تحميل رواية «عشقي الابدي» PDF
بقلم شيماء يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في صباح يوم ربيعي هادئ، كانت أسيا تجلس حول طاولة الطعام الصغيرة الموجودة بداخل مطبخها في منزلها المتواضع في أحد شوارع إسطنبول الجانبية. فبرغم صغر المنزل، إلا أنه كان أنيقًا، فقد اختارت كل قطعة أثاث منه بعناية فائقة وذوق مرهف كعادتها. كانت تنظر إلى الخارج من خلال النافذة المقابلة لها برضا، وهي تستنشق عبير الزهور القادم من حديقتها الصغيرة التي زرعتها بنفسها واهتمت بها طوال السنين الماضية. تنهدت براحة وهي تتذكر كيف كان وضعها في مثل هذا الوقت منذ خمس سنوات، عندما انتقلت حديثًا إلى ذلك المنزل وكيف اس...
رواية عشقي الابدي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم شيماء يوسف
فتحت أسيا عينيها في الصباح وهي تتذكر ما مروا به منذ البارحة بابتسامة واسعة مشرقة.
تمطت بكسل قبل أن تقرر النهوض.
كانت الغرفة فارغة، فقررت التقاط قميص مراد الملقى على الأرض بعشوائية لارتدائه حتى تصل للحمام.
ارتدته وهي لا تزال تبتسم قبل أن تدفن وجهها به تستنشق رائحته بعمق.
كانت لا تزال واقفة دون حراك عندما فتح مراد باب الغرفة داخلًا إليها.
التفتت على الفور تبتسم له بإشراق، ابتسامتها الساحرة.
تقدم منها وعيناه تشتعلان بوميض الإثارة من مظهرها المغري بقميصه.
ما أن وصل إليها حتى احتضنها بكلتا ذراعيه يحاصرها برقة.
حركت يدها ببطء نحو صدره تسند عليه، فاخفض رأسه يستند بجبهته على جبهتها قبل أن يسألها بصوته الأجش:
- مفيش صباح الخير ولا إيه؟
ابتسمت بخجل قبل أن ترفع نفسها لتطبع قبلة على وجنته وهي تتمتم:
- صباح الخير.
ابتسم متعرضًا لها:
- مش هي دي صباح الخير اللي أنا عايزها.
أخفت وجهها في تجويف عنقه وهي تتمتم بخجل محاولة تبديل مجرى الحديث:
- مراد، أسو خرجت صح؟
أجابها بصوته العميق:
- آه من بدري، الظاهر إنك بقيتي كسلانة.
رفعت رأسها تنظر إليه بعبوس معترضة:
- يا سلاااام!!! ما أنت اللي ما خلتنيش أنام لحد الصبح.
أومضت عيناه ببريق غريب وهو يبتسم بتفاخر قبل أن يقول:
- على ذكر امبارح، فين صباح الخير اللي طلبتها؟
سألته مراوغة:
- فطرت طيب؟
مراد: لا، مستنيكي نفطر سوا.
ثم اقترب منها يطبع قبلة على شفتيها وهي تبتسم بمرح:
- طيب تمام، هاخد دش بسرعة وأنزل نفطر سوا.
نظر إليها بخبث قبل أن يتحدث وتبدو عليه إمارات المرح:
- إنتي بتهربي صح؟
ابتسمت بخبث تحرك أهدابها سريعًا وهي تضيف كاذبة:
- أنا مش عارفة إنت بتتكلم على إيه.
هز رأسه لها موافقًا وهو يضمها بكلتا ذراعيه يتحرك بها ببطء في اتجاه الحمام.
سألته بهدوء:
- بتعمل إيه؟
أجابها هامسًا وهو يضع إصبعه على شفتيها يمنعها من الحديث:
- هششش.
ثم اخفض رأسه يحك ذقنه بخدها، سلبًا منها أي قوة للاعتراض أو حتى التفكير.
وصلا إلى الحمام فأسندها على الحائط الرخامي وهو لا يزال يحيطها بكلتا يديه، ثم ابتسم لها ابتسامة خبيثة غامزًا بعينه ويده على صنبور المياه يديره.
ابتعد عنها في اللحظة التالية تاركًا إياها تشهق بصدمة من الماء المنهمر عليها.
تبللت بالكامل وهي تصرخ.
كان واقفًا ينظر إليها بشغف بقميصه المبلل فوقها محاولًا إيجاد صوته المرح ليقول:
- ده عشان متنسيش تاني صباح الخير بتاعي.
لم تستطع الغضب منه بسبب ابتسامته الساحرة التي كان يوجهها إليها، ولكنها قررت الانتقام منه.
أعادت بكلتا يديها شعرها المبلل للخلف، ثم مدت ذراعها وعيناها تتأمله بشغف تهمس باسمه بإغراء.
تذكر لحظة مرضها في الفندق فلم يستطع السيطرة على أعصابه.
تقدم منها مرة أخرى يحتضنها بقوة وهو يقبلها.
دفعته إلى داخل حوض الاستحمام متحررة من قبضته قبل أن تبتعد عنه وهي تقول بمرح:
- وده عشان متفكرش تنتقم مني تاني.
ثم ركضت خارج الغرفة تستخدم حمام غرفة أسو، تاركة إياه يقف مصدومًا ولكنه يبتسم بسعادة.
هبطت أسيا إلى الأسفل حيث المطبخ وهي ترتدي فستانًا أصفر قصير ذا حمالات رفيعة.
كانت مشغولة بإعداد طعام الفطور عندما رأت مراد يتقدم في اتجاهها وهو يتحدث بهاتفه الجوال.
تجمدت حركتها وشعرت بحرارة جسدها تزداد وهي تراه أمامها يرتدي تيشرت أسود ذا أكمام طويلة يتناسب تمامًا مع عضلات جسده وفتحة عنق مستديرة تبرز عنقه الأسمر القوي.
غمز لها مبتسمًا وهو لا يزال يتحدث في الهاتف، فشعرت أن كل ما تريده في تلك اللحظة هو الاستناد على صدره القوي.
أنهى مكالمته وتقدم منها رافعًا أكمام ذراعيه ليحتضنها من الخلف وهو يتمتم بشغف طابعًا قبلة على شعرها:
- هتأكليني إيه؟
رجعت برأسها تستند على صدره وهي تضغط بجسدها على جسده وتتمتم برقة:
- اللي إنت عايزه.
مراد وهو يدفن رأسه بخصلات شعرها ليستنشقه:
- اممم، متأكدة اللي أنا عايزه؟
استدارت تنظر إليه بحب قبل أن تخفض رأسها تتلمس عروق يده البارزة.
كانت أنفاسه تتسارع من أثر لمستها الحانية.
رفعت يده إلى فمها وهي تتمتم بخجل قبل أن تقبل عروقه البارزة واحدًا تلو الآخر، ثم ترفع نفسها تقف على أطراف أصابعها تقبل حنجرته قبل أن تتمتم بشغف:
- صباح الخير اللي كنت مستنيها.
اخفض رأسه يقبلها، ثم انحنى على الفور يحملها ويتجه بها إلى الدرج، فسألته معترضة بخجل:
- طب والفطار؟
أجابها بصوت أجش وهو يغمز لها:
- ما أنا هفطر أهو.
ثم ركض بها في اتجاه غرفتهم وهي تبتسم بإشراق.
بعد قليل كانت تستلقي بجواره إلى الفراش مبتسمة وهي تحرك إصبعها على وجنته وفمه.
أمسك إصبعها يقبله وهو يقترب منها.
شهقت فجأة بفزع وعيناها تتسع برعب:
- مراد، أنا نسيت آخد حاجة.
خاطبها مستنكرًا من فزعها:
- حاجة إيه؟
تمتمت بخجل:
- حاجة يا مراد، إنت عارف إني مينفعش أحمل تاني.
شعرت بعضلات جسده تتصلب وملامحه وجهه تتمتعض، فأضافت مسرعة:
- مش قصدي حاجة والله، بس أنا حكيتلك قبل كده اللي حصل معايا وأنا حامل في أسيا.
أومأ لها برأسه دون أي حديث واقترب يطبع قبلة على جبهتها قبل أن يتحرك من الفراش يرتدي ملابسه ويخرج من الغرفة.
لوت فمها بإحباط وهي تحدث نفسها بحزن:
- أكيد افتكر إني مش عايزة أجيب ولاد منه، إنتي غبية يا أسيا ده وقته.
زفرت بحنق وهي تقرر أن في الغد عند ذهابها إلى المشفى ستجد حلًا لهذه المشكلة.
خلال ما تبقى من اليوم كان مراد في غرفة مكتبه يباشر أعماله مغلقًا على نفسه، ولحزنها لم تره مرة أخرى منذ حديث الصباح، حتى عند حلول موعد الغذاء شاركهم وجبتهم بهدوء ثم توجه إلى غرفة مكتبه مرة أخرى.
لذلك في المساء قررت أسيا بعد تردد الذهاب إليه.
طرقت الباب ثم فتحته على الفور دون انتظار رده.
اعتدل في جلسته فور رؤيتها، فقد كان يجلس على مقعده يسند رأسه إلى الخلف بكسل.
تقدمت منه حتى وصلت إلى مقعده.
أسندت جسدها على طرف المكتب قبل أن تمد يدها تمسك بيده بإحكام.
كان ينظر إليها بإرهاق.
انحنت فجأة تطبع قبلة رقيقة على وجنته وهي تتمتم:
- دي من أسو وبتقولك تصبح على خير.
كانت ترى شبح ابتسامة على طرف شفتيه، فأضافت بشجاعة:
- ممكن أقعد هنا معاك لحد ما تخلص شغل ومش هعمل صوت، متقلقش.
كانت ابتسامته الآن تزداد عمقًا وهو يحرك رأسه ببطء موافقًا.
فاجأته بجلوسها داخل حضنه وهي تلف ذراعيها بإحكام حول خصره وتستند برأسها على صدره.
سمعته يتنهد بعمق قبل أن يحرك ذراعيه حول خصرها ليحملها ويتحرك بها نحو الأريكة ليجلسا في وضع أكثر راحة.
استندت بجسدها على جسده ورأسها يتوسط صدره، وتركت يدها تحيط بخصره، أما الأخرى فتعبث بعنقه ومقدمة ذقنه برقة.
حاوط خصرها بذراعه فتحركت تقترب من عنقه أكثر ليستند برأسه على رأسها بهدوء.
قطعت الصمت بينهما متحدثة بهمس وهي لا تزال تعبث بأصبعها على حنجرته فتصيبه بالجنون:
- على فكرة أنا متعشيتش لحد دلوقتي ومستنياك.
شعرت به يتحرك تحت ثقل جسدها وهو يمسك بيدها يحدثها بجدية حقيقية:
- طب يلا بينا، أنا ماكنتش أعرف ده.
تحركت تعتدل في جلستها ثم اقتربت منه تنظر إليه بشغف واضح وعيون لامعة قبل أن تحرك رأسها ببطء رافضة أن تتحرك.
ثم وضعت إصبعها فوق شفتيه وهي لا تزال تنظر بشغف:
- ششششش، مش مهم الأكل، مش عايزة أتحرك من هنا.
ثم عادت مرة أخرى تستلقي فوقه وتضع رأسها فوق قلبه براحة.
احتضنها بكل قوته كأنه يخشى أن تهرب بعيدًا.
كان الجو بينهم ساحرًا برغم الصمت المطبق على المكان، إلا أنها كانت تشعر كما لو أن عالمها الآن مكتمل.
بعد فترة طويلة من الوقت قطعت أسيا الصمت مرة أخرى تتحدث بنبرة حالمة:
- تخيل لو كنا تحت القمر على طول في مكان مافيش غير أنا وانت والنجوم، مش هتمنى حاجة في الدنيا أكتر من كده.
حرك رأسه قليلًا ليطبع قبلة على جبينها.
تحركت مبتعدة وهي ترفع رأسها لتنظر إليه، فلاحظت علامات الإرهاق تبدو على وجهه.
فسألته بقلق واضح:
- مراد، إنت كويس؟ في حاجة محتاجني أساعدك فيها؟
تنهدت عميقًا قبل أن يجيبها بحنان:
- بس خليكي هنا.
طبعت قبلة أخرى على وجنته قبل أن تضيف بأسف:
- أنا عارفة إنك مضغوط في الشغل كده عشان طردت ياسمين، وعارفة إن ده بسببى.
ثم أضافت بحزن:
- إنت عارف إن راحتك أهم حاجة عندي، وما دام هي بالنسبالك مش حاجة فمش ههتم بكلامها، عشان كده أنا بطلب منك ترجعها.
تحرك بها ليعتدل في جلسته قبل أن يجيب بجدية:
- لا طبعًا، لو إنتي مش مهتمة أنا مهتم، مش هسمح لواحدة حاولت تبوظ حياتنا أو تضايقك إنها تكون موجودة بأي شكل.
لم ينتهِ من جملته تلك حتى اقتربت منه تلتهم شفتيه وتقبله بنهم.
استجاب لها على الفور يبادلها قبلتها بعمق وشغف.
ظلا فترة من الوقت هكذا يتبادلان القبل الطويلة برقة وعذوبة قبل أن تبتعد عنه تحاول أخذ نفس عميق تملأ به رئتيها، ثم استندت بجبهتها على جبهته تحاوط وجهه بكفيها.
حاول إيجاد صوته ليكمل حديثه:
- بس للأسف ده هيخليني أحتاج أسافر الفترة الجاية أخلص شوية شغل.
شعرت بالرعب يتملك منها عند سماعها لتلك الجملة، لم تعلم لماذا شعرت بذلك، ولكن ظهر ذلك جليًا على وجهها، فأسْرع يضيف:
- لو إنتي حابة تيجي معايا أنا هتبسط.
أجابته بنبرة محبطة:
- إنت عارف إني أكيد هحب كده، بس هيبقى صعب عشان أسو والمستشفى.
