهي تقضي يومها على أمل أن يزول أو يهدأ قليلاً، ولكنه لم يتحسن على الإطلاق، والآن عاد لها من جديد ليزيد من سوءه. تأففت في مقعدها فقد كانت مناوبتها هادئة على عكس ما تمنت، فمناوبة هادئة تساوي تفكيراً أكثر، وتفكير أكثر يعني ألماً أكثر، وقد كان.
قررت بدء جولتها الصباحية باكراً، علّ ذلك يعدل من مزاجها ولو قليلاً. كانت قد انتهت من نصف جولتها عندما رأت دكتور طارق يتقدم منها مبتسماً، بنظرته الأبوية الحنون:
"إمبارح مشيت من غير ما أشوفك والنهاردة بقالي ساعتين واصل وملمحتكيش فيهم! انتي بتسخبي مني ولا مبقاش مهم تشوفيني ولا إيه حكايتك بالظبط؟"
تجمعت الدموع داخل مقلتيها من أثر تلك الكلمات البسيطة، فظاهرياً يبدو أنه سبب تافه للبكاء، ولكن داخلياً كان يتجمع بداخلها منذ البارحة بركان من المشاعر حاولت كبتها ولكن عبثاً، لتظهر على هيئة انفجار من تلك الكلمات البسيطة المازحة. نظر إليها بقلق وهو يراها تنفجر بالبكاء على هذا النحو، تقدم نحوها ليحتضنها ويمرر يده على شعرها لتهدئتها وهو يحدثها بألم:
"بس خلاص اهدى، تعالي نتكلم في أوضتي وقوليلي مين مزعلك كده."
ثم تحرك بها نحو غرفته. انتظر حتى هدأت تماماً، وهو مازال يجلس أمامها بهدوء، ثم بدأ يحدثها:
"ها يا ستي، قوليلى بقى مين اللي مزعل بنتي كل الزعل ده وأنا أتصرف معاه."
مسحت دموعها وهي تبتسم:
"مراد، مراد هنا، مراد هو مالك المستشفى الجديد."
انتظرت منه أي رد فعل على ذلك الخبر ولكنه لم يظهر. نظرت إليه بريبة تتحدث بصدمة:
"انت كنت عارف؟ من الأول كنت عارف مين ومقولتليش؟ أيوه صح أنا اللي غبية، انت رئيس الأطباء يعني دائماً موجود في اجتماعات مجلس الإدارة وكنت أول واحد يقابله مننا وعشان كده كنت بتهرب مني كل ما أسألك مين المالك الجديد!! عموماً الوضع ده مش هيستمر كتير، أنا هشوف مستشفى تانية في أقرب وقت."
ثم قامت بغضب تتجه إلى الباب للخروج ولكن يده أوقفتها:
"أسيا من فضلك اسمعيني شوية، انتي إنسانة عاقلة، اسمعي مني كلامي وبعدين قرري موقفك."
ثم أعادها إلى مقعدها مرة أخرى وبدأ يتحدث بهدوء:
"أسيا، انتي بنتي اللي أنا وأمل ربنا كرمنا بيها. من أول يوم دخلتي فيه المستشفى واتعاملت معاكي حسيت إن قلبي اتفتحلك وقلت دي البنت اللي لو كنت بتتمنى ربنا يكرمني بيها مكنش هيتمنى أحسن منها. ولما أمل شافتك حست نفس الإحساس ومن ساعتها أنا اعتبرت نفسي والدك اللي ملحقتيش تعيشي معاه وقررت إن حمايتك مسؤوليتي. وخلال السنين اللي فاتت غلاوتك كانت بتزيد عندي يوم بعد يوم، فأوعى تفكري للحظة واحدة إني ممكن أخونك أو أخبي عليكي أو إن في حد ممكن تكون مصلحته أهم من مصلحتك عندي. كنت عارف، أيوه، انتي حكتيلي كل حاجة عنه ولقيته زي ما وصفتيه بالظبط. لو كنت قلتلك أول ما عرفت مكنتيش هتستني هنا لحظة وكنتي هتضحي بكل اللي وصلتيله هنا عشان تبعدي عنه وكنتي انتي اللي هتخسري وأنا لا يمكن اسمح لبنتي إنها تخسر. عشان كده فضلت إنه يكون أمر واقع تدي لنفسك فرصة وتشوفي هتقدري تتعاملي معاه ولا لأ بدل ما تنسحبي من قبل ما تشوفيه. وانتي طلعتي قدها وأكتر. فكري في بنتك وفي مجهودك، انتي في السنين اللي فاتت كنتي جزء من نجاحنا هنا متضحيش بده عشان حد، بلاش تسمحيله يهد حياتك من تاني. أسيا من فضلك فكري كويس بعقلك وبعدها قرري، ولو لقيتي نفسك مش قادرة أنا بنفسي هشوفلك مستشفى تانية تتنقلي عليه. بس عايز أقولك حاجة أخيرة، أنا هنا جنبك وطول ما أنا جنبك وعد محدش هيقدر يزعلك أو يجرحك تاني."
