تحميل رواية «عشقي الابدي» PDF
بقلم شيماء يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في صباح يوم ربيعي هادئ، كانت أسيا تجلس حول طاولة الطعام الصغيرة الموجودة بداخل مطبخها في منزلها المتواضع في أحد شوارع إسطنبول الجانبية. فبرغم صغر المنزل، إلا أنه كان أنيقًا، فقد اختارت كل قطعة أثاث منه بعناية فائقة وذوق مرهف كعادتها. كانت تنظر إلى الخارج من خلال النافذة المقابلة لها برضا، وهي تستنشق عبير الزهور القادم من حديقتها الصغيرة التي زرعتها بنفسها واهتمت بها طوال السنين الماضية. تنهدت براحة وهي تتذكر كيف كان وضعها في مثل هذا الوقت منذ خمس سنوات، عندما انتقلت حديثًا إلى ذلك المنزل وكيف اس...
رواية عشقي الابدي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيماء يوسف
انحنت لتستقبل طفلتها وتأخذها بين ذراعها وتقبلها بحنان وحب، وهي تجلس على ركبة واحدة لتظل في مستواها.
تحدثت أسو على الفور بحماس:
"مامي أنا جيت مع طنط عائش النهارده، الميس بتاعتي قالتلي إن نينا مش هتاخدني النهارده وإن طنط عائش هتيجي. انتي عارفة إني مبسوطة إني هقعد معاها النهارده. أنا عارفة إن حضرتك عندك شغل كتير وعائش قالتلي إننا هنقعد مع بعض لحد ما تخلصي شغلك كله."
كانت آسيا تنظر إليها بولع وقلبها يغوص، فقد تناست كل رعبها بمجرد النظر لملاكها الصغير. كيف لا تفعل، وتلك الصغيرة هي أجمل ما حدث لها منذ سنوات.
وقف مراد وقلبه يكاد يتوقف عن النبض. كان يستمع إلى كل حرف تنطق به صغيرتها وقلبه يذوب معها من برائتها ورقتها وعفويتها. كانت نسخة مصغرة منها، الشعر والوجه والعينين واللون وضحكتها الفاتنة. حتى رقة صوتها وهدوئها، كل ذلك ورثته عنها. شعر بغصة في قلبه وهو يتذكر أن تلك الصغيرة الفاتنة التي خطفت قلبه على الفور وكم كان يتمنى أن تكون ابنته. كانت ابنة رجل آخر.
اقترب منهما يتحدث إلى آسيا مقاطعًا لحديثهم:
"صباح الخير."
انتفضت آسيا على الفور، اعتدلت في جلستها. أمسكت بإحدى يدي طفلتها وأحاطتها بالأخرى تقربها إليها بذعر وهي تتحدث إليه باقتضاب:
"صباح النور، حمدلله على سلامة حضرتك. دكتور طارق كان مبلغني إنك هتغيب أسبوع."
أجابها عابسًا:
"فعلاً المفروض ده اللي كان يحصل، بس الشغل خلص بسرعة أكتر مما توقعت، فوصلت امبارح بليل."
أومأت برأسها دون كلام. لتقطع أسو الصمت بسؤال عفوي:
"مامي مين ده؟ هو ده زميلك في الشغل زي عائش وأونكل طارق؟"
ابتسم مراد من سؤالها وانحنى يجلس في مستواها، مادًا يده إليها بالسلام وهو يتحدث إليها برقة بالغة:
"أنا اسمي مراد، زميل مامي الجديد في الشغل، وإنتي أول مرة تشوفيني. إنتي اسمك إيه؟"
أجابته على الفور:
"آسيا، بس مامي ونينا وأصحابي بيقولولي أسو، عشان أنا اسمي زي اسم مامي."
ابتسم بحب وهو مازال محتفظًا بيدها الصغيرة في يده، ثم قبل يدها وجبينها بحنان قائلًا:
"اتشرفت بمعرفتك يا أسو، أكيد هشوفك تاني."
ثم نهض ينظر إلى آسيا دون حديث لعدة ثوانٍ قبل أن يتحرك إلى الأعلى، يشعر بالغيرة والألم معًا، تاركًا آسيا خلفه تتنفس الصعداء بعد ذهابه.
قضت آسيا الساعات التالية وهي تتحرك داخل أرجاء المشفى وصغيرتها إلى جوارها. كانت تتحرك للاستعداد لعمليتها الجراحية المنتظرة حين التقت بدكتور طارق يتحرك في اتجاههم بفرح يتحدث والسعادة تملأ وجهه:
"بقى تبقى حبيبتي الصغيرة هنا وأنا معرفش لدلوقتي؟ ينفع الكلام ده؟"
تفاجأت بمجرد انتهاء جملته بتحرك الصغيرة من جانب والدتها، تركض في اتجاهه وتتعلق به تمامًا. حملها وهو يدور بها في سعادة وموجهًا حديثه إلى آسيا:
"إنتي بقى تتفضلي تروحي على عمليتك وتسبيني مع البرنسيس دي وتنسيها خااالص النهارده."
نظرت إليه مبتسمة وهي تومئ برأسها إيجابًا، فهي تعلم بمدى حبه لصغيرتها، وتعلم أيضًا بمدى تعلق أسو به. تحركت تطبع قبلة صغيرة على جبهة صغيرتها قبل أن تتحدث إليها:
"حبيبي أنا هدخل دلوقتي الأوضة دي وهغيب شوية. هسيبك مع أونكل طارق حبيبك، بس أوعي تغلبيه بشقاوتك."
ثم نظرت إلى طارق تحدثه برجاء:
"الله يخليك خلي بالك منها، ويا ريت بلاش تخرج بره أوضتك."
هز طارق رأسه بالإيجاب وهو يبتسم مطمئنًا لها، لتتحرك وهي تتنهد براحة، طالما ابنتها في أمان طارق.
كان مراد يتحرك في غرفته ذهابًا وإيابًا بتوتر. فتلك الصغيرة سلبت عقله على الفور بمجرد رؤيتها. كان يريد رؤيتها مرة أخرى والتحدث معها. زفر بحنق وهو يمرر يده داخل خصلات شعره، يشعر بالغضب من أفكاره ومن والد تلك الطفلة من قبل أن يراه. لو أنه فقط يستطيع التوصل إلى معلومة تخصه لكان الوضع أسهل بكثير الآن. فأكثر شيء يثير غضبه هو دخول معركة لا يعلم بها شيئًا عن خصمه! كل هذا الوقت وأنور لم يستطع إعطاءه حتى اسم له. قرر التحرك بنفسه، لعله يستطيع الوصول إلى خيط رفيع يبدأ منه. خرج من غرفته إلى الممر، فالتقى بعائشة تتحرك في اتجاهه، فابتسم بخبث يشعر بأن القدر يتساهل معه. حافظ على ابتسامته العريضة وهو يلقي عليها التحية، لتبادله إياها بابتسامة بلهاء. سألها بتلقائية متصنعة بعد التحدث قليلًا عن العمل:
"هي آسيا الصغيرة مش معاكي؟ كنت شايفها الصبح جنبك؟"
أجابته على الفور وهي مازالت تحتفظ بابتسامتها:
"لأ، آسيا مع دكتور طارق في مكتبه من حوالي ساعة."
حياها مرة أخرى مودعًا واتجه فورًا في اتجاه غرفة طارق.
طرق الباب ثم فتحه دون انتظار الإجابة، ليجد طارق يرفع إحدى حاجبيه وهو يبتسم بمرح:
"كنت لسه هبعتلك، تعال يا مراد اتفضل."
دلف الغرفة ليراها تجلس على الأريكة الموجودة بالغرفة باسترخاء، تنشغل بإحدى أوراق الرسم أمامها. شعرها الناعم ينساب ليغطي وجهها تمامًا. ابتسم من وضعها الطفولي البريء وتحرك في اتجاهها يسألها بحنان:
"ممكن أقعد جنبك؟"
أجابته بصوتها الطفولي تصاحبه ابتسامة يعرفها جيدًا:
"اتفضل، إنت عارف إن مامي في الأوضة الكبيرة اللي هناك دي وأنا هقعد هنا مع أونكل طارق لحد ما تخلص، ومامي طلبت مني ما أعملش شقاوة. إنت عارف إن النهارده كان يوم الرسم بتاعنا والميس عطتني هوم ورك جديد أعمله!"
كان يستمع إلى ثرثرتها البريئة بابتسامة عريضة، غافلاً عن طارق الذي كان يراقب كل ذلك باهتمام. شعر بأنه داخل عالمها الطفولي السعيد، انبهه صوت طارق يتحدث إليه:
"مراد، أنا عندي مرور دلوقتي، فمضطر أسيبكم شوية."
ثم نظر إليه متشككًا، فأبتسم مراد إليه مشجعًا، ليترك الغرفة على مضض. عاد مرة أخرى يتحدث إليها يسأل بنبرة مليئة بالحنان:
"إنتي مقلتليش بتعملي إيه؟"
أسو: "أنا بعمل الهوم وورك بتاعي، مش أنا قلتلك إن الميس عطتني هوم ورك. هي طلبت مني إني أرسم مكان عايزة أزوره. شوف أنا رسمت إيه!"
ثم رفعت الورقة التي في يديها ليجد بداخلها رسمة طفولية لمركب داخل البحر وبداخل تلك المركب يوجد شخص على ما يبدو أنه رجل. نظر باستغراب يسألها:
"إنتي بتحبي البحر؟"
أجابته بعجل:
"آه، أنا بحب البحر عشان بابي هناك."
شعر بانقباضة بداخله، فعاد ينتهز الفرصة التي أمامه:
"مش فاهم؟"
أسيا بحماس: "أنا بحب البحر ونفسي أزوره عشان بابي هناك. إنت عارف إن بابي من ساعة ما أنا جيت وهو هناااااك في البحر بعيد ولسه لحد دلوقتي مجاش. وبعدين أنا استنيت كتير وسألت مامى قالتلي إنه مش هيعرف يجي دلوقتي، عشان كده أنا عايزة أروحه هناك عشان أشوفه ويعرفني."
شعر مراد بالألم من أجل تلك الطفلة الصغيرة والغضب من والد تلك الطفلة، فلو كان القدر سمح له بأن يكون هو والدها، لما تركها مهما كان السبب. تحدث إليها:
"آسيا...."
رفعت رأسها تنظر إليه متفكرة، ثم قاطعته تسأل ببراءة:
"هو حضرتك زعلان؟"
ابتسم وهو يسألها:
"اشمعنى؟"
أسيا: "عشان حضرتك قلتلي آسيا، مامى مش بتقولي آسيا غير لما بتكون زعلانة. هو حضرتك زعلان؟ إنت عارف إن كل صحابي بيقولولي أسو ومامي كمان وأونكل طارق ونينا."
صمتت قليلًا ثم أكملت حديثها كتبرير:
"إنت عارف ليه أنا اسمي آسيا زي اسم مامى؟ عشان لما أنا اتولدت مامى نامت فترة كبيرة، فنينا قررت تسميني زيها عشان لو مامى مصحتش تاني. أنا لما سألت مامى هي قالتلي كده."
شعر بالألم يعتصر قلبه مما حدث لها، فآسيا وصغيرتها عانتا كثيرًا، بدون وجود أحد بجوارهما. احتضن أسيا الصغيرة، ولمفاجئته أنها استجابت لحضنه على الفور. كان يفكر بيأس وألم وهو يحتضنها، لولا المصيبة التي حلت على رأسه وقتها، ما كان ليترك آسيا تعاني كل ذلك، ولكنه هنا الآن ولا ينوي تركها مرة أخرى. أما عن سره الصغير، فهو ينوي الاحتفاظ به بداخله دون مشاركة أحد.
كانت الساعة تقارب التاسعة مساءً، ولكنه لم يشعر بالوقت يمر حتى وجد باب الغرفة ينفتح وهي تقف أمامه تنظر بإرهاق ترتدي الزي الجراحي الأزرق. تجمدت فور رؤيته يجلس بجوار صغيرتها فسألت بقلق:
"هو دكتور طارق فين؟"
تحرك يقف أمامها وهو يتحدث بهدوء:
"دكتور طارق طلبوه لشغل ضروري فنزل، وأنا كنت موجود فعرضت عليه إني أقعد مع آسيا لحد ما يرجع."
أومأت رأسها على عجل تتجه بحديثها إلى ابنتها بحدة:
"آسيا من فضلك لمي أوراقك دي وتعالي معايا عشان تتعشي."
تحركت الطفلة معها على الفور بعد أخذ حاجياتها وتحركا معًا للخارج.
كانت آسيا تشعر بالغضب من طارق، فقد تركت ابنتها في أمانته، كيف يستطيع أن يكون بهذا الاستهتار ويتركها معه بمفردهما! نظرت إلى ساعتها وهي تتأفف، فمازال أمامها مرورها الليلي قبل الذهاب وهي لا تريد ترك أسو بمفردها أكثر من ذلك، فهي بصراحة لا تثق بهم بعد الآن. كانت الساعة تقارب الحادية عشر عندما كانت تحمل ابنتها النائمة على ذراعها وتقف على الطريق تفكر بيأس أن هذا اليوم بأكمله يسير ضدها. فعندما طلبت تاكسي قبل الخروج لم تجد واحد شاغرًا، لذلك لم يكن أمامها حل إلا الخروج وتجربة حظها، وها هي تقف منذ مدة تحمل طفلتها تنتظر مرور أي سيارة أجرة. تململت بملل وهي تشعر بقلق من برودة الليل على أسو، حتى وجدت سيارة سوداء تتوقف أمامها وخرج مراد من مقعدها الخلفي ثم تحدث بنبرة خالية وهو يقف أمامها:
"آسيا، تعالي أوصلك."
هزت رأسها بالرفض ليعيد عرضه مرة أخرى، ولكن هذه المرة بنبرة حازمة يشوبها الغضب:
"آسيا، لو سمحتي اركبي العربية!!"
هزت رأسها بحزم للمرة الثانية، فبدت أمامه كطفلة تحمل طفلة. زفر بنفاذ صبر وكان يصرخ بها هذه المرة وهو ينظر إليها بغضب واضح:
"آسيا بطلب منك لآخر مرة اركبي، هو مش عناد وخلاص!"
ولا انتي ناوية تقفي هنا طول الليل وانتي شايلة البنت؟
عندما لم يجد منها رد، تحرك يقترب منها حتى شعرت بأنفاسه عليها. يحدثها محذراً والغضب يملأ نظره:
"- طيب عشان أكون واضح قدامك، دقيقة واحدة تركبي فيها وإلا هشيلك أركبك بالعافية. ومتفكريش إنك عشان شايلة أسيا ده ممكن هيمنعني أو يوقفني."
نظرت إليه بعينين متسعتين من الرعب، فرأت التصميم واضحاً على وجهه والجدية في نظراته. فتحركت على الفور تستقر بداخل السيارة، تاركة خلفها ذلك الذي يبتسم بانتصار.
كان يجلس بجوارها براحة، ينظر إليها متأملاً. تتجمع بداخله مشاعر مختلطة، فقد كانت آسو تنام في حضنها براحة، تستند برأسها الصغير على مقدمة صدرها، مما جعل بلوزتها تنفرج قليلاً، تكشف عما تحتها. وكانت تمسك بإحدى يدي صغيرتها تقبلها بهدوء، قبلات متتالية. ثم استنشقت شعرها وطبعت قبلة على مقدمته، ثم أخذت تمسده بهدوء، مما جعله يشعر بالغيرة، يتمنى لو أنه من يتلقى تلك القبلات بدلاً من أسو.
أما هي، فكانت متوترة من جلوسه بقربها، فقررت الانشغال بطفلتها، لعل ذلك يفيدها.
أفاقت على صوته وهو يسألها عن عنوان منزلها، فشعرت بالإحراج لأنها نسيت إعطاءه لسائقه عندما صعدت. كان هذا هو الحديث الوحيد بينهم طوال الطريق، فكلاهما كان مشغولاً بأفكاره عن الآخر.
عندما توقفت السيارة أمام منزلها، كان هو أول من هبط منها، ثم التفت يفتح لها باب السيارة، يمد يده يأخذ منها أسيا حتى تستطيع النزول. أرادت أن ترفض، ولكنها لم تكن في حالة تسمح لها بالمجالدة، فقررت إعطائها له على الفور.
كان يحتضن أسيا بكلتا يديه وهو يتحرك خلفها، يصعد سلالم المنزل الأمامية. فتحت الباب بهدوء، ومدت يدها تأخذ منه طفلتها، ولكنه تجاهلها ودلف بها إلى المنزل على الفور، يسأل عن موقع الغرفة. فأشارت إلى الأعلى.
كانت تراقبه وهو يتسلق الدرج حاملاً أسيا بسهولة تامة ورشاقة، كأنه معتاد على فعل ذلك. نفضت رأسها من الأفكار وصعدت خلفه، لتجده يقف عند مقدمة الدرج ينتظرها. فتحت باب الغرفة له، وتركته يدخل أولاً، يضع أسيا على الفراش بهدوء، ثم قام بخلع حذائها ودثرها جيداً بالغطاء.
كانت أسيا واقفة تراقب كل ذلك، وقلبها يغوص بالحسرة من معاملته الرائعة مع طفلته، تفكر بيأس كيف غزت تلك اللحظة أحلامها كثيراً. كانت غارقة بتلك الأفكار، لم تشعر به وهو يقترب منها. انتفضت من لمسته المفاجئة لها وهو يحثها على الخروج، فاعتذرت منه على الفور وتحركت في أثره.
في الطابق السفلي، بالتحديد في غرفة المعيشة، كانت تقف أمامه بتوتر، تشعر بوجوده يبتلع الغرفة. قطعت الصمت بينهما بنبرة متوترة:
"- شكراً على اللي عملته معانا النهارده."
رفع إحدى حاجبيه، ينظر إليها باستنكار وهو يتساءل:
"- شكراً على إيه؟ بيتهيأ لي معملتش حاجة تستحق الشكر ده، أنا بس..."
قاطعته بعصبية غير مبررة:
"- آه معلش نسيت، أكيد معملتش حاجة. ولو كانت أي واحدة مكاني كنت هتعمل نفس التصرف ده معاها، وأنا مش استثناء!"
نظر إليها بصدمة ظهرت أيضاً في نبرته وهو يتحدث إليها:
"أنا مكنتش هقول كده خالص، كنت هقول إنها حاجة بسيطة أقل من إنك تشكريني عليها."
شعرت بالحرج من تسرعها، وبدأ اللون الأحمر يغزو وجنتها، وهي تتحرك في مكانها بتوتر. كان على وشك التحرك للخروج عندما أوقفه صوتها، تتحدث برقة وهي تبتسم بخجل:
"على فكرة، أنا ملقتش فرصة النهارده عشان أشكرك وأبلغك إن محمد عمل العملية ونجحت، وهو دلوقتي أحسن. فاضله كام يوم نقاهة بس ويخرج."
أومأ برأسه، يشاركها ابتسامتها، وهو يضع يده داخل جيوب بنطاله:
"آه عرفت، بلغوني وأنا مسافر. آه، وبالمناسبة، عايزة أطمنك إني دورت وفعلاً لقيت إن كلامها حقيقي زي ما حكيتلك، وإن فعلاً جوزها اتخلى عنها وسابها. وزي ما وعدتك، الشركة هتتكفل بكل مصاريفهم ومصاريف علاجه ودراسته كمان. وبالنسبة لوالدته، فهي استلمت شغل مناسب ليها من يومين."
نظرت إليه بذهول، تحاول التعبير عما تشعر به، ولكن خانتها كلماتها. فوجدت نفسها في اللحظة التالية ترتمي عليه، تحتضنه بقوة. شعر بالصدمة في أول الأمر من حركتها المفاجئة، ولكنه شدد من ذراعيه عليها عندما وجدها تتمسك به بقوة. كانت تدفن رأسها في عنقه، تستنشق رائحته، تشعر وكأنها وجدت موطنها. كان عقلها يحثها على الابتعاد، ولكنها تجاهلته، تستمتع بوجودها في حضنه فقط، فأصبحت تضغط على جسده أكثر.
أما هو، فكانت تشتعل بداخله كل تلك المشاعر التي يحاول إخمادها منذ صعودها معه إلى السيارة، من أثر لمستها. ظلا هكذا لفترة من الوقت، حتى ابتعدت عنه على مضض، ولكنه أبقى ذراعيه على خصرها، فلم تستطع الابتعاد عنه سوى سنتيمترات قليلة. كان ينظر إليها بشغف، وعيناه داكنة من أثر الرغبة. مد يده يتلمس إحدى خصلاتها برقة، ثم يعيدها خلف أذنها، هامساً باسمها:
"- أسيا."
أجابته على الفور بهمس رقيق وعيون ناعسة:
"نعم."
تنهد بعمق قبل أن يكمل حديثه الهامس:
"- أسيا، أنا كنت عايز أقولك إنّي......"
قاطعه صوت أسيا الصغيرة، تهتف بقلق من ورائه: (مامّي!!) فأبتعد عنها على الفور.
رواية عشقي الابدي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء يوسف
ابتعد عنها على الفور تاركاً لها المجال لتتحرك هي في اتجاه صغيرتها تحتضنها بحب.
ثم حملتها برفق بين ذراعيها.
حدثتها آسو بنبرتها الطفولية الناعسة:
- مامى عايزه أشرب.
دهشت عندما تحرك مراد فور سماعه طلب صغيرتها ليغيب قليلاً ثم يعود حاملاً كأس من الماء يعطيها لآسيا الصغيرة مباشرة.
شربت منه قليلاً ثم أعادته له بهدوء وهي تشكره ثم تدفن رأسها في عنق والدتها مرة أخرى.
كان ينظر إليها بحنان لم يُخفَ على أسيا التي كانت تراقب كل نظراته بقلق وترقب.
ظلا واقفين هكذا فترة من الوقت دون حراك ينظر كل منهما إلى الآخر بشغف دون حديث.
بعد قليل قطع صوته الصمت الرخيم يتحدث بهدوء:
- احم أنا لازم أستأذن.
أشوفك بكرة إن شاء الله.
تصبحوا على خير.
ثم اقترب منها يلف ذراعه حول خصرها ليحيطهم هما الاثنان معاً كأنهم كنزه الثمين.
ثم طبع قبلة مطولة على رأس كل منهما قبل أن يتحرك للخارج تتبعه أسيا حاملة صغيرتها.
فتح باب المنزل وسار في اتجاه سيارته.
ثم التفت قبل صعوده السيارة ينظر لهما بشغف.
فوجد أسيا الصغيرة تلوح له بيدها وهي تبتسم بخجل.
شعر بقلبه يغوص بداخله من تلك الحركة العفوية وكأنه مربوط معها بخيط غير مرئي يسحبه نحوها.
يتمنى لو أن بإمكانه تمضية ليلته معهم وهو يحاوطهم بكل قوته.
وضعت أسيا صغيرتها في الفراش مرة أخرى بعد أن بدلت ثيابها.