هز رأسه لها متفهمًا وهو يطبع قبلة على جبهتها ووجنتها قبل أن يقول برقة:
- طيب وأنا وعد، هخلص في أسرع وقت الشغل وأرجع على طول.
هزت رأسها موافقة دون حديث عندما اقترب منها مرة أخرى يسألها بمكر:
- طب مش هنطلع ننام بقى ولا إيه؟
ابتسمت بخجل وهي تخفي رأسها في كتفه متمتمة:
- اللي إنت عايزه.
ابتسم لها وهو يحاول رفع رأسها بيده ليرى خجلها واحمرار وجنتها، فتمتم بعدم تركيز:
- شكلنا كده مش هنلحق نطلع الأوضة.
لكمته برقة على كتفه وهي تخفض رأسها مرة أخرى من خجلها، ولكنه اقبض عليها ليبدأ تقبيلها بشغف ليغرقا معًا في ثورة مشاعرهم الخاصة بهم.
استيقظت آسيا في الصباح وعلى وجهها نفس الابتسامة البلهاء من فرط سعادتها. كانت مستكينة داخل حضنه بهدوء تستمتع بدفء جسده وقوة صدره وهي تدفن رأسها فيه. كانت تريد الاستقرار هنا وتمضية ما تبقى حياتها هكذا، ولكنها قررت التحرك فهي تشعر بالسوء بسبب إهمالها لطفلتها في الأيام الماضية. سحبت نفسها من حضنه بهدوء حذر، فهو لا يزال نائماً وهي لا تريد إزعاجه. توجهت إلى غرفة آسو لتوقظها وتمرح معها قبل أن تقرر تحضير وجبة فطورها بنفسها. مرحا معاً كثيراً أثناء تحضير وجبة الإفطار، وبعد حوالي نصف ساعة كانت آسيا تودع طفلتها ملوحة لها بحب وهي تستقل حافلة المدرسة.
توجهت إلى الأعلى ودخلت غرفتها، ولكنها وجدت الفراش فارغاً. سمعت باب الحمام يفتح بهدوء، فالتفتت تستقبل مراد بابتسامة مشرقة وهو يتقدم في اتجاهها. احمرت وجنتاها من رؤيته فقد كان عاري الصدر لا يرتدي سوى منشفة سوداء يحيط بها خصره وأخرى صغيرة يجفف بها شعره. حاولت آسيا السيطرة على مشاعرها من رؤيته بذلك الوضع، وكذلك من نظراته الحارة، فتحدثت بمرح وهي تقف أمامه ترفع معصمها في وجهه وتشير لساعة يدها محاولة تمثيل الجدية:
"شايف الساعة كام!!! قدامك نص ساعة بس تبدل هدومك وتفطر على ما آخد دش وتوصلني الشغل عشان متأخرش، ماشي..."
توقف مراد عن تجفيف شعره، ثم رفع إحدى حاجبيه لها باستنكار وهو يلقي بالمنشفة الصغيرة على الفراش ليفرغ يده ويستطيع محاوطة آسيا جيداً. شهقت بخفة من محاصرته لها، ولكنها حاولت السيطرة على مشاعرها مكملة حديثها بترجّي:
"مراد بجد انت اتأخرت أوي يدوب نلحق نتحرك عشان متأخرش..."
أجابها ممازحاً وهو يحك أنفها بأنفه:
"إيه المشكلة يعني لما نتأخر شوية؟"
آسيا ممازحة:
"انت بقيت كسول أوي على فكرة ووراك شغل متأخر، وبعدين حد ينام كل الوقت ده!!!"
ابتسم لها مشاكساً وهو يجيب:
"أعمل إيه ما انتي اللي أخرتيني امبارح معرفتش أنام بسببك..."
شهقت آسيا بصدمة قبل أن تجيب بتذمر:
"أنا برضو اللي مخلتكش تنام امبارح، ماشي يا مراد أنا بقول بقى النهارده أنام مع آسو عشان تعرف تنام براحتك..."
رفع حاجبه بتحدٍ وهو يبتسم لها:
"طب جربي وبيتهيألي نسيتي للمرة اللي فاتت طلعتك منها إزاي..."
ابتسمت بعمق وهي تتذكر مشاكسه لها ذلك اليوم، فحاولت إغاظته:
"طب ممكن يلا بجد عشان كده هتأخر وبعدين المدير بتاعي الرخم ده ممكن يضايق..."
تظاهر مراد بالجدية وهو يسألها مستنكراً:
"مدير!!!!!!!! ورخم!!!!!!!!"
أجابته آسيا متصنعة البراءة:
"آه يا مراد المدير بتاعي رخم أوي ودمه تقيل، بيبقى هناك من الصبح وواضح كده إنه مستقصدني فلازم أكون هناك في ميعادي عشان ميهزقنيش..."
كتم مراد ضحكته وهو يسألها:
"رخم إزاي بقى احكيلي..."
آسيا:
"دمه تقيل كده وشايف نفسه وفاكر نفسه حلو وبعدين بيمشي ولا همّه حد وكل ما بعمل حاجة يزعقلي، مش عارفة شايف نفسه ليه، تصدق إنه مرة كمان باسني..."
شهق مراد بسخرية وهو يبتسم:
"باسك!!! وانتي سكتيله عادي كده؟"
آسيا بدلال:
"ماهو بصراحة كان حلو أوي وبعدين عايزاني أعارض المدير بتاعي ويرفدوني ولا إيه؟"
مراد:
"لا لو كده أنا هاجيلك المستشفى بليل أشوف المدير أبو ذوق حلو ده..."
شهقت آسيا بفرح وقفزت أمامه وهي تصفق بيدها:
"مراد بجد هتيجي النهارده، الله! انت عارف بقالك قد إيه مجتش المستشفى..."
أجابها مبتسماً بفرح وهو يرى سعادتها واضحة:
"انتِ فعلاً مبسوطة عشان هاجي النهارده؟"
هزت رأسها له بقوة موافقة وهي تحاوط عنقه بذراعيها وتقر بخجل:
"أيوه طبعاً، المستشفى من غيرك ملهاش معنى وحاسة إن في حاجة ناقصاها..."
مراد وهو ينظر لشفاهها بتركيز ويلتوي فمه بنصف ابتسامة:
"لا متقلقيش هاجي عشان عجبتني أوي موضوع البوسة دي ولازم أجي أجرب تاني..."
آسيا وقد بدأ الخجل يزحف لوجنتيها مرة أخرى:
"مرااااااد..."
أجابها مراد وقد بدأ لون عينيه يتحول:
"لا ماهو مراد وانتي محمرة كده مش هينفع خالص وبعدين فين صباح الخير بتاعتي..."
ثم اقترب يخفض رأسه ليقترب من شفتيها، فهمست له بوهن وهي تشعر بأنفاسه الحارة تسقط على وجهها:
"مراد إحنا كده هنتأخر..."
انحنى يضع يده خلف ركبتها ويحملها إلى الفراش وهو يتمتم:
"نتأخر نتأخر مش مهم دلوقتي فيه حاجات أهم..."
ثم ألقاها على الفراش وهو فوقها ليغيبا معاً في ثورتهما الخاصة...
***
انقضى يوم آسيا في المشفى بسلاسة وأوشكت الساعة على الثامنة. كانت آسيا تتمشى بقلق في أحد الممرات تبحث عنه، فقد وعدها بالحضور لكنه تأخر كثيراً. كانت تتلفت حولها عندما أوقفتها عائشة بمرحها المعتاد:
"شكلك بتدوري على حد..."
أجابتها آسيا بخفوت فعقلها في مكان آخر:
"هكون بدور على مين بس يا عائش!!"
عائشة ممازحة:
"يعني انتي دلوقتي مش بتدوري على حد معين طويل كده واسمر وعيونه ملونة ومكتبه فوقينا دورين وبيدور عليكي دلوقتي..."
انتفضت آسيا فرحة:
"عيوش بجد مراد جه؟!"
عائشة غامزة:
"آه والله جه من شوية وسأل عليكي وقلتله إني هبلغها. أيوه يا عم مش متحمل يبعد عنك..."
وكزتها آسيا في كتفها بخفة وهي تبتسم بسعادة وتتحدث بصدق:
"بطلي لمضة وعقبال ما أخلص منك بواحد يتحمل جنانك وهبلك ده ويريحني من لمضتك دي..."
ابتسمت لها عائشة بود:
"يارب عشان أرتاح أنا كمان..."
تركتها آسيا مسرعة وهي تغمز لها بغيظ:
"طب الحق أشوف جوزي بقى سلاااااام..."
ثم انطلقت مسرعة تاركة عائشة تضحك خلفها. وصلت إلى مكتبه وطرقته بخفة ثم دلفت داخل الغرفة دون انتظار إجابة. نظرت إلى المكتب فوجدته فارغاً. شعرت بيده القوية بجانبها تسحبها لتصطدم بصدره قبل أن ينقض عليها يقبلها على الفور بنعومة وشغف. تحرك بها يسندها على الحائط بجوار الباب وهو لا يزال يقبلها بنعومة. دفعته بعد قليل محاولة أخذ نفس عميق تملئ به رئتيها، شعر هو بها فتركها قليلاً. تحدثت آسيا بوهن:
"مراد إحنا في المكتب ممكن حد يشوفنا..."
ابتسم لها بخبث قبل أن يجيبها:
"إيه المشكلة وبعدين انتي مراتي عادي جدا..."
كان يمرر يده بخفة على جسدها فشعرت أن إرادتها تتهاوى أمامه، حاولت إيجاد صوتها لتتحدث:
"مرااااااد مينفع..."
لم تكمل باقي جملتها عندما اقترب منها مرة أخرى يقبلها قبلة طويلة مليئة بالمشاعر، كان يشعر بها تحت لمسته فلم يستطع الابتعاد عنها. قاطعه رنين هاتفه فابتعد عنها وهو يلعن. مرت آسيا يدها المرتعشة على وجهها تحاول تهدئة مشاعرها. تحدث مع أنور بمنتهى الهدوء، فاستنكرت آسيا كيف يستطيع السيطرة على مشاعره في لحظة واحدة. أنهى اتصاله ومد يده يسحبها في اتجاهه يحتضنها بحب. سألها مراد بخبث وهو يستند بوجنته على وجنتها:
"لسه مديرك مزعلك؟"
ابتسمت بوهن وهي تحرك رأسها له نافية. أضاف مراد برقة:
"أممم، يعني دلوقتي مبقاش رخم ودمه تقيل وشايف نفسه؟!"
اقتربت بوجهها من وجهه تتلمس ذقنه برقة شديدة وهي تهمس له وعيناها تلمع بحب:
"هو عمره ما كان كده أبداً، انت عارف إني كنت بغيظك بس..."
طبع قبلة على وجهها ووجنتها وأنفه وشفتها وهو يتنهد بشوق قبل أن يتحدث:
"آسيا قدامك ٥ دقايق تبدلي هدومك وتقابليني في الاستقبال تحت قبل ما أتهور هنا..."
انتفضت آسيا تبعد عنه للأمان وهي تسأل معترضة:
"بس لسه الساعة مجتش ٩ ودواعي لسه مخلصش..."
تحرك مراد نحوها ببطء وهو يتمتم بنبرة مهددة:
"عندك حق وأنا بقول برضو مش لازم أستنى لحد ما نروح البيت..."
فتحت آسيا باب مكتبه تركض خارجه لتنفيذ ما طلبه منها. بعد أقل من ٥ دقائق كانت آسيا في الطابق الأرضي تتجه نحو مراد عندما رأته يقف مع موظفة ما والابتسامة تملئ وجهه. اقتربت منهم وهي تسمع صوت الموظفة تتحدث معه برقة. شعرت بنار الغيرة تبدأ في الاشتعال بداخلها. حاولت السيطرة على غضبها فوقفت أمامه تهتف باسمه، ولكنها توقفت عندما رأت البنت تبتسم له بإشراق ابتسامة جميلة فشعرت بالألم يغزو قلبها من جمال ابتسامتها. عقدت آسيا حاجبيها معاً وهي تقول:
"مراااد!!! أنا خلصت!.."
ابتسم لها مراد ومد يده يحتضن يدها وهو لا يزال يتحدث مع الموظفة بود واضح:
"تمام يا سيلين لو احتجتي أي حاجة أنا موجود..."
ابتسمت الموظفة بخجل والإعجاب واضح في عينها ثم تمتمت بخجل:
"شكراً لحضرتك، لو في حاجة هكلم حضرتك..."
بادلها مراد ابتسامتها ومد يده الأخرى ليربت على كتفها، ولكن أوقفه ضغط قوي من آسيا على يده الأخرى فتراجع وهو يرى الغضب بادياً على وجهها. ودع سيلين وهي تبتسم له بإشراق، فرمقته آسيا بنظرة غاضبة قبل أن تتحرك بجواره. بمجرد خروجهم من باب المشفى وقفت آسيا ونفضت يدها من يده بقوة تسأله بحدة:
"ممكن أعرف بقى مين دي؟ وحضرتك واقف معاها كده ليه؟"
كان يبتسم بمرح من مظهرها الغاضب، فتحركت تقترب منه وهي تهدده بنبرة غاضبة وترفع إصبعها في وجهه:
"مراد أنا مبهزرش، ممكن أعرف مين اللي حضرتك كنت واقف تهزر معاها دي كان ناقص تحضنها والله!!!"
زاد بريق التسلية في عينيه وهو يتراجع عنها خطوة محاولاً كتم ضحكته من مظهرها الغاضب:
"دي سيلين بنت أخ واحد أعرفه طلب مني تدرب عندي وأنا قلت أنزلها المستشفى عشان تكون قريبة منك ولو احتاجت حاجة تساعديها..."
كان الشرر يتطاير من عينيها الآن، فأقتربت منه خطوة أخرى تقول بحدة:
"وعشان كده حضرتك جيت المستشفى النهارده عشان تطمن إنها مش محتاجة حاجة!!! لا وكمان عايزني أدربها لك..."