لم تستطع تمالك نفسها بعد كلماته الحانية فتحركت ترمي نفسها داخل ذراعيه تحضنه بامتنان. كيف تستطيع الغضب منه وهو يحبها لتلك الدرجة؟ ربت على وجنتها يقول بمزاح:
"خلاص أم دماغ ناشفة مش زعلانة مني؟"
هزت رأسها نافية.
"طب يلا روحي اغسلي وشك واضحكي، محدش يستاهل دمعة من عيون بنتي."
كانت تستخدم سلم الطوارئ للهبوط إلى الطابق الأرضي عندما اصطدمت به وهو في طريقه للصعود. كان رد فعلها سريع ومقتضب تمتمت بخفوت وهي تنظر للدرج:
"آسفة."
ثم أكملت هبوط الدرج دون النظر إليه. مد ذراعه القوي يوقفها ممسكاً ذراعها وهو يسألها بقلق:
"أسيا مالك في حاجة حصلت؟"
هزت رأسها بالنفى وهي مازالت تنظر إلى درجة السلم الواقفة عليها فأضاف:
"لأ إزاي وانتي شكلك معيطة!!! الراجل ده أبو الطفل مش فاكر اسمه ضايقك تاني؟"
لم ينتظر إجابتها وانطلق إلى الأعلى بغضب، فركضت وراءه توقفه بلهفة فتوقف حين لمست ذراعه:
"لأ مفيش حاجة، أنا مشفتهوش من إمبارح لما اعتذرلي، أنا بس مرهقة من أثر المناوبة والسهر."
نظر إليها متشككاً، ثم ضاقت عيناه ببطء وهو يتحدث كإقرار:
"طول عمرك مبتعرفيش تكدبي، بتبربشي كتير وعيونك بتوسع لوحدها لما بتكدبي عليا."
لم تستطع تمالك نفسها فنظرت إليه بحنين تهمس له:
"انت الوحيد اللي اكتشفت ده."
نظر إليها نظرة ذات معنى غاص قلبها معها قبل أن يقول:
"يمكن عشان أنا الوحيد اللي..."
ثم توقف عن الكلام فجأة وأخذ يتنحنح ثم تحدث مرة أخرى بعد صمت بصوت عميق:
"أسيا، أنا آسف لو كنت ضايقتك إمبارح بردي، أنا بس كنت مرهق شوية وأنا فعلاً مبسوط إنك اتبسطتي باعتذاره."
نظرت إليه مطولاً وعيونها تفيض بكلمات محبوسة، تبتسم دون رد. فلم يشعر إلا وإصبعه يتلمس إحدى وجنتيها، فاخفضت رأسها تنظر إلى موضع إصبعه ثم رفعتها مرة أخرى تنظر له بشغف. اقترب منها ببطء حتى شعرت بأنفاسه الحارة على جبهتها وأنفه. تنهد بألم وهو يزدرد ريقه بصعوبة ثم اخفض رأسه يطبع قبلة طويلة على جبهتها ثم انصرف مسرعاً، تاركاً إياها ضائعة من أثر لمسته وحديثه.
رواية عشقي الابدي الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء يوسف
مر أسبوع هادئ على نفس الوتيرة، إلا من تخبط أسيا في مشاعرها من اقترابه المفاجئ تارة، ومن غضبه غير المبرر تارة أخرى. لوت فمها بسخرية وهي مستلقية على الفراش تفكر فيه. فكرت بيأس أنها اعتادت على تقلب مزاجه، حتى أنها كانت تذهب إلى المشفى يومياً، مستعدة لأي رد فعل غريب قد يصدر عنه. كانت تحاول قدر استطاعتها إظهار اللامبالاة في التعامل معه عكس ما يدور بداخلها. فأحياناً يحاول الاقتراب منها دون سبب، وأحياناً أخرى يرمقها بنظرات نارية، وخصوصاً عند تعاملها بود مع الدكتور طارق أو أحد زملائها في العمل.