واستلقت بجوارها تحيطها بكلتا ذراعيها وهي تفكر بكل ما حدث.
لقد انهارت دفاعاتها كلياً.
أين عزيمتها وإصرارها؟
أين وعودها التي كانت تقطعها يومياً على نفسها؟
ففي الوقت التي كانت تخشى من معرفة مراد بوجود ابنتها سمحت له بدخول منزلها وحمل طفلتها.
والأهم، الاهتمام بها!
ولكن أكثر ما أثار دهشتها أنه لم يعطِ أي رد فعل غير طبيعي.
لم يتفاجأ ولم يسأل ولم يثور.
فقط وجه لها نظرات حب أو ربما عطف.
أو ربما تعمد إعطاء رد الفعل ذلك حتى يستطيع التحري براحة دون علمها.
طمأنت نفسها فحتى لو أراد التحري لن يستطيع الوصول لشيء.
كانت الساعة الرابعة فجراً عندما شعرت أسيا بيد صغيرتها تهزها برفق وتحدثها:
- مامى في وجع هنا.
وهي تشير إلى حلقها.
انتفضت أسيا على الفور تتلمسها فتفاجئت بارتفاع درجة حرارتها.
اتجت إلى الحمام على الفور تبحث عن جهاز قياس الحرارة.
ثم عادت إلى غرفة آسو تقيس حرارتها.
أخرجته بعد قليل فظهر تسجيل الشاشة 39 درجة م.
تأففت بيأس تشعر بالذنب.
فهي تعلم أن طفلتها تحمل مناعة ضعيفة وبرغم ذلك جازفت بالخروج بها ليلاً.
سارعت بأخذها تحت الماء مباشرة لتهدئة الحرارة وإعطائها الدواء الخاص بها.
مر الوقت عليها كالدهر وهي تنتظر انخفاض حرارتها.
نظرت إلى ساعتها بعد عدة ساعات فكانت تشير إلى الثامنة.
فقررت الاتصال هاتفياً بطارق وإبلاغه بكل ما حدث.
استقبل اتصالها بقلق في بادئ الأمر ولكنها طمأنته إنهما بخير.
ولكنها لن تستطيع الذهاب إلى المشفى اليوم.
أنهت مكالمتها معه بوعد منها بالاتصال به في أي وقت متى احتاجت للمساعدة.
انتهزت أسيا فرصة نوم طفلتها بعد انخفاض حرارتها قليلاً في إتمام أعمالها المنزلية المتراكمة.
كانت الساعة تقارب الثامنة مساءً عندما أنهت جميع أعمالها المنزلية.
فقط تبقى لديها دواء آسيا وتسجيل درجة حرارتها مرة أخرى.
تنفست الصعداء وهي تراها تقارب على السابعة والثلاثين.
أعطتها آخر جرعة من دوائها لليوم وجلست بقربها قرابة النصف ساعة حتى غفت صغيرتها وهي بين ذراعيها.
تذكرت بعد قليل أنها لم تتصل بطارق بعد لطمأنته.
فقررت النزول إلى غرفة المعيشة تتحدث بداخلها حتى لا تزعج صغيرتها.
انتهت من مكالمتها معه بعد فترة قصيرة وقد بدأت تشعر بإرهاق اليوم يتمكن منها.
عندما سمعت رنين جرس الباب.
سارعت في النهوض لعل والدتها قد عادت مبكراً من رحلتها.
فتحت الباب فتفاجئت بمراد يقف أمامها بوسامته الطاغية التي تخطف الأنفاس.
كان يقف أمامها مرتدياً جاكيت رمادي بقميص أبيض تحتها كعادته وبنطال أسود وربطة عنق من نفس اللون.
أرادت الحديث ولكنها لم تجد صوتها.
فنظر إليها رافعاً إحدى حاجبيه متسائلاً:
- ينفع أدخل ولا هفضل واقف هنا؟
هزت رأسها ببلاهة وهي تتحرك من أمام الباب تفسح له المجال للدخول.
وهي تحدثه:
- طبعاً اتفضل معلش مش مركزة.
بمجرد وصوله غرفة المعيشة التفت ينظر إليها على الفور.
يلاحظ الإرهاق واضح على وجهها ونظرتها.
فتحدث بنبرة تملؤها الاهتمام:
- دكتور طارق بلغني إن أسيا تعبانة شوية عشان كده مجيتيش الشغل النهارده.
هزت رأسها موافقة قبل أن تجيبه:
- فعلاً، واضح إن جو بليل أثر عليها شوية.
كانت حرارتها مرتفعة الصبح وعندها احتقان في الزور فمقدرتش أسيبها وأجي.
كان ينظر إليها متابعاً ملامحها والقلق واضح في نبرته:
- طب ما جبتهاش المستشفى ليه لدكتور طارق يشوفها عشان نطمن عليها ويعملها اللازم؟
أجابته أسيا بسخرية:
- بصراحة مفكرتش في كده.
قلت أثق في قدرتي كطبيبة أطفال شوية.
ثم أضافت بمرح وهي تبتسم له:
- بس صدقني لو حسيت إنها محتاجة دكتور طارق مش هتردد وهاخدها على طول.
شعر بالحرج من حديثه فأضاف مصححاً:
- أنا مكنش قصدي كده.
كل الحكاية إن العناية في المستشفى أفضل.
وبعدين انتي عارفة إني طول عمري بثق فيكي وشايفك أحسن دكتورة في الدنيا.
ابتسمت بخجل من إجابته وهي تعيد إحدى خصلات شعرها خلف أذنها بأرتباك.
تعلم صدق كلامه فالطالما كانت تسمع منه هذه الجملة كتشجيع.
أعادها صوته إلى الواقع مرة أخرى يسألها باهتمام:
- طب هي كويسة دلوقتي؟
أجابته على الفور مطمئنة:
- آه آه تمام.
زي ما قلتلك كانوا شوية احتقان في الزور عملوا حرارة بس دلوقتي الحمد لله نزلت.
مفيش حاجة مهمة متقلقش.
استغربت من رد فعلها.
فمنذ يومان كان ترتعب من فكرة معرفته بوجودها والآن تقف أمامه تطمئنه عليها من كل قلبها.
تقدم خطوة إلى الأمام ينظر إليها متفحصاً وهو يسألها باهتمام:
- أسيا، انتي كويسة شكلك أصفر شوية؟
ثم ضاقت عينيه عليها عابساً يتسأل:
- انتي أكلتي حاجة النهارده؟
نظرت له بفم مفتوح.
اللعنة بعد كل تلك السنوات مازال أفضل من يعرفها.
لوت فمها بيأس.
فلقد أمسك بها، هذا ما كانت تفكر به في تلك اللحظة.
هزت رأسها بضعف نافية لتجده يزفر بحنق غاضباً يسأل:
- ولا أي حاجة خالص؟
هزت رأسها مرة أخرى في حركة طفولية.
فلعن وهو يتحرك في اتجاه المطبخ وهي تركض وراءه.
نظر حوله يستكشف المكان ثم سأل باستنكار:
- مفيش حاجة ممكن تاكليها هنا؟
تحدثت بنبرة طفولية متذمرة:
- مفيش غير شوربة الخضار بتاعة أسيا.
وانت عارف إني بكره شوربة الخضار.
وبصراحة ملقتش وقت أعمل حاجة تاني.
نظر إليها معنفاً:
- وده مبرر إنك تفضلي من غير أكل لدلوقتي؟
ثم رفع ذراعه ينظر إلى ساعة يده.
ثم أكمل حديثه مفكراً:
- في إيه هنا ممكن نعمله بسرعة؟
لم ينتظر إجابتها كأنه يحدث نفسه.
وتحرك يفتح باب ثلاجتها.
رفع رأسه بعد قليل وهو يمسك إحدى أكياس المعكرونة بيده وهو يبتسم لها:
- إيه رأيك؟
أجابته بمرح:
- انت عايز تأكلني مكرونة دلوقتي!!
عايز جسمي يبوظ؟
نظر إليها متفحصاً بإغراء قبل أن يجيب بنبرة مثيرة وهو يلوي فمه:
- لو باظ أنا معنديش أي مشكلة.
فشعرت بالخجل من ملاحظته الصغيرة.
ثم غمز لها مكملاً حديثه مغيظاً لها:
- على العموم لو مش عايزة خلاص نشوف أي حاجة تاني.
ثم تحرك يفتح باب الثلاجة مجدداً.
ليجدها تركض في اتجاهه تمسك بيده وهي تتحدث بلهفة:
- بتهزر!!!
مفيش حاجة في الدنيا ممكن توقفني عن إني آكل مكرونتك.
أنت عارف إنها إدمان بالنسبالي.
شعرت بالتسرع في جملتها الأخيرة.
فارتدت خطوة إلى الوراء وهي تقضم على شفتيها في حركة تلقائية.
كان يراقب صراع مشاعرها الواضح على وجهها باستمتاع.
فتحتجت بضرورة الصعود للاطمئنان على أسيا.
عادت بعد ربع ساعة لتجد معطفه موضوع بعناية على أحد المقاعد مع ربطة عنقه.
مشمراً عن قميصه ليكشف عن ساعدين قويين يتحرك بسهولة واسترخاء داخل مطبخها الصغير.
كانت تراقبه بأستمتاع عندما رفع نظره إليها يرفع إحدى حاجبيه يسألها عن وضع الصغيرة.
فتحركت بخجل تجيب عليه تشعر كأنها قُبض عليها متلبسة.
بعد وقت قليل كان يضع إحدى الأطباق أمامها.
ثم جلس بجوارها يأمرها بحزم ولكن بهدوء:
- كلي وكله.
أومأت برأسها إيجاباً وهي تبتسم له:
- هآكل بس على شرط إنك تاكل معايا مش هعرف آكل لوحدي في الوقت ده.
لدهشتها لم يجادلها بل على العكس.
تحرك نحو المطبخ ثم عاد بعد قليل يحمل طبق آخر وجلسا معاً يأكلاا سوياً كما لو إنهما زوج وزوجة.
وكان قلبها يرقص فرحاً من تلك الفكرة.
بعد فترة كانت تجلس في الأريكة بجواره تشعر بحضوره الطاغي بجوارها.
وتتجمع بداخلها مشاعر متداخلة من قربه ورائحة عطره التي لم تتغير كل تلك السنوات.
فقررت التحرك من جواره عل مشاعرها تهدأ قليلاً.
قامت من مقعدها تسأله بتوتر:
- قهوة؟
وقف أمامها يتحدث برقة وهو ينظر إليها بشغف:
- لا خليكي انتي.
باين عليكي الإرهاق واكيد تعبتي النهارده ومحتاجة ترتاحي.
ده غير إن الوقت اتأخر وأنا لازم أمشي دلوقتي.
أومأت برأسها موافقة على كلامه بخيبة أمل.
لا تعلم ماذا تجيبه فهي تشعر بالإحباط.
فكم كانت تتمنى ألا تأتي هذه اللحظة.
تحركت خلفه بهدوء وهو يلتقط جاكيته وربطة عنقه من المطبخ ليرتديهم.
قطعت الصمت مرة أخرى تتحدث بصوت يشبه الهمس:
- شكراً على كل اللي عملته النهارده وشكراً لأنك اهتميت إنك تسأل على أسيا.
وإن شاء الله بكرة هكون في المستشفى لو الأمور فضلت مستقرة.
تحرك خطوتين إلى الأمام يقترب منها.
ثم حاوط وجهها بكلتا يديه يتلمس وجنتها بأصابعه يتحدث بنبرة واقعية تشبه همسها مع نظرة حنون:
- أسيا المستشفى دي بتاعتك.
تعالي في الوقت اللي يريحك.
لو محتاجة إجازة كمان خدي وقتك ومتشغليش نفسك بحاجة.
وياريت لو احتجتي أي حاجة متردديش إنك تكلميني.
شعرت بقلبها يذوب من أثر كلمته ونظراته.
فتحت فمها لتجيب ولكن قاطعها رنين جرس الباب.
رفع إحدى حاجبيه يسأل باستنكار وهو مازال ممسك بها:
- مين اللي ممكن يجيلك دلوقتي؟
تحدثت وكأنها تبرر له:
- دي أكيد ماما كانت مسافرة عند خالتو واكيد رجعت لما عرفت إن أسو تعبانة.
تحركت تفتح الباب لتشهق بصدمة وفرح معاً.
صرخت أسيا باسمه فرحة:
- خالد!!!!!
مش معقووووول!!
إيه المفاجأة الحلوة دي!!!
ثم رمت بنفسها عليه تحضنه وصوت ضحكتها يصل إلى مسامعه بقوة.
رواية عشقي الابدي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيماء يوسف
كان خالد هو صديقها منذ ٥ سنوات. تعرفت عليه في منزل الدكتور طارق في إحدى الأمسيات، فقد كان الدكتور طارق عمه. كان يتسم بخفة الدم، ولدهشتها، كان هو الوحيد القادر على إخراجها من حالتها الكئيبة التي كانت تمر بها وقتها. فاعتادت على وجوده في وقت قصير وأصبحا أصدقاء في وقت أقصر.
كان شاب طويل القامة ذو جسم رياضي معتدل، أبيض الوجه ذو عيون عسلية قاتمة. برغم وسامته وخفة ظله، إلا أنها كانت تعتبره أخاً لها وصديقاً حنوناً، رغم تلميح الدكتور طارق لأكثر من مرة عن إعجاب ابن أخيه بها، ولكنها كانت تتجاهل تلك التلميحات وكأنها لا تسمعها. كان طبيباً يعمل خارج البلاد، لذلك كانت تراه كل عام شهراً أو أقل.
وما أشد فرحتها عندما رأته الآن! فهي مفاجأة سارة لكل من أسيا وأسيا الصغيرة المتعلقة به كثيراً. كان صوت ضحكتها يدوي في الخارج، غافلة عن ذلك الذي يراقب حديثها ورد فعلها بحذر شديد ويشعر بالغضب في كل عضلة من عضلات جسده وهو يراها واقفة أمام باب منزلها تحتضن رجلاً غريباً وتبادله ابتسامتها المحببة له.
كان ينظر إليها وهي عائدة على وجهها ابتسامة عريضة وذلك الرجل إلى جوارها، فشعر بالنيران تشتعل بداخله. وقفت أمامه تقدم له ذلك المدعو خالد. كانت نظراته الآن مليئة بالغضب. تحدثت بسعادة وهي تقدمه له:
"مراد، ده دكتور خالد ابن أخو الدكتور طارق. خالد، ده الأستاذ مراد المالك والمدير الجديد للمستشفى اللي بشتغل فيها."
ابتسم له خالد وهو يقدم يده يصافحه مصاحباً تلك الحركة بحديث:
"اتشرفت بمعرفتك يا أستاذ مراد."
مد مراد يده ببطء يقدمها لها بدون تعليق وهو ينظر إليه بعبوس، يشعر أن كل ما يريد فعله هو لكمه على وجهه حتى تختفي تلك الابتسامة البلهاء.
توجهت أسيا بحديثها إلى خالد مرة أخرى مبتسمة:
"بس إيه المفاجأة الحلوة دي! إنت وصلت إمتى؟"
أجابها خالد والابتسامة ما زالت على وجهه:
"وصلت من كام ساعة وكنت ناوي أفاجئك بكرة، بس لما عمي قال لي إن أسو تعبانة مقدرتش أستنى للصبح. إنتِ عارفة هي بالنسبة لي إيه."
ردت أسيا على حديثه:
"إنت عارف إنت كمان بالنسبة لها إيه، هي متعلقة بيك أكتر من أي حد وكانت كل يوم بتسألني عليك تقريباً عايزة تعرف إنت هترجع إمتى."
شعر مراد بأنه يفقد السيطرة تماماً على أعصابه. إذا فقد وجد إجابة سؤاله. جاهد ليتحدث بنبرة طبيعية، متنحنحاً بقوة:
"طب عن إذنكم، أنا مضطر أستأذن."
ثم تحرك دون انتظار إجابة. تحركت في أثره ولكنه أوقفها في منتصف الطريق وهو ينظر إليها بغضب ويتحدث بنبرة حادة قوية:
"مفيش داعي تتعبّي نفسك، أنا عارف طريقي كويس. خليكي إنتِ مع ضيفك البشوش ده ومفاجئتك."
ثم خرج صافقاً الباب وراءه بقوة، تاركاً إياها تنظر بحيرة من تصرفه الغريب.
بمجرد وصوله إلى منزله في وسط المدينة، توجه إلى الحمام مباشرة يقف تحت الماء البارد، لعل ذلك يهدئ من غضبه قليلاً. بعد عدة دقائق، كان في غرفة نومه، ما زال يستشيط غضباً من نفسه ومنها ومن ذلك المدعو خالد. تحرك في الغرفة ذهاباً وإياباً بتوتر، ماراً يده داخل خصلات شعره الرطب، يلوم نفسه بغضب. كيف استطاع أن يتركها معه بمفردهما وينصرف؟ كان يفكر بيأس، من المحتمل أنه قضت ليلتها معه الآن. مجرد التفكير بذلك الاحتمال جعله يرتجف غضباً. كان يفكر بالعودة مرة أخرى للتأكد من مغادرته، ولكنه نَهَرَ نفسه بعنف من ذلك التفكير الطفولي. حاول الاستلقاء على فراشه في محاولة بائسة منه للنوم، ولكنه يعلم أنها مهمة مستحيلة.
كانت الساعة السادسة صباحاً وهو لا يزال مستلقياً في فراشه يفكر بها. أخذ يتتململ في فراشه بألم، يريد رؤيتها واحتضانها وتخبئتها داخل صدره بعيداً عن أي أعين أخرى. اللعنة عليه وعلى خالد وعلى سره الذي قلب حياته رأساً على عقب وأجبره على تركها لرجل آخر. زفر بحنق وهو يمرر يده على وجهه في محاولة بائسة منه لطرد صورتها من ذاكرته وهي تحتضنه بفرح. قرر النهوض وبدء يومه باكراً والتعامل مع المعلومات التي حصل عليها البارحة. ففي الوقت الذي كان يحاول الوصول إلى معلومة تخصه، إذا به يقف أمامه مباشرة. كان يشعر بالغضب من أنور أيضاً الذي فشل في إعطائه أي معلومة مفيدة عنه، ولكنه الآن بات يعرف من هو وكيف يستطيع التعامل معه.
نظرت أسيا في ساعة يدها وهي تتأفف بضيق من توقف حركة المرور. فقد تأخرت بالفعل بسبب معلمة أسيا التي أعادت لها مواعيد الدواء أكثر من مرة حتى حفظته. ولا تريد التأخر أكثر، لذلك قررت تكملة طريقها سيراً على الأقدام، ففي كل الأحوال لم تكن المشفى بعيدة عنها. دخلت المشفى متوترة وهي تنظر في ساعة يدها لتجدها الثامنة والنصف، إذاً فقد تأخرت نصف ساعة فقط. فكرت بيأس، أن التأخير ليس من عاداتها، ولكن اليوم استثناء.
أما هو، فكان في الطابق الأرضي من الساعة السابعة والنصف يترقب موعد وصولها. راقبها وهي تدخل المشفى على عجل والقلق بادٍ على وجهها، فتحرك في اتجاهها على الفور. تحدث إليها بجليدية بعد رفع ذراعه ينظر إلى ساعة يده بعبوس:
"دكتورة، إنتِ ميعادك الساعة كام؟!"
نظرت بقلق، فهو يبدو عليه الغضب منذ الصباح.
أسيا:
"٨."
رفع إحدى حاجبيه يسأل باستهزاء:
"ودلوقتي الساعة كام؟!"
زفرت بحنق قبل أن تجيبه، تفكر بيأس، ليس من الطبيعي أن يبدأ أحد يومه بمزاج سيء هكذا.
تحدثت مرة أخرى مفسرة:
"دلوقتي ٨ ونص، أنا آسفة على التأخير بس كنت بوصل أسيا والمرور كان..."
رفع يده إليها ليقاطعها:
"مهمنيش أعرف تفاصيل، يهمني بس إنك تحافظي على مواعيدك وتعرفي إنك في مستشفى، يعني في حياة ناس بين إيديكي، وعشان كده مخصوم منك نص يوم، ولو اتكرر تاني هيتخصم تلات."
ثم التفت دون كلمة أخرى، تاركاً إياها خلفه تنظر بغضب من رد فعله غير المبرر.
بمجرد تحركه، أسرعت عائشة إليها تحدثها:
"قالك حاجة؟ واضح إن مزاجه النهاردة وحش أوي، من ساعة ما وصل وهو متنرفز وبيزعق لأي حد يقابله، ربنا يستر ويعدي اليوم ده على خير."
تحدثت أسيا محاولة إظهار لامبالاة في صوتها:
"ملناش دعوة بيه، خلينا نروح على شغلنا ونبعد عنه أحسن."
ثم تحركت وهي تشعر بالألم من معاملته الجافة معها.
كانت تتحرك داخل طوابق المشفى وهي تشعر بالغضب والقلق معاً، غاضبة من تصرفه معها على هذا النحو الغريب خصوصاً بعد البارحة، وقلقة من سوء مزاجه. كانت تفكر بحزن، أيعقل أنه ندم على ما فعله معها البارحة لذلك يتعامل معها بهذا الغضب؟ لا، فقد أخبرتها عائشة أنه يتعامل مع الجميع بغضب. تنهدت تتمنى ألا يكون هناك مشكلة معه، فهي تعلمه جيداً وتعلم حالته المزاجية عندما تقابله مشكلة بخصوص العمل لا يستطيع حلها. كانت تتحرك وهي مشغولة بتلك الأفكار عندما اصطدمت بشخص ما. رفعت رأسها لتجده أمامها، اعتذرت باقتضاب وتحركت عنه سريعاً مبتعدة، ليوقفها بحديثه:
"دكتورة، هو إنتِ معندكيش شغل ولا غرف تمرّي عليها بدل ما إنتِ بتتمشي في الممرات؟!"
شعرت بالغضب يتجمع بداخلها. إنها لا تعلم ما يحدث معه، ولكنها أيضاً لن تكون أداة لتنفيس غضبه. عادت تقف أمامه وعيناها مشتعلة من الغضب، تجيبه على سؤاله بنفس نبرته العدائية:
"أظن إني مش محتاجة أبرر لحضرتك كل خطوة بخطيها في المستشفى! ولو بقى فيه نظام جديد هنا إني أعرف مدير مديري كل حركة بعملها، فأنا مستعدة أكتب لك تقرير عن تحركاتي! لا، بيتهيألي من الأسهل إن حضرتك بنفسك تيجي تلف معايا وتشوفني بعمل إيه عشان تتأكد إني بشوف شغلي مش بتمشى في الممرات ولا بدلع! ولو حضرتك شايف إني مش بشوف شغلي كويس، تقدر تخصملي باقي اليوم أو كل الأيام زي ما تحب! بس أنا هنا عشان فيه أطفال محتاجين مساعدتي، مش عشان أي حاجة تانية! فخصوماتك دي متهمنيش."