ثم أضافت مقلدة نبرته:
"هاجيلك المستشفى النهارده عشان عجبتني حكاية البوسة دي!!"
ثم عادت نبرتها الطبيعية:
-" بس الحقيقة إن حضرتك جاي عشانها.
لم يستطع كتم ضحكته، فدوت بقوة من طريقتها في تقليده وعصبيتها الواضحة. فمدت يدها تدفعه بقوة وهي تضيف:
-" مراد، متنرفزنيش أحسنلك.
ثم تحركت بغضب تصعد للسيارة وهي تصفق الباب خلفها بقوة. تحرك مراد خلفها بسعادة ومرح، يصعد للسيارة بجوارها. حاول مسك يدها فدفعتها بقوة وهي تنظر للاتجاه المعاكس بعيداً عنه. استمرت رحلتهم للمنزل ومازالت آسيا على غضبها. وقفت السيارة أمام المنزل، فتحركت آسيا على الفور دون انتظاره، تصعد للغرفة مسرعة تتجه للحمام فور وصولها له. أخذت دشاً بارداً لتهدئة غضبها، ثم ارتدت رداء نوم عبارة عن فستان أسود قصير يصل إلى أعلى ركبتها بكثير، وحمالات رفيعة مع فتحة عنق واسعة تكشف عن الكثير من عنقها ومقدمة صدرها. رفعت شعرها للأعلى بغضب، ثم تحركت للخارج. وجدت الغرفة فارغة، فانتهزت الفرصة تتجه إلى غرفة أسو تطمئن عليها وتتمنى لها ليلة سعيدة. عادت بعد قليل إلى الغرفة فوجدت مراد بداخلها يرتدي فقط بنطال رياضي أسود وعاري الصدر. تجاهلته آسيا وتوجهت إلى الفراش وهي ترفع رأسها بتحدي، ثم سحبت إحدى الوسادات الموضوعة وغطاء الفراش. ثم تحركت أمامه. سحبها مراد وقد بدأت ملامح وجهه في التغيير وتحدث بجدية:
-" آسيا، مفيش بيات بره الأوضة وأنا مبهزرش.
نظرت له بغضب وهي تسحب يدها بقوة من يده قبل أن تدفع الوسادة والغطاء على صدره وتجيبه بتحدي:
-" ومين قالك إني هنام بره أوضتي! أنت اللي هتنزل تنام في المكتب عشان تعرف تضحك لها كويس.
عادت التسلية لعينيه مرة أخرى. ثم رمى الوسادة والغطاء على الفراش مرة أخرى قبل أن يجيبها بشغف:
-" أنا موافق إني أنام في المكتب بس بشرط تنامي جنبي زي امبارح.
ثم تقدم يقترب منها وعينيه تتحول للأسود من ذكريات الليلة الماضية. تحركت ببطء تبتعد عنه ولكنه سبقها، وفي اللحظة التالية كان يحاصرها بقوة وكلتا ذراعيه يتشابكان بكسل على خصرها. دفعته بقوة تحاول التخلص منه ولكنه أقوى منها فلم تستطع التحرر من قبضته. حاولت مرة أخرى بوضع كلتا يديها على ذراعيه محاولة فك تشابك يديه من حولها ولكن أيضاً دون جدوى. حاولت الحفاظ على نبرة صوتها الطبيعية:
-" مراد، لو سمحت سيبني.
أخرج صوتاً من حنجرته يدل على الرفض، ثم اقترب منها. حاولت الابتعاد عن جسده قليلاً ولكنه أعادها إليه بضغط يده على منتصف ظهرها، ثم أسند وجهه على خدها يحرك رأسه ببطء لتشعر بوخز شعيرات ذقنه الخفيف على خدها فتصيبها بالخدر. شعرت بقدميها تتهاوى من تحتها وهو يهمس باسمها بإثارة. لم تدرِ لماذا، ولكنها شعرت بالدموع الحارة تتجمع داخل مقلتيها بقوة. لم تدرِ من غضبها أم من حبها أم من ضعف إرادتها أمامه. فلتت منها دمعة شعر بها تسقط على أنفه وهو يدفن وجهه في وجنتها. رفع رأسه على الفور ينظر إليها، فلاحظ احمرار أنفها واهتزاز شفتها السفلى وهي تحاول السيطرة على دموعها. صدم من مظهرها، فهتف لها بحنان:
-" آسيا، حبيبي.
مجرد سماعها كلمتها المفضلة منه حتى انفجرت بالبكاء وهي تشهق بقوة. شعر بالغضب من نفسه لأنه السبب في حزنها، فضمها بقوة يمسح على شعرها وظهرها بحنان وهو يهمس:
-" آسف، والله كنت بهزر معاكي، أنا آسف مكنتش أعرف إنك هتضايقي كده. سيلين دي زي أختي الصغيرة.
كانت لا تزال تشهق بقوة وهو يمسح على شعرها ويدفن رأسها داخل صدره كأنه يريد حبسها بداخله حتى هدأت تماماً. رفعت رأسها وهي تمسح وجهها بظهر يدها كالأطفال وتمتمت بهمس خجل وهي ترى صدره مبللاً من أثر دموعها:
-" خلاص أنا كويسة، ممكن تسيبني بقى.
حرك رأسها رافضاً وهو يبتسم لها بمكر:
-" لا مش هينفع، أنا عايز أدوق.
رفعت رأسها تسأله ببلاهة:
-" تدوق إيه؟
أجابها بهمس وهو يسحبها نحوه مرة أخرى:
-" أدوق الدموع اللي غرقت وشك وغرقتني دي.
دفعته بوهن وقد بدأ غضبها يعود إليها مرة أخرى:
-" أنا لسه مضايقة منك على فكرة، وبعدين روح لست سيلين، بيتهيألي هي أولى.
دوت ضحكته، فلكمته بكف يدها بقوة على ذراعه وهي تقول بحده:
-" مراد، سيبني بجد أحسنلك.
تركها متحاشياً دموعها مرة أخرى، فتحركت هي من أمامه تلتقط الوسادة ثم قذفتها نحوه بقوة. تحرك نحوها يقبض عليها بقوة يحدثها بمرح:
-" أنا غلطان إني سبتك على فكرة، وبعدين مكنتش أعرف إنك بتغيري عليا أوي كده.
نظرت له بغضب قبل أن تجيبه كاذبة:
-" أنا مغرتش ولا حاجة بس معجبنيش شكلها كده وخلاص.
ابتسم مراد وهو يتحدث معها بإقرار:
-" قلتلك قبل كده كتير مبتعرفيش تكدبي عليا، شوفي رموشك اتحركت كام مرة دلوقتي في الجملتين دول!!!
اخفضت رأسها تتحاشى نظراته، ولكنه وضع إصبعه تحت ذقنها يرفع رأسها إليه مرة أخرى يتفحص وجهها قبل أن يطبع قبلة خفيفة على شفتيها ويقول:
-" طب ما تسمعيني إنك غيرتي عليا وتفرحيني بدل ما أنا بغيظك من الصبح وبحاول أسحب الكلام ومفيش فايدة.
لكمته مرة أخرى بغضب فتظاهر بالألم لعلها تلين:
-" آآآآآآآآآآه، إيدك جامدة.
آسيا بحده: أحسن، خلي الست أم ضحكة حلوة تطبطب عليها يمكن تبطل توجعك.
ثم تحركت عنه مستديرة، فأوقفها هذه المرة بجدية:
-" استني هنا، مين دي أم ضحكة حلوة؟
استدارت آسيا تواجهه وهي تقر بحزن:
-" سيلين، أنت مش شفت بتضحك لك إزاي!!!
نظر إليها مراد بحزن قبل أن يمد يده يلعب بخصلات شعرها ثم تحدث بإقرار:
-" أنا ميهمنيش مين ضحكته حلوة ومين لأ، وبعدين سيلين دي فعلاً زي أختي الصغيرة، صاحبي طلب مني أساعده وأنا ساعدتها بس عشان خاطره مش أكتر. وبعدين أنا معرفش حد ضحكته حلوة غير الغمزات اللي قدامي دي واللي لما بتضحكلي بنسى الدنيا باللي فيها.
ثم حرك يده يتلمس تلك الغمزة التي بدأت تظهر بوضوح الآن من أثر ابتسامتها. اخفض رأسه يطبع قبلة فوق غمزتها ويده الأخرى أمسك بيدها ثم وضعها فوق قلبه لتشعر هي بدقاته. همس في أذنها بحنان:
-" مش هسمع بقى كلمة بحبك زي امبارح تاني؟
هزت رأسها له رافضة، فأنحنى يحملها وهو يبتسم لها بإغراء:
-" طب استحملي بقى.
ثم وضعها برقة فوق الفراش وانحنى فوقها يقبلها مطولاً بشغف وحنان وهما يغرفان في أمواج مشاعرهم المحتدمة.
رواية عشقي الابدي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم شيماء يوسف
انقضى الأسبوع التالي لآسيا على نفس المنوال، كانت تشعر بأنها تحلق فوق السحاب بأمتار من شدة سعادتها، كان كل شيء على أفضل ما يكون.
في الأسبوع الذي يليه، كانت آسيا تجلس في فراشها بهدوء وهي تضع يدها فوق خدها تفكر في مراد. فقد اضطر للسفر من أجل العمل منذ عدة أيام. بالطبع كان يهاتفها يوميًا ويظل معها على الهاتف حتى موعد نومها، ولكن هذا لم يكن كافيًا بالنسبة لها، فقد اشتاقت له ولحضنه ووجهه وكافة تفاصيله. حتى أنها لا تستطيع النوم براحة منذ سفره.
أفاقت من تفكيرها على رنين هاتفها، أجابت على الفور فهي تعلم جيدًا أنه هو المتصل. أجابت، فجأة صوته العميق على الفور:
"آسيا!.."
شعرت آسيا بالدموع تتجمع داخل عينيها بمجرد سماعها لصوته، فخرج صوتها مكتومًا رغم محاولتها ليبدو طبيعيًا:
"مراد.."
مراد بقلق:
"آسيا مالك صوتك غريب؟.."
أجابته على الفور:
"لا مفيش حاجة.."
مراد باهتمام:
"آسيا انتي بتكذبي عليا؟.."
آسيا بصدق:
"لا والله مفيش حاجة.."
مراد:
"طب مال صوتك؟ آسيا كويسة طيب؟.."
آسيا:
"كلنا كويسين متقلقش.."
صمتت قليلاً ثم سألته بيأس:
"مراد انت هترجع إمتى؟.."
شعرت به يبتسم قبل أن يجيبها:
"يومين كمان أو يمكن تلاتة، ليه وحشتك؟.."
شعرت بالإحباط يتملك منها، فخرج صوتها متهدج وهي تجيبه:
"بصراحة آه.."
شعر بها فتنهد بحزن:
"آسيا معلش بس في شغل كتير هنا ومحتاج على الأقل أظبط المناقصة دي قبل ما أرجع.."
هزت رأسها له غير مدركة أنه لا يراها، ثم حاولت منع دموعها من الانهمار. طالت فترة صمتها، فهتف مراد باسمها بحنان:
"آسيا انتي لسه هنا؟.."
زفرت بيأس ثم تنحنت محاولة تنقية حنجرتها قبل أن تجيبه، ولكن دون جدوى، فخرج صوتها مكتومًا من الدموع:
"آه هنا متقلقش.."
ثم صمتت مرة أخرى تحاول السيطرة على اليأس الذي أصابها، فهي كانت تتمنى أن يخبرها بانتهاء رحلته وليس أن أمامه ثلاث أيام أخرى!
شعر بها فأكمل حديثه برقة بالغة:
"آسيا، حبيبي أنا عارف إني اتأخرت وإنك مكنتيش عايزاني أسافر، بس كل ده غصب عني. أنا أكتر حاجة بتمنها دلوقتي إني أكون جنبك عشان أعرف أنام وأنا مرتاح.."
خرج صوتها همسًا وهي تجيبه، فبالكاد استطاع سماعه:
"وأنا كمان على فكرة.."
ثم أضافت بنفس نبرتها:
"ممكن تحاول تخلص الشغل بسرعة وتيجي قبل الـ 3 أيام.."
شعرت به يبتسم للمرة الثانية وهو يجيبها:
"حاضر هحاول أخلص بأسرع وقت وأكون عندك.."
آسيا بأمل:
"وعد؟.."
مراد:
"وعد قبل الـ 3 أيام ما يخلصوا هكون قدامك.."
ابتسمت بإشراق وهي تجيبه:
"وأنا واثقة فيك.."
مراد بمزاح:
"طب ممكن أقفل دلوقتي عشان أروح أخلص الشغل ده وأرجعلك بأسرع وقت؟.."
آسيا وقد عاد إليها شيء من مرحها:
"آه طبعًا ممكن.."
ثم أغلقت الهاتف وهي تشعر بالسعادة، فهي تثق به تمامًا، وإذا وعدها فسوف يأتي بأسرع وقت.
في الليلة التالية، كانت آسيا على وشك دخول الحمام عندما تذكرت ميعاد حبوبها. حملت العلبة ثم تذكرت أن مراد ليس هنا، لذلك قررت عدم أخذ الحبوب حتى موعد رجوعه. فتركتها ثم توجهت إلى الحمام تأخذ حمامًا باردًا قبل الذهاب للنوم. خرجت بعد قليل وهي ترتدي بيجامة من الدانتيل، عبارة عن شورت أبيض قصير به تخريمات صغيرة ويزين بالدانتيل على طرفه، وتيشرت من نفس اللون ذو حمالات رفيعة يصل إلى معدتها ومزين أيضًا بالدانتيل، ورفعت شعرها للأعلى. رفعت هاتفها مرة أخرى لتتحدث معه، ولكنه كان مغلقًا. شعرت بالقلق يتملك منها، فهو لم يحدثها اليوم على غير عادته. حاولت مرة أخرى ولكن نفس النتيجة. وضعت الهاتف بجوارها وجلست على طرف الفراش تتنهد بقلق عندما سمعت هدير سيارة في الحديقة. تحركت تنظر من النافذة فتفاجئت بسيارة مراد. خرجت من الغرفة تركض في اتجاه الحديقة. فتحت باب المنزل الرئيسي فوجدته يترجل من السيارة. التفت على صوت حركتها، فركضت مسرعة تلقي بجسدها عليه. احتضنها بقوة وهو يحملها، فأصبحت قدماها لا تلامسان الأرض. حاوطت رقبته بكلتا ذراعيها ولفت رجليها حول قدميه بقوة، ودفنت رأسها في عنقه تستنشق عطره وهي تبكي من شوقها إليه. ضمها هو بقوة مشددًا بذراعيه على خصرها، يدفن رأسه في عنقها يهمس لها بحنان:
"خلاص متعيطيش أنا هنا.."