تحركت من فراشها على مضض، فاليوم هو يوم عطلتها، لذلك قررت قضاءه مع والدتها والسيد كمال. كانا في المطبخ يعدان طعام الغذاء، عندما انتهزت السيدة جميلة فرصة انشغال الصغيرة أسيا باللعب مع السيد كمال في الخارج، لتسأل أسيا بحذر وهي تراقب الممر:
- في جديد عن مراد؟
هزت أسيا رأسها بالنفي، فاستكملت والدتها السؤال:
- يعني الوضع كويس؟ طب بالنسبة للمستشفيات اللي كلمتيهم، حد رد عليكي؟
أجابتها أسيا عابسة الجبين وهي تزم شفتيها للأمام:
- ولا أي رد، مع إنهم كانوا متحمسين جداً. حاجة غريبة! بس عمتاً مفاتش وقت طويل، يمكن إحنا بس اللي مستعجلين.
تنهدت السيدة جميلة ثم حاولت طمئنة ابنتها بهدوء تفتقده:
- متقلقيش، اصبري وربنا هيسهلك الحال إن شاء الله.
هزت أسيا رأسها هذه المرة بإيجاب، تطمئنها وهي تدعو بداخلها أن تسير الأمور على خير ما يرام. انقضى ما تبقى من نهارهم بسلام ودفء عائلي، وفي المساء حملت أسيا صغيرتها النائمة في حضنها واتجهت بها إلى منزلهم الصغير لتضعها في غرفتها وتستلقي بجوارها وهي مطمئنة أن صغيرتها تنام في حضنها بالقرب منها.
في اليوم التالي، كان موعد مرورها النهاري قد حان. ومنذ لحظة دخولها المشفى، وهي تلتفت كل دقيقة تقريباً تنظر حولها متسائلة، أهو بالمشفى أم لا؟ فالبارحة كانت موعد عطلتها الأسبوعية، واليوم الذي يسبقه كان بعمل خارج المدينة. وبناءً على ذلك، لم تره منذ يومين. بالطبع، استطاعت معرفة تلك المعلومة من الدكتور طارق بطريقة غير مباشرة. كانت تعلم أيضاً بمدى ضعف إرادتها أمامه، ولكنها كانت فاقدة السيطرة على قلبها بشكل كلي. هذا ما فكرت فيه بسخط أثناء بحثها بلهفة عنه.
أما مراد، فوقف بعيداً يتأملها وهي ترتدي بنطال من الجينز الفاتح وبلوزة سوداء اللون تعكس بياض بشرتها وتزيدها جمالاً بشكل يخطف الأنفاس. أما عن شعرها، فكان مجدولاً بضفيرة طويلة تصل إلى ما بعد منتصف ظهرها. يضاف إلى ذلك الرداء الأبيض الخاص بالأطباء. كانت تسير وهي تتلفت وتبتسم ابتسامة عريضة لكل من يصادفها، فكانت أشبه بالملائكة، كما كان يلقبها دائماً بـ "ملاكي". أوشك على التحرك في اتجاهها عندما أوقفه الدكتور طارق يتحدث معه عن بعض الأمور التي حدثت البارحة في غيابه. ولكن كان تركيزه في مكان آخر، جعل الدكتور طارق ينظر في نفس اتجاه تركيزه ليرى أسيا. ابتسم بخبث ثم هتف باسمها، فالتفتت على الفور. ازدادت ابتسامتها إشراقاً وهي تنظر إليه. تقدمت في اتجاههم بسعادة، تضع كلتا يديها في جيوب ردائها الأبيض، ثم توقفت أمامهم، فعلق الدكتور طارق بمرح:
- أسيا، واضح إن إجازة امبارح فادتك جداً، الابتسامة الحلوة رجعت تنور المكان تاني أهي.
ثم استدار موجهاً حديثه لمراد:
- انت تعرف يا مراد إن الموظفين هنا في المستشفى مسمينها "ذات الابتسامة الساحرة" من جمال ضحكتها ليهم.