أنهت جملتها ثم التفتت بعنف تهرب بعيداً عنه مسرعة، فهي لا تعلم رد فعله عما تفوهت به منذ قليل.
جلس في غرفته يتذكر المحادثة الصغيرة التي جرت بينهم منذ قليل وكيف كانت تقف أمامه بقوة تتحدث إليه وعيناها تقدح بالشرر وهي تقضم على شفتيها بغضب. كل ما أراد فعله هو تقبيلها بقوة لإسكاتها. نفض رأسه محاولاً طرد تلك الأفكار منها، مذكراً نفسه باحتمال قضاء ليلتها مع ذلك النذل المسمى خالد. طُرِق الباب فأجاب على الفور:
"ادخل."
دلف أنور، فحدثه مراد بحزم:
"أخيراً وصلت. أتمنى تكون المرة دي عرفت تجيب لي حاجة مهمة مش زي المرة اللي فاتت."
أنور بتوتر ملحوظ من غضب مديره:
"الملف ده فيه كل حاجة تخصه يا فندم بكل تفاصيل حياته."
أومأ مراد برأسه وأشار له بالخروج دون حديث. فتح الملف على عجل. بعد مدة، كان يرفع رأسه وهو يبتسم بخبث متحدثاً بتفكير:
"حلو أوي، أكيد هحتاجه بس مش دلوقتي. لما نشوف يا أستاذ خالد ناوي على إيه الأول."
رواية عشقي الابدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء يوسف
مضت أسيا ما تبقى من يومها محاولة تجنبه أو تجنب الالتقاء به مرة أخرى. ورغم ذلك، كانت تشعر بالحزن من تعامله الجاف معها وأفكارها المنصبة عليه. انقضى يومها بسلام. تعمدت الخروج في موعدها دون تأخير واستخدام الباب الخلفي للخروج تجنباً لمصادفته. رمت بنفسها في أول سيارة أجرة صادفتها وهي تتنهد براحة من انتهاء هذا اليوم.
في اليوم التالي، عادت والدتها من رحلتها وبالتالي عاد كل شيء إلى طبيعته، ما عدا أسيا بالطبع.
أوقفها دكتور طارق وهي تخرج من إحدى الغرف، يتحدث باهتمام:
"آه أسيا، كويس إني شفتك. كنت لسه هبعت حد يناديكي."
سألته باهتمام:
"خير، في حاجة مهمة؟!"
طارق مبتسماً:
"لا أبداً، بس بعتولنا دعوة لمؤتمر طبي بكرة عن شلل الأطفال. وطبعاً أنا عارف مدى اهتمامك بالموضوع ده، فرشحتك أول واحدة تطلعي معايا. إيه رأيك؟ كمان هتكون في كلمة لينا في المؤتمر عن جهود المستشفى في التصدي ومعالجة الحالات دي."
هزت أسيا رأسها على الفور موافقة، تشعر بالحماس:
"طبعاً هكون موجودة، استحالة أفوت حاجة مهمة زي دي."
دكتور طارق:
"تمام جداً، اتفقنا. بس في حاجة أخيرة. المؤتمر بره المدينة وهنقعد يومين. أنا عارف إنك مش بتحبي تسيبى أسيا، بس معلش حاجة زي دي مهمة. وكمان أمل وجميلة موجودين، يعني ما فيش قلق."
نظرت إليه بتردد، فأكمل حديثه مشجعاً:
"إيه مالك قلقانة ليه؟ هي دي أول مرة نطلع مؤتمر بره المدينة؟ ولا هي أسيا لسه تعبانة؟"
أسيا على الفور:
"لا لا، الحمد لله، هي كويسة دلوقتي. خلاص هرتبها مع ماما."
دكتور طارق:
"طب تمام، حضري نفسك بكرة ومتجيش المستشفى الصبح. وأنا همر عليكي الساعة 3 عشان نتحرك، تكوني رتبتي ظروفك."
أومأت برأسها له موافقة. ثم بعد قليل، اتصلت بوالدتها تخبرها بمستجدات العمل، لتسمع على الفور ترحيب والدتها بجلوس حفيدة معها ليومين كاملين.
مضى يومها بسلام دون أن تراه. كانت مرتاحة من جهة، فهي لا تعلم إذا ما زال غاضباً أم لا. ومن ناحية أخرى، حزينة لأنها لن تراه لمدة ثلاث أيام.
في صباح اليوم التالي، كانت قد انتهت من تجهيز حاجيات أسيا وأوصلتها إلى حضانتها، على أن تأخذها والدتها كالعادة. كما أوصلت حاجياتها إلى منزل والدتها، وعادت إلى منزلها لتحضير حقيبتها الصغيرة. وذكرت نفسها بوضع إحدى مضادات الالتهاب في حقيبة يدها، فقد كانت تشعر بألم في حلقها منذ الصباح.
في تمام الساعة الثانية والنصف، كانت تحمل هاتفها للاتصال بدكتور طارق، ولكن ما أثار قلقها هو عدم رده. طمأنت نفسها باحتمال خروجه إلى الطريق، وبالتالي عدم سماعه للهاتف. انتظرت نصف ساعة أخرى لتسمع رنين جرس منزلها. تحركت على الفور لفتح باب منزلها، فتفاجأت برؤية مراد أمامها. كان يرتدي جاكيت جلد أسود تحته تيشرت أبيض وبنطال من نفس لون الجاكيت. كان يبدو وسيماً بشكل مدمر. عندما لم تتحرك، تحدث باقتضاب:
"يلا عشان منتأخرش، مش ضامن الطريق."
نظرت بصدمة تستوعب حديثه:
"لا معلش، مش فاهمة! يلا فين بالضبط؟"
مراد بنفاذ صبر:
"يلا عشان نتحرك للمؤتمر!"
أسيا ببلاهة:
"مؤتمر إيه بالضبط؟!"
مراد وهو يزفر بحنق:
"المؤتمر اللي المفروض نحضره النهارده!"
أكمل حديثه بنفاذ صبر وهو يزفر بحنق:
"دكتور طارق تعبان ومش هيقدر يسافر المسافة دي كلها، فأنا هروح بداله. في أي استفسار تاني؟!"
أسيا بعصبية:
"أيوه طبعاً في استفسار، إزاي يعني أنت اللي هتطلع معايا بداله؟!"
مراد بنفس نبرته العصبية:
"زي الناس على فكرة. أنا بمثل المستشفى إدارياً، وأنتي بتمثليها طبياً. الموضوع بسيط جداً!"
أسيا وهي مصدومة:
"أنا مش موافقة."
مراد رافعاً إحدى حاجبيه:
"والسبب؟"
أسيا:
"من غير سبب. لو ضروري يبقى اتفضل، وأنا هروح لوحدي لهناك."
مراد:
"وأنا مش بعرض عليكي تتجوزيني عشان تقوليلي مش موافقة. ده شغل! والشغل ما فيهوش روح. وأنا هحصلك. لو سمحتي يلا عشان منتأخرش."
ثم تحرك يتجاوزها، آخذاً الحقيبة الموضوعة بجانب الباب، ويسبقها نحو السيارة. شهقت أسيا بصدمة من وقاحته في التعامل معها. رفعت نظرها إليه فوجدته يرفع إحدى حاجبيه بتحدٍ وهو يقف عند باب السيارة يفتحه لها وينتظر قدومها. قررت، وهي تأخذ حقيبة يدها، إذا كان يريد مهنية، فستثبت له مهنيتها. أما هو، فتنوى تجاهله تماماً. كانت تسير في اتجاهه برأس مرفوع، ثم صعدت السيارة وهي تتجاهله تماماً. أغلق الباب بعد صعودها وهو يلوى فمه بابتسامة نصر، ثم تحرك يجلس خلف مقود السيارة لتبدأ رحلتهم بتجاهل أحدهم للآخر.
كان القلق يأكل داخلها على الدكتور طارق، فقررت الاتصال به هاتفياً للاطمئنان عليه، لكنها لم تتلقى أي رد. أعادت المحاولة عدة مرات ولكن دون إجابة أيضاً. كانت تتأفف بقلق وهي ممسكة بهاتفها، وهو يراقبها في صمت. بعد عدة دقائق، قررت الاتصال بزوجته السيدة أمل للاطمئنان عليه، ولكن لصدمتها، لم تتلقى أي رد أيضاً. وبرغم من نيتها بتجاهله طوال الطريق، إلا أنها وجدت نفسها تسأله بقلق:
"دكتور طارق مش بيرد عليا من بدري. أنت عرفت توصله إزاي؟ وهو تعبان عنده إيه؟"
كان يجيبها بلا مبالاة وعيناه مركزتان على الطريق:
"من شوية."
شعرت بالانزعاج من لا مبالاته، ولكنها تريد الاطمئنان على طارق، فأكملت:
"طب تعبان عنده إيه وليه مش بيرد عليا، لا هو ولا طنط أمل؟"
جاءها الرد مرة أخرى مختصراً:
"يمكن مشغولين."
بدأت تشعر بالغضب يتزايد بداخلها من تعامله معها، مما انعكس على نبرتها:
"يعني إيه مشغولين دي؟ بقالي ساعتين بكلمه مش بيرد، وأنت بتقولي تعبان. حتى طنط أمل مش بترد، أكيد حصلت حاجة. أنا هكلم خالد يروح يشوفه ويطمني عليه."
اختفت اللامبالاة المرتسمة على وجهه وحل محلها الغضب. كان يزيد من سرعة السيارة وهو يحدثها بحنق:
"قلتلك تعبان! شوية برد مش أكتر. ومش بيرد يمكن نايم، يمكن التليفون صامت، يمكن هو ومراته في مكان وتليفوناتهم في مكان تاني عشان كده مش بيردوا. في ألف احتمال واحتمال. بس لو أنتي عايزة تكلمي خالد، فأتفضلي من غير ما تاخدي طارق حجة."
شهقت بفزع من طريقته الجارحة وأسلوبه الفظ في الإجابة عليها. فتحت فمها لتجيبه ولكنها تراجعت وقررت تجاهله مرة أخرى. بعد عدة دقائق، كانت تشعر بسرعته تزداد بشكل جنوني. طلبت منه تخفيف سرعة السيارة، فاعتذر لها باقتضاب مخففاً سرعته في القيادة. كانت تفكر في حديثه منذ قليل، لتشعر بعدها بحماقتها، فمن الوارد جداً أن يكون طارق بعيداً عن هاتفه لذلك لا يجيب، وخاصة أنها عادة لديه التحرك بدونه. أرجعت تسرعها في التصرف إلى قلقها عليه، فهو يعتبر والدها الثاني.
بعد مرور نصف ساعة، كانت تشعر بألم في رأسها مع ازدياد احتقان حلقها. فتحت حقيبة يدها تبحث عن دوائها ولكنها لم تجده. تذكرت بأسف أنها وضعته على طاولة الطعام قبل وصول مراد، ونست وضعه في حقيبتها. شعرت بالغضب منه، فلولا استعجاله لها لكانت تذكرته. قررت تدبر أمرها بمجرد وصولها إلى الفندق، فهي لا تريد إبلاغه حتى لا يسخر منها أو يعاملها كطفلة نست دوائها، خصوصاً وهو في تلك الحالة اللعينة.
نظرت إليه بعد فترة تتأمله. كان قد ارتدى نظارته الطبية، عاقداً حاجبيه معاً، ينظر بعبوس على الطريق، حتى قطع الصمت كما لو أنه شعر بمراقبتها له، يسألها بنبرة خالية:
"لو تعبتي، في استراحة قريبة هنا ممكن نوقف فيها شوية ونكمل."
في الحقيقة، كانت تشعر بالألم يزحف في كل أنحاء جسدها، ولكنها تريد الوصول بأسرع وقت للتخلص من معاملته الجافة وغضبه غير المبرر، فهزت رأسها نافية ليكمل طريقه.
كانت الساعة تقارب السادسة عندما شهقت بفزع، فقد نست تماماً الاتصال بوالدتها والاطمئنان على أسيا. أخرجت هاتفها على الفور تطلب رقم والدتها. سمعت صوت صغيرتها يأتي من الطرف الآخر تهتف بفرح:
"مامي."
شعرت بالدموع تتجمع داخل مقلتيها، فهذه أول مرة تنسى التأكد من استلام والدتها لأسيا من حضانتها. كانت نبرتها عاطفية وهي تحدثها:
"أسو، حبيبة مامي الصغيرة، أنا آسفة إني مكلمتكيش غير دلوقتي. ممكن متزعليش مني؟ طمنيني، أنتِ كويسة؟ احكيلي عملتي إيه النهارده في يومك."
كانت تستمع لتفاصيل يوم صغيرتها، ويكاد قلبها يذوب مع كل كلمة تخرج منها، فهي تشعر بالاشتياق إليها منذ الآن. أما هو، فقد كان يراقب تعابير وجهها بتمعن، يشعر بأنه يريد احتضانها مع كل رد فعل يخرج منها وهي تحدث صغيرتها. تحدثت أسيا مع والدتها بعد ذلك وأغلقت مع وعد بالاتصال مرة أخرى قبل موعد نوم أسو، لتتمنى لها ليلة سعيدة. بمجرد انتهاء مكالمتها، التفت يسألها بنبرة هادئة:
"أسيا عاملة إيه دلوقتي؟ أنا نسيت أسألك في المستشفى، بس أنا اطمنت عليها من دكتور طارق."
هزت رأسها وهي تجيبه:
"الحمد لله كويسة، مفيش أي مشكلة."
كان سؤاله التالي هو ما جعلها تشعر بالصدمة، وأن الدم ينسحب من عروقها:
"هو بابا أسيا ليه مش موجود معاكم؟"
نظرت إليه مطولاً دون رد. وعندما لم يجد إجابة، أضاف معتذراً:
"طبعاً أنا مش من حقي أسأل، بس هو مجرد فضول."
ثم أضاف مبرراً:
"أسيا كانت في الهوم ورك بتاعها بترسم باباها جوه مركب في البحر، ولما سألتها قالت إنها مشافتهوش قبل كده."
شعرت بالغضب من طارق يعود إليها مرة أخرى، بسبب تركه لمراد وأسيا بمفردهما. كانت تعلم أن لها حرية عدم الرد، ولكنها فضلت أن تعطيه إجابات لأسئلته على أن يفعل هو ذلك بنفسه. تحدثت بنبرة خالية من أي تعبير، ولكنها صادقة:
"لا، أسيا شافته. متعرفش إنه باباها دي حاجة تانية."
رفع أحد حاجبيه متسائلاً:
"مش فاهم."
أسيا:
"يعني ببساطة، هو مسافر ومكنش مستعد يرتبط. تقدر تقول كده، كانت علاقة عابرة. مكنش مستعد لعيلة وأطفال، فقررت أشيل مسؤولية طفلي لوحدي."
هز رأسه مفكراً. إذاً شكوكه صحيحة. فهو يتذكر من الملف أن في وقت حملها صادف وجوده في المدينة. بعد فترة، عاود حديثه مرة أخرى مستنكراً:
"هو من الطبيعي لأسيا إنها عشان اتعرضت لجو بليل تتعب كده؟ أنا سألت دكتور طارق وقالي إن مناعتها ضعيفة، ف طبيعي من أي تغيير مفاجئ يحصل كده."
أومأت برأسها موافقة وهي تؤكد على حديثه وتشعر بالراحة لتغيير مجرى الحديث:
"فعلاً، وللأسف ده طبيعي."
مراد:
"طب ده إيه سببه؟ وما فيش أي حل للمشكلة؟"
أسيا:
"الحل إن إني دايماً بديها مقويات، بس بحدود طبعاً. أما السبب، فاللأسف لأن أسيا من يوم ما اتولدت اعتمدت على التغذية الصناعية كلياً، ودي بتضعف مناعة الطفل جداً."
مراد باستنكار رافعاً إحدى حاجبيه:
"يعني إيه اعتمدت على التغذية الصناعية؟!"
أسيا وهي تتنهد بأسف تسترجع ذكرياتها السيئة:
"أنا لما كنت حامل في أسيا كان عندي سوء تغذية شديد، والوضع ما كانش بيتحسن لحد ميعاد الولادة. بعد الولادة مباشرة دخلت في غيبوبة، ما فقتش منها غير بعد 3 شهور."
لوت فمها بألم واستأنفت حديثها:
"طبعاً كل الدكاترة كانوا متوقعين إني مش هفوق تاني، ولو فقت هتبقى معجزة. بس أنا لسه ما كنتش مستعدة إني أسيب بنتي لوحدها من غير أب وأم. وطبعاً خلال الفترة دي ولحد ما استعدت عافيتي، كانت أسيا معتمدة على التغذية الصناعية."
شعرت بنظراته الغاضبة منذ الصباح تلين لتتحول إلى تعاطف. فلويت فمها تتحدث بسخرية:
"متخافش، الوضع مش سيء أوي كده طول ما أنا واخدة بالي من تغذيتها وأدويتها. وبالنسبة لي، ما فيش أي مشكلة على حياتي إلا لو حملت تاني، وده مش هيحصل لأن إني اكتفيت بأسيا."
كان يشعر بالأسى من أجلها، ومن الغضب من ذلك النذل الذي تركها تعاني بمفردها ليستمتع هو في بلد آخر بحياة حرة. قاطعت أفكاره تسأله عن المسافة الباقية، فقد بدأت تشعر بالبرودة وارتفاع طفيف في درجة حرارتها، فطمأنها باقتراب وصولهم.
كانت الساعة السادسة وخمس وأربعون دقيقة عندما وصلا إلى الفندق الذي يقام به المؤتمر. قررا ترك أمتعتهم والتحرك فوراً إلى قاعة المؤتمر الذي يبدأ في السابعة، على العودة مرة أخرى إليها وتسجيل الوصول لاحقاً. جلست بجواره يستمعا إلى الكلمة الافتتاحية، ولكنها عجزت عن التركيز في أي شيء، فألم رأسها يزداد وحرارتها أخذت في الارتفاع بسبب مكيف القاعة. ونظراً لضيق الوقت، لم تستطع طلب أي مسكن للألم قبل الدخول. كانت تعد الدقائق من أجل الخروج. بعد ساعة، لم تحتمل المزيد، فسألته بيأس إذا بإمكانها الذهاب إلى غرفتها، فوافقها على الفور.
كانا يقفان عند مكتب الاستقبال ينهي إجراءات تسجيل الدخول، وهي تشعر بالغضب والغيرة تتأكلها من نظرات الإعجاب الموجهة من موظفة الاستقبال إليه، فقد كانت تتعمد تجاهلها والتحدث معه برقة ودلع متصنع بشعرها الصناعي ذلك! أعادها إلى الواقع صوت الموظفة وهي تعطيه رقم الجناح المسجل باسمه ومفتاحه. قاطعتها أسيا تسألها باستنكار:
"معلش، جناح إيه بالضبط؟ وفين مفتاح أوضتي؟"
أجابتها موظفة الاستقبال بابتسامة مصطنعة:
"يا فندم، الحجز جاي لنا بجناح واحد بس وباسم السيد مراد سويدي."
أسيا بعصبية وهي تنظر إليه:
"ممكن أفهم يعني إيه الكلام ده؟!"
مراد بهدوء:
"واضح إن السكرتيرة لخبطت وحجزت جناح كبير بدل ما تحجز أوضتين منفصلتين."
أسيا:
"طب وأنا إيه دخلي في ده؟ احجزيل لي أوضة تانية وخلاص."
سارعت موظفة الاستقبال في الحديث:
"للأسف يا فندم، الغرف كلها محجوزة عشان المؤتمر، وما فيش أي غرف تانية فاضية."
أسيا وهي تشعر بالدم يتدفق إلى رأسها:
"يعني إيه ما فيش غرف تانية! خلاص نشوف أي أوتيل تاني!"
موظفة الاستقبال:
"أقرب أوتيل لينا على بعد ساعة، وطبعاً مش بنفس مستوى خدمتنا."
فتحت أسيا فمها لتجيب، ولكن مراد سحبها من ذراعها ليتحدثا بعيداً عنها:
"أسيا من فضلك، خلينا نطلع فوق نرتبها وبعدها نشوف هنعمل إيه بدل ما نتكلم هنا."
أرادت مجادلته، ولكنها كانت تشعر بالألم في كل ذرة من جسدها، فقررت الصعود وتناول أي مسكن، ثم حل هذه المشكلة لاحقاً.
اعتقدت أنها تستطيع التعامل مع ذلك الوضع، ولكن مرضها مع لامبالاته في التعامل معها إلى جانب نظرات الإعجاب التي كانت تراها في عيون كل امرأة تمر بجواره، جعلها تنفجر غاضبة بمجرد دخول الجناح.
كانت تصرخ وهي تقف أمامه، تشعر بالدم يتدفق في عروقها:
"أنا استحالة أبـات معاك في نفس الأوضة، دي مشكلة السكرتيرة بتاعتك وأنت ملزم بحلها."
اقترب منها ماداً ذراعه لها يحاول تهدئتها:
"أسيا، ممكن تهدّي."
ولكنها شعرت بغضب الأيام الماضية منه يتجمع بداخلها، فنفضت يده تدفعه تبعده عنها بقوة وهي تصرخ به:
"أنا قلت لك قبل كده متلمسنيش. بدل ما تحاول تهديني، روح شوف حل في المشكلة اللي أنت سببها. كفاية إني اتنازلت وسافرت معاك بدل دكتور طارق. ما عنديش أي استعداد إني أتنازل تاني وأنام معاك في مكان واحد!"
كانت ترى الغضب يزحف إلى عينيه، ولكنها انفجرت الآن ولا تستطيع السيطرة على أعصابها، فأكملت وهي تتحرك بعصبية:
"خليك أنت هنا وأنا هاخد شنطتي وهشوف في أي مكان تاني."
مد يده يقبض على ذراعها بقوة، يعيدها أمامه مرة أخرى. تنفس سريعاً في محاولة للسيطرة على غضبه المتصاعد، ثم تحدث بعدها بنبرة جليدية مشدداً على كل حرف يخرج منه:
"مش هتتحركي من هنا إلا لما أنا أسمحلك. وبعدين خلي نوبتك العصبية دي لموقف تاني أهم، وبلاش دراما."
شهقت بفزع من كلماته، ليخرج صوتها همساً:
"قصدك إيه؟"
مراد بوحشية:
"يعني قصدي إن عصبيتك دي ملهاش لازمة، لأني مش ناوي أقرب منك ولا حتى أنام معاكي في نفس السرير، فأطمني ومفيش داعي للدراما دي كلها."
كانت النظرات بينهم الآن عبارة عن شرر متبادل. شعرت بالغضب أكثر من تلك الكلمات، فلم تشعر إلا بعد خروج الكلمات منها:
"عارفة ده كويس. أظن إنك أثبتلي ده من 6 سنين فاتوا يوم ما جريت ورا واحدة تانية. بس ده ميمنعش إني أتأرف من فكرة وجودي معاك في مكان واحد."