لم تجبه، ولكنها حركت رأسها قليلاً في تجويف عنقه محافظة على احتضانها له. ظلا هكذا فترة من الوقت لا يشعران بأي شيء مما حولهما، قبل أن يتحرك بها وهو لا يزال يحتضنها نحو المنزل. رفعت آسيا رأسها قليلاً فرأت السائق يقف بجوار السيارة، فشعرت بالخجل من وضعها وملابسها، فهي من سعادتها لم تر شيئًا غيره. دفنت رأسها مرة أخرى في عنقه حتى وصلا إلى المنزل، وأغلق الباب خلفه برفق وأنزلها على مضض. ابتعدت عنه قليلاً تمسح دموعها وهي تبتسم له بإشراق. شعر بأنفاسه تزداد وعضلات جسده تتصلب من مظهرها وبيجامتها الشفافة التي تبرز جسدها بقوة، وعنقها الرائع وخصلات شعرها المتمرده. كان يتأملها بشغف عندما فتح عينيه بصدمة وسألها بغضب:
"آسيا انتي طلعتي كده قدام السواق؟!"
أطرقت بنظرها نحو الأرض وهي تمتم له معتذرة:
"أنا آسفة والله ما أخدتش بالي، أنا جريت على طول من الفرحة من غير ما أركز.."
لم يصدر منه أي رد فعل، ولكن لاحظت تحول لون عينيه إلى الداكن. اقتربت منه ببطء، تضيف وهي تأخذ جاكيته تلقي به على الكرسي، ثم تعود وتعبث بيدها بأزرار قميصه:
"خلاص بقى يا مراد والله مكنتش أقصد، ميبقاش قلبك أسود بقى.."
ثم رفعت نفسها تقف على أطراف أصابعها لتصل إليه وتطبع قبلة شغوفة بجانب فمه. زفر بحنق وهو يخفض رأسه ويتمتم لها بتهديد لذيذ:
"انتي بتاعتي أنا لوحدي، وأنا لوحدي اللي من حقي أشوفك كده، فاهمه؟.."
هزت رأسها له ببطء مطيعة وهي تستند بيدها على صدره وتقترب منه تطبع قبلة أخرى رقيقة على مقدمة عنقه. لعن بخفوت وهو يقترب يقبل وجهها وجبهتها وجفونها وشفتيها، قبلة تلو الأخرى، وهي تهمس باسمه بشغف فيزيد من عمق قبلاته. همست له بنبرة مليئة بالمشاعر من بين قبلاته:
"انت وحشتني أوي على فكرة.."
تنهد باشتياق وهو يمسك إحدى خصلاتها يستنشقها بعمق، ثم يقبلها، قبل أن يزيحها بعيدًا عن عنقها، ثم أخذ يقبل عنقها قبلات خفيفة متتالية، قبل أن ينحني ليحملها ويصعد بها إلى الأعلى وهو لا يزال يقبلها قبلاته الحنون. دلف بها إلى غرفتهم، ثم وضعها على الفراش برقة متناهية كأنه يخشى أن تتحطم، ثم انحنى فوقها يدفن رأسه في عنقها، يملأ رئتيه بعطرها، قبل أن يلتقط شفتيها يقبلها بعمق، يبثها شوقه وغرامه، ويغرقا معًا.
بعد فترة من الوقت، كان مراد يتمدد على الفراش وآسيا تتوسط صدره وهي تحيط خصره بذراعيها. كانت تفكر في مالك قلبها الذي يصيبها بالحيرة. لقد عاد في اليوم التالي بناءً على طلبها وطرد ياسمين من أجلها. وفي أوقاتهم الحميمة كان يهمس في أذنها بكل ألقاب التحبيب، ولكنه لم ينطق بها ولا مرة في أوقات أخرى. كانت في أعماقها تتمنى لو أنه يتحدث معها عن الماضي، لو أنه فقط يريح قلبها بكلمة واحدة. ولكنها في كل الأحوال قررت نسيان الماضي وبدء صفحة جديدة معه، وترك ما تبقى للأيام، فهي كفيلة بإظهاره. هتفت باسمه بحنان وهي تتحرك تقترب منه تدفن رأسها في تجويف عنقه:
"مراد.."
أجابها وهو يستند برأسه على رأسها براحة:
"عيون مراد.."
ابتسمت بخجل، ثم مدت يدها تتلمس تفاحة آدم خاصته برقة:
"انت عرفت تيجي النهارده إزاي؟"
أجابها وهو يعبث بيده في خصلات شعرها الحريري:
"ولا حاجة، منمتش من امبارح.."
شهقت بفزع ثم تحركت تستند بجسدها على مرفقها لتواجهه وهي تسأله باستنكار:
"إزاي؟!"
ابتسم بمرح وهو يرى تعابير وجهها المذهولة:
"بعد ما كلمتيني اتصلت بأنور يرجعلي وقعدنا نخلص كل تفاصيل المناقصة لحد الصبح، والساعة 7 اتصلت برئيس الشركة الفرنسية أطلب منه اجتماع عشان نتفق على الخطوط الرئيسية اللي هنمشي عليها الفترة الجاية، وسبت أنور هناك لحد ميعاد المناقصة وركبت أول طيارة وجيت على طول.."
شهقت للمرة الثانية بصدمة وهي تهمس له بعيون متسعة:
"كل ده عشاني؟!"
أجابها وهو يحاوط وجهها بكفه:
"كل ده عشان انتي طلبتي أرجعلك بسرعة وطلباتك عندي أوامر.."
أخفضت رأسها بخجل مبتسمة، ثم أضافت متسائلة وهي تتلمس وجنته بإصبعها:
"طب وقلتلهم إيه عشان تعرف تسيبهم وتنزل؟"
أجابها وهو ينظر في عينيها بشغف وهو يرى انعكاس صورته بداخلهما:
"قلتلهم إن مراتي وحشتني ومش قادر أبعد عنها أكتر من كده.."
ابتسمت بخجل، فظهرت غمازتها واضحة. كانت تستمع بكل حرف يخرج منه ولا تريده أن يتوقف عن الحديث، كان قلبها منتشيًا من عذوبة كلماته وهمس نبرته. حرك إصبعه يتحسس غمازتها الظاهرة وهو يأسر عينيها بعينه كأنه مغناطيس. قطعت آسيا الصمت بعد فترة تسأله باهتمام:
"يعني انت كل ده منمتش من امبارح بجد؟"
هز رأسه لها إيجابًا وهو يتأملها بشغف ويعبث في خصلات شعرها. أضافت بنبرة قلقة:
"طب يلا غمض عينك عشان تنام.."
هز رأسه لها رافضًا وهو يتحرك ليصبح وجهه على بعد خطوة من وجهها، وأنفاسه الحارة تلحف وجهها ببطء، ثم تحدث هامسًا:
"آسيا.."
أجابته بوهن:
"نعم.."
مراد:
"أنا جعان.."
انتفضت آسيا لتتحرك مسرعة:
"ثواني والأكل يكون عندك.."
أمسك يدها يوقفها يعيدها إلى موضعها مرة أخرى مكملًا حديثه وهو يدفن رأسه في ثنايا عنقها وهو يتمتم:
"أنا مش جعان أكل، أنا جعان حضنك، جعان صوتك وريحتك وضحكتك وكل حاجة فيكي.."
شعرت بالدموع تتجمع داخل مقلتيها من شدة مشاعرها، فأقتربت منه تزيد من احتضانها له، تريد لو تخفيه بداخل قلبها ولا تخرجه مرة أخرى.
رفع رأسه بعد فترة يسألها بخبث:
- ها، كنا بنقول إيه؟
قضمت على شفتيها بوهن بسبب يده التي كانت تتحرك بعبث على جسدها. أسقطت تلك الحركة دفاعاته، فأخفض رأسه يلتقط شفتيها في قبلة عميقة شغوفة، بداية لمشاعر تحتاجهم معًا.
بعد مرور شهر، كانت آسيا نائمة على الفراش بكسل. حاول مراد إيقاظها ولكن دون جدوى. تحرك للأسفل يوقظ صغيرته ويتناول الفطور معها، ثم ودعها إلى مدرستها وصعد مرة أخرى إلى غرفتهم، ولا تزال آسيا نائمة. زفر بملل وهو يحاول إيقاظها.
- آسيا، قومي الوقت اتأخر، وآسيا اتحركت وإنتي لسه نايمة.
تمتمت وهي تمد يدها تمسك يده وهي لا تزال مغمضة:
- مراااد، سيبني أنام شوية كمان والنبي.
تأفأف مراد بضيق.
- وهى يجلس بجوارها يحاول إيقاظها:
- آسيا، إنتي الفترة دي بقيتي كسلى أوي، طول اليوم نايمة وبترجعي من الشغل تنامي، وبتصحي كل يوم بالعافية.
فتحت عينيها بإرهاق، فهي فعلاً تشعر أنها تريد النوم مرة أخرى.
- حبيبي، خلاص أنا قمت أهو، متزعلش.
تحرك يقترب منها وهو يهمس في أذنها:
- وحشتيني.
اقتربت منه تطبع قبلة على وجنته وهي تبتسم له بخبث.
- طب بعد ما وحشتك، هتسيبني أكمل نوم؟
حدثها مراد بتهديد:
- آسيا، قدامك ربع ساعة تكوني قمتي ولبستي وجهزتي، أحسن ما أخصملك اليوم.
ثم أضاف وهو يرى خوفها:
- لا، يوم إيه؟ هخليه الشهر كله.
انتفضت من الفراش مبتعدة عنه مسرعة، ثم عادت مرة أخرى تخطف قبلة من وجنته وهي تتمتم:
- طب صباح الخير الأول.
ثم طبعت قبلة أخرى على شفتيه قبل أن تركض في اتجاه الحمام. أما هو فكان يبتسم باستمتاع من حركتها الطفولية.
كانت آسيا تجلس في مكتبها تشعر بالإرهاق بعد انتهاء جولتها الصباحية. كان مراد محقاً، فهي أصبحت تشعر بالإرهاق والتعب من أقل مجهود تقوم به. استندت برأسها على مكتبها لتغرق في نوم عميق.
شعرت بيد تحركها بخفة. فتحت آسيا عيونها لتجد عائشة تقف أمامها بابتسامة مشرقة مازحة كعادتها.
- لا، مش معقووول، قفشتك متلبسة، آسيا ونايمة!!! لا إنتي من ساعة ما بقيتي مراد المدير، وإنتي مبقتيش نافعة خالص.
تحركت آسيا بتعب تنظر مصدومة من نفسها، ثم أجابت عائشة:
- عندك حق، أنا مش عارفة مالي يا عيوش، أنا أزاي نمت كده وحاسة إني مش قادرة أعمل حاجة، وطول الوقت عايزة أنام، حتى مراد لاحظ ده وبدأ يضايق.
نظرت لها عائشة متفحصة قبل أن تجيبها:
- ما يمكن عشان حامل يا بيضا.
نظرت لها آسيا بصدمة ثم قالت مستنكرة:
- لا يابنتي، حامل إيه، أنا باخد حبوب أصلا.
أنهت كلامها، ثم شهقت وهي تضع يدها على فمها برعب وعيونها تتسع من الصدمة، تتذكر يوم عودة مراد من سفره لم تتناول حبوبها.
حدثت عائشة بخفوت:
- أنا نسيت أخدها مرة.
تذكرت آخر موعد ل عادتها الشهرية، فانتفضت برعب تتمتم:
- يالهوي، أنا لازم أعمل تحليل.
ثم ركضت مسرعة تتجه للأسفل لتقوم بعمل فحص حمل في الحال.
بعد مرور بعض الوقت، كانت تجلس برعب تنتظر نتيجة فحصها وقلبها يكاد يسقط منها من شدة التوتر.
خرجت عائشة تنظر إليها، ثم حركت رأسها إيجاباً.
- إيجابي.
وضعت آسيا يدها على وجهها وهي تحرك قدمها بتوتر تفكر سريعاً فيما ستفعل.
جلست عائشة بجوارها تحتضنها وهي تربت على ظهرها قبل أن تحدثها:
- آسيا، أنا عارفة إن ظروفك تمنع أي حمل، بس ده كله رزق من عند ربنا. يمكن زمان كانت الظروف مختلفة، لكن إنتي دلوقتي عايشة مبسوطة وجوزك جنبك، وكلنا معاكي وهنهتم بيكي من دلوقتي لحد ما ربنا يقومك بالسلامة، وإنتي طبعاً هتهتمي بأكلك وبنفسك. وفي الآخر القرار يعود ليكي، لو حبيتي تنزليه أو تسيبيه، إنتي أدرى.
هزت آسيا رأسها لها موافقة، لن تتخلى عن قطعة من مراد بداخلها مهما كانت النتيجة، فهي الآن لديها أمل ومراد معها، وبجانب طفلتهم.
هناك شيء واحد يجب عليها القيام به قبل أي شيء. ستخبر مراد بحقيقة أسو الليلة.
رواية عشقي الابدي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم شيماء يوسف
في ذلك الوقت كان مراد يجلس على مكتبه تعلو وجهه ابتسامة وهو يفكر في حبه الأول والأخير آسيا، مالكة قلبه وتوأم روحه التي شعر معها باكتماله.