دوت ضحكتها وهي تعود برأسها إلى الخلف في حركتها المعتادة. أوشكت على التعليق، ولكن أوقفتها نظرته الجليدية التي رمقها بها قبل أن يتحرك بتوتر في مكانه دون التعليق على ملاحظة الدكتور طارق. قطع الصمت بعد قليل مشيراً إليها في حديثه:
- دكتورة، لو سمحتي لما يكون عندك وقت فاضي تعالي مكتبي، في كام حالة كنت براجع أوراقهم ولما سألت قالولي إن التفاصيل عندك، فياريت لو نراجعهم سوا.
أومأت برأسها على الفور وهي تجيبه باهتمام:
- آه، قصدك حالة الطفل محمد والكام طفل التانيين؟ أوك، حاضر هخلص المرور بتاعي وأطلع لحضرتك على طول.
هز رأسه موافقاً، ثم انسحب بهدوء تاركاً طارق يلاحظ كل هذا التوتر الواقع بينهم. سألها بعد انصرافه:
- مالك، في حاجة جديدة؟
أجابتها نافية، ثم أكملت حديثها:
- كنت خايفة جداً يسألني عن أسيا وهو معانا. انت عارف إني مش عايزاه يعرف أي حاجة عنها، خصوصاً في الوقت الحالي.
أومأ طارق برأسه متفهماً:
- مفهوم، مفهوم. مع إني ضد قرارك ده، بس ليا إني أحترمه. خلينا في المهم، لسه مضايقة ومقررة تمشي ولا اتأقلمتي مع الوضع الجديد؟
نظرت إليه بحيرة، ولكن نبرتها خرجت جدية وهي تتأفف:
- اتأقلمت وعايزة أمشي.
نظر لها الدكتور طارق باستنكار، فأضافت موضحة:
- طول ما هو قريب مني، يعني قريب من إنه يكتشف حقيقة أسو. عشان كده لازم أكون بعيدة.
أجابها الدكتور طارق بأحباط:
- طيب، أتمنى على الأقل تبلغيني بأي خطوة هتاخديها قبلها. وبالمناسبة، هو مسافر من بكرة بره البلد ولمدة أسبوع كامل. على الأقل فكري تاني على مهلك في الفترة دي وهو مش موجود.
أومأت برأسها موافقة، ثم استأذنته في الذهاب. لم تعلم لماذا أحبطها سماع خبر سفره. من الناحية المنطقية، يجب أن تكون سعيدة بذهابه حتى تستطيع الاسترخاء قليلاً. ولكن الحقيقة هي أنها قد اعتادت على رؤيته يومياً. مرة أخرى، وهذا أكثر ما كان يؤلمها.
انتهت استراحة الغداء، لذلك قررت الذهاب إلى مكتبه. طرقت باب غرفته، فأذن لها بالدخول على الفور. كان مشغولاً ينظر إلى أحد الملفات، ولكنه رفع رأسه عندما لمحها وأشار لها بالجلوس على أحد المقاعد، ثم تحرك يترك مقعده ويجلس في المقعد المقابل لها. مجرد استقراره في المقعد، تحدث إليها على الفور بجدية:
- امبارح كنت براجع مع مدير الحسابات الملفات الخيرية واكتشفت إن ملف الطفل محمد مفيهوش أي معلومة. ولما سألته، قال إنك طلبتي إنه يكون على مسؤوليتك وإن المعلومات الكاملة عندك انتي. ممكن أعرف التفاصيل؟
أومأت برأسها بقلق، وفي حركة تلقائية أرجعت إحدى خصلاتها إلى الوراء، ثم بدأت تتحدث بنبرة هادئة، ولكن التوتر كان يكسو ملامحها:
- أنا بصراحة معنديش أي معلومة عنه عشان أحطها في الملف. كنت لسه هتحرى عن الموضوع ده، بس يمكن ملقتش وقت الكام يوم دول.