علمت أنها وصلت معه إلى نقطة لا يمكن الرجوع منها، فأرادت الابتعاد مسرعة، ولكنه ما زال ممسكاً بذراعها، فجذبها مرة أخرى ووجهه يقترب منها، تشعر بأنفاسه المتسارعة عليها من شدة الغضب. كان نبرته الآن عبارة عن همس متوحش:
"على الأقل أنا كنت صريح معاكي، مش زيك، كنت بدعي الحب وبعد كام شهر رميتي نفسك في حضن أول راجل تشوفيه."
شهقت بصدمة من حديثه، فخرج صوتها همساً متقطعاً:
"تقصد إيه؟"
مراد بنفس نبرته:
"قصدي إني عارف كويس إن خالد هو أبو أسيا، وعارف كمان إنه برغم إنه اتخلى عنك ورافضك، لسه بتجري وراه زيك زي أي واحدة معندهاش كرامة."
رفعت يدها تصفعه، ولكنه قبض على معصمها بقوة قبل أن تصل إليه. شعرت بعظام يدها تتحطم من أثر قبضته. حاولت التخلص منه ولكنها فشلت. ليتركها بعد فترة وهو يلهث من شدة الغضب، ثم خرج صافعاً باب الجناح خلفه بقوة جعلتها ترتجف.
رواية عشقي الابدي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء يوسف
كانت تحبس دموعها أمامه، وبمجرد خروجه جلست على الأرض وأخذت تبكي بحرقة. كانت تبكي من ألم جسدها، تبكي من حبها وعجزها، تبكي من ظلمه لها، تبكي من سوء ظنه بها. والأسوأ أنها كانت تبكي من عدم قدرتها على ضرب الحقائق في وجهه. كانت تريد الصراخ في وجهه وإخباره أن آسيا طفلته التي تخلى عنها حتى من قبل أن يعلم بوجودها.
بعد نصف ساعة من البكاء المتواصل، شعرت أنها لا تستطيع التحرك من شدة الألم. كانت حرارتها تزداد ارتفاعًا، وجسدها يرتجف من البرد. رفعت رأسها بكبرياء وهي تنهض، مفكرة بخبث: إذا كان يظن أن آسيا ابنه خالد، فليظن ذلك. حتى أنها الآن فهمت سبب كل تلك المعاملة الباردة معها. فهو يعتقد أنها خانته. بالطبع، فالسيد مراد قد جُرح في كبريائه ولا يتحمل فكرة عدم بكائها على أطلاله، حتى لو كان يحب أخرى.
كانت تشعر بالغضب منه الآن أضعافًا مضاعفة، ولكن الألم كان يأكل رأسها لدرجة لم تستطع التفكير به أكثر. تحركت ببطء في اتجاه الهاتف تطلب خدمة الغرف. طلبت مسكنًا وترمومتر حرارة، ولحسن حظها وصلوا إليها بعد دقائق قليلة.
ارتمت على الفراش الوحيد الموجود بالجناح. أخذت المسكن على الفور وقامت بقياس درجة حرارتها لتجدها 39 درجة مئوية. ثم ذهبت بعد ذلك في نوم عميق لا تشعر بأي شيء مما حولها.
***
كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة عندما عاد إلى الجناح مرة أخرى. ذهب إلى الحمام مباشرة، يتلمس طريقه في الظلام لتبديل ملابسه، ثم خرج يبحث عنها. أشعل ضوء المصباح الصغير الموضوع بجانب الفراش فوجدها نائمة عليه منكمشة كالأطفال.
تحرك في اتجاهها ثم جلس على طرف الفراش يتأمل ملامح وجهها الرائعة قليلًا، قبل أن تمتد يده بخفة تزيح إحدى خصلات شعرها. فلامست يده بشرتها فشعر بالصدمة من حرارة جسدها. وضع يده على جبهتها يتلمسها برعب فتفاجأ من شدة حرارتها.
رفع عنها الغطاء فوجد ترمومتر الحرارة ملقى بجانب يدها وبجواره إحدى المسكنات الموضعية. أخذه من جوارها ثم وضعه أسفل ذراعها. انتظر دقيقة ثم أخرجه فوجدها تقارب الأربعين درجة. حاول إيقاظها ولكنها كانت نصف غائبة عن الوعي.
ركض مسرعًا، يبحث عن هاتفه للاتصال بدكتور طارق فأوقظه من نومه. شرح له وضعها متعلثمًا، والرعب يتملكه. حاول دكتور طارق طمأنته ووصف له دواء مناسب وأوصاه بعمل كمادات ثلج لها أو الأفضل وضعها تحت الماء البارد مباشرة.
أغلق معه سريعًا، ثم اتصل بخدمة الغرف على الفور يطلب منهم إحضار الدواء المطلوب، وبالطبع لم يكن شيء يطلبه مراد سويدي يُقابل بالرفض أو التأخير. مضت عدة دقائق وهو يجلس بجوارها يحتضن وجهها بيديه وهو ينظر إليها بألم يشعر بالغضب من نفسه بسبب حديثه معها منذ عدة ساعات.
طرق الباب فركض يفتحه على الفور آخذًا الدواء ثم عاد به إليها مجددًا. كان يهتف باسمها بحنان وهو يجلس بجوارها، ثم وضع يده أسفل رأسها يرفعها إليه قبل أن يحتضنها بين ذراعيه محاولًا إيقاظها. فتحت عينيها بوهن بعد عدة لحظات غير واعية. هتفت باسمه بضعف قبل أن تدفن رأسها في صدره مرة أخرى.
حاول إبقائها واعية قدر الإمكان حتى يستطيع إعطائها الدواء. فتح فمها بحنان ووضع الحبة بداخلها وهو مازال يحتضنها، ثم أعطاها بعض الماء وطلب منها ابتلاعها فأطاعته بوهن غير واعية بما يدور حولها. كانت الآن ترتجف بين ذراعيه وهي تدفن رأسها في رقبته تهتف باسمه برقة وهو يدفن رأسه داخل شعرها يقبله ويطمئنها بحنان.
ازداد ارتجافها بين يديه فحملها بين ذراعيه راكضًا بها إلى الحمام. وضعها تحت حوض الاستحمام وهي تترنح ثم ابتعد عنها قليلًا، يفتح الماء. سقط الماء البارد عليها فجأة فزاد ارتجافها. كان ينظر إليها شاعرًا بقلبه يذوب بين ضلوعه من ضعفها وألمها.
مدت يدها في اتجاهه تهتف باسمه بهمس وهي تحاول التمسك به. كانت تلك الحركة التي أسقطت كل دفاعاته فأخذ يلعن وهو يقترب منها مرة أخرى يحتضنها ليصبحا تحت الماء البارد سويًا. تمسكت به بكل قوتها تلف ذراعيها حوله وهي تضغط بكل جسدها على جسده فيستجيب لها بضم ذراعيه حولها أكثر حتى التحما معًا ليصبحا جسدًا واحدًا.
رفعت رأسها تنظر إليه بشغف ثم ترفع يديها تمررها برقة على حنجرته وتفاحة آدم فارتجف من لمساتها تلك. حاول الابتعاد عنها قليلًا للسيطرة على مشاعره التي تعصف به بقوة من قربها، فهو يعلم أنها غير واعية لما تقوم به الآن، ولكنها تمسكت به أكثر تضغط بجسدها عليه مرة أخرى وهي تنطق اسمه بهمس مغرٍ لم يستطع المقاومة أكثر.
فأخفض رأسه يقبلها بقوة فاستجابت له على الفور لتتحول بعد ذلك إلى قبلة ناعمة رقيقة. ظلا هكذا يقبلان بعضهما البعض بشغف ونهم مدة من الوقت حتى ابتعد عنها محاولًا السيطرة على نفسه، يعلم بأنها ستندم على ذلك في الصباح.
ظلا ينظران إلى بعضهما البعض عدة دقائق قبل أن يخرجها من تحت الماء ويغلق الصنبور، ثم لفها برداء الحمام وحملها مرة أخرى بين ذراعيه متوجهًا بها إلى الفراش. وعندما وضعها شعرت به يبتعد عنها فتمسكت به قائلة بهمس:
"مراد متسبنيش"
مرر يده على خصلات شعرها الرطبة يطمئنها ثم وضع قبلة مطولة على جبهتها وهو يحدثها برقة:
"مش هسيبك، دقيقة بس هغير هدومي المبلولة دي وانتي حاولي تقلعى هدومك وهرجعلك"
أطاعته على الفور بمجرد ذهابه، خلعت ملابسها المبللة كالآلة ولفت نفسها جيدًا برداء الحمام، ثم استلقت في الفراش مرة أخرى منكمشة على نفسها من الألم. ليعود بعد دقائق يستلقي بجوارها وهو يلفها بكلتا ذراعيه ويحدثها بهدوء بعد أن وضع قبلة أخرى على جبهتها وأنفه:
"أنا هنا متخافيش حاولي تنامي وأنا جنبك"
اقتربت بجسدها منه أكثر تستمد الدفء منه وتدفن رأسها في تجويف عنقه ليذهبا كلاهما بعد قليل في نوم عميق يحتضن أحدهما الآخر.
فتح مراد عينيه بمجرد دخول أول خيط للضوء الغرفة ليطمئن عليها وهو مازال يلف ذراعيه حولها فوجدها مازالت نائمة بعمق ممسكة بتيشرته بكلتا يديها كطفل صغير ورأسها مدفون في صدره.
أبعد نفسه قليلًا عنها يتلمس جبهتها بشفتيه يستشعر حرارتها فوجدها شبه طبيعية. تنهد بعمق وراحة وهو يتأمل ملامح وجهها ثم مد يده يتلمسها برقة حتى وصل إلى شفتيها الممتلئتين. لم يستطع مقاومة مشاعره فأخفض رأسه يقبلهما بنعومة ثم صعد يقبل انفها وجبهتها وجفونها ووجنتها قبلات صغيرة متتالية.
فشعر بها تتململ بين يديه من أثر قبلاته الرقيقة فتحت جفونها تنظر إليه بوهن قبل أن ترفع يدها بحذر تتلمس وجهه وهي تتمتم برقة:
"مراد انت هنا ولا أنا بحلم"
أجابها بصوت أجش:
"هش، أنا هنا جنبك متخافيش"
فعادت تتمسك بتيشرته مرة أخرى كأنها تخشى تركه فيذهب بعيدًا، لتعود إلى نوم عميق مرة أخرى بسبب منوم الدواء وهي تبتسم لوجودها بين ذراعيه القوية.
رواية عشقي الابدي الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء يوسف
فتحت عينيها بكسل تنظر حولها فوجدت نفسها مستكينة بين ذراعيه باستسلام. أبعدت نفسها قليلاً عنه تنظر برعب، فهي نائمة بجواره برداء الحمام لا ترتدي شيئاً تحته. شهقت بفزع وهي تنتفض محاولة تذكر ما حدث ليلة أمس. تنهدت براحة عندما تذكرت أنها هي من قامت بتبديل ملابسها المبللة بنفسها. سحبت نفسها بعيداً عنه تهرب إلى الحمام. أغلقت الباب تستند عليه وهي تتذكر ما حدث بينهم ليلة أمس من تقارب. وضعت يديها فوق وجهها من الحرج وهي تسترجع في عقلها صورة تقاربهم ليلة أمس وكيف كانت تتمسك به وهي تهمس له وتتقرب منه. اللعنة على الحمى وما تفعله!
أخذت حماماً طويلاً لعله يهدئ من توترها الذي عاد إليها الآن بصورة واضحة. فقد تذكرت حديثه عن خالد ليلة أمس، وعلى الرغم من غضبها منه إلا أنها لم تستطع منع شعور الراحة الذي ساورها بشكه أن خالد هو والد آسيا. فليعتقد أن شخصاً آخر والدها أفضل كثيراً من شكه بأنتمائها له. إذاً، يجب عليها التعامل بناءً على ذلك. شعرت بتأنيب الضمير بسبب تورط خالد في تلك المسألة، ولكنها طمأنت نفسها بقوة. فلن يصيبه ضرر من شك مراد به، فالأمور مستقرة. هذا ما قررته وهي تجفف شعرها ببطء. أخيراً، قررت تجاهله وتجاهل ما حدث بينهم ليلة أمس من تقارب والتظاهر بأنها لا تتذكره.
فتحت باب الحمام لتخرج منه بعد فترة ليست بقليلة، فتفاجئت به يتحرك سريعاً نحوها. نظرت إليه متوجسة وهو يقف أمامها يرفع يده يتلمس جبهتها ثم سألها باهتمام:
"أسيا، انتي كويسة؟"
ردت عليه مسرعة تطمئنه:
"آه الحمد لله، متقلقش."
ابتسم لها بود وهو يخفض يده ببطء عن تعمد لتلمس وجنتها وشفتيها، ثم تحرك ليختفي داخل الحمام تاركاً إياها تشعر برعشة تمتد على طول عمودها الفقري من أثر تلك اللمسة البسيطة. زفرت بغضب. اللعنة عليها وعلى ضعفها! منذ عدة دقائق كانت قد قررت تجاهله كلياً، والآن تتأثر من أقل فعل يقوم بها تجاهها!
ارتدت ملابسها على الفور قبل خروجه، وكانت عبارة عن بدلة نسائية سوداء ببلوزة بيضاء أسفلها. ومشطت شعرها جيداً للمرة الأخيرة، ثم رفعته على هيئة كعكة في تسريحة رسمية تاركة بعض الخصلات تهرب منها. ثم وضعت القليل من المكياج الصباحي وأحمر الشفاه. ثم نظرت إلى نفسها مرة أخرى في المرآة فشعرت بالرضا عن نفسها. حدثت نفسها بخبث:
"إذا كان يظن السيد مراد أنها ستقضي أيامها تبكي على فراقه، فهو مخطئ. فقد حان وقت العمل."
التفتت على صوت خروجه من الحمام تنظر في اتجاهه، فوجدته يخرج مرتدياً روب الاستحمام وشعره مبلل. كان ينظر إليها محاولاً إيجاد صوته، فقد كانت مثيرة بشكل مدمر بتلك البدلة السوداء التي ترتديها وهي تنظر إليه ببلاهة. فتح فمه مرة أخرى ليتحدث، ولكن أوقفه رنين هاتفها. تحركت مسرعة في اتجاهه متذكرة وعدها الاتصال بطفلتها مساءً. التقطته تنظر إليه ثم أجابت وهي تبتسم، فالمتصل هو دكتور طارق. كانت تتحدث معه بعتب عن عدم قدرتها في الوصول إليه ليلة أمس، ثم لانت أساريرها عندما سمعت نبرته القلقة عليها. سألته باستنكار:
"انت عرفت إزاي؟"
طارق بنبرة خالية:
"مراد كلمني امبارح يسألني أعمل إيه."
التفتت تنظر إليه وهي تبتسم بارتباك، فبادلها ابتسامتها، ثم أخذ بدلته مختفياً داخل الحمام مرة أخرى. أنهت حديثها مع طارق، ثم تحدثت مباشرة مع والدتها تطمئن على آسيا وتشرح لوالدتها ما حدث معها ليلة أمس. بالطبع لم تستطع التخلص من والدتها وقلقها بسهولة، فأنهت معها المكالمة متحججة بالعمل مع وعد بالاهتمام بلبسها ودواءها وتدفئة نفسها جيداً.
خرج مراد من الحمام يرتدي بدلة رمادية، فتسمرت في مكانها تنظر إليه وهي تفكر بمدى وسامته، حتى قطع أفكارها بصوته العميق:
"جاهزة نتحرك؟"
أومأت برأسها موافقة دون حديث. تحركت تأخذ حقيبتها ثم سارت في اتجاه الباب، فوجدته ينتظرها أمامه يفتحه لها بمجرد وصولها، فتحركت أمامه تتقدمه. واصلا رحلتهما إلى الأسفل بصمت، وما إن وصلا إلى صالة الاستقبال حتى أمسك بذراعها يرشدها إلى صالة الطعام. كانت تتذمر كالأطفال تحاول الهرب من وجبة الإفطار، ولكنه قاطعها بحزم:
"آسيا، من فضلك. انتي مأكلتيش حاجة من امبارح!! وعارف إني لو سبتك هتكملي يومك من غير أكل!! متنسيش إنك بتاخدي علاج، ده غير إني جعان وأكيد مش هعرف أقول كلمتي وأنا جعان كده!!"
تحركت على مضض، فهي تشعر بالتوتر من قربه وتشعر وكأن معدتها ممتلئة حتى التخمة! جلست معه على طاولة الطعام تعبث بالقائمة حتى جاء النادل يسأل عن طلباتهم، فأجابته مسرعة أنها تريد القهوة فقط. تجاهل مراد طلبها تماماً وطلب لها قطعتين من التوست المحمص مع الزبدة وشاي إنجليزي، فهو يعلم بمدى حبها له، وبعض قطع من الفاكهة، وطلب نفس الطلب لنفسه مع استبدال الشاي بالقهوة. تجاهل تذمرها بعد ذهاب النادل وهو ينظر بعبوس إلى هاتفه المحمول يحاول مراجعة كلمته التي سيلقيها في المؤتمر بعد قليل. بعد عدة دقائق عاد النادل يضع الطعام أمامهما، فأمرها بهدوء وحزم أن تنهي جميع ما في طبقها. لدهشتها وجدت نفسها تتناول طعامها بأكمله، فهي لم تشعر بجوعها إلا عندما بدأت بتناول الطعام. كان يلوّي فمه ابتسامة رضا وهو يراها تلتهم طعامها كاملاً. كانت ترتشف الشاي عندما رفعت نظرها لتصادف عينيها جسداً ممتلئاً تعرفه جيداً. تأففت وهي في مقعدها تنزلق للأسفل، فتيمور هو زميلها منذ الجامعة، لم يدخر مناسبة يراها فيها إلا ويحاول إبداء إعجابه بها والتقرب منها بطريقة فظة. فكرت بيأس في أي طريقة تختفي بها، ولكن فات الأوان، فهو يتجه نحوها الآن يقف أمامها بابتسامة بلهاء يتحدث مسرعاً:
"آسيااااا!!! لا مش مصدق نفسي!!! آخر حاجة كنت أتوقعها إني أشوفك هنا، إيه يا بنتي انتي مبتكبريش أبداً!"
تحركت من مقعدها على مضض وهي تنظر إلى مراد نظرة استغاثة، أما هو فكان ينظر إليه رافعاً إحدى حاجبيه باستنكار من طريقة حديثه الودية معها. مدت يدها بتردد لتحيته وهي تبتسم نصف ابتسامة مصطنعة، فابتلع يديها على الفور يحتضنها بين يديه. حاولت سحبها ولكن كان يضغط عليها بكلتا يديه ليحتجزها بداخلهما. حاولت سحبها مرة أخرى فكانت نفس النتيجة. نظرت إلى مراد مرة أخرى بيأس، فوجدته يهب على الفور يقف أم
رفع يده يضعها فوق يدها الموضوعة على ذراعه، يضغط عليها برفق وهو يبتسم لها دون حديث.
مر يومهم داخل المؤتمر مشحونًا، فالجميع كان يبادر في الحديث أو التعرف على مراد. ولسعادتها، أنه طوال الوقت كان يتحرك وهي بجواره، لم يتركها لحظة واحدة.
شعرت بالعطش، فتحركت من جواره تبحث عن زجاجة ماء، ولكنه أوقفها مستفسرًا. وعندما علم بطلبها، طلب منها الانتظار وتحرك في اتجاه البوفيه يبحث لها عن الماء.
بعد قليل، رفعت يدها تغطي وجهها بضجر وهي تحدث نفسها:
"لا مش انت تاني."
تيمور: آسيااااا، انتي بتختفي فين؟ مش عارف ألم عليكِ من الصبح.
أسيا: تيمور معلش، أنا من الصبح هنا وحاسة بشوية صداع، اسمح لي أمشي.
تيمور: طب قبل ما تمشي، إيه؟ مقلتليش عملتي إيه في حياتك؟ اتجوزتي ولا لسه؟ آه، على فكرة أنا لسه سنجل لو بتفكري يعني.
ثم غمز لها. شعرت بصدمة من وقاحته، فأجابته على الفور وهي تبتسم:
"تيمور، على فكرة نسيت أقولك إني متجوزة ومعايا بنت كمان."
كانت تبتسم برضا الآن وهي ترى تعبير الصدمة على وجهه.
تيمور: آه، طبيعي إنك تكوني متجوزة. باين عليكم جدًا من نظراتكم لبعض. أنا بس ملقتش في إيديكِ دبله عشان كده سألت. بس بجد انتوا لايقين على بعض جدًا. لازم أهنئك وأتمنالك السعادة.
"أسيا،"
رفعت رأسها لتجد مراد يقف بجانبها وبيده زجاجة المياه. لم تشعر بنفسها إلا وهي تقترب منه للشعور بالأمان، فأصبحت على بعد خطوة واحدة منه. حرك يده يتلمس ظهر يدها برفق، ثم يضغط بإصبعه على إصبعها مطمئنًا لها. رفعت رأسها تنظر إليه مطولًا، وعيونها تلمع بشغف، لا تشعر بوجود أحد آخر غيرهم. فأقترب منها يهمس في أذنها برفق:
"لو تعبتي أو مش عايزة تكملي، ممكن نمشي دلوقتي."
أومأت برأسها موافقة على الفور، تتحرك معه دون النظر إلى تيمور أو أي أحد آخر.
بمجرد خروجهما من القاعة، التفتت إليه أسيا تحدثه:
"مراد، لو سمحت أنا عايزة أكلم أسيا فيديو كول."
هز رأسه لها متفهمًا، ثم أمسك بذراعها يقودها إلى حديقة الفندق. أجلسها على المقعد الرخامي الموجود بالحديقة، ثم جلس بجوارها وهي تجري اتصالها. طلبت والدتها، فأجابتها أسو على الفور وهي تقفز بسعادة بمجرد رؤيتها لوالدتها. كان يتأملهما سويًا، ويتأمل مدى ارتباط كل منهما بالأخرى. فهذه الصغيرة تستطيع سلب قلب أي حد ببرائها ورقتها الموروثة عن والدتها. فأجأته أسو وهي تسأل والدتها عنه، فجاوبتها أسيا على الفور أنه يجلس بجوارها. طلبت منه أسيا الاقتراب منها حتى تستطيع أسو رؤيته جيدًا. اقترب منها حتى أصبحا ملتصقين ببعضهما البعض، يستمعان إلى حديث صغيرتهم بسعادة وهي تقص عليهم تفاصيل يومها البسيطة.