عاد بذاكرته للصباح ليتذكر همساتها له ظناً منها أنه نائم. كانت تخبره كم تحبه وتشتاق له وتشعر بالأمان بجواره. كان يريد أن يخبرها بكل ما يحمله في قلبه لها من عشق وهيام. يريد أن يبوح لها بسره الذي يؤلمه ويمزق روحه. أنها زوجته وحبيبته والوحيدة التي استطاعت جعل قلبه يخفق لأجلها. ولكنه لم يفعل.
تأفف في مقعده مقرراً أن يخبرها بكل ذلك اليوم. نعم اليوم. فهو يثق بها كنفسه. سيخبرها بما حدث معه منذ عدة سنوات في ذلك اليوم المشؤوم. سيعترف لها بالحقيقة كاملة، سيشاركها ألمه وضعفه. وأيضاً، سيخبرها أنها هي الوحيدة التي ملكت قلبه دون سواها وليس هناك أنثى على الأرض استطاعت ملء فراغها بالنسبة له. سيخبرها أنه خدعها بادعائه حب أخرى وأنه فعل كل ذلك من أجل سعادتها.
أفاق من شروده على رنين هاتفه. التقطه ثم ابتسم بسعادة، فالمتصل هي زوجته الحبيبة. أجاب مسرعاً:
"آسيا."
جاءه صوتها من الطرف الأخير مبتسماً:
"مراد، عايزة أقولك على حاجة هتفرحك."
مراد:
"إيه هي، قولي وأنا سامعك."
كان يشعر بابتسامتها من خلال الهاتف فازدادت ابتسامته تلقائياً لسعادتها.
آسيا بابتسامة عريضة:
"لأ، الكلام اللي هقولهولك مينفعش في التليفون، لازم أشوفك."
مراد:
"طيب، أنا أصلاً كنت مقرر أخطفك النهارده ونقضي ليلة لوحدنا بعيد عن أي حد عشان أنا كمان عايز أقولك حاجة مهمة."
آسيا بفرح:
"طبعاً موافقة، ياريت تخطفني في أسرع وقت عشان أنت وحشتني."
سمعت صوت أنفاسه غير المنتظمة من الطرف الآخر قبل أن يجيبها:
"يبقى استنى عليا لبليل واخرجي بدري وهقابلك في البيت الساعة ٨."
وافقت بسعادة قبل أن تغلق الهاتف وتقرر الخروج من المشفى. أتى المساء سريعاً، وبرغم حماس آسيا إلا أنها كانت تزداد توتراً من اقتراب ميعاد الحقيقة، فهي تعلم جيداً أن مراد سيسعد بها ولكنها لازالت متوترة من تأخرها في إخباره.
في المساء كانت تتشابك أيديهما معاً في طريقهما للخارج. سألته آسيا بعد صعودهما للسيارة بفضول يتأكلها منذ الصباح:
"مراد، احنا هنروح فين؟"
ابتسم لها ابتسامة ساحرة وهو يجيبها:
"مانا لو قلتلك مش هتبقى مفاجأة، استنى بس ساعة وهتشوفي بنفسك."
أجابته معترضة:
"مانا عايزة أعرف، وكمان متنساش إننا سايبين أسو لوحدها."
مراد:
"متخافيش، هنرجع الصبح قبل ما أسو تصحى. وعد. وبعدين هو أنا مش من حقي أخطف مراتي شوية لوحدنا؟"
ابتسمت بخجل وهي تعيد إحدى خصلات شعرها المتمرّدة للخلف قبل أن تجيبه:
"خلاص، اللي تشوفه."
مد يده يمسك بيدها قبل أن يرفعها نحو شفتيه يقبلها ثم يقبل باطنها.
بعد حوالي ساعة توقف أمام بيت جبلي رائع بحديقة واسعة خلابة. نظرت إليه آسيا بتساؤل فابتسم لها وهو يجرها بحماس للداخل. شهقت آسيا بمجرد دخولها للمنزل من ديكوره الخشبي الذي كان يضيف إليه الدفء والحميمية. التفتت تنظر لمراد بعيون لامعة قبل أن تحدثه بخفوت وهي مازالت ممسكة بيده:
"مراد."
أجابها بحنان:
"عيون مراد."
ابتسمت له بخجل من أثر كلمته البسيطة ثم أضافت:
"مراد، البيت حلو أووووي."
اقترب منها يلف ذراعيه حول خصرها ويقربها منه وهو يهمس لها:
"يعني عجبك؟!"
أومأت برأسها بقوة وهي تتمسك بياقة قميصه بكلتا يديها وتبتسم له:
"عجبني أوي أوي."
ابتسم لها وهو يرفع رأسه للأعلى ينظر للمنزل ثم أضاف بهدوء:
"طب يا ستي، البيت ده بتاعك انتي وآسيا زي ما كنتي بتتمني."
شهقت بفرحة وهي تسأله:
"مراد، انت لسه فاكر؟!"
اقترب برأسه منها يضع قبلة رقيقة على جبهتها قبل أن يضيف:
"آسيا، مفيش حاجة قولتيها أو اتمنتيها متحفرتش هنا وهنا."
ثم حرك يده يشير إلى رأسه ثم نحو قلبه.
شعرت بالدموع تتجمع داخل مقلتيها من حنانه، فهو يتذكر جيداً كم تمنت أن تمتلك منزل جبلي تستطيع الاستجمام فيه مع طفلتهم المستقبلية في العطلات. حركت يدها تضعها فوق موضع قلبه بحنان ثم أخفضت رأسها تطبع قبلة رقيقة عليه.
ابتسم من حركتها الناعمة وحاول استجماع قوته وصوته ليبدأ حديثه:
"آسيا، عايز أتكلم معاكي في حاجة مهمة."
هزت رأسها له بوهن موافقة وهي تحرك إصبعها نحو عنقه وتتلمسه برقة قبل أن ترفع جسدها تطبع قبلة على مقدمة عنقه.
حاول أخذ نفس عميق والسيطرة على سيل مشاعره التي تحركت بفعل لمساتها الرقيقة ولكنه فشل. تنحنح محاولاً إيجاد صوته ليعيد:
"آسيا،.."
نظرت له بابتسامة عريضة يعلمها جيداً قبل أن تضيف بدلال:
"وأنا كمان عايزة أقولك على حاجة مهمة."
ثم اقتربت منه تلتهم شفتيه فما كان منه إلا أن استجاب لها بقوة يحملها ويصعد بها إلى الأعلى ليغرقا معاً في مشاعرهم الحارقة.
فاقت آسيا من نومها في منتصف الليل. نظرت حولها فوجدت مراد نائماً براحة. ابتسمت بحنان وهي تتلمس وجنته وتضع يدها الأخرى أسفل بطنها بحنان. كم تمنت أن يرزقها الله بطفل يشبهه ويحمل ملامحه وتشعر أن دعواتها قد استجيبت.
تحركت بهدوء من جواره ترتدي ملابسها وتتحرك للأسفل تستمتع بالهواء الطلق في الحديقة. أغمضت عينيها تأخذ نفساً عميقاً وتستنشق عبير الزهور قبل أن تفتحها مرة أخرى تنظر إلى السماء بنجومها المتلألئة عندما شعرت برائحته تقترب منها فأبتسمت.
مد ذراعيه يحيط خصرها بقوة ويجرها إليه فأصبح ظهرها ملتصقاً بصدره القوي ثم أخفض رأسه يستند بذقنه على كتفها. ابتسمت له دون أن يراها ثم اقتربت برأسها تستند على رأسه وهي تتمتم بسعادة:
"النجوم هنا حلوة أوي."
أجابها بشغف:
"عشان انتي بتبصي لها لازم تبقى حلوة."
أجابته مبتسمة:
"امممم، يعني انت مجبتنيش هنا النهارده عشان كده؟!"
جاءها إجابة سؤالها بقبلة رقيقة على طرف أذنها. مدت يدها تمسك بإحدى يديه تضعها فوق بطنها وهي تتمتم له:
"ممكن تخلي إيديك هنا."
رفع إحدى حاجبيه مستنكراً قبل أن يسألها:
"ماشي، بس ليه؟"
أجابته بهدوء:
"عشان أنا عايزة كده. وبعدين ليه دي كلها شوية صغيرة وتعرفها."
طبع قبلة بجانب أذنها وهو يقول:
"اللي حبيبتي تأمر بيه."
شعرت بقلبها يقفز فرحاً من كلمته البسيطة ولم تريد أن تسمع كلمة أخرى بعدها.
قطعت الصمت بعد فترة هامسة:
"مراد."
أخرج صوتاً من حنجرته يدل على استماعه فأكملت محاولة إخراج نبرة طبيعية عكس التوتر الذي كان يزداد بداخلها خوفاً من ردة فعله:
"آسيا بنتك.."
انتظرت رد فعل منه ولكنه تحدث بنبرة بطبيعية أكثر من اللازم يسألها:
"مالها آسيا، مش فاهم؟!"
استدارت تنظر إليه مصححة وهي تزدرد ريقها بقوة وتشعر بازدياد ضربات قلبها:
"انت فهمتني غلط، آسيا بنتك انت، انت باباها."
ثم اقتربت تحاوط وجهه بكفيها وهي تضيف:
"انت باباها البيولوجي، آسيا بنتك انت ومن دمك."
أقبض على معصميها بقوة ينفض يدها من فوق وجهه بعنف وقد تحولت ملامح وجهه للغضب وخرجت نبرته أكثر غضباً:
"انتي عايزة توصلي لايه بالظبط، فهميني!! وايه لازمة كلامك ده؟!"
شعرت بالخوف من ملامحه ونبرته ولكنها حاولت السيطرة على خوفها وسألته بصدمة:
"مش فاهمة قصدك إيه؟!"
صرخ بها بقوة وهو يدفعها بعيداً عنه:
"انتي اللي قصدك إيه!! ليه بتقولي حاجة مش حقيقة!! ليه بتكذبي عليا!! عايزة توصلي لايييييه؟!"
ارتجفت من مظهره وبصراخه بها، فكانت عيناه تقدح بالشرر من شدة غضبه. ابتلعت ريقها بصعوبة محاولة إخراج صوتها لتحدثه:
"مراد، اهدى، أنا عارفة إنها مفاجأة ليك بس دي الحقيقة، انت والد آسيا الحقي..."
لم تكمل جملتها فقد اقترب منها يقبض على معصمها يجرها له بقوة فشعرت بأنفاسه الحادة تقع عليها فزاد ارتجافها تلقائياً من عنفه الغير معهود. حاولت الإفلات منه وهي تطرق برأسها للأسفل فقد كانت تشعر بذراعها يتحطم من أثر قبضته ولكنه شدد من قبضته أكثر قبل أن يصرخ بها:
"بصيلي."
لم تتحرك فقد كانت دموعها تنساب بغزارة من ألم ذراعها ومن غضبه فصرخ بها مرة أخرى بصوت أكثر ارتفاعاً:
"بصيلي هنا."
انتفضت من صراخه فرفعت رأسها تنظر له وهي تترجاه:
"مراد، لو سمحت سيب إيدي، انت بتوجعني."
لم يعرها انتباهاً ولكنه شدد على قبضته أكثر وهو يصرخ بها:
"مش هسيبك غير لما أفهم انت قلتي كده لييييه!!! مين قالك تقوليلي الكلام ده؟!"
شعرت بالدم ينسحب من عروقها، فذلك الشخص الذي أمامها ليس مراد بل إنسان آخر لم تعهده من قبل. تناست ألم ذراعها ورفعت رأسها بكبرياء تقول:
"انت قصدك إيه!! مين قالي إيه!! آسيا بنتك ودي الحقيقة، مش عايز تتقبل ده انت حر."
كان صراخه الآن يصم الآذان لدرجة أنها تمنت لو تستطيع الهروب منه بعيداً من شدة خوفها:
"مش بنتي، متقوليش بنتي، استحالة تكون بنتتي، أنا مش غبي عشان أصدق إنها بنتي، انتي بتعملي فيا كده ليه!! أنا اعتبرتها زي بنتي بالظبط ومابخلتش عليها بحاجة، انتي هدفك إيه!! لو على الفلوس هكتب كل حاجة باسمها بس متقوليش بنتي!! انتي فاهمه، متقوليش بنتي حرام عليكي."
ثم دفعها بقوة فسقطت على الأرض قبل أن يتركها ويخرج راكضاً وصافقاً الباب بعنف. شعرت لو أن المنزل يتحرك من قوة صفقته. ركب سيارته وقاد بأقصى سرعة حتى توقف في مكان مهجور. ترجل منها وهو شبه فاقداً لوعيه من شدة غضبه. صرخ بكل قوته يركل إطار سيارته وهو يهتف باكياً:
"مش بنتي، أنا مستحيل أخلف، مش بنتي، أنا مقدرش أجيب ولاد، مش بنتي، أنا عقيم."
ثم ارتمى على الأسفلت تاركاً لدموعه العنان بحرقة.
رواية عشقي الابدي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم شيماء يوسف
ظلت آسيا مكانها تحاول استيعاب ما حدث بينهم منذ قليل. هزت رأسها بقوة لعلها تفيق من كابوسها ذلك، ولكنه لم يكن بكابوس للأسف، هو حقيقة. كانت دموعها تنساب فوق وجنتيها بغزارة. هزت رأسها مرة أخرى وهي تتمتم غير مصدقة:
"ده مش مراد، ده أكيد مش مراد."
ثم انفجرت في البكاء تشهق بقوة وهي تتذكر ما قاله منذ قليل. هل يشك في صدق كلامها؟ مراد يظن أنها تكذب عليه من أجل المال! لقد رفض ابنته منذ قليل. لم تتوقع حدوث ذلك في أسوأ كوابيسها. ظنت أن يعنفها ربما، أو أن يثور ربما أيضًا، ولكن أن يرفض ابنته!