رفع إحدى حاجبيه وهو يضع إصبعه تحت ذقنه وينظر إليها بتعجب:
- مش فاهم، إزاي معندكيش معلومة وهو بقاله حوالي أسبوعين هنا؟
أجابته وتوترها يزداد:
- بص، هحكيلك. من حوالي أسبوعين أو أكتر تقريباً، كنت في طريقي للبيت وقررت أتمشى شوية على المضيق قبل ما أروح. وأنا قاعدة هناك لقيت واحدة قاعدة على جنب لوحدها وكانت عمالة تعيط. قررت في الأول إني أتجاهل عياطها ده ومليش دعوة، بس بعد كده لقيته بيزيد بطريقة صعبة، مكنش ينفع أتجاهله أكتر من كده. فقررت أروح أشوف مالها، لقيتها ماسكة في إيديها ملف طبي. بعد ما اتكلمت معاها كتير، اكتشفت إن الملف ده يخص ابنها محمد وإنه عنده مشكلة في القلب. وللأسف لازم يستنى دوره عشان يدخل في أي مستشفى عام، وهي متملكش فلوس تدخله مستشفى خاص. لأن زوجها سابها ومشي بدون أي مقدمات، ومفيش حد ممكن يعولها هي أو طفلها. لما فتحت الملف فعلاً، لقيت التقرير بيثبت صدق كلامها. فطلبت منها إنها تجيبه تاني يوم أكشف عليه وأتأكد من التشخيص بنفسي. وللأسف طلع التشخيص صحيح ولازم عملية في أسرع وقت، وإلا حالة الطفل هتتدهور عن كده.
توقفت عن الكلام قليلاً، تنظر إليه برقة واضحة، ثم أكملت وهي تمرر لسانها على شفتيها لترطيبها:
- بص، أنا عارفة إن مفيش حاجة تثبت صدق كلامها، بس أنا مكنش ينفع أعرف إن فيه طفل محتاج لمساعدة وأسيبه. أنا وقتها حسيت إن ربنا بعتني ليها عشان أحاول أنقذ محمد. ولو المستشفى مش هتقبله من غير مستندات رسمية، أنا متنازلة عن أي حقوق ليا خاصة بحالته وهتكلم مع الدكتور المساعد والمخدر يتنازلوا هما كمان. ولو على الغرفة، أنا هتكل بيها، تتخصم من مرتبى. المهم إن الطفل يعمل العملية ويتحسن.
كان ينظر إليها باهتمام، ولكن دون أي رد فعل. انتظرت منه أن يتحدث، ولكنه لم يفعل، فقط كان ينظر إليها بتفكر. شعرت بالدموع تتجمع داخل مقلتيها من خيبة الأمل. تحدثت تقطع الصمت بعد فترة، وهي تتحرك من مقعدها، فخرج صوتها متحشرج من أثر الدموع:
- فهمت، أنا هحاول أشوفله مستشفى تاني تتكفل بيه.
لم تكمل جملتها، فخانتها دموعها في آخر كلمة لها، لتجد نفسها تجهش في البكاء. تحرك من مقعده وهو يلعن، ثم في الثانية التالية كانت بين ذراعيه يحتضنها بقوة، وهي مازالت تشهق. اشتدت ذراعيه حولها يضمها إليه أكثر وهو يتحدث برقة بالغة:
- ششش، أسيا اهدى، بطلي عياط.
ثم مسح بإحدى يديه على شعرها، بينما الأخرى مازالت تحاوط خصرها بقوة، وهو يضيف:
- أسيا، لو سمحتي اهدى، انتي فهمتي غلط. أنا معنديش أي مشكلة إن الطفل يتعالج هنا.
رفعت رأسها بأمل تسأله:
- يعني إيه؟ يعني انت موافق إنه يفضل؟
أجابها وهو لا يزال يحتضنها:
- أيوه، معنديش مشكلة. وكل مصاريفه هنتكفل بيها كمان لحد ما يشُفى تماماً. وأنا هدّور على موضوع والده ده بنفسي. لو حقيقة، هدخلهم تحت رعاية شركتي.
ثم رفع إحدى يديه يمسح بسبابته دموعها برقة، وهو يتحدث بحنان:
- نفسي تبطلي تسرع وتسمعي الأول قبل ما تحكمي.
استقرت يديه على وجنتها، وهو يتنهد بعمق. لم تشعر بيديها إلا وهما تستقران فوق يده تتلمسها بشغف واشتياق. ارتجف من أثر لمستها واسودت عيناه من المشاعر التي تجمعت بداخله، فأخفض رأسه يستنشق رائحة شعرها الذكية مطولاً، ثم طبع قبلة عليه، قبل أن يستند بجبهته على جبهتها ليشعر بأنفاسها الحارة المرتبكة عليه. ثم رفع كلتا يديه يحاوط وجهها، أما هي فحركت كلتا يديها معاً، وهي مغمضة العينين، لتتمسك بذراعيه، ليعطيها القوة وتستمتع بلمسته وقربه منها. كان على وشك أن يطبع قبلة على شفتيها، عندما سمع طرقاً على الباب، فابتعد عنها على مضض، يتركها تستعيد توازنها، قبل تحركها للخارج، مجيباً للطرق بنفاذ صبر:
- ادخل.