ظلا يتحدثان سويًا لأكثر من نصف ساعة وهما على نفس وضعهما، ملتصقين ببعضهما البعض. يضع يده بكسل على خصرها يحاوطها ويمنعها من التحرك بعيدًا. كانت أسو ما زالت تتحدث ببرائتها المعتادة، تطلب من والدتها بهدوء السماح لها بالذهاب مع صديقتها ووالدها إلى الملاهي. رفضت أسيا بحزم، ولكن أسو كانت تصر على نحو غريب:
"مامي، بليز وعد إني هفضل هادية ومش هعمل شقاوة ولا أي حاجة تزعلك أو تزعل نينا أو تزعل أي حد، بس خليني أروح معاهم."
كان قلب أسيا يعتصر من الألم بسبب إصرارها. رفض طلب ابنتها وهي تعلم مدى رغبتها في الذهاب. لطالما تمنت وهي في حضن والدتها الذهاب مع والدها إلى هناك والاستمتاع معه، كانت تنتظر قدومه، ولكن يبدو أنها فقدت الأمل، فقررت الذهاب مع صديقتها ووالدها. أجابتها أسيا للمرة الأخيرة بنبرة حازمة:
"أسيا، لو سمحت، قلتلك لما أرجع هروح أنا وإنتي سوا، لكن مع حد غريب، إنتي عارفة إنه مش مسموح."
أسو بأسى وحزن:
"مامي، بس ملك مش حد غريب، دي صاحبتي."
هبت أسيا لنهره، ولكن أوقفها صوت مراد يتحدث إلى أسو برقة:
"أسيا، إيه رأيك لو تحبي يوم الإجازة نروح سوا مع بعض؟"
كانت إجابتها على سؤاله هو القفز فرحًا مع هتافها باسمه:
"يعيش أونكل مراد، يعيش أونكل مراد."
دوت ضحكته كطفل صغير مستمتعًا برد فعل أسو الطفولي السعيد. أغلقت أسو الهاتف بعد عدة قبلات أرسلتها إلى والدتها، ومراد كان لمراد نصيب الأسد منها. التفتت إليه أسيا تنظر إليه بقلق قبل أن تتحدث معه بنبرة مترددة:
"مراد، مكنتش أحب إنك توعد أسيا. دلوقتي هتفضل متحمسة لحد يوم الإجازة."
مراد باستنكار:
"طب إيه المشكلة؟"
أسيا:
"المشكلة إنها هتفضل مستنياك عشان تروح معاها ومش حابة إن ظنها يخيب."
مراد:
"طب وليه ظنها هيخيب؟"
أسيا وهي تنظر إليه تفكره:
"يعني إنت ناوي فعلًا تروح معاها يوم الإجازة؟"
مراد مبتسمًا:
"أيوة طبعًا، مادام وعدتها هروح. هو أنا عمري وعدت بوعد وموفتش بيه؟"
كان وجهها على بعد خطوة من وجهه وهي تنظر إليه بشغف، محركة رأسها له نافيه. مد يده يعيد إحدى خصلات شعرها الشارد منه خلف أذنها برقة. هتفت باسمه هامسة:
"مراد، أنا ملحقتش أشكرك على اللي عملته معايا امبارح بليل، وعلى وعدك لأسيا دلوقتي. يعني أنا عارفة إنك مش مجبر على أي حاجة من دي."
وضع إصبعه على شفتيها يمنعها من استكمال حديثها، ثم أضاف وهو ينظر إلى مكان إصبعه:
"أسيا، أنا مش بعمل أي حاجة من دي عشان أنا مجبر."
تنهد بعمق، ثم أكمل حديثه:
"أنا بعمل كده عشان أنا عايز أعمل كده."
ازدردت ريقها بصعوبة وهي تنظر إليه بوهن. فأقترب منها ببطء محاولًا تقبيل شفتيها. ابتعدت عنه على الفور واقفة تحاول السيطرة على مشاعرها وهي تتحدث بنبرة تحاول إظهارها طبيعية:
"الجو هنا بدأ يبرد، ممكن نطلع؟"
نظر لها مطولًا قبل أن يومأ برأسه موافقًا لها، ثم هب واقفًا يشير لها بيديه للتحرك، لينتهي يومهما وفي قلب كل منهما حديث لا يستطيع البوح به للآخر.
رواية عشقي الابدي الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيماء يوسف
تحركا معًا جنبًا إلى جنب بصمت يغلفه التوتر حتى وصلا إلى صالة الاستقبال. كانا على وشك دخول المصعد عندما التفتت آسيا على صوت موظفة الاستقبال تهتف اسمه بدلال. شعرت بالغضب يتسلل إليها من طريقتها المبتذلة في لفت انتباهه.
أجابها مراد باقتضاب وهو يرفع إحدى حاجبيه:
"أفندم في حاجة؟"
أجابته بنفس النبرة المتصنعة:
"لو حضرتك فاضي ممكن نتكلم على انفراد."
رفعت آسيا حاجبيها معًا باستنكار تنظر إليهم بغضب حاولت السيطرة عليه. أما نبرتها فحاولت إخراجها طبيعية قدر الإمكان، ولكن ذهبت محاولتها عبثًا، فخرجت كلماتها بحدة:
"طيب أنا هطلع فوق عشان أرتاح."
لم تنتظر إجابته وصفقت باب المصعد الداخلي خلفها بقوة وهي تتنفس سريعًا محاولة السيطرة على غضبها.
***
دَلفت جناحها والغضب يتزايد بداخلها. رمت حقيبتها بعنف وهي تتحرك داخلها ذهابًا وإيابًا قبل أن تقرر الاتجاه إلى الحمام لتأخذ دشًا سريعًا باردًا. بدلت ملابسها وجلست بصمت تترقب وصوله. مضت نصف ساعة أخرى تتلوى داخليًا وهي تتخيلهم في مواضع جعلت قلبها يعتصر ألمًا وغضبًا معًا. انتفضت بعد فترة واقفة مقررة الذهاب إلى النوم وعدم انتظار عودته أكثر. اتجهت إلى الفراش تسحب منه غطاء ووسادة وتتجه مرة أخرى إلى الأريكة تستلقي عليها.
حاولت النوم عبثًا، فأستغرقت ما يقارب الساعة وهي تتململ بقلق دون جدوى. بعد قليل سمعت صوت باب الجناح يليه وقع خطواته تقترب شيئًا فشيئًا منها، فتظاهرت بالنوم على الفور. توجه إلى الحمام مباشرة لتبديل ملابسه. بالطبع علمت ذلك من إغلاقه لباب الحمام، فهي كانت تغلق عينيها بشكل مبالغ فيه.
كانت لا تزال تتظاهر بالنوم عندما سمعت تحرك أقدامه بالقرب منها ثم توقفت أمامها. كتمت أنفاسها برعب مترقبة وهي تضغط على عينيها بقوة. كان يراقب تظاهرها بالنوم وردود أفعالها باستمتاع قبل أن ينحني في اتجاهها يحملها بين ذراعيه. فتحت عينيها بفزع تشهق من حركته المفاجئة تلك. ابتسم بمرح من رد فعلها وهي تدفعه محاولة التخلص منه صارخة بعصبية:
"مراد سبني، لو سمحت بقولك نزّلني، مرااااااد."
أكمل طريقه متجاهلاً صراخها حتى وصل إلى الفراش، وضعها عليه برفق قبل أن يدير ظهره لها ويتجه إلى الأريكة يستلقي فوقها. كانت لا تزال تشعر بالغضب منه وليست في وضع يسمح له بتجاهلها، فركضت خلفه حتى وصلت إلى الأريكة، وقفت أمامه وهي تضع يديها فوق خصرها تصرخ بعصبية:
"انت مش من حقك تلمسني على فكرة، ومش من حقك تشيلني كده، ومش من حقك تقرر مكان نومي. اتفضل قوم عشان أرجع أنام مكاني."
حاول كبت ابتسامته من مظهرها الطفولي قبل أن يقف أمامها. وفي اللحظة التالية كان يقبض عليها واضعًا ذراعه خلف خصرها يمنعها من الحركة، ثم سحبها لتلتصق به قبل أن يخفض رأسه نحوها. أستطاعت الشعور بأنفاسه الحارة المربكة تقع عليها. نظر إليها قليلاً ثم تحدث ببطء شديد مهددًا إياها:
"آسيا اتفضلي روحي مكانك ونامي بدل ما أعرفك معنى اللمس بجد."
شهقت بالرعب من تلميحه ومدت يدها تتخلص منه بعد أن أرخى قبضته عليها، لتركض مسرعة إلى الفراش تستلقي بداخله وتغطي جسدها كاملاً حتى رأسها بالغطاء، وهو يراقبها باستمتاع ويبتسم من رد فعلها الطفولي قبل أن يستلقي هو الآخر على الفراش محاولًا النوم.
***
فتحت عينيها تنظر في الساعة المجاورة لها فوجدتها أوشكت على الثامنة. نهضت من الفراش مقررة تجاهله. فكرت بسخرية، يبدو أنها ستصبح عادتها اليومية عند الاستيقاظ. لوت فمها وهي تتحرك، فوجدته واقفًا ينظر إليها مراقبًا، تلوى فمه بنصف ابتسامة سخرية.
بادلته نظرته وهي ترفع إحدى حاجبيها تتحداه دون حديث، فدوت ضحكته عاليًا. تحولت نظرتها إلى غضب الآن تنظر إليه، فحاول إيقاف ضحكته وهو يرفع يده معتذرًا، ولكن دون جدوى. سألته بعصبية وهي ترفع حاجبيها مستنكرة:
"ممكن أعرف إيه اللي بيضحك أوي كده؟"
مراد: بصراحة مكنتش أعرف إن كام سنة ممكن يغيروكي كده، بقيتي شبه العجوز النكدة! في حد يقوم من النوم مكشر كده؟
ردت عليه بتهكم:
"ها مين اللي بيتكلم؟ ناسي كنت بتقوم إزاي؟"
ثم تحدثت بصوت ضخم محاولة تقليد نبرته:
"آسيا لو سمحتي عايز قهوة، آسيا لو سمحتي حضريلي بدلة عشان متأخر، آسيا عندي اجتماع كمان ساعة، آسيا، آسيا..."
كان يضحك بمرح وعمق من عصبيتها الغير مبررة وهو يتقدم نحوها يحدثها:
"يعني عايزة تقوليلي إني مكنتش بقولك صباح الخير كأي زوج متحضر؟ لا عندك حق العيب مني، خليني أصلح غلطي ده دلوقتي عشان سمعتي متبوظش."
اقترب منها خطوة أخرى ماديًا يده نحوها، فشُهقت بفزع قبل أن تركض إلى الحمام تغلقه على نفسها وهي تسمع ضحكته تدوي في الخارج. خرجت بعد قليل وهي ترتدي ثوب الاستحمام لتجده ارتدى ملابسه بالكامل. أخذت ملابسها ثم عادت مرة أخرى إلى الحمام لترتديها. ثم خرجت بعد قليل بكامل أناقتها بعد أن مشطت شعرها وتركته منسدلًا بحرية.
كان ينتظر خروجها للتحرك فسألها بجدية:
"جاهزة نتحرك؟"
أومأت برأسها مترددة قبل أن توقفه بوضع يدها على ذراعه:
"مراد لو سمحت أنا عايزة أمشي بدري عشان أوصل لآسيا بسرعة."
كان القلق بادياً في نظرته ونبرته وهو يسألها:
"آسيا في حاجة؟ في حاجة حصلت لآسيا معرفهاش؟"
أجابته على الفور مطمئنة:
"لا لا أبداً، أنا بس اللي وحشتني زيادة عن اللزوم وبصراحة مش قادرة أتخيل إني مشفهاش النهارده كمان."
أخفض رأسه ينظر إليها بحنان وهو يربت على وجنتها:
"متقلقيش لو عايزة نتحرك دلوقتي ومنحضرش الختام يلا بينا، ولو مش عايزة تتأخري ممكن نطلب طيارة خاصة توصلنا في نص ساعة."
كانت تنظر إليه بشغف وهو يحدثها بتلك النبرة الهادئة المطمئنة، فهزت رأسها نافية:
"لا مش للدرجة، يكفي بس إننا نتحرك في ميعادنا ومنتأخرش."
وضع إصبعه تحت ذقنها يرفع رأسها لتنظر إليه، ثم بيده الأخرى كان يمسح بإحدى أصابعه على وجنتها:
"ماتخافيش، وعد هخليكي تنامي وهي في حضنك النهارده."
تنهدت براحة قبل أن ترد على حديثه هامسة وهي تبتسم:
"أنا واثقة فيك."
فبادلها ابتسامتها ثم احتضن يدها يتحركا معًا للأسفل.
***
انقضت الساعات الأخيرة من المؤتمر بسلام، فمن حسن حظ آسيا أنها لم ترَ تيمور في اليوم الختامي إلى جانب مراد الذي ظل بجوارها طوال الوقت. كان مراعيًا معها لأقصى الحدود، حتى عندما كان يتحرك لتحية شخص ما كان يأخذها معه، مما جعل قلبها يرقص فرحًا. كانت تتأمله بحب، لقد كان مسيطرًا قويًا يحترمه الجميع واستطاع أن ينال إعجاب الجميع وترك انطباعًا جيدًا عن المشفى وطاقمها.
بعد الاستماع إلى الكلمة الختامية اقترب منها بهمس في أذنها بهدوء:
"آسيا لو تحبي يلا نتحرك عشان منتأخرش."
أومأت برأسها على الفور موافقة، فوقف مفسحًا لها المجال لتتقدمه. صعدا إلى الجناح لترتيب حقائبهم، ثم بعد دقائق قليلة كانا أمام مكتب الاستقبال ينهي مراد إجراءات الخروج. ولسعادتها كان الموظف رجلًا هذه المرة. رن هاتف آسيا فكان الاتصال من والدتها. أسرعت في الرد بعد أن تحركت مبتعدة عنه تطمئن على صغيرتها.
كانت لا تزال تتحدث إلى والدتها عندما رأت موظفة الاستقبال تخرج من أحد الأبواب الخلفية للمكتب وتتحرك في اتجاه مراد، ثم وقفت أمامه تتحدث معه وهي تتمايل بجسدها نحوه. كانت آسيا تراقبها وهي ما زالت تتحدث في الهاتف لا تستطيع التركيز على حرف مما تسمعه أو تنطق به. أغلقت الهاتف مع والدتها على عجل ثم تحركت في اتجاهه.
وقفت فجأة تشهق بصدمة وهي ترى مراد يغمز للموظفة وهو يبتسم. شعرت بالدم يغلي داخل عروقها من الغضب. حاولت تهدئة نفسها وهي تستأنف سيرها في اتجاههم. وقفت أمامهم دون أن تنطق بكلمة واحدة، فشكرته الموظفة بحرارة ثم مدت يدها تودعه قبل أن تنصرف.
كانت تشعر بالغضب يتزايد بداخلها وهو يمد يده يلمس ذراعها، فأبعدته على الفور. لم تدري لما أغضبتها لمسته له، فلم تشعر بالكلمات وهي تخرج من فمها بعصبية:
"لو عايز رقمها على فكرة ممكن أرجع أجبهولك!"
لوى فمه بسخرية وهو يرفع هاتفه أمام وجهها ساخرًا منها ثم تحدث والمرح واضح في نبرته:
"لا متتعبيش نفسك معايا من امبارح."
توقفت عن السير تشهق بصدمة من وقاحته وجرأته، ثم نظرت إليه والشرر يتطاير من عينيها قبل أن تستأنف سيرها مبتعدة عنه دون انتظاره. كان ينظر في أثرها وهي تتحرك بغضب والابتسامة تملأ وجهه بسعادة ومرح.
***
وقفت أمام السيارة تنتظره وهي تعقد كلتا ذراعيها أمام قفصها الصدري. تقدم ليفتح لها باب السيارة فصعدت على الفور دون أن تنظر إليه. كان يلوى فمه باستمتاع وهو يغلق الباب خلفها ويتحرك ليجلس في مقعد القيادة. جلست وهي ما زالت تعقد ذراعيها أمامها تنظر في الاتجاه المعاكس له عاقدة النية على تجاهله. زفرت بحنق، إنها المرة الرابعة التي تقرر تجاهله فيها خلال اليومين السابقين، وحتى الآن لم تنجح أي من محاولاتها في ذلك.
لم يحرك السيارة فالتفت تنظر إليه فوجدته ينظر إليها متأملاً. رفعت حاجبيها باستنكار مستفسرة، فأشار لها برأسه إلى حزام الأمان. سحبته بعصبية مغلقًا، ثم عادت تنظر إليه بتحدٍ. أدار محرك السيارة وهو يبتسم باستمتاع.
بعد قليل قطع صمتهم رنين هاتفه، فضغط يستقبل المكالمة على الفور. كان يتحدث بهدوء:
"أنور أنا مشغل الإسبكر بتاع العربية وبكلمك وأنا سايق، في حاجة مهمة؟"
أنور: لا يا فندم أبداً، كنت عايز أبلغك إن اللي طلبته مني امبارح بالليل حصل. وبالنسبة للأوراق اللي حضرتك بعتهالي امبارح بليل أنا ملحقتش أبعتها لأن كان الوقت اتأخر، فبعتها الصبح. وفي شوية ملفات مستنية إمضتك عشان أعرف أتحرك."
شعرت آسيا بالسعادة، فعلى الأقل أصبحت تعلم أين اختفى ليل أمس ولماذا عاد متأخرًا. استكمل مراد حديثه مع أنور:
مراد: تمام، على العموم أنا في الطريق، مش عارف هوصل إمتى. لو مفيش حاجة مهمة ممكن يستنوا لبكرة لأني أكيد هوصل متأخر وأنت عارف إني بتخنق من السواقة بليل."
أنور: تمام يا فندم اللي حضرتك تشوفه."
مراد: أنور صحيح، في رقم بعتهولك عايزك تجمع شوية معلومات عنه."
أنور: أيوه يا فندم شفته، مش باسم فاطمة موظفة استقبال في فند..."
قاطعه مراد على الفور:
"تمام، تمام، أنور أنا مش فاضي دلوقتي نتكلم، بعدين."
ثم أغلق الهاتف دون انتظار إجابة منه. كانت آسيا تشعر بالغضب يعود إليها مرة أخرى، فهذه الفتاة تشغل أفكاره لدرجة أنه يجمع معلومات عنها. كانت تفكر بغضب: هل جمع عنها معلومات عندما تعرف عليها لأول مرة؟
لم تشعر بأنها تفوهت بأفكارها بصوت مسموع إلا عندما سمعت ضحكته تدوي داخل السيارة. لم تكن في حالة مزاجية تسمح لها بتحمل سعادته، فأنفجرت بعصبية:
"ما كنتش أعرف إن عندك هواية جمع معلومات عن الناس من غير علمهم! آه، ولا ده استثناء للناس اللي شعرهم أصفر صناعي!"
كانت ضحكته لا تزال تدوي من أثر حديثها، فأضافت بغضب:
"مراد، لو ناوي تفضل تضحك طول اليوم على كل كلمة بقولها، يبقى نزلني هنا وأنا هكمل لوحدي."
تنهد بعمق وهو يوقف السيارة عند المنعطف، ينظر إليها نظرة لم تفهم معناها، ثم تحدث بصوت أجش:
"أنا عمري ما اهتميت بالشعر الأصفر المصبوغ."
تنهد بتعب وهو يمسك إحدى خصلات شعرها، يحركها بين أصابعه برقة، ثم أكمل حديثه:
"مفيش حاجة خطفت عيني من أول مرة شفته فيها غير الشعر البني اللي خصلاته على طول شاردة منه."
توقف قليلاً يتأمله وهو بين يديه، ثم أضاف بعتب:
"آسيا، إنتِ أهم من إني أعمل حاجة زي دي معاكي، أو إنك تكوني بالنسبالي ملف."
شعرت بالفراشات تتطاير بداخلها من رقة حديثه. ظلا ينظران بشغف أحدهما إلى الآخر فترة من الوقت، حتى تنحنح، ثم أدار محرك السيارة مرة أخرى ليستأنفا طريقهما معًا.
أكملا رحلتهما في سلام وهما يناقشان أمور العمل بحماسة شديدة من آسيا. بعد حوالي ساعة، أصر مراد على التوقف من أجل الاستراحة والغداء. كانت تشعر بالسعادة وهو يقبض على يدها بقوة أثناء عبور الطريق إلى المطعم، ولم يتركها إلا لتجلس على أحد مقاعد الطاولة، ثم جلس مقابلًا لها. ابتسم لها بعذوبة عند قدوم النادل، يطلب منها أن تختار طعامه بذوقها. كانت تشعر أنها عادت ست سنوات إلى الوراء، عندما كانت في قمة سعادتها. انتهى من الاستراحة واتجها إلى السيارة مرة أخرى، وهو ما زال محتضن يدها بداخل يده. كان الظلام قد أسدل ستائره عندما سألته آسيا عن ما تبقى من وقت للوصول، فطمأنها بأنهما على وشك الوصول. بعد نصف ساعة، كان يقود داخل طرقات المدينة، فطلبت منه آسيا التوقف عند منزل والدتها لاصطحاب صغيرتها من هناك. ربع ساعة أخرى، وكان مراد يقف بالسيارة أمام منزل والدتها. شكرته آسيا على ما فعله معها، ولكنه أصر على إيصالها هي وأسو إلى منزلها.
خرجت من السيارة تتجه إلى منزل والدتها، تطرق الباب بهدوء، فخرجت أسو تستقبلها على الفور. كان يراقبها داخل سيارته بابتسامة عريضة وهي تحتضن طفلتها بفرح وتدور بها في الهواء، ويتخيل نفسه بجانبها يحتضن كلتيهما معًا. تجمدت ابتسامته لتحل محلها الغضب وهو يرى خالد يخرج من داخل المنزل ويقف أمام آسيا.
صرخت آسيا بفرح وهي ترى خالد أمامها:
"خالد! إيه المفاجأة دي! بتعمل إيه هنا؟"
خالد:
"ولا حاجة يا ستي، كنت عند عمي وعرفت إن أسو هنا فحبيت أعملها مفاجأة وأستناكي بالمرة أشوفك."
كان الغضب يتزايد بداخله وهو يراه يقف أمامها يحاول الاقتراب منها، فقرر التحرك. خرج من سيارته، يتحرك في اتجاههم. تركت آسيا حضن والدتها بمجرد رؤيتها لمراد، وركضت في اتجاهه تفتح كلتا ذراعيها لاستقباله. غاص قلبه من حركتها تلك، فانحنى بجسده يستقبلها بسعادة وهو يرفعها بين ذراعيه لتستقر داخل حضنه، تلف ذراعيها الصغيرتين حول رقبته وهي تبتسم له وتقبله. كانت آسيا تراقب استقبال طفلتها لمراد وقلبها يكاد يغوص من فرط مشاعرها المختلطة. لم تترك أسو مراد، فتحرك يقف بجوار آسيا وهو ما زال يحملها. حياه خالد، فبادله التحية باقتضاب وهو يرفع إحدى حاجبيه بتحدٍ. شعرت آسيا بالتوتر بينهم، ففكرت بيأس أن مراد يحمل أسو تحديًا لخالد، فابتسمت من تلك الفكرة. أعادها خالد إلى أرض الواقع بصوته يسألها عن المؤتمر وعن أحوالها. أجابته وهي تبتسم، ثم نظرت إلى مراد، فوجدته ينظر إليها بغضب. استأذنتهم في الدخول لتحية والدتها. خطت خطوة إلى الداخل، ولكنها توقفت عند رؤية والدتها تخرج إليهم. نظر والدتها بقلق إلى مراد وهو يحمل أسو بين ذراعيه. ثم عاودت النظر إلى آسيا التي احتضنتها وهي تهمس لها بخفوت:
"هحكيلك كل حاجة بعدين، بس بليز اتعاملي عادي ومتبينيش حاجة."
أومأت السيدة جميلة برأسها موافقة. ثم تحركت في اتجاه مراد بنظرة خالية، ثم حييته بنبرة جافة، فبادلها التحية بهدوء. طلبت آسيا من والدتها حقيبة أسو التي كانت تتثاءب بتعب، دلالة على اقتراب موعد نومها. ثم طلبت من مراد التحرك، فوافقها على الفور دون أن ينبس بكلمة واحدة. تحركا في اتجاه السيارة سويًا، عندما أوقفها صوت خالد يهتف باسمها. عادت إليه تتحدث معه بخفوت، فلم يستطع مراد أن يستمع إلى حديثهم، وهذا كان يفقده صوابه. عادت بعد قليل وهي ترى الغضب يشتعل داخل عينيه. بعد كل المسافة التي جلست بها داخل السيارة، آخر شيء كانت تريد فعله هو الصعود إليها مرة أخرى. طلبت منه بتردد الذهاب إلى المنزل سيرًا. وافقها على مضض، فقد كانت أسو الآن نائمة بين ذراعيه بهدوء. فتح لها باب السيارة، فاخذت منها حقيبتها، وأصرت على حملها بعد عرضه بحملها لها. بعد عدة دقائق، كانا داخل المنزل، يصعد الدرج وهو يحمل آسيا إلى غرفتها، يضعها في الفراش. جرت آسيا أحد الأغطية تدفئ طفلتها جيدًا، وقبلتها، ثم خرجت تتبع خطوات مراد الذي هبط إلى غرفة المعيشة في هدوء. كانت تقف أمامه الآن تشعر بجسده متصلبًا، وما زال الغضب بادياً على ملامحه. كانت تعلم سبب غضبه جيدًا الآن وتستعد له، عندما قطع الصمت يحدثها بنبرة خالية:
"الوقت اتأخر وأنا لازم أمشي. تصبحي على خير."
وقفت تنظر إليه مترددة، أما هو فقد كان يراقب صراع مشاعرها البادي على ملامح وجهها بوضوح. تحركت فجأة تقترب منه، تحتضن يديه بكلتا يديها، وهي تهمس له:
"مراد، لو سمحت. الوقت اتأخر وأنت تعبت طول اليوم من الطريق، خليك هنا وابقى امشى الصبح. أنا في كل الأحوال هنام مع أسيا وأوضتي هتكون فاضية، تقدر تبات فيها."
كانت تنظر إليه متوسلة وهي ترى الغضب يتراجع عن نظرته ليحل محلها نظرة أخرى لم تفهمها. هز رأسه رافضًا وهو يتحدث بهدوء يبدو عليه الإرهاق:
"آسيا، إنتِ عارفة إنه مينفعش."
اقتربت منه آسيا خطوة أخرى، فأصبحت على بعد خطوة واحدة من الالتصاق به، فشعرت به يخفض رأسه في اتجاهها. كان صوتها الآن لا يزيد عن الهمس وهي تنظر إليه بشغف:
"مراد، لو سمحت. أنا أكتر حد عارف إنك مش بتحب تسوق بليل، خصوصًا وانت مرهق كده. ولو مشيت دلوقتي، أنا هكون قلقانة عليك. فعشان خاطري خليك."
كانت نظرتها الآن متوسلة وهي تنظر إليه. تنهد بعمق وهو يغمض عينيه، ثم مد ذراعيه يجرها إليه حتى أصبحت ملتصقة به. اخفض رأسه يستند بجبهته على جبهتها وهو ما زال مغمض العينين. شعرت بأنفاسه الحارة عليها، فرفعت إصبعها تتلمس ذقنه النابتة برقة وشغف. شعرت بأنفاسه تتسارع من أثر لمستها تلك. فتح عينيه ينظر إليها، فرآها تنظر إليه بوهن. لم يستطع مقاومتها أكثر، فاخفض رأسه يقبلها بقوة، فاستجابت له على الفور. تحولت قبلتهما بعد ذلك إلى رقة وشغف، ظلا هكذا مدة من الوقت يقبلان بعضهما ولا يستطيعان الافتراق، حتى طلبت رئتاهما الهواء. ابتعد عنها ببطء وهو ينظر إليها وعيونه داكنة من أثر الرغبة. همس لها وهو يمسك خصلات شعرها بين يديه:
"تصبحى على خير."
ثم طبع قبلة خفيفة على شفتيها وخرج مسرعًا، تاركًا إياها تترنح خلفه من أثر لمسته لها.
رواية عشقي الابدي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيماء يوسف
وقفت أسيا حيث هي، بعد ذهابه لفترة طويلة، تنظر إلى الفراغ، محاولة السيطرة على المشاعر التي اجتاحتها من أثر قربه ولمسته. كانت تشعر بموجات من السعادة والألم والفراغ والضعف معًا. هزت رأسها تنفض ذكريات الدقائق الأخيرة منها، ثم تحركت تصعد الدرج حيث غرفة أسيا الصغيرة. بدلت ملابسها على الفور واستلقت إلى جوار طفلتها تحتضنها بحب. كانت تسترجع أحداث اليومين السابقين وما حدث من تقارب بينها وبين مراد، وهي تشعر بالتخبط من أفعاله. لم عاد الآن؟ ولماذا مشفاها بالتحديد؟ لم يتقرب منها وهو من تركها بالأساس؟ كل تلك الأسئلة التي كانت تهرب منها منذ رؤيتها له، كانت تحاصرها الآن وبقوة. نهرت نفسها تذكرها أنها هي من حاولت التقرب إليه منذ قليل، كما أنها هي من تقربت إليه منذ يومان. على كل حال، يجب عليها السيطرة على مشاعرها بجانبه والحفاظ على مسافة بينهم، والتعامل برسمية معه أثناء تواجده. هذا ما قررته أسيا قبل الذهاب في النوم. في منتصف الليل، استيقظت تشهق بفزع من تأثير الكابوس المعتاد الذي يراودها منذ تلك الليلة. أخذت كوب الماء الموضوع بجانب الفراش تبتلع بعض الماء تبلل حلقها، ثم عاودت الاستلقاء مرة أخرى لتبدأ رحلة معاناتها اليومية مع أفكارها وذكرياتها.
استعدت أسيا للخروج مع صغيرتها في الصباح، عندما أوقفها رنين هاتفها الخلوي. رفعته تنظر إليه، فوجدت خالد هو المتصل. أجابته بنبرة هادئة:
"صباح الخير يا خالد، لا إحنا كنا هنتحرك. تمام على ميعادنا، هكون في البيت على الميعاد متقلقش. أوك، أشوفك بليل. تمام، مع السلامة."
أنهت مكالمتها معه، ثم تحركت بقلب مثقل تستقل أول تاكسي تراه أمامها. أوصلت أسو إلى حضانتها، وقررت تكملة طريقها إلى المشفى سيرًا على الأقدام، لعل نسيم الصباح يعدل من مزاجها ولو قليلاً. كانت تفكر بقلق أثناء سيرها عن كل ذلك الإصرار الصادر عن خالد لرؤيتها. بالطبع، كانت معتادة على رؤيته كثيرًا خلال فترة إجازته، ولكن دون طلب موعد محدد والتأكيد عليه. فالبارحة، عند اصطحاب أسيا من منزل والدتها، استأذنها لزيارتها غدًا في منزلها بمفردهم دون إبداء أسباب. وفي الصباح، هاتفها للتأكيد على موعده، لذلك تشعر بالحيرة والقلق. طمأنت نفسها، فعلى كل حال، في المساء ستعلم سبب ذلك الإصرار. وصلت إلى المشفى في موعدها. أول شيء كانت تريد فعله هو معرفة إذا كان مراد وصل المشفى أم لا، والاطمئنان عليه، ولكنها منعت نفسها من السؤال. اتجهت إلى غرفة الأطباء لترى عائشة، فقد افتقدتها حقًا في الأيام الماضية. صادفتها في الممر المؤدي لغرفتهم، فصرخت عائشة بفرح وهي ترى أسيا التي كانت تسير نحوها بابتسامة واسعة، ثم احتضنها بحب. بعد قليل، كانتا تجلسان معًا في غرفة أسيا الخاصة تتحدثان عن المؤتمر وما حدث به. نظرت عائشة لآسيا غامزة قبل أن تتحدث بمرح:
"ها، احكيلي بقى مراد عمل معاكي إيه هناك؟"
"أسيا: احكيلك إيه؟ هيكون عمل إيه يعني؟"
"عائشة بأحباط: يعني كان عامل إزاي وهو مش في شغل رسمي؟ اتعامل معاكي إزاي؟ اتكلمتوا في إيه؟ في الطريق كان بيتكلم معاكي ولا كان ساكت؟ يعني التفاصيل يا أسيا، التفاصيل، وكلها. أوعي تنسي حاجة."
لوت أسيا فمها بمرح، فهي تعرف عائشة جيدًا، وتعلم أنها لن تتركها حتى تأخذ المعلومات التي ترضيها.
سردت عليها أسيا التفاصيل البسيطة، مثل كلمته في المؤتمر، مراعاته لها أثناء حديثه مع أشخاص آخرين، تناولهما الغذاء معًا، رؤيتها لتيمور، غافلة عن الأمور الأخرى. فلو علمت عائشة أنهما قضيا اليومان في جناح واحد، لسقطت مغشي عليها من شدة الإثارة.
سارعت عائشة تتحدث بعد انتهاء أسيا من الحديث:
"أسيا، اسمعي مني، مراد معجب بيكي."
قاطعتها أسيا على الفور مأنبة:
"أنا غلطانة يعني إني حكيتلك، طبعًا مفيش أي حاجة من اللي في دماغك دي. هو اتعامل معايا عادي زيي زي أي حد، يعني لو كنتي إنتي بدالي كان هيتصرف معاكي بنفس الطريقة."
"عائشة بندم: خلاص متزعليش مالك قلبتي ليه، أنا كنت بتكلم بهزار مكنش قصدي حاجة والله. أنا بس لقيته مهتم بأسو يوم ما جت هنا وبيتكلم معاكي دايماً. دي كل الحكاية."
شعرت أسيا بتأنيب الضمير من إخفاء حقيقة مراد عن عائشة، خصوصًا بعد اعتذارها. فلو علمت عائشة بأن مراد هو زوجها السابق، لاستطاعت فهم كل ذلك الاهتمام بصغيرتها والحديث بينهم. بعد قليل، تركتها أسيا لتبدأ مرورها الصباحي، وفي منتصف يومها كانت تتحدث إلى والدتها هاتفيًا، تخبرها بمجيء خالد في السادسة إلى منزلها، وبالتالي فهي من ستأخذ أسو اليوم. قاطعتها إحدى الممرضات أثناء حديثها تطلب منها الذهاب إلى غرفة الدكتور طارق، فقد أرسل في طلبها. أنهت حديثها مع والدتها ووعدتها بالقدوم غدًا وتقضيته الليلة معهم. صعدت بعدها على الفور إلى مكتبه، فقد كانت تنتظره لرؤيته والحديث معه. هو أيضًا كان ينتظر قدومها، وبمجرد دخولها غرفته، قام يحتضنها حضن أبوي ويربت على شعرها بحنان وهو يتحدث إليها:
"تعرفي إن المستشفى من غيرك كانت فاضية عليا. أينعم هما ٣ أيام بس مش شفتكيش فيهم، بس حسيت إنهم كتير قوي."
كان يساورها نفس الشعور، فقد افتقدته كثيرًا خلال هذين اليومين وتشعر بأن قلبها وعقلها ممتلئ بالأفكار والمشاعر التي تريد أن تبوح بها له ليرشدها. تحدثا قليلًا عما حدث في المؤتمر، ثم بعد ذلك عن أحوالها هي ومراد، وأحوال صغيرتها. وقبل انصرافها، طلبت منه الإذن بالخروج باكرًا من أجل زيارة خالد في السادسة، ومما أثار دهشتها أنه وافق على الفور دون أسئلة. لماذا كانت تشعر بأنه على علم بتلك الزيارة وبوجود شيء غريب حولها؟ لم تعلم!
بعد خروجها من غرفته، كانت تنظر في اتجاه غرفة مراد، تريد الذهاب والاطمئنان عليه، ولكنها عنفت نفسها بشدة، فتراجعت عن رغبتها واستأنفت دوامها بهدوء. وعند الخامسة، كانت في الخارج تتجه إلى حضانة أسيا تصطحبها ومنها إلى المنزل. في تمام السادسة، كان خالد يقف أمام منزلها. استقبلته بهدوء، أما هو فكان يبدو عليه السعادة. بعد مرور نصف ساعة من اللعب مع أسو، كانت أسيا تنتظر خلالها معرفة سبب كل تلك الرسمية في زيارته. قرر التحدث. التفت ينظر إليها وكان يبدو على وجهه التردد، ثم تحدث متوترًا:
"أسيا، من فضلك كنت عايز أكلمك شوية على انفراد لو ينفع."
أومأت برأسها موافقة، ثم التفت موجهة حديثها إلى ابنتها بهدوء:
"أسو لو سمحتي ممكن تطلعي أوضتك ترسمي شوية وأنا هحصلك."
هزت صغيرتها رأسها موافقة، فطبعت أسيا قبلة على جبينها ويدها قبل صعودها للأعلى. بعد اختفاء أسو عن نظرها، التفتت إلى خالد الذي كان يفرك جبهته بيده من التوتر. انتظرت أن يتحدث، ولكنه ظل صامتًا لفترة. تململت أسيا في مقعدها وهي تراقب صمته مترقبة. بعد دقيقتين، قررت أسيا قطع الصمت، فوقفت تهتف باسمه. فوقف أمامها يجيب:
"أسيا، اعذريني، أنا بس متوتر شوية. بس أنا في الحقيقة عندي ليكي خبر هيفرحك، المنحة اللي بقالي كام سنة بحاول آخدها جاتلي وفي ألمانيا وبامتيازات مكنتش أحلم بيها كمان."
شهقت أسيا بفرح وهي تضع يدها على فمها، فهي تعلم كم انتظر خالد تلك الفرصة وكم اجتهد ودرس من أجلها. خرج صوتها مليئًا بالسعادة:
"خالد، إنت مش متخيل أنا فرحت بالخبر ده إزاي. مبروووك. إنت تستاهل كل خير. وإن شاء الله ربنا يوفقك وتتفوق فيها وتتعين هناك كمان."
كان وجهه مشرقًا من السعادة في تلك اللحظة وهو يرى سعادتها وتحمسها من أجله. تنحنح قليلًا لتنقية حنجرته، ثم عاود حديثه مرة أخرى:
"أنا مبسوط إنك اتبسطتي بالخبر ده وحماسك ده يخليني أتشجع وأتكلم في الموضوع اللي كنت جاي عشانه."
لم تعطي أسيا أي رد فعل وانتظرت أن يكمل حديثه، فأكمل مسرعًا وقد عاد إلى توتره مرة أخرى:
"أسيا أنا لازم أخلص ورقي في خلال أسبوعين تلاتة بالكتير وأكون هناك وغالبًا أنا هسافر هناك ومش هرجع. إنتي عارفة إن الفرصة دي مستنيها من زمان وبصراحة أنا عايز أستقر قبل ما أسافر. إحنا نعرف بعض من سنين وإنتي عارفة حبي لأسو قد إيه."
مسح جبهته مرة أخرى ثم أكمل حديثه:
"أسيا بصي بأختصار وبصراحة أنا عايز اتجوزك."
حبست أسيا أنفاسها من أثر الصدمة، فأخر شيء كانت تتوقعه هو أن يعرض عليها خالد الزواج. إنه صديقها منذ سنوات وهي تحبه، ولكن ليس أكثر من حب أخوي! كان ينتظر إجابتها بلهفة، فخرج صوتها ضعيفًا ولكن ثابتًا:
"خالد هجاوبك بنفس الصراحة اللي كلمتني بيها. أنا مش بفكر في الجواز تاني. لا دلوقتي ولا بعدين. إنت عارف قيمتك عندي وعارف إني بحبك زي أخويا بالظبط. بس آسفة مقدرش أقبل عرضك. أكيد هيجي يوم تقابل فيه حبك الحقيقي وهتعيش معاها بسعادة. أنا متأكدة من ده زي ما أنا متأكدة إن مش أنا الشخص ده."
كان ينظر إليها بصدمة وخيبة أمل بادية على وجهه وملامحه، أما صوته فخرج حزينًا متقطعًا:
"أسيا من فضلك فكري كويس. أنا مش طالب منك رد دلوقتي. خدي وقتك بالراحة وردي عليا."
هزت رأسها بحزم وخرج صوتها هذه المرة قويًا:
"صدقني يا خالد ده قراري الأخير. مش مستعدة إني أخوض تجربة الجواز مرة تانية. ومش أنا الإنسانة اللي تقدر تسعدك. وبتمنى إن قراري ده ميأثرش على علاقتنا سوا. أنا هنسى طلبك وكلامنا ده كأنه محصلش وياريت إنت كمان تنساه."
"خالد بأسى: يعني مفيش أي أمل؟"
"أسيا معتذرة: آسفة بس ده قراري النهائي."
نظر إليها بحزن شديد ثم استأذن للخروج، فرحبت على الفور، فهي تشعر بالتوتر يزداد مع كل ثانية تمر وتريد التخلص من ذلك الوضع المحرج في أقرب وقت. سارت معه حتى الباب مودعة، ثم أغلقت الباب خلفه ببطء وأسندت رأسها عليه بتعب، تريد حقًا نسيان ذلك العرض والحزن الذي تسببت به له.
كانت أسيا لا تزال مستندة برأسها على الباب عندما رن جرس منزلها مرة أخرى، فأدارت مقبض الباب ببطء تفتحه متوقعة عودة خالد، ولكن لصدمتها كان مراد هو الزائر هذه المرة. وقفت تنظر إليه ببلاهة دون رد فعل، فسارع يسألها بقلق وهو يرى شحوب وجهها:
"أسيا.. إنتي كويسة؟ أسيا تعبانة أو حاجة؟"
خرج صوتها ضعيفًا متعبًا:
"لا أبدًا، مفيش حاجة، كلنا كويسين."
"مراد: بس إنتي شكلك تعبان! متأكدة إن مفيش حاجة؟"
هزت أسيا رأسها بحزم ولكن صوتها خرج متعبًا:
"لا متقلقش، يمكن بس مرهقة من مشوار امبارح وتلاقيني منمتش كويس."
هز رأسه موافقًا بعدم اقتناع، ثم أضاف مبررًا:
"دكتور طارق قالي إنك طلبتي إذن النهارده، فقلقت تكون أسيا تعبانة عشان كده جيت أطمن عليها."
هزت رأسها مطمئنة له ببرود:
"لا الحمدلله."
أنا بس زي ما قلت لك حسيت إني مرهقة فقررت أمشي بدري شوية وأقضي باقي اليوم مع أسو.
في تلك اللحظة سمعت أسو صوته في الأسفل فركضت مسرعة تحتضنه وهي تتعلق برقبته بشدة. أدركت أسيا أنها حتى الآن لم تدعه للدخول فاعتذرت منه وطلبت الدخول قليلاً.
دخل المنزل وهو مازال يحمل أسو بين ذراعيه لا يريد إفلاتها. كان ينظر إليها بحب معترفاً أن تلك الصغيرة استولت على قلبه تماماً ولم يستطع الذهاب إلى منزله دون رؤيتها. وانتهز كلام طارق حجة للمجيء فهو يعلم جيداً أنها بخير ولكنه أراد رؤيتها ورؤية أسيا فقرر استغلال تلك الحجة والمجيء فوراً.
بعد نصف ساعة كان يجلس مع أسو في غرفة المعيشة يلعبان سوياً بمرح وهو يراقب أسيا التي ظلت شارده طوال جلستهم. بعد مرور ساعة كانت لا تزال شارده في عالم آخر فقرر الذهاب رغم اعتراضات أسو. أصرت أسيا إلى إيصاله إلى الخارج بنفسها.
وقف مراد عند مدخل الباب متردداً فهو متأكد من حدوث شيء ما معها ولكنه قرر اكتشافه بطريقته. مد يده يمسك مقبض الباب في نفس اللحظة التي مدت أسيا فيها يدها فاستقرت يده فوق يدها بكسل. لاحظ التوتر على ملامح وجهها وحاولت سحب يدها ولكنه كان يقبض عليها بإحكام.
زفرت بحنق وهي تحاول سحب يدها مرة أخرى فلاحظ رد فعلها وتركها على الفور. أدارت المقبض ففتح الباب وخرج مراد مسرعاً ثم عاد متردداً يقترب منها فارتدت خطوة إلى الوراء مبتعدة عنه. أغضبه رد فعلها فزفر بعنف قبل أن يتحدث إليها بنبرة خالية:
"زي ما وعدت أسيا بعد بكرة همر عليها عشان نروح الملاهي سوا."
كان صوتها عبارة عن همس وهي تحدثه:
"مفيش داعي تتعب نفسك أنا هروح معاها."
كان يشعر الآن بالغضب يسري في جميع أنحاء جسده فجاءت نبرته عدائية غاضبة:
"أنا مش بعمل كده عشانك.. أنا وعدت أسيا إني هخرجها وناوي أوفي بوعدي ده سواء قبلتي ده أو لأ ولو انتي عندك مشكلة معايا أتمنى تكوني أكبر من إنك تدخلي طفلة بريئة فيها."
ثم استدار متجهاً إلى سيارته تاركها خلفه تحاول جاهدة السيطرة على دموعها.
في صباح اليوم التالي كانت أسيا على رأس عملها تنتهي من أعمالها الإدارية المتراكمة عليها بسبب الأيام الثلاثة الماضية. ومع حلول الظهيرة كانت قد انتهت منها جميعاً وتحركت إلى الأسفل حيث غرف الاستقبال لتبدأ يومها المزدحم. صادفت عائشة عند المدخل التي كانت تنظر إليها بتوتر ظاهر. بادلتها أسيا نظرتها مستنكرة تستفهم منها سبب توترها الملحوظ. فأشارت لها عائشة برأسها إلى شيء ما خلفها. التفتت لترى مراد يقف في منتصف البهو تبدو عليه ملامح الغضب يراقب كل شيء يدور حوله بتركيز.
أومأت لها برأسها فقد أدركت سبب توتر عائشة فمراد بهيئته تلك يستطيع إرهاب أي شخص بما في ذلك هي. على كل حال حالته تلك لا تعنيها في شيء. هذا ما قررته وهي تتحرك للداخل.
بعد مرور حوالي ساعتين قاطعتها إحدى الممرضات تخبرها أن الدكتور طارق والسيد مراد مالك المشفى سيقومان بتفتيش على جميع الأقسام وأولهم قسم الاستقبال. "تلك كانت رسالة دكتور طارق لها".
لوت فمها بتوتر إذا يبدو أن لديها يوم طويل خصوصاً وهو في تلك الحالة الغاضبة. نفضت رأسها بحزم فهي تقوم بعملها على أكمل وجه ولا يوجد ما تخشاه باستثناء ما حدث بينهم البارحة. طمأنت نفسها داخلياً لا إنه شخص عملي ويستطيع التفريق جيداً بين حياتهم العملية والخاصة. استأنفت فحصها لإحدى المرضى بهدوء وبعد حوالي نصف ساعة كان يقف أمامها بمفرده يراقب ما تفعله كالصقر والتجهم يكسو كل ملامحه. أما عن نظرته فهي نفسها منذ البارحة فقد الغضب ولا شيء إلا الغضب.
كان الفضول يأكلها تريد أن تسأله أين الدكتور طارق ولكنها تراجعت لا تريد الاحتكاك به. خرج مريض ودخل آخر وهو ما زال يراقبها بتركيز مما أثار ذلك حنقها. كانت على وشك أن تقوم بفحص المريض المستلقي أمامها عندما أوقفها صوته العميق يوجهه لها حديثه:
"دكتورة!! مش شايفة إن من المفروض تغيري الجوانتي اللي انتي لبساه بين كل مريض والتاني؟!"
رفعت أسيا حاجبيها معاً تنظر إليه مستنكرة ولكن نبرتها خرجت هادئة على عكس توقعها:
"بس أنا بكشف على المريض كشف ظاهري. يعني لا إيدي ولا الجوانتي لمس أي جزء من أعضائه الداخلية مجرد لمس جلدي مش أكتر وأنا هنا مش في قسم الجلدية عشان أخاف."
مراد بنبرة جليدية:
"ميهمنيش تفاصيل.. إحنا هنا مستشفى محترمة وكبيرة وكل طلباتكم بتكون موجودة في لحظة.. والأدوات موجودة وبوفرة.. يعني مفيش أي مبرر ليكي إنك متبدليش الجوانتي بين كل مريض والتاني.. ولو مش ده النظام اللي كنتوا ماشيين عليه من النهارده هيتغير واللي قلته يتنفذ."
شعرت بالدم يغلي داخل عروقها ولكنها حاولت جاهدة كتم غضبها وإخراج نبرة هادئة ففي النهاية يوجد داخل الغرفة مريض يجب ألا يستمع إلى أي من هذا الحديث الذي يدور بينهم الآن:
"تمام هاخد تعليمات حضرتك بعد كده في عين الاعتبار."
كانت على وشك العودة للمريض عندما أوقفها صوته مرة أخرى وهو يرفع إحدى حاجبيه ينظر بتحدي:
"ماهو الكلام اللي قلته ده يتنفذ من اللحظة دي يعني حضرتك تتفضلي تبدليه دلوقتي."
أسيا بضيق:
"أوك.. فهمت ده كويس."
ثم استدارت تأخذ زوجان من القفاز المعقم من الطاولة التي أمامها لترتديهم فقاطعها صوته مرة أخرى:
"قدامي يا دكتورة من فضلك.. أشوفك بتلبسيهم قدامي."
كانت تفكر أن كل هذه الإهانة تحدث أمام المريض فلم تستطع السيطرة على أعصابها لأكثر من ذلك فالتفت إليه بحده والغضب يملأ نظرتها فخرج صوتها قوي متحدي:
"مرااااد!!!.. قصدي أستاذ مراد... لو مش واثق إني هغيرهم اتفضل غيرهملي بنفسك!!!"
ثم بسطت كلتا يديها في اتجاهه وهي ترفع حاجبيها بتحدي.
ولدهشتها جاءت نبرته هادئة وهو يجيبها عكس ما توقعت:
"لا.. يكفيني إنك تعملي كده قدامي."
ظلت تنظر إليه بغضب وتحدي وهي تقوم بخلع القفازين من يديها ثم أخذت الآخرين ترتديهم وهي ما زالت تنظر إليه دون خفض عينيها عن عينيه. أما هو فلم يحرك عينيه عن يدها ينظر بتمعن في كلتا اليدين قبل أن يلوّي فمه بابتسامة انتصار ويستدير خارجاً تاركها تشعر بالغضب والإحراج من حديثهم أمام المريض.
انتهت من فحص المريض ثم خرجت مسرعة والغضب يسيطر عليها تسأل أين هو فأجابتها إحدى الممرضات أن السيد مراد في غرفته. توجهت إليها وفتحت الباب بغضب مباشرة دون طرقه لتجده يجلس على مقعده بتباهي. رفع إحدى حاجبيه باستنكار عند رؤيتها وترك مقعده يتحرك ليقف أمامها وهو يضع كلتا يديه داخل جيوبه بكسل.
وقفت أمامه بتحدي وهي تصرخ في وجهه:
"أنا مش هسمح ولا هقبل إن أي حد يجي يعدل على شغلي قدام المرضى بتوعي أياً كان منصبه!! مش انت بتتكلم على المهنية!! تقدر حضرتك تقولي فين المهنية إنك تعلق قدام مريض على حاجة تافهة زي دي!! انت متوقع إن بعد اللي انت عملته قدامه ده ممكن يثق فيا؟!! أنا بقى المرة دي اللي بقولك يا أستاذ مراد إني مش هشتغل مع حد ميعرفش أ، ب احترام الدكتور اللي بيشتغل معاه ومن دلوقتي تقدر تعتبرني مستقيلة من الشغل معاك."
رواية عشقي الابدي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء يوسف
عشقى_الابدى
الفصل التاسع عشر ..
أنهت حديثها وهى ترى الصدمه واضحه على ملامحه ، كان صدرها يعلو ويهبط امامها من سرعه تنفسها وغضبها ، فتح فمه ليجيبها ولكن أوقفه رنين هاتفها الخلوى ، أخرجته من جيب ردائها تنظر فيه فظهر التوتر على ملامح وجهها ، أجابت مسرعه فالمتصله هى معلمه اسيا ، استمعت إلى حديثها ووجهها يتحول إلى اللون ابيض من انسحاب الدم منه ، سألها مراد بقلق :
-اسيا فى ايه !!!!! ..
خرج صوتها ضعيفاً لا يزيد عن الهمس :
-: مراد .. اسيا وقعت والمدرسه بتقولى ركبتها اتصابت ولازم اروحلها دلوقتى .
لم تنتظر رده وخرجت تركض إلى خارج المبنى غافله عن مراد الذى كان يركض خلفها يستدعى سيارته من الجراج ، وصلت إلى الشارع تحاول إيقاف تاكسى ولكن مراد هو الذى وقف امامها بسيارته يفتح لها باب العربه فصعدت مسرعه دون تردد فلم تكن فى وضع يسمح لها بمجادلته او حتى الاعتراض ، قاد مسرعاً وبعد ٥ دقائق كان يقف امام الحضانه واسيا تخرج من السياره راكضه إلى الداخل ، كان مراد خلفها بخطوه واحده دائماً وعند رؤيتها لصغيرتها ممده كان يقف بجوارها يشعر بأرتجاف جسدها وهى تشهق بفزع و تضع يدها فوق فمها والدموع تملئ عينيها حدثته بهمس مكتوم:
-: مراد.. الجرح ده عميق ولازم يتخيط بسرعه .
لم تكن تشعر انها تستطيع التقدم خطوه واحده فجسمها كان يرتجف بشده من رؤيه صغيرتها بذلك الوضع والدم يسيل منها ، فكان هو اسرع منها فى الحركه ورد الفعل والسيطره على أعصابه ، تقدم فى الحال يحمل طفلته بين ذراعيه يركض بها إلى السياره واسيا تتبعه وجسدها مازال يرتجف ، صعدت أولاً إلى السياره فوضع اسو فى حضنها ثم استدار مسرعاً يجلس فى مقعد القياده يدير محرك السياره ويتحرك بها سريعاً ، بعد اقل من ٤ دقائق كان يقف مره اخرى امام باب المشفى يفتح باب مقعده ويتجه راكضاً إلى اسيا التى كانت لاتزال ترتجف وهى تنظر إلى طفلتها بين ذراعها بصدمه واسو تبكى من شده الالم ، اخذ منها الطفله وركض بها إلى غرفه الاستقبال فورا طالباً من احدى الممرضات استدعاء دكتور طارق فى الحال ، بعد دقيقه صرخ فى الممرضه مره اخرى بسبب تأخر دكتور طارق ،اما اسيا فكانت تبكى بصمت وهى تقف عند مدخل الغرفه لا تستطيع الاقتراب اكثر ، وصل طارق فى الدقيقه التاليه فوجدها شاحبه ترتجف وهى تبكى فى صمت ، نظر بقلق داخل الغرفه فوجد اسيا الصغيره ممده على الفراش ركبتها تنزف وهى تبكى من الالم ومراد يجلس على ركبه واحده بجوارها يُمسك بكلتا يديه يديها الصغيره و يبدو عليه التألم من اجلها وعضلات جسده جميعها مشدوده من شده التوتر ، ركض طارق فى خطوه واحده يصل إليهم طالبا من مراد اخذ اسيا إلى الخارج ، هزت راسها نافيه بحزم بصمت ، فصرخ بها طارق محذراً :
-اسيا لو مخرجتيش مش هبدء أخيط الجرح .. خليكى واقفه كده شايفه بنتك بتتألم قدامك بسببك ..
تحرك مراد يقف امامها يسحبها من ذراعها ليحثها على السير ، خرجت على مضض تقف امام الغرفه بعد ان اغلقت الممرضه الباب خلفهم، كانت لاتزال على ارتجاف جسدها فأقترب منها مراد يتنهد بعمق ويضمها بين ذراعيه محاولاً إيقاف ارتجاف جسدها وهو يهمس لها بحنان يطمئنها :
-اسيا.. متخافيش .. اسيا هتبقى كويسه .. دى حاجه بسيطه مش مستاهله منك كل ده ..
كان لهمس كلماته كل الأثر عليها فوجدت نفسها تجهش فى البكاء وهى بين ذراعيه بقوه ، اخذ مراد يمسح على شعرها ويزيد من احتضانه له هامساً بكلمات مهدئه وكلما زاد احتضانه لها زاد نحيبها ، كانت تعلم ان صغيرتها بخير ولكنها لم تدرى تماماً لما انفجرت فى البكاء ، ربما من حيرتها وربما من الم قلبها ، ربما من طريقه اهتمامه بطفلتهما او ربما لوجوده جوارها او من اجل ذلك كله ، ظلت تبكى وتبكى وهى بين ذراعيه وهو يقبل شعرها وجبهتها هامساً لها برقه ذاب معها قلبها :
-هششششش .. اسيا لو سمحتى اهدى .. اسيا كفايه عياط انا هنا جنبك متخافيش .. اسيا كويسه صدقينى ..
بعد فتره هدئت تماماً وتوقف ارتجاف جسدها ولكنه لم يتركها تذهب وظل يحتضنها برقه حتى فتحت الممرضه باب الغرفه وهى تبتسم لها تطمئنها :
-دكتوره اسيا .. تقدرى تدخلى ..اسو بخير ودكتور طارق بيناديكى عشان تشوفيها وتطمنى . ابتسمت لها براحه وهى تمسح دموعها بكلتا يديها ثم تحركت للداخل ومراد يتبعها .
.. دخلت الغرفه تنظر إلى طفلتها النائمه فتجمعت الدموع داخل مقلتيها مره اخرى وهى تنظر إلى الضماده البيضاء المحاطه بركبتها وأثر الدماء حول ملابسها ، تقدم طارق يقف امامها يضع كلتا ذراعيه على كتفيها يحاوطها وهو يتحدث بهدوء :
-اسيا الموضوع بسيط ومش محتاج منك كل ده هما ٥ غرز مش اكتر .. اقل من اسبوع مع اهتمامك بيها هتكون زى الفل وبتجرى قدامك كمان .. يلا روحى اغسلى وشك وفوقى ونص ساعه تكون اسو ارتاحت وتاخديها وتروحى على بيتك مشوفكيش هنا لمده ٣ ايام ع الاقل ..
ثم ربت على وجنتها بحنان ، هزت له راسها بأيجاب واستدرت لتخرج فرأت مراد مازال يقف عند مدخل الباب يعقد كلتا يديه معاً امامه ينظر إلى اسو بألم واضح ، تحول نظره إليها ما ان تقدمت فى اتجاهه فتلاقت أعينهما لجزء من الثانيه قبل ان يدير راسه مره اخرى عنها كانه لم يكن هو الذى يحتضنها برقه منذ عده دقائق !!!
، عادت بعد قليل بعد ان اوقفها نصف عاملى المشفى تقريباً ما بين مساند ومواسى ومطمئن ، دخلت إلى الغرفه ولدهشتها انها وجدت مراد مازال بداخلها يقف بجانب الدكتور طارق ، اقتربت من طفلتها تتلمسها لتأكد من عدم وجود حراره ، دخلت عائشه فى الدقيقه التاليه تحمل حقيبه اسيا التى شكرتها وطلبت منها ان تستدعى لها تاكسى للذهاب فتدخل مراد على الفور مقاطعاً :
-عائشه متطلبيش حاجه انا هوصل اسيا بنفسى ..
قاطعته اسيا معترضه :
-لا مفيش داع , عائشه من فضلك اطلبيلى تاكسى فوراً..
رد مراد بحزم : اسيا لو سمحتى فكرى شويه !! تاكسى ايه والبنت فى الحاله دى !! مش معقول هتعاندى مع بنتك كمان !! ..
شعرت اسيا باللون الاحمر يتسرب إلى وجنتها من الخجل فهو محق ، اذا كانت ستعانده فربما فى وقت لاحق وليس الان وطفلتهم فى ذلك الوضع ، هزت راسها موافقه على مضض ثم تحركت لتحمل طفلتها ولكنه امسك ذراعها يوقفها ثم انحنى يحمل اسو بين ذراعيه ويتحرك بها إلى الامام تاركاً اسيا تلحق به ، وصلا إلى السياره فصعدت إلى المقعد الخلفى اولا ثم انحنى يضع اسو النائمه بين ذراعيها فلامست يديه يداها فشعرت بالقشعريرة تغزو جسدها من اثر لمسته الغير متعمده ، اغلق خلفها الباب بهدوء ثم تحرك يجلس فى مقعد المجاور لها بصمت ، طلب من سائقه التحرك فنفذ على الفور ، كانت الرحله إلى بيتها صامته تماماً فكل منهما كان منهمكاً فى أفكاره الخاصه ، بعد اقل من نصف ساعه كانت السياره تقف امام منزلها ، حاولت اسيا فتح الباب بيدها الشاغره ولكنها فشلت وفى تلك اللحظه كان مراد يقف امامه يفتحه لها ، مد يده ليأخذ منها اسو ولكنها تجاهلت يده الممدوه وخرجت من السياره برشاقة واسو بين ذراعها ، لوى فمه من تجاهلها له ثم انحنى يلتقط حقيبتها ويسير فى اثرها ، صعدت الدرج الامامى للمنزل ثم طلبت منه بهدوء ان يخرج مفتاح المنزل من حقيبتها ، زفر بحنق وهو يمرر احدى يديه فى خصلات شعره محاولاً التخلص من غضبه ثم نظر إليها يحدثها :
-اسيا .. انا مقدر قلقك على اسيا وخوفك عليها ويمكن كمان مقدر انك فى الوقت ده مش عايزه تسبيها من حضنك .. بس لو سمحتى خلينى اخدها لحد ما تفتحى الباب وندخل البيت !!..
شعرت بالحرج مره اخرى من اثر كلماته فمالت تعطيه اسو بدون حديث ثم اخذت حقيبتها من يده وفتحت باب المنزل تاركه له المجال ليدخل على الفور دون تردد ثم صعد الدرج مباشرة دون النظر خلفه ومنه إلى غرفه اسو يضعها فى فراشها ببطء ثم تحرك قليلاً مفسحاً لآسيا المجال لرؤيه طفلتها ، جلست بجوارها تمسح على شعرها بهدوء وهى تقبل يدها وجبهتها حتى قاطعها صوت مراد هامساً:
-هو كل النوم ده طبيعى ؟؟ ..
هزت راسها اسيا مفسره : اها طبيعى .. فى حالات الاطفال بنبديهم مع الدوا شويه مخدر عشان الم الساعات الاولى يعدى بسهوله اكتر ..
مراد :طب فى ادويه محتاجها اجيبهالك ؟
هزت راسها نافيه قبل ان تجيبه بهدوء :
-لا شكراً كل الادويه اللى ممكن احتاجها عائشه حطتهالى فى الشنطه بتاعتى متقلقش ..
وقفت امامه على بُعد عده خطوات منه فكانت تبدو مرهقه وضعيفه وهو يتأملها ، نظرت إليه بوهن قبل ان تقضم شفتيها تحاول اخراج بعض الكلمات من فمها فجاء صوتها هامساً يبدو عليه الإرهاق :
-مراد .. شكراً على كل اللى عملته معانا النهارده ..
أومأ براسه مطمئناً بصمت وهو ينظر فى اتجاه اسو النائمه بهدوء تام شهقت اسيا متذكره وعدها لوالدتها بقضاء الليله معها ، فتحركت من الغرفه مسرعه وهى تطلب من مراد الانتظار بجانب اسو قليلاً حتى تهاتف والدتها وتخبرها بتفاصيل ما حدث معهم ، بعد مرور ٥ دقائق كانت والدتها تقف امامها والقلق يتأكلها ، لم تسمع حتى تحذير اسيا وهى تصعد الدرج مسرعه للاطمئنان على حفيدتها ، دخلت الغرفه ولكنها تسمرت فى مكانها وهى ترى مراد يجلس منحنى بجوار اسو يمسح على شعرها بحنان ، تنحنت فى محاوله منها لاصدار اى صوت لتنبيهه ، فأستدار برأسه ينظر من فوق كتفه فرأى السيده جميله تقف فى مدخل الغرفه يبدو عليه التوتر والاستنكار ، تحرك من جوار اسو ثم حياها بأقتضاب فردت تحيته بجفاء ظاهر قبل ان يستئذنها فى الخروج ، كانت اسيا لاتزال فى الأسفل عند نزوله تقف عند مقدمه الدرج والالم والتوتر يكسيان ملامحها ، عندما شاهدته يقترب منها وقفت متأهبه فلم يصدر عنه اى رد فعل بل عاد الغضب يكسو وجهه مره اخرى ،اتجه إلى الباب مباشرة وقبل خروجه استدار يحدثها :
-اسيا لو احتجتى اى حاجه متتردديش تكلمينى .. واسمحيلى ابقى أزور اسو بكره وطبعاً تتفذى كلام طارق ..
اؤمأت برأسها موافقه بصمت فلم تكن تملك اى طاقه للحديث ، تمنى لها ليله سعيده بملامح وجه متجهمه ثم خرج يغلق الباب خلفه بهدوء .
صعدت اسيا الدرج متردده فهى تعلم جيدا ما ينتظرها فى الاعلى ، دخلت غرفه اسو ببطء تجلس على الجهه الاخرى من الفراش تواجهه والدتها التى كانت تنظر بتجهم ، تحدثت السيده جميله على الفور بحده:
-اسيا ...
قاطعتها اسيا على الفور :
-: ماما عارفه عايزه تقولى ايه كويس ،..بس مش هينفع نتكلم هنا عشان اسو .. تعالى نتكلم فى اوضتى براحتنا .
ثم وقفت اسيا تتحرك متجهه لغرفتها وخرجت السيده جميله فى اثرها على مضض ، جلست اسيا على الفراش مسنده راسها على ظهره بتعب وجلست والدتها فى الجهه المقابله لها وداخل عينيها يوجد الف سؤال وسؤال ، كانت اسيا هى من بدء الحديث هذه المره بصوت متعب :
-اسألينى وانا هجاوبك بس قبل اى سؤال اطمنى .. مراد فاكر ان اسيا بنت خالد .
شهقت السيده جميله وهى تضع يدها على فمها بصدمه :
-: ازاى وايه اللى بتقوليه ده ازاى تسمحى لنفسك تعملى حاجه زى دى ؟؟ ...
اسيا : انا معملتش اى حاجه صدقينى .. هو مراد وصل للاستنتاج ده بنفسه لما سالنى بابا اسيا فين وقلتله انه مسافر ولما شاف تقارب خالد منها..
بس اللي أنا متأكدة منه إنه أكيد دخل في السجلات وشاف تاريخ ميلاد آسو عشان كده وصل للاستنتاج ده.
جميلة بنبرة قلقة: وبعدين؟
آسيا: ولا أي حاجة، هو واجهني بكده وأنا ما نفيتش كلامه، فهو معتقد إن آسيا بنت خالد.
جميلة: وإنتي شايفه إن كده صح؟ إزاي تعملي حاجة زي دي يا آسيا؟
تنهدت بعمق ثم أكملت حديثها:
"آسيا، إنتي عارفة إني ضد اللي مراد عمله من الأول للآخر، بس برضه أنا عمري ما هوافق على حاجة زي دي. أينعم أنا طاوعتك في جنانك ده، بس إنتي عارفة إني مش موافقة أبداً إنك تحرمي بنتك من أبوها، خصوصاً وهو قريب منها كده! إنتي فكرتيني صحيح، إمتى مراد شاف آسو وإمتى اتقرب منها كده؟ آسيا، إنتي مشفتيش شكل مراد وهو قاعد جنبها كان عامل إزاي؟ إنتي متأكدة إنه مش عارف إنها بنته؟"
تنهدت آسيا بتعب وهي تمسح وجهها بكلتا يديها، ويبدو على نبرة صوتها الحيرة:
"مش عارفة صدقيني. أنا كمان مستغربة جداً تقاربهم ده. مراد مشافهاش أكتر من ٤ مرات بس، والغريب إني شايفة تعلقه بيها باين في عيونه. والأغرب إن آسيا اتعودت عليه من تاني مرة شافه فيها، كأنها تعرفه من زمان."
تنهدت السيدة جميلة بحيرة قبل أن تكمل حديثها:
"مش عارفة أقولك إيه يا بنتي، أنا عارفة إنك مش متقبلة ده، بس صدقيني هما حاسين ببعض، وزي ما أجدادنا قالوا زمان، الدم بيحن. حتى لو هو مش عارف، فقلبه حاسس بيها أكيد، والعكس صحيح."
صمتت السيدة جميلة قليلاً متفكرة، ثم عاودت حديثها مرة أخرى مستفهمة:
"طب وبالنسبة لخالد، عارف شكوك مراد دي ولا هو كمان زي الأطرش في الزفة؟"
نظرت آسيا إليها بقلق مترددة، فأكملت السيدة جميلة حديثها:
"خلاص خلاص، فهمت، مش لازم تقولي حاجة. إنتي واحدة كبيرة وعاقلة وتتحملي مسؤولية قراراتك دي. كل اللي أقدر أعمله إني أدعي ربنا محدش يتأذى أو يضر من اللي بتعمليه ده يا آسيا، وأولهم خالد اللي دخلتيه في لعبة ملهوش أي ذنب فيها."
نظرت آسيا إلى والدتها مترددة قبل أن تتحدث:
"ماما، بالكلام عن خالد عايزة أقولك حاجة."
جميلة: قولي.
آسيا: خالد طلب يتجوزني.
كانت تنتظر أي رد فعل من والدتها غير الصمت، مما جعلها تنظر إليها متشككة:
"ماما، إنتي كنتي عارفة طلبه ده؟ معقول كنتي عارفة ومخبية عليا؟ إمتى ده حصل وإزاي؟ وطبعاً مادام إنتي عارفة، فاكيد أونكل كمال ودكتور طارق كمان عارفين؟"
جاءت نبرة السيدة جميلة حادة مؤنبة:
"جرى إيه يا آسيا؟ إنتي نسيتي الأصول كمان ولا إيه؟ مش المفروض أي حد طبيعي قبل خطوة زي دي ياخد رأي كبير العيلة؟ إنتي كنتي مش عايزاه يتسأذني كمان؟"
آسيا معتذرة: لا مش قصدي. بس إنتي عارفة رأيي كويس في موضوع الجواز ده. مكنتش أتوقع منك أبداً إنك تشجعيه على حاجة زي دي، وإنتي عارفة إني استحالة أوافق.
رفعت السيدة جميلة إحدى حاجبيها مستنكرة قبل أن تجيب على حديث ابنتها:
"إنتي بتضحكي على نفسك ولا عليا يا آسيا؟ أنا عارفة كويس جداً إنك رفضتيش خالد عشان إنتي رافضة الجواز. إنتي رافضة خالد زي ما رفضتي غيره عشان لسه عندك أمل. ودلوقتي لما بقى جنبك، أملك ده زاد."
شهقت آسيا من جرأة والدتها وخرج صوتها قوياً:
"لأ كلامك مش صح. سواء مراد في حياتي أولاً، استحالة أقبل بخالد!!"
السيدة جميلة متحدية:
"إنتي بتضحكي على نفسك ولا عليا؟ عايزة تقنعيني إنك رفضتيش خالد عشان خاطر مراد؟ إثبتيلي إني غلط يا آسيا! إثبتي إن شكوكى كلها غلط ووافقي عليه. وافقي يا آسيا وابدئي حياة جديدة." كانت تترجاها الآن.
"خالد بيحبك بجد ويقدر يسعدك. كفاية اللي ضاع من عمرك بتبكي عليه، صدقيني ميستاهلش منك كل اللي بتعمليه عشانه. وافقي يا آسيا وريحي قلبي وخليني أرتاح من ناحيتك إنتي وبنتك، وافقي وسافري وابعدي عنه وعن هنا."
هزت آسيا رأسها بحزم قبل أن تجيبها:
"مقدرش يا ماما. مقدرش أضحك عليه وأعيش معاه وأنا بفكر كل يوم في حد تاني. وأنا بقارنه كل يوم براجل تاني! ده ظلم ليه، وخالد يستاهل مني كده. ولا يستاهل إنه يعيش مع واحدة مش هتقدر تسعده."
هزت السيدة جميلة رأسها بيأس قبل أن تحاول إقناع ابنتها للمرة الأخيرة:
"كفاية يا آسيا لحد كده. حاولي تنسيه وتعيشي حياتك. أنا مش هفضل عايشة باقي حياتي شايفاكي بتتعذبي كل يوم بسببه وأفضل ساكتة."
كانت تستمع إليها آسيا والدموع تتجمع داخل مقلتيها من حديث والدتها، فهي تعلم بمدى قلقها عليها وكيف عانت معها منذ تركها. نظرت إلى والدتها بألم تحاول إيجاد كلمات مناسبة، فخرج صوتها متحشرجاً مليئاً بالدموع:
"تمام. إنتي بتطلبي مني إني أنساه. مش إنتي بس، كلكم بتطلبوا مني كده. إنتي وأونكل كمال وطارق وطنط أمل، بس محدش فيكم قالي إزاي أعمل ده."
صمتت قليلاً تحاول السيطرة على نبرة صوتها، ثم أضافت:
"عارفة، أنا في حياتي كلها عندي ضعف واحد، عندي هزيمة واحدة وعجز واحد، كلهم اسمهم 'مراد'. يمكن يكون كلامك صح، لأ، هو أكيد صح، المفروض أنساه. ليه بقى قلبي مش عايز يقتنع بده؟ ليه مش عايز يرتاح ويريحني، كأنه مبسوط بعذابه؟!"
كانت الدموع تنساب من عينيها وهي تكمل حديثها:
"ماما، تفتكري لو سافرت وبعدت مع خالد ده هيحل المشكلة؟!"
ثم أخذت يد والدتها تضعها على قلبها وهي مازالت تمسك بها:
"أهرب منه فين وهو متشال هنا. الحل الوحيد عشان أنساه إني أسيب قلبي وأمشي. ينفع أسيب قلبي في مكان وأمشي؟ عارفة، أنا بحب آسيا عشان هي بنتي، بس بحبها أكتر عشان هي بنته هو. عشان لما بشوفها كل يوم بفتكر إن قطعة منه على طول معايا. بحبه لدرجة إني عارفة إنه سابني عشان واحدة تانية ولسه بحبه. لو تعرفي حل قوليلى، ولو تعرفي تقوليلي إمتى وجعي ده هيقل، طمنيني، لكن لحد الوقت ده متلوميش عليا، لأني حاولت أعمل كل حاجة تتعمل عشان أنساه ومعرفتش."
كانت السيدة جميلة تستمع إلى كلام ابنتها والدموع تنهمر من داخل قلبها قبل مقلتيها، اقتربت منها تمسح دموع وجهها وتأخذها بين ذراعيها لتبكي آسيا بحرارة وألم داخل حضن والدتها حتى هدئت وذهبت في النوم. أخذت السيدة جميلة تمسح على شعرها وهي تجيبها بحسرة:
"يا ريت كنت أعرف طريقة أريحك بيها يا آسيا، بس إنتي حبك حب بائس لا بيتنسى ولا بيقل، حب بيجي في العمر مرة واحدة عشان يربطك بقلبه باقي الحياة."
رواية عشقي الابدي الفصل العشرون 20 - بقلم شيماء يوسف
استيقظت أسيا في منتصف الليل فوجدت نفسها نائمة في حضن والدتها. بهدوء، تسللت من جوارها، تسير على أطراف أصابعها متجهة إلى غرفة ابنتها للاطمئنان عليها. كانت طفلتها لا تزال نائمة، فاستلقت بجوارها بهدوء تفكر في حديث والدتها معها البارحة بألم.
بعد مرور ساعتين، كانت قد اتخذت قرارها بترك المدينة بأكملها وبدء حياة جديدة بعيدًا عن الجميع. بالطبع، لن تخبر والدتها بهذا القرار الآن. ستنتظر شفاء أسو أولًا، ثم تنتقل بعد ذلك فورًا. هذا ما توصلت إليه قبل ذهابها في النوم مرة أخرى.
في الصباح، استيقظت مبكرًا كعادتها، فانتهزت الفرصة في تحضير الفطور قبل استيقاظ أسو. كانت أسيا في المطبخ عند استيقاظ والدتها. ألقت عليها تحية الصباح بمرح عند هبوطها الدرج، فبادلتها التحية بحب واضح.
سألتها السيدة جميلة باهتمام:
- أسيا، أسو عاملة إيه دلوقتي؟ لسه نايمة من امبارح؟
أسيا:
- لا، صحيت من شوية. عطيتها الدوا والفطار ورجعت نامت تاني.
السيدة جميلة:
- طب طمنيني، عاملة إيه؟
أسيا:
- الحمد لله. اشتكت شوية من وجع في ركبتها، ده طبيعي طبعًا. بس لما أخدت المسكن نامت تاني.
السيدة جميلة:
- طب وإنتي هتعملي إيه؟ هتروحي المستشفى ولا إجازة ولا قررتي إيه؟
نظرت إليها أسيا بقلق وهي تلوّي شفتيها قبل أن تجيبها:
- امممم... بالنسبة لموضوع المستشفى ده، أنا نسيت أقولك امبارح في زحمة اليوم، أنا قدمت استقالتي.
السيدة جميلة باهتمام:
- تمام. في حد كلمك من المستشفيات اللي قدمتي فيها يعني؟
أسيا مترددة:
- لا خالص. حتى لما كلمت كذا حد أسأل تاني، كان ردهم إن منصبي مش فاضي ومش قابلين أروح على حاجة أقل. كنت حاسة إنه بيتحججوا وخلاص، بس ما علينا.
السيدة جميلة:
- طب هتعملي إيه دلوقتي؟ هتقعدي في البيت؟
أسيا:
- مش عارفة ومفكرتش، بس مكانش ينفع أكمل وأنا وهو في نفس المكان. وكان لازم أعمل كده. عمتا، أسو بس تخف وهشوف بعدها هعمل إيه.
بالطبع، لم تكن تنوي مشاركة والدتها قرار رحيلها منذ الآن، فاحتفظت بخطتها لنفسها.
بعد مرور الظهيرة، طلبت أسيا من والدتها الذهاب إلى متجرها ومنه إلى بيتها من أجل الاهتمام بالسيد كمال. بالطبع، لم تكن مهمة إقناع السيدة جميلة بالشيء السهل، ولكن بعد إلحاح من أسيا ووعود كثيرة بالاهتمام بأسو والتركيز على مواعيد دوائها وطهو طعام صحي لها والاتصال بها في أي وقت تحتاجها فيه وغيرها من الوعود، ذهبت السيدة جميلة على مضض.
انتهت أسيا من جميع أعمالها المنزلية وطهو الطعام في منتصف اليوم. ثم قررت الاغتسال سريعًا. وارتدت تيشرت قطني أحمر قصير مع بنطال من الجينز الغامق، فأظهر جمال خصرها ووجهها. أما شعرها، فرفعته إلى الأعلى ثم تركته ينساب بنعومة على ظهرها. ثم صعدت بعد ذلك تجلس مع طفلتها بهدوء تقرأ لها إحدى روايات أميرات ديزني.
هاتفها الدكتور طارق وزوجته للاطمئنان على أسو. تحدثت معهم أسو مطولًا بسعادة، تقص عليهم خططها يوم تذهب إلى الملاهي. فكرت أسيا بيأس أنها لم تنس وعده حتى الآن برغم إصابتها تلك.
بعد السادسة بقليل، كان جرس منزلها يرن. بالطبع، كان الزائر هو مراد، ولكنه أتى باكرًا، فعمله لا ينتهي قبل التاسعة. لوّت فمها بسخرية من تفكيرها، فبالطبع هو مالك المشفى ويحق له الذهاب في أي وقت يريده. كان فمها ما زال ملتوياً وتحتجز شفتيها تحت أسنانها وهي تفتح له الباب. كانت تبدو جميلة بتلك الملابس والحركة، هذا ما كان يفكر به عند رؤيتها.
كانت تقف أمامه مترددة، فبادر بإلقاء التحية عليها بملامح مبهمة. هزت كتفها بلامبالاة من تصرفه، فقد قررت منذ يومين تجاهله، وتلك المرة تنوي تنفيذ قرارها بحزم. دعته للدخول، فتقدم على الفور يسألها باهتمام واضح:
- أسيا، عاملة إيه دلوقتي؟ أكيد طبعًا صاحية ولا اتأخرت؟
هزت أسيا رأسها بالنفي:
- لا طبعًا صاحية، متأخرتش ولا حاجة. هي فوق، تقدر تطلعلها.
أومأ برأسه موافقاً، ثم اتجه فوراً إلى الأعلى حيث غرفة أسو. استقبلته أسيا الصغيرة بسعادة وهي تفتح كلتا ذراعيها لاستقباله، والابتسامة تُنير وجهها. فتقدم منها يحملها بحب وهو يبادلها ابتسامتها ويدور بها في الهواء.
كانت أسيا تقف عاقدة كلتا ذراعيها معاً أمامها، تستند بجسدها على باب الغرفة تراقب أفعالهم بقلب مفعم بالحب. كانت تنظر إليهم مفكرة أن كل من يرى أسو يقرر على الفور أنها نسخة مصغرة منها. ولكن هي فقط من تعلم أن معظم حركاتها وردود أفعالها ورثتها كاملة عن والدها. فالآن مثلاً، لا يدريان أن كلاهما يجلس بجوار بعضهما بنفس طريقة الآخر وينظران إلى بعضهما نفس النظرة.
أفاقت من تأملاتها على صوت أسو تناديها وتطلب منها الجلوس معهم. هزت لها رأسها موافقة وهي تبتسم لها بحب، ثم تحركت تجلس على المقعد الوحيد الموجود بالغرفة. قاطعتها أسو برفض طالبة منها الاقتراب والجلوس معهم داخل الفراش. نظرت إلى مراد مترددة، فوجدته يجلس بعدم اهتمام كأنه لا يسمع حديث صغيرتها. استعجلتها أسو، فتحركت على مضض ترفع كتاب الروايات التي كانت تقرأ منه لأسو، تحمله بين يديها قبل جلوسها على طرف الفراش في الجهة المقابلة له.
كانت تشعر بالتوتر من قربه ورائحة عطره التي كانت تضرب أنفها بقوة فتصيبها بالخدر. قررت إلهاء نفسها بأي شيء لعل ذلك يهدئ من توترها قليلاً، فاخذت تحرك صفحات الكتاب وهو مغلق بين أصابعها.
قطعت أسو الصمت عندما التفتت تنظر له متحدثة بصوتها الطفولي:
- مراد، إنت عارف إحنا كنا بنعمل إيه قبل ما إنت تيجي؟ مامي كانت بتقرالي قصة.
قاطعتها أسيا مؤنبة:
- أسو، ينفع نقول مراد كده؟
نظرت إليها أسو معتذرة:
- سوري يا مامى، قصدى أونكل مراد.
ثم أكملت حديثها إليه:
- عارف كانت بتقرالي قصة إيه؟ قصة سندريلا عشان أنا بحبها. بس إنت عارف بقى مامى بتحب إيه.
ثم اقتربت منه تهمس له في أذنه ببراءة:
- مامى بتحب الأميرة النائمة.
بالطبع، كان صوتها مرتفعاً، فاستطاعت أسيا سماع كل ما تفوهت به، فلم تستطع منع نفسها من الابتسام. أما عن مراد، فقد تسمرت نظرته على أسيا ينظر لها نظرة لم تدرك معناها. أما هو، فكان يفكر أنها ما زالت تحبه برغم كل ما حدث بينهم.
تنحنت أسيا محاولة قطع الصمت:
- أسو، يلا نتعشى عشان ميعاد دوا نا قرب.
هزت لها رأسها بإيجاب، فتحركت أسيا تتجه إلى الأسفل، تاركة أسو تكمل سرد تفاصيل إصابتها لمراد بتركيز تام. أصرت أسو على مشاركة مراد لها وجبتها وأبت تناول الطعام إلا عندما رأته يتناوله قبلها. بعد انتهاء وجبتهم، تناولت دوائها وأكملت ليلتها تشاركه جميع ألعابها أيضًا.
بعد العاشرة بقليل، كانت أسو تقاوم تأثير النوم من أثر الدواء، ثم بعد قليل استسلمت وهي بين ذراعيه. كانت أسيا طوال أمسيتهم تراقبهم بصمت، غارقة في أفكارها الخاصة ومدى تعلق أسو به في ذلك الوقت القصير. قامت على الفور منحنية، تمسك بأحد الأغطية في نفس الوقت الذي مد مراد يده ليمسك به، فتلامست أيديهم. شعرت أسيا بقشعريرة تمتد على طول عمودها الفقري. سحب يده من فوق يدها ببطء، ولكنه نظره ما زال مثبت عليها مما أصابها بالتوتر. دثرت صغيرتها جيدًا بالغطاء قبل أن تستقيم في وقفتها مجددًا، تشعر أن الغرفة أصبحت صغيرة فجأة. أرجعت إحدى خصلات شعرها إلى الوراء بإصبع مرتعش وهي تنتظر.
كان هو من قطع الصمت تلك المرة قائلاً بنبرة خالية:
- الوقت اتأخر وأنا لازم أتحرك دلوقتي.
هزت رأسها لها موافقة، ثم ابتعدت عن الطريق، مادة يدها إلى الأمام ترشده، فتحرك مسرعاً يهبط الدرج كل درجتين معاً. أوقفه صوتها عند أسفل الدرج تناديه:
- مراد، لو سمحت ثواني.
اختفت دقيقة، وفي التالية كانت تقف أمامه تخرج يدها من وراء ظهرها تمدها إليه وبداخلها ورقة. أخذ مراد منها الورقة بأستغراب:
- إيه ده؟
أسيا:
- دي ورقة استقالتي، ممكن تفتحها تقرأها وتوقعلي عليها.
أخذ منها الورقة وهو يرفع إحدى حاجبيه بأستنكار. فتحها بالفعل يقرأ ما بداخلها، ثم نظر إليها نظرة خالية من أي تعبير. مسك الورقة بيديه وهو ما زال ينظر إليها، ثم مزقها إلى قطع صغيرة وهو يرفع حاجبيه معًا في تحدٍ. ألقى قصاصات الورق إلى الأعلى، فتناثرت في الهواء لتقع فوق رأسها ثم على الأرض. كان ينظر إليها بغضب وبقايا استقالته منتشرة في كل مكان، ثم استدار يفتح الباب خارجًا دون أي تعليق، تاركًا إياها تشعر كأنها منبوذة.
وصل مراد إلى منزله وهو يتنهد بأرهاق من أثر أفكاره. خلع ربطة عنقه بنفاذ صبر وهو يلقيها إلى أحد الكراسي الموضوعة بداخل غرفة معيشته. ثم فك جميع أزرار قميصه وألقاه على الأرض بغضب، واتجه بعدها مباشرة إلى حمام غرفة نومه يقف تحت الماء البارد وهو يرفع رأسه بألم ويترك الماء ينساب ببرودة على وجهه وبين خصلات شعره، لعله يريحه ولو قليلاً. أغمض عينيه وأدار الصنبور لآخره، تاركًا الماء ينهمر بقوة أكثر على جسده، عائدًا بذاكرته إلى ثالث لقاء بينهم.
كانت تجلس على إحدى المقاعد الخشبية داخل حديقة المشفى، تضحك بمرح وهي تمسك إحدى روايات ديزني بين يديها، وبجانبها طفلة تجلس على مقعد متحرك تبادلها ابتسامتها بوهن. ظل يراقبها بشغف ما يقارب النصف ساعة، وقلبه يكاد يتوقف مع كل ضحكة تخرج منها ومع كل محاولة منها لإعادة خصلات شعرها المتمرده للوراء. قرر التحرك والانضمام لها، فتفاجأت بسعادة من مصادفته. بالطبع، كانت تعتقد أنها مصادفة، ولكنها لم تكن ذلك على الإطلاق، فمنذ لقائهم الأول الذي كان مصادفة حقيقية، وهو يحاول ترتيب الصدف لرؤيتها مرة أخرى.
كانت تنظر إليه ببلاهة واضحة وهي تضم شفتيها معًا بتوتر، قبل أن تلوّي فمها في حركة تلقائية منها جعلت جسده يتصلب في مكانه. بعد دقيقة، حاول السيطرة على مشاعره والعودة للواقع، فتحدث بنبرة طبيعية:
- أنا كنت في المستشفى عندي ميعاد مع المدير وكنت خارج، بس لما شفتك قاعدة حبيت أسلم عليكي.
أشرق وجهها بابتسامة عريضة تكشف عن غمازتها المحفورة بداخل خدها وهي تجيبه:
- حلو أوي، قصدي حلو إن كان عندك ميعاد. قصدي يعني إن دي حاجة كويسة للشغل طبعًا. ثم أضافت مسرعة محاولة السيطرة على توترها: نسيت أقدم لك الأستاذة رحمه، هي أستاذة بس لدلوقتي، بس لما تكبر هتبقى أكبر جراحة في الدنيا.
أومأت له الطفلة رأسها بخجل تحييه، فأقترب منها منحنيًا، يجلس على ركبة واحدة وهو يستند بأحد ذراعيه على مقعد الطفلة، فأصبح في مستوى أسيا مقابلًا لها وعلى بعد عدة خطوات منها. كان يتأمل انعكاس أشعة الشمس الواقع على عينيها البنية فتتحول إلى لون العسل، فشعر بالامتنان لارتدائه نظارته الشمسية التي كانت تخفي نظراته لها.
عاد بأفكاره إلى الطفلة التي كان يجلس بجوارها يسألها بخبث:
- ها يا رحمه، بتعملي إيه؟
فأجابته الطفلة بخجل:
-: دكتورة آسيا بتقرأ لي حكاية حورية البحر وبتقول لي إن في يوم هقدر أستخدم رجلي وأعوم زيها.
التفت لينظر إلى آسيا التي كانت عيناها تلمع الآن ولكن من أثر الدموع.
سارعت تحدثها على الفور وهي تمد يدها تمسح على شعرها بنعومة:
-: أيوه طبعًا، أنا متأكدة إن هيجي يوم وقريب كمان وهتقدري تعومي زي أريل وتجري زي سنو وايت والأقزام وتركبي حصان زي بل وتعملي كل اللي نفسك فيه.
كانت الطفلة تتطلع إليها بانبهار وسعادة واضحة قبل أن تسألها:
-: وهقدر ألبس فستان زي سندريلا وجزمة من إزاز؟
هزت آسيا رأسها مؤكدة:
-: وتقدري تلبسي فستان منفوش وكبيييير وجزمة من إزاز وتمشي وتلفي بيهم براحتك ولما تكبري تقابلي أميرك وأمير حكايتك.
-: لم تكن الطفلة فقط هي المبهورة من وصف آسيا. أصاب ذلك الانبهار مراد أيضًا وهو يراها تتحدث بكل هذا الشغف والأمل كأنها مازالت تحتفظ بالطفلة داخلها.
أدار رأسه يسأل رحمة وهو يغمز لها:
-: طب تفتكري الدكتورة آسيا زي مين من الأميرات؟
أسرعت رحمة تجيبه بحماس:
-: الأميرة سنو وايت اللي كل اللي يشوفها يحبها.
جوابها مراد وهو يتأمل آسيا بتركيز:
-: اممم، بيتهيألي إنها شبه الجميلة النائمة اللي لسه مستنية أميرها. إيه رأيك من دلوقتي نسميها