ظلت في مكانها طوال الليل تبكي حتى الصباح. مع اقتراب شروق الشمس، مسحت دموعها بظهر يدها وقررت النهوض. قررت بقوة أنها النهاية. لن تجبره على شيء، ولن تنتظر منه شيئًا. ستأخذ ابنتها التي رفضها منذ قليل وتذهب. إنها لا تريد ماله اللعين. ستترك له كل شيء وتذهب، ولكن أولاً، ستثبت له صدق حديثها وتعيد كرامتها وكرامة طفلتها.
بعد مرور يومين، كانت تجلس آسيا على طرف فراشها وهي تبكي بصمت متذكرة ما حدث بينهم. لم تره منذ تلك الليلة. فقد عادت إلى المنزل في ذلك اليوم بمفردها، ولم تطأ قدمه المنزل من وقتها. كانت تمسك بمغلف ما، وتحركه بشرود بين أصابعها.
أفاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها. أجابت ببرود:
"أفندم؟ حضرتك جهزت الورق؟ تمام، هاجي أوقع عليه دلوقتي وأخده من حضرتك."
ثم أغلقت الهاتف ومسحت دموعها بظهر كفها وهي تتحدث بقوة:
"كفاية وجع قلب لحد كده، كفاية توجعني وتدمرني يا مراد."
ثم تحركت للخارج.
وقفت أمام باب منزله في وسط المدينة. تنهدت للحظة قبل أن تقرر دق جرس الباب. انتظرت دقيقة كتمت معها أنفاسها قبل أن يقف أمامها ممسكًا بمقبض الباب. تنفست مطولاً وهي تراه يقف أمامها مشعث الشعر، يرتدي بنطال أسود وتي شيرت من نفس اللون، ولحيته قد نمت بشكل ملحوظ. وقف أمامها مترددًا لثانية قبل أن يترك مقبض الباب ويستدير عائدًا للداخل دون اهتمام.
أخذت نفسًا آخر طويلًا لتهدئة أعصابها قبل أن تدلف إلى الداخل وتغلق الباب خلفها. سبقها إلى الأريكة وارتمى فوقها بكسل وعاود مشاهدة التلفاز مرة أخرى، غير آبهٍ بها كأنها فراغ. وقفت أمامه تنظر حولها، ثم انحنت تلتقط جهاز التحكم من الطاولة وقامت بغلق التلفاز قبل أن تعتدل في وقفتها وترفع رأسها بكبرياء. أعادت إحدى خصلات شعرها للوراء قبل أن تتنحنح محاولة تنقية حلقها، فخرج صوتها ثابتًا قويًا:
"مش هعطلك كتير، أنا عرفت العنوان من أنور، سألته عليك وهو اللي عطاني العنوان وقالي إنك قاعد هنا."
لم تجد رد فعل منه، لذلك قررت التحرك مباشرة. انحنت مرة أخرى تضع الأوراق التي في يديها أمامه على الطاولة، ثم اعتدلت تشبك ذراعيها حول قفصها الصدري وتضيف بنبرة قوية عندما لم ينظر في اتجاهها:
"الظرف ده فيه حاجة بيتهيألي إنها مهمة، رغم إنها مش هتغير أي حاجة من اللي حصل. لو سمحت افتحه واقرأه، وبعدها يا ريت تمضيلي على الأوراق اللي تحته. هتلاقي إمضتي موجودة، فاضل بس إمضتك عشان المحامي يكمل إجراءاته."
نظر لها بعبوس وقد استولت على اهتمامه بالكامل، ثم تحرك نحو المنضدة آخذًا المغلف ليفتحه. كانت نظرته ثابتة، ثم انتفض واقفًا وهو يتمتم بصدمة:
"متطابق! إزاي؟ بنتي!!! آسيا بنتي أنا، مش معقول! التحليل ده حقيقي، آسيا بنتي أنا؟ طب إزاي؟ آسيا بنتي فعلاً."
كادت آسيا تجزم أنها سمعت الدموع واضحة في نبرته، ولكنها نفضت رأسها عائدة إلى أرض الواقع. اقتربت منه تقول بثبات:
"ده تحليل DNA بيثبت أبوك لآسيا، بس ده مش هيغير أي شيء."
ثم أضافت باستهزاء:
"وطبعًا من حقك ترفض التحليل ده وتفتكر إنه مش حقيقي، بس صدقني مش هتفرق في حاجة عندي."
ثم اقتربت خطوة أخرى وهي تقوم بخلع خاتم زواجها من إصبعها وتضيف وهي تضعه على الأوراق فوق المنضدة:
"وده طلب طلاق زي ما قلت من شوية. أنا مضيت، فيا ريت تمضي عليه وتبعتهولي في أسرع وقت عشان إجراءات المحكمة."
أنهت حديثها والتفت تستعد للرحيل. كان مراد في عالم آخر ينظر إلى المغلف بصدمة، غير قادر على استيعاب الحقيقة بعد، فهو فعلاً والد آسيا. كيف حدث ذلك؟ التحاليل منذ سنوات أكدت استحالة قدرته على الإنجاب. أعاده للواقع صوتها وهي تطلب منه الطلاق وتنزع خاتم زواجها من يدها. حاول إيجاد صوته مسرعًا ليوقفها، كأنه يتحدث إلى نفسه قبل أن يتحدث إليها:
"أنا مش بخلف..."
استدارت تنظر إليه عابسة وهي تسأل باستهزاء:
"انت بتستهزأ بيا؟ اطمن، أنا مش ناوية أطلب منك تبرير لأي حاجة حصلت، زي ما أنا مطلبتش تبرير إنك ليه رجعت لحياتي تاني بعد ٦ سنين غياب، وزي ما مطلبتش تبرير للي سبتني عشانها راحت فين، وزي ما مطلبتش تبرير ليه يوم بتطلعني لسابع سما ويوم تاني بتنزلني لسابع أرض. مطلبتش تبرير لأي حاجة ولا عايزة أسمع حاجة. كل اللي عايزاه إنك تسيبني في حالي. كفاية أوي كده اللي عملته لحد النهارده، بس خلينا أنا وبنتي لوحدنا وكفاية."
كان يشعر بالألم يعتصر قلبه بقوة من المرارة البادية في نبرتها. فاقترب منها خطوة حذرة وهو يضيف:
"مش تبرير، دي حقيقة. من ٦ سنين وبالتحديد يوم ما سبتك، الدكتور أكد لي إني استحالة أخلف أو أجيب ولاد."
كانت نظرة الألم تكسو ملامحه. فشعرت بغصة في قلبها من مظهره. فأقتربت منه دون وعي تسأله باهتمام يشوبه الصدمة:
"يعني إيه!!! إزاي مش بتخلف؟ مين الحمار اللي قالك كده؟ واسيا!!! واللي..."
وضعت يدها فوق بطنها ثم أنهت جملتها وهي تعض على شفتيها، فليس من الحكمة أن تخبره الآن. اقترب منها يمسك يدها وهو يترجاها بألم:
"آسيا، ممكن تقعدي وتسمعيني وأنا هحكيلك كل حاجة من الأول."
تحركت معه تلقائيًا دون مقاومة، فالألم البادي على وجهه جعلها تريد أن تحتضنه لتخفف عنه ذلك الألم، دون اعتبار لأي شيء حدث من قبل. جلست على الأريكة بجواره تستمع له بكل جوارحها. ازدرد ريقه بصعوبة قبل أن يبدأ حديثه وعيونه تغيم من تأثير الذكريات. فتلك أول مرة منذ معرفته يشارك أحد سره أو يفيض له بما يحمله قلبه:
"فاكرة لما افتكرتي إنك حامل وطلعت النتيجة نيجاتف؟ كنت شايفك قد إيه محبطة وزعلانة عشان كان نفسك في طفل وقعدنا سنة كاملة من غير نتيجة. قررت بعدها بفترة إني أروح أعمل تحاليل للاطمئنان بس مش أكتر، ومكنتش متوقع إن ممكن تظهر حاجة مهمة أو إنها تخرب حياتي بالشكل ده. فعلاً روحت للدكتور وطلب مني أعمل تحاليل معينة وعملتها والنتيجة ظهرت تاني يوم. روحت بيها للدكتور وساعتها اتصدمت منها وقالي إن بالتحاليل اللي قدامه مفيش أمل ١٠٠٪ إن ممكن أخلف. طبعًا مستوعبتش اللي هو قاله ورفضت إني أصدقه. فطلب مني إني أعيد التحاليل مرة تانية. رجعت المعمل فالموظف هناك قالي إنهم لسه محتفظين بالعينة بتاعتي ومش لازم أديهم عينة جديدة. وبعد ساعة حد من هناك كلمني إن التحليل خلص والنتيجة هي هي. رجعت للدكتور أكد لي التشخيص وقالي إن الحيوانات المنوية عندي صفر، يعني مفيش أي أمل إني ممكن أخلف في يوم بأي طريقة. خرجت من عنده وأنا حاسس إني بموت وإن أكتر حاجة بتتمنيها في حياتك مش هقدر أحققها لك."
شعرت آسيا بالدموع تتجمع داخل مقلتيها من سماعها لمعاناته وشعوره بألمه. ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وأضاف محاولاً السيطرة على نبرته:
"قعدت ساعتها أفكر إزاي ممكن أحل المشكلة دي. افتكرت كل كلامك وإنتي في حضني عن الأطفال وإنك مستنية طفلنا بفارغ الصبر، وافتكرت الشغف وعيونك اللي بتلمع لما بتشوفي أي طفل قدامك، وافتكرت لما سألتك إشمعنى اتخصصتي للأطفال وقعدت تحكي لي ساعة كاملة عن عشقك ليهم. وكنت عارف كويس إني لو قلت لك الحقيقة مكنتيش هتقبلي تنفصلي عني بأي شكل من الأشكال، وأنا عمري ما كنت هقبل تضحي أو إنك تتنازلي عن أكتر حاجة بتتمنيها عشاني. عشان كده فكرت إن أحسن حل إني أخبي عليكي وأقولك سبب يخليكي تكرهيني وتتنازلي عني بسهولة. ساعتها رجعت البيت ولقيت الفرحة مالية وشك كالعادة. صدقيني فكرت كتير لحظتها وأنا شايفك قدامي إني أترمى في حضنك وأقولك الحقيقة، بس مقدرتش وفضلت إني أجرحك وأجرح قلبي بنفس السكينة على إني أدمر حلمك. فقلت لك إني عايز أنفصل وإن فيه واحدة تانية في حياتي."
شهقت آسيا بصدمة وهي تضع يدها فوق فمها ثم سألته من بين دموعها المتساقطة:
"إيه!!! يعني مفيش واحدة تانية؟!"
هز رأسه نافيًا قبل أن يجيب بصدق:
"ربنا يشهد إن عمر ما حد دخل قلبي أو لفت نظري أو ملا عيني غيرك إنتي. عمري ما حبيت ولا هحب غيرك. بس مكنش قدامي حل تاني عشان أقنعك تسبيني وتقابلي غيري وتحققي أمومتك معاه."
اقتربت منه أكثر تحاوط وجهه بكلتا يديها ودموعها تنهمر بصمت ثم سألته:
"بس أنا شفتك مع ياسمين، شفتك لما رحت أقولك إني حامل."
رفع رأسه بصدمة مستنكرًا وهو يضيف:
"إنتي!! إزاي وامتى؟!"
حاولت السيطرة على دموعها وهي تجيبه:
"بعد ما سبتني وعرفت إني حامل، طلبت من أنكل كمال يدور عليك عشان أقولك، وفعلاً عرف يجيب عنوانك وروحت لك الفندق لقيتك نازل مع ياسمين وماسكة إيديك وبتضحكوا سوا وكنتوا بتعدوا الطريق، وبعدها طلعتوا مع بعض في قارب. لحظتها اتأكدت إنك نسيتني وإن فيه في حياتك واحدة تانية."
هز رأسه بقوة نافيًا وهو عاقد حاجبيه معًا:
"ياسمين طول عمرها شريكتي وبس."
صمت قليلًا ثم أضاف متذكرًا:
"اليوم ده كان عندنا اجتماع مع مستثمر إيطالي وهو كان بيحب البحر جدًا لدرجة إنه طلب منا يكون اجتماعنا هناك."
صمت قليلًا ثم أضاف كتقرير:
"إنتي عشان كده قلتي لآسيا إن باباكي في مركب في البحر؟!"
هزت رأسها ببطء إيجابًا، فتأوه بصوت مسموع قبل أن يرتمي بين ذراعيها يتمتم:
"يا ريتني كنت صارحتك أو كنت شفتك لحظتها. أنا بحبك وعمري ما هحب غيرك في حياتي. إنتي كل حاجة بالنسبالي. الحياة من غيرك السنين اللي فاتت دول مكنتش حياة."
كانت تمسح على شعره بحنان، فهي تصدقه وتثق به. فهي تحبه لدرجة أنها تشعر بأنها هي من يتألم وليس هو. شدت من احتضانها له، فرفع رأسه ينظر لها بضياع وهو يحاوط وجنتيها بكفه:
"أنا مش هسيبك، أنا مش هخليكي تضيعي مني تاني. أنا آسف إني مصدقتكيش وآسف إني اتعصبت عليكي وآسف إني زعقت لك وآسف إني زعلتك في يوم وآسف إني جرحتك وآسف إني..."
قاطعته مطمئنه بحنان:
- هشششش, مراد اهدى أنا جنبك وحواليك ومش هخليك تبعد عنى تانى ومش هسمحلك.
كانت تطمئن نفسها قبل أن تطمئنه، فللمرة الأولى شعرت أنه كطفل صغير يريد الشعور بالأمان في حضن والدته. عاد يستند برأسه على صدرها وهي تمسح بحنان على شعره، فأكمل حديثه:
- بعد ما سبتك ومشيت قررت إني هقاوم حبى ليكي لمصلحتك ومش هدور عليكي تاني وفعلاً عملت كده. كنت بهرب منك بس الحقيقة إني كنت بهرب من نفسي. سنين كاملة بفتكرك كل يوم وكل ليلة وكل لحظة. مروا الـ 5 سنين عليا وأنا بحاول بكل طاقتي إني مدورش عليكي عشان مضعفش. كنت دافن نفسي ليل ونهار في الشغل بس ماكنتش عايش. كنت حاسس إني إنسان ماشي من غير روح وكنت بصبر نفسي إن ده كله لمصلحتك وإنك أكيد دلوقتي عايشة حياتك ومستقرة ومعاكي أطفالك. بس في يوم ضعفت وأديت لنفسي حق إني أدور عليكي وأطمن من بعيد لبعيد ومصدقتش لما اكتشفت إن عندك طفلة وعايشة بيها لوحدك. وعلى قد وجعي إن حد غيري لمسك، حسيت إن حظي ابتسملي تاني وإني دلوقتي بس أقدر أرجعلك من غير ما أكون حرمتك من الأطفال. ومن حسن حظي إن المستشفى اللي كنتي شغالة فيها كانت بتمر بأزمة مالية والملاك مخبين على الموظفين. ساعتها قلت إن دي أحسن فرصة تخليني أتقرب منك من غير ما ترفضي تتعاملي معايا. وساعدني في ده دكتور طارق. عرفني من أول مقابلة وطبعاً في الأول مكنش مطمنلي بس لما حكيتله إن مفيش واحدة في حياتي وإني عملت كده عشان أحميكي قرر يقف معايا واتفقنا إننا نخبي هوية المالك عشان متعرفيش وتسيبى المستشفى قبل ما أقابلك. وأخد فرصتي معاكي. وجه اليوم اللي المفروض كنت أقابلك فيه. كنت عامل زي الطفل اللي مستني ليلة العيد. معرفتش أنام من كتر الحماس والقلق والخوف. أيوه متستغربيش من الخوف إني أشوف نظرة كره في عيونك أو إنك متقبلنيش في حياتك تاني. ولما جه تاني يوم فضلت قاعد في العربية من الساعة 6 رغم إن دكتور طارق قالي إنك مش بتوصلي قبل 8 بس أنا وصلت بدري وفضلت مستني أشوفك. ولما ظهرتي في الشارع كأن الشمس رجعت تدفي حياتي من تاني. كنتي لابسة بلوزة لبني وشعرك طاير وراكي من الهوا ومع كل خصلة بتتحرك كان قلبي بيتحرك معاها كأني مراهق بيحب جديد وأول مرة يشوف حبيبته. بعدها دخلتي واستنيت شوية ودخلت وراكي عشان أطمن إنك ماخدتيش بالك مني. ولما وصلت دكتور طارق اقترح عليا أعرفك بنفسي لوحدنا بس أنا كنت خايف من رد فعلك عشان كده طلبت منه تكوني موجودة مع باقي زمايلك وفعلاً ده اللي حصل. كنت واقف وسطهم مستنيكي تظهري في أي لحظة وفعلاً طلعتي وإنتي بتضحكي ضحكتك اللي رجعتلي روحي. وفجأة رفعتي عينيك عشان تقابلي عيني. حسيت العالم اختفى كله من حواليا وبقينا أنا وإنتي لوحدنا. كانت عينيكى بتشع تحدي وعناد ومعاهم جزء خوف. نظرة خلتني أقع في حبك من أول وجديد. عارفة قد إيه ساعتها تمنيت بس إني أحضنك. كانت كل انفعالاتك واضحة على وشك الناعم ده. انفعالات أنا بس اللي عارفها. وعلى قد ما وجعتني رسالة عينيك ليا والعتاب اللي ماليها على قد ما فرحت إنها مافيهاش نظرة كره. بعد كده فجأة جريتي على السلم واختفيتي من قدامي ومبتعرفيش قد إيه كنت مستاء من اختفائك عن عيني. رجعت مكتب طارق معاه وأنا بعد الثواني لحد ما ساعات شغلك تخلص ويقدر يستدعيكي. معرفش الساعات عدت عليا إزاي وأنا قاعد زي العاجز قريب منك وفي نفس الوقت مش قادر أريح قلبي وعيني بضحكتك. بعدها استداعاكي طارق وكتمت نفسي لحد ما فتحتي باب المكتب تطلي عليا منه وشفتك بتضحكي لطارق.
صمت قليلاً كأنه يحاول السيطرة على نبرة صوته قبل أن تخونه، وهو يشدد من احتضان ذراعيه لها كأنها يخشى هروبها، ثم أضاف بنبرة تملؤها المرارة ممزوجة بالحنان معاً:
- عارفة، بعدك عني عقاب. إني أكون جنبك ومقدرش المسك عقاب. بس أقسى عقاب ليا إني أشوف ضحكتك للناس كلها وأنا لأ. سكينة غرزت قلبي وأنا شايفك بتضحكي لطارق وبتبصيلي بغضب. كان لازم أعمل حاجة تريح قلبي وتطمني إني لسه بأثر عليكي ولو شوية صغيرة. ومش هنكر إني قعدت أحلم سنين إمتى هييجي اليوم وألمس إيديك تاني عشان كده ما صدقت. أول ما لمستها تمنيت أكتر من لمستها بكتير وفرحت لما حسيت إنك اتأثرتي بلمستي زي ما لمسة منك بتجنني. هربتي بعدها مني وأنا هربت وراكي. فضلت أراقبك من بعيد لحد ما خرجتي من المستشفى وكان وشك سرحان ومش حاسة بأي حاجة حواليكي ولا العربية اللي كانت بتقرب منك. جريت عليكي في لحظة خدتك جوه حضني وأنا قلبي هيقف من الرعب عليكي.
ابتسم قليلاً ثم أضاف:
- بس ساعتها قطتي هربت مني وبعدت عني. مسمحتليش أرتاح وهي جوه حضني شوية. وطلبت مني طلب كان الموت أهون عليا من تنفيذه.
اخفضت رأسها بخجل، فهي تتذكر جيداً عندما دفعته بقوة طالبة منه ألا يقترب منها أو يلمسها لأي سبب كان. فتحت فمها تهتف اسمه بحنان ممزوج بخجل، ولكنه استقام في جلسته ليحيط وجهها بكلتا كفيه هامساً بحنان:
- هششش، متقوليش حاجة، سبيني أقولك كل اللي جوايا.
هزت رأسها له ببطء والدموع تتجمع داخل مقلتيها من عذوبة كلماته واعترافه ومدى العذاب الذي مر به مثلما مرت هي، بل وأكثر منها. أعادها صوته العميق إليه مضيفاً:
- لحظتها خفت فعلاً إنك تسبيني وتمشي وساعتها فرصتي الوحيدة إني أقربلك تضيع مني، عشان كده طلبت من حد يتابعك وأي مستشفى كنتي بتقدمي فيها كنت بخليهم يرفضوا.
شهقت بفزع مصدومة من اعترافه وهي تردد مستنكرة:
- أنت فعلاً عملت كده.
أجابها مبتسماً:
- وكنت مستعد أعمل أكتر من كده بكتير بس تفضلي جنبي.
اقتربت منه تحتضنه وتستند برأسها على صدره ليمسد هو على شعرها بحنان مستكملاً:
- من اللحظة دي كنت عايز أعترفلك بكل حاجة وأطلب منك ترجعيلى، بس فضلت إني أديكي وقت تتعودي على رجوعي الأول. ومن ناحية تانية كنت بحاول أعرف مين أبو أسيا وأطمن إنك مش ناوية ترجعيليه.
أضاف بنبرة ملؤها الألم:
- عارفة يا أسيا، وقت ما عرفت إن في حد تاني دخل حياتك وبعد انفصالنا بـ 3 شهور بس، كنت حاسس إني روحي بتتسحب مني. الليلة دي كنت حاسس إني نايم على شوك. كانت الدنيا برغم براحها ضيقة عليا وأنا بتخيل إن في حد تاني لمسك. لو بس تعرفي قد إيه تمنيت إنها تكون بنتي. حلمي اللي كنت بحلم بيه من يوم ما شفتك. لدرجة إني حبيتها من قبل ما أشوفها وكنت مستعد أتخلى عن كل حاجة في حياتي مقابل إنها تكون بنتي منك.
ظلت تستمع إلى كلماته تلك ودموعها تنهمر بقوة، ندم على ما فعلته به من إخفاء الحقيقة عنه. تحدثت بخفوت:
- أنت كنت غيران من نفسك!! مراد أقسم لك إن محدش لمس حتى إيدي من يوم ما سبتني.
صمتت قليلاً تحاول السيطرة على دموعها المنهمرة بقوة قبل أن تضيف:
- أنا آسفة، أنا عارفة إني خبيت عليك ومفكرتش في إحساسك وكنت أنانية، بس أنا كنت خايفة، كنت خايفة لو عرفت إنها بنتك وأنت بتحب غيري تطلب تاخدها مني وأنا ماكنتش أقدر أعيش من غيرها. ولما قررت أصارحك وروحتلك المكتب لقيت ياسمين معاك، لحظتها شكوكى زادت إنك ممكن تاخد مني أسيا وتسيبني عشان ياسمين.
مد يده يمسح بسبابته دموعها المنهمرة فوق وجنتها:
- أنا عارف إني كنت السبب في كل اللي حصلنا عشان كدبت عليكي وضيعت ثقتك فيا ومصارحتكيش من الأول. بس صدقيني ياسمين بالنسبالي مش أكتر من شريك وبس. آه كانت عارفة إني انفصلت عنك وكانت بتحاول تقرب مني بس في نفس الوقت كانت عارفة كويس إني بحبك أنتِ وأنا فهمتها ده أكتر من مرة.
اقتربت أسيا منه تمسح على شعره بحنان متمتمة بخجل:
- وأنا كمان خالد مكنش ليه أي وجود في حياتي.
ثم أضافت بخجل:
- أنا استغليت إنك فكرت إنه والد أسيا الحقيقي عشان أمحي أي شك يجي في عقلك إنها بنتك مش أكتر. وعشان كده لما سألتني مقلتش الحقيقة.
عضت أسيا على شفتيها بخجل متمتمة:
- وبصراحة لما اكتشفت إنك كنت غيران منه الوضع ده فرحني. ولما طلبت مني نتجوز وروحت وقلتلك إني موافقة عشان الإنسان اللي بحبه كانت قصدي أنت مش خالد.
ابتسم لها بحب وهو يضمها إليه ويطبع قبلة طويلة على جبهتها وهو يقول:
- إنتي عارفة لما طارق قالي إنه طلب يتقدملك كنت حاسس إيه؟ كنت عايز أقتله. وصدقيني لو كنتي وافقتي أنا كنت هنفذ تهديده كله ومن غير تردد كمان. مكنتش هسمح لحد ياخدك مني بعد ما لقيتك تاني.
ابتسمت بخجل وهي تشد من احتضان ذراعها حول خصره:
- أنا مكنتش هوافق أصلاً لو كنت هموت. أنا كل السنين دي كنت عايشة على أمل إنك ترجعلي في يوم.
تنهد مراد مطولاً براحة وهو يرفع إحدى كفيها إلى فمه ويقوم بتقبيل كل إصبع فيها على حدة:
- وأنا معنديش استعداد أسيب روحي لحد تاني.
تحدثت أسيا بخجل تسأله:
- طب ممكن أسألك سؤال؟ ليه لما طلبت تتجوزني قلتلي عشان خاطر أسيا وهددتني بخالد مع إنك لو كنت صارحتني كنت هوافق على طول؟
أجابها مراد بحنان:
- عشان في الوقت ده كنت مقتنع إنك بتحبي خالد وإني صفحة في حياتك وخلصت وإنك هتفضلي أبو بنتك عني. صحيح كنت متأكد إنك لسه بتنجذبيلي زي ما أنا بنجذبلك، بس خفت لو قلتلك الحقيقة تفضلي واحد بيخلف عني.
شعرت بيده تشدد من احتضانه لها بقوة أكبر وهو يضيف:
- ولو كنت طلبت منك ترجعيلى من غير ما تعرفي السبب الحقيقي عمرك ما كنتي هتوافقي. عشان كده مكنش قدامي حل إني أجبرك حتى لو قبلتي تتجوزيني عشان تحمي واحد تاني.
سحبت نفسها من بين ذراعيه لتقبل وجنته بحنان متمتمة من بين دموعها المنهمرة:
- أنت الأول والتاني والتالت والأخير. أنت اللي ملكت روحي وقلبي ومن دلوقتي هنرجع نعيش حياتنا زي الأول وأحسن كمان مع بنتنا ومش هنخبى أي حاجة على بعض تاني. اتفقنا؟
هز رأسه لها بحنان موافقاً وهو يقول:
- وعد عمري ما هخبي حاجة عنك أبداً. إنتي مراتي وبنتي الأولى وحبيبتي وحياتي كلها.
ثم اقترب منها يلتهم شفتيها بعذوبة وحنان. ابتعد عنها بعد قليل يسألها بحماس:
- أسيا، عايز أروح لآسيا، عايز أحضنها وأنا عارف إنها بنتي، عايز أبدأ معاها من دلوقتي وأعوضها عن كل الأيام اللي عاشتها من غيري.
هزت رأسها له موافقة بقوة والدموع تتجمع داخل مقلتيها مرة أخرى قبل أن ترفع كفها تحتضن وجهه بحب وهي تبتسم له:
- هنعمل كل اللي نفسك فيه.
صمتت لحظة ثم أضافت بتوتر:
- مراد في حاجة أخيرة لازم تعرفها.
نظر لها متسائلاً وهي تقضم على شفتيها، ثم مدت يدها لتمسك بيده وتضعه فوق بطنها، ثم أعادت نظرها له مبتسمة. حرك رأسه يسألها متفهماً:
- مش فاهم؟
اقتربت منه تهمس في أذنه بفرح:
- مراد أنا حامل.
تسمرت نظرته فوق موقع يده غير قادر على استيعاب ما تفوهت به منذ لحظات. نقل نظره من عيونها إلى بطنها وهو يزدرد ريقه بصعوبة.
"أسيا! أنتِ... بجد؟"
دوت ضحكتها عالياً وهي تجيبه.
"آه والله حامل بقالي شهر تقريبًا. عشان تعرفي إن حبيبي مش أي كلام."
ثم غمزت له بإغراء.
مرر يده على وجهه بتوتر قبل أن يرتمي بين ذراعيها، يدفن رأسه في كتفها. شعرت بدموع تسقط على كتفيها. إنه يبكي! مراد يبكي بين ذراعيها للمرة الأولى. لم يستطع قلبها تحمل ما يمر به، فسالت دموعها بالرغم عنها مرة أخرى وهي تمسح على شعره بحنان. ظلت تحتضنه بهدوء حتى أفضى بجميع مشاعره وتمالك نفسه. ثم رفع رأسه يقبل يدها بحنان ويمسح على شعرها ووجهها، ثم قام بتقبيل جبهتها مطولاً قبل أن يتحدث بهدوء.
"أسيا مش هينفع، الحمل ده مينفعش يكمل. خطر عليكي وأنتي أهم عندي من أي حد."
في البداية صدمت من كلماته، ولكنها تفهمت موقفه عندما رأت نظرة الحزن تكتسي ملامحه. فهو سعيد مثلها، ولكنه يخشى عليها وكل ما يريده هو القليل من الاطمئنان.
مسكت يده تضعها فوق بطنها مرة أخرى، ويدها الأخرى تحتضن وجنته، ثم تحدثت بحنان.
"حبيبي أنا عارفة إنك قلقان عليا، بس متخافش. ده رزق من ربنا بعتهولي دلوقتي بالذات عشان يجمعنا سوا، وأنا استحالة أفرط في حتة منك جوايا."
حاول مقاطعتها، ولكنها أكملت مسرعة.
"أنا عارفة إن الدكاترة قالولي صعب أحمل تاني، بس مش مستحيل. ده غير إنك جنبي، يعني مش هتسمح حاجة وحشة تحصلّي صح؟ أنا المرة اللي فاتت كنت بموت عشان أنت سبتني، لكن أنا دلوقتي عندي دافع قوي وهو أنت. ثم إني بوعدك إني هحافظ على نفسي وأكلي وهسمع كلام الدكاترة وهتابع على طول."
فتح مراد فمه للاعتراض، فأكملت متوسلة وهي ترتمي داخل أحضانه.
"مراد، ربنا بيديك ويديني فرصة تانية نعيش مع بعض اللي اتحرمت منه واللي أنا معرفتش أعيشه صح من غيرك. فمتحرمناش منه. ثم إني واثقة في ربنا وعارفة إن مفيش حاجة وحشة هتحصلي. ومتخافش، أنا معنديش استعداد أسيبك ولا أسيب بنتي بعد ما اجتمعنا سوا."
اعتدلت في جلستها تنظر إليه متوسلة وهي تتمسك بيده. فلم يستطع الصمود أمام نظرتها. تحدث على مضض.
"موافق بس بشرط..."
قفزت من مقعدها بفرح وهي تصفق بيدها.
"موافقة من قبل ما تقول."
نظر لها يبتسم بمرح قبل أن يكمل.
"هتكوني في المستشفى عشان الدكاترة تتابعك من دلوقتي وتكوني تحت مراقبتهم."
هزت رأسها موافقة وهي تحتضنه متمتمة بحب.
"ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً."
...................
في الصباح التالي، أصرت أسيا على الذهاب إلى المختبر الذي قام بعمل فحوصاته منذ 5 سنوات. بالطبع كانت تعلم أنه مضى وقت طويل، ولكنها تريد معرفة من المتسبب في ذلك الخطأ الذي دمر حياتها وحياته. وافقها مراد في الذهاب على مضض، فقط من أجل سعادتها. وصلا إلى المختبر وطلب مراد بصرامة رؤية المدير المسؤول بعد أن عرف موظف الاستقبال بنفسه. اختفت قليلاً ثم عادت ومعها المدير، الذي ما إن رأى مراد أمامه حتى توترت ملامحه. ثم طلب منه الذهاب معه إلى مكتبه الخاص. جلس كلاهما بملامح جامدة أمام المدير الذي تحدث على الفور.
"مراد بيه، يمكن حضرتك مش فاكرني، بس أنا مدير الفرع من أكتر من 10 سنين. أولاً، أنا دورت عليك كتير لأن من حوالي 5 سنين حضرتك قمت بعمل تحليل عندنا والموظف عكس بين نتيجة حضرتك ومريض تاني."
مرر المدير يده فوق جبهته بتوتر وهو يرى نظرات مراد الغاضبة إليه، ثم أضاف.
"زي ما قلت لحضرتك الموظف عكس بين النتيجتين، وللأسف عمل كده عن قصد بالاتفاق مع سيدة ما. ولما اكتشفنا ده حاولت أوصل لحضرتك على الرقم الموجود في الملف والعنوان، لكن مكنش في إجابة على التليفون وعنوان البيت للأسف ملقيناش حد متواجد فيه."
هب مراد يقف على قدميه ويجذب المدير من ياقة قميصه متحدثاً بصراخ.
"يعني إيه بدل نتيجتي مع شخص تاني! ومين الشخص ده؟ أنت عارف عملتك دي عملت فينا إيه! أعمل إيه باعتذارك ده؟"
هبت أسيا تقف بجواره تحاول تخليص المدير من بين يديه رغم غضبها هي الأخرى. توسلت إليه، فتركه بعدما سمع توسلها. فتحدث المدير برعب مبرراً.
"أنا عارف يا فندم إنها كارثة كبيرة وخصوصاً في تحليل حساس زي ده، بس صدقني إحنا أول ما اكتشفنا المؤامرة دي حاولنا نوصل لحضرتك كتير على التليفون ونبلغك بالنتيجة الصح، بس مكنش في إجابة منك."
تذكر مراد في ذلك اليوم كيف كان غاضباً حتى أنه قام بكسر هاتفه عند تأكده من استحالة إنجابه. سأله مستفسراً.
"بس أنا فاكر إن اليوم ده طلبت إعادة التحليل وفعلاً عادوه تاني."
تمتم المدير برعب.
"فعلاً حصل لما سمعنا تسجيل المكالمة، بس اللي حصل إن الموظف كان في اليوم لوحده وانتهز الفرصة إنه ينفذ خطته للآخر، عشان كده بلغ حضرتك بنفس النتيجة مطمن إن مفيش حد هيدور وراه اليوم ده. لأن في حالة تحاليل دي لازم عينة جديدة. بس هو قال لحضرتك إنهم هيعيدوها على العينة القديمة عشان تبان كل حاجة طبيعية، والحقيقة إنه معملش أي حاجة وسلم حضرتك نفس النتيجة بنفس الخطأ."
ارتد المدير إلى الخلف وهو يرى تقدم مراد الغاضب منه وهو يأمره.
"اتفضل استدعيلي الموظف ده حالا. عايز أعرف مين اللي اتفقت معاه."
أنهى جملته بصراخ جعل كلاهما أسيا والمدير ينتفضوا فزعاً. سارع المدير في الإجابة.
"يا فندم، الموظف اتطرد من يومها وأخد كل العقاب اللي يستحقه. حتى السيدة اللي اتفقت معاه محدش يعرف عنها حاجة أكتر من اسمها، والمؤسسة مستعدة لأي تعويض حضرتك تشوفه مناسب."
أجابه مراد ساخراً بنبرة يملؤها الغضب.
"قولي اسمها حالا. وبعدين التعويض ده هتشوفوا مع المحامي، عشان تتعلموا بعد كده تختاروا موظفين عندهم ضمير."
تعلثم المدير في نبرته.
"ياسمين."
شعرت أسيا بالغرفة تضيق من حولها فتمتمت لمراد مترجية.
"مراد لو سمحت عايزة أخرج."
التفت يحتضن يدها على الفور قاطعاً استكمال حديثه ليسير بها للخارج. بمجرد خروجهم التفت أسيا إليه تحتضنه بكل قوتها، فهي تعلم جيداً ما يشعر به الآن، فهي تمر بنفس الأحاسيس. احتضنها بقوة مشدداً من التفاف ذراعيه حولها. تمتمت له مطمئنة.
"المهم إني معاك، المهم إنك جنبي، المهم إنك رجعت لبنتك تاني. والأهم إن ربنا عوضنا بطفل تاني هنعيش معاه أحلى ذكرياتنا."
أجابها مراد يتوعد.
"صدقيني مش هسيبها تفلت باللي عملته وتدفع تمن غالي أوي."
كان هناك سؤال يضرب في ذهن أسيا بقوة، فسألته مستفسرة.
"مراد، أنت كل الفترة دي مفكرتش تزور دكتور تاني؟"
أجابها مقرراً.
"ولا مرة. كنت شايف بما إني بعيد عنك مفيش حاجة تستاهل من بعدها أدور عليها."
عادت تحتضنه مرة أخرى هامسة.
"أنا آسفة إني متمسكتش بيك وسبتك تمشي، بس وعد عمري ما هعملها تاني."
.................
مضت أسيا فترة حملها بسلام. فمن اليوم التالي نفذ مراد رغبته وظلت أسيا طوال ثمانية أشهر حملها داخل المستشفى. بالطبع مرت ببعض الصعوبات، ولكن عزيمتها مع حنان مراد الذي كان يغدقها به ساعد كثيراً في تحسن حالتها. فمنذ انتقالها للمستشفى انتقل معها مراد ولم يتركها بمفردها إلا لأجل بعض الاجتماعات، ثم يعود إليها مرة أخرى ليقضي أيامه ولياليه بجوارها حتى وضعت طفلها بسلام.
.................
بعد مرور 3 أعوام:
كانت أسيا تركض خلف سليم طفلها الصغير عندما اصطدمت بجسد مراد. مد يده يسندها ثم حاوطها بذراعيه يحدثها بمرح.
"إيه؟ بالراحة، بتجري زي القطر كده ليه؟"
نظرت له بعبوس مصطنع قبل أن تجيبه بدلال.
"مراد، ابنك جنني، مش عايز ياكل وطول اليوم مخليني بجري وراه عشان أمسكه. عايز يلعب وبس."
ابتسم لها بحنان ثم غمز لها ماكراً.
"يعني عشان كده برجع بليل بلاقيكي خلصانة ومش معبراني خالص؟"
شهقت بفزع وهي تلكمه بحنان على ذراعه.
"والله! ده على أساس إنك بتسبني أنام مثلاً ومش بتصحيني؟"
دوت ضحكته عالياً قبل أن يضيف.
"ما أنتي بتفصليني عقبال ما بتقومي وتروقي. عشان كده قررت استغل الفرصة النهارده وأجيلك بدري."
رفعت يدها تتلمس وجنته وهي تتمتم بحنان.
"مممم... يعني عشان كده جاي بدري. ماشي، وأنت كمان وحشتني بس مش هينفع."
ثم ابتعدت عنه مخرجة لسانها لإغاظته. قبض عليها مرة أخرى بحركة واحدة يحبسها بين ذراعيه وهو يتمتم بمرح.
"مش هتعرفي تفلتي على فكرة، بس أنا جيت عشان في حاجة كمان عايز أقولهالك."
سألته بقلق واضح.
"إيه؟"
أجابها بهدوء.
"ياسمين."
امتعضت ملامح وجه أسيا وهي تسأله.
"مالها العقربة دي كمان؟ هي مش فلست وارتحنا منها؟"
أجابها مراد بهدوء وهو يحتضن خصرها.
"حبيبتي متخافيش. أنا ببلغك إنها اتقبض عليها بتهمة تهريب مع رجل أعمال من الخارج. ضحك عليها وخلى كل حاجة بإمضتها وهرب لما الشحنة امسكت والمفروض دلوقتي تتحاكم."
تنهدت أسيا براحة.
"مش عارفة أقول إيه، أخدت جزائها. المهم إنها بعيدة عننا."
أجابها مراد بحنان.
"قلتلك طول ما أنا جنبك متخافيش من أي حاجة. وهي من ساعة الصفقة اللي ضربتها فيها وأعلنت إفلاسها بسببها وهي بعيدة عننا ومشغولة بنفسها. ودلوقتي هتاخد حكم مش أقل من 10 سنين كاملة."
تمتمت أسيا بحب.
"ربنا يخليك ليا وميحرمنيش من وجودك جنبي."
شدد مراد من احتضانها يسألها بخبث.
"سيبك من ياسمين، المهم إحنا كنا بنقول إيه؟"
لم ينتظر إجابتها، وأخفض رأسه ينشر قبلات صغيرة متتالية على وجنتها وطرف شفتيها ودقنها. همست له بوهن معترضة.
"مراد، الولاد..."
رفع رأسه يلتفت ينظر إليهم، ثم أضاف متمتماً بعدم تركيز عائداً إلى ما كان يقوم به.
"الولاد مش مركزين، وبعدين سليم قاعد بيلعب مع أسيا والمربية هتاخد بالها منهم."
ثم انحنى يحملها ويصعد بها إلى غرفتهم حيث مشاعرهم التي لم يختبراها إلا معاً.
.................
في غرفة مظلمة لا يُسمع فيها إلا أصوات أجهزة القلب والتنفس، فتحت آسيا عينيها ببطء، تنظر غير مستوعبة ما يدور حولها. استدارت على صوتٍ باكي يتحدث من بين شهقات الفرح. إنه صوت والدتها تهمس لها باكية وهي تحتضن يديها بحب:
"بنتي الحمد لله، ربنا استجاب لدعواتي."
حاولت الابتسام، ولكن يبدو أن عضلات وجهها لم تستعد عافيتها بعد. نظرت حولها، وإذا بها ترى ظلاً يقف بعيداً، مترقباً. ظل رجل تعرفه جيداً. تنهدت بعمق يشوبه الكثير من الألم. إذاً، فقد عاد. زوجها الهارب عاد.