بعد مرور خمسة أيام، كانت أسيا في طريقها إلى الخارج هي وطفلتها، عندما رن هاتفها الخلوي. أخرجته تنظر إليه، ليظهر اسم والدتها على الشاشة. أجابت على عجل، فجاءها صوت والدتها القلق من الطرف الآخر:
- أسيا، اتصلوا بيا من البلد يقولولي إن خالتك تعبانة شوية وإن لازم أسافر لها دلوقتي. متقلقيش، مفيش حاجة مهمة، بس هي عايزاني جنبها. أنا ببلغك عشان تعرفي إني مش هقدر آخد أسيا النهارده.
أجابت والدتها تطمئنها:
- لا، متشغليش بالك. أنا هتصرف. روحي انتي وطمنيني عليها ومتنسيش تطمنيني لما توصلي.
ثم أغلقت الهاتف واتصلت بالمربية، لتجدها هي الأخرى مشغولة ولا تستطيع الجلوس مع أسو اليوم. قررت التحرك، ثم التفكير في حل مناسب لاحقاً، حتى لا تفقد الوقت.
تأخرت قليلاً في الوصول إلى المشفى، فأسرعت بالوصول إلى غرفة الأطباء لتشاهدها عائشة تسألها باهتمام:
- أسيا!
"اتاخرتي النهارده؟"
أجابتها أسيا بإرهاق بعد تنهيدة طويلة: "متسأليش، ماما اضطرت تسافر ومش لاقية حد يقعد بأسبا بعد الحضانه، وطبعًا المربية مشغولة النهارده لأني فاجأتها ومش عارفة أعمل إيه. عندي عملية النهارده ومينفعش أمشي بدري خالص."
"طب بسيطة، ما تجيبيها هنا تقعد معانا لحد ما تخلصي، ما أنتي على طول بتعملي كده لما بتتزنقي."
هزت أسيا رأسها رافضة: "لأ مش هينفع خالص المرة دي أعمل كده."
"ليه يا بنتي مش هينفع؟ أنا كده كده قاعدة نبطشية لغاية بالليل والدنيا النهارده هادية فمش هيكون ورايا حاجة. هتفضل معايا لحد ما تخلصي عمليتك وتروحي."
كانت أسيا بتفكر بيأس إن ده حلها الوحيد، ولكنها لا تريد أن تجازف به. هي تعلم إنه خارج البلاد ولن يصل إلا بعد يومين، ولكنها ما زالت قلقة. نظرت إلى عائشة بقلق، لا أستطيع مشاركتها خوفها، فبادلتها نظرتها بنظرة مشجعة: "يابنتي مالك في إيه؟ أنا هروح أستلمها وأجي بيها وهنقعد في الأوضة وانتِ خلصي شغلك براحتك."
وافقت أسيا على مضض، فهي لازالت تشعر إنها تجازف بسرها.
...........
كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة عصرًا عندما أخرجت أسيا هاتفها تبلغ معلمة أسيا بذهاب عائشة لاستلامها. بعد أقل من عشرين دقيقة، كانت في الطابق الأرضي تنظر إلى الباب الرئيسي تترقب وصول عائشة وأسيا في أي وقت، فالحضانة لم تكن بعيدة كثيرًا عن المشفى. كانت تمضي أحد الملفات فوق مكتب الاستقبال عندما رفعت رأسها فشاهدته يتحرك في اتجاهها. كاد الدم أن يتجمد داخل عروقها من رؤيته. حاولت بيد مرتعشة إخراج هاتفها سريعًا والاتصال بعائشة تطلب منها عدم إحضار أسيا، ولكن الأوان قد فات. سمعت الصوت الصغير يهتف لها بحماس: "مامى مامى".
فالتفتت ببطء لترى أسيا الصغيرة تركض في اتجاهها وهي تفتح كلتا ذراعيها لتحتضنها. شعرت أسيا بالأرض تنزلق من تحتها والأصوات تتلاشى من حولها من شدة الرعب، فأكبر مخاوفها قد تحقق.
فآسيا في مقابلة مراد.
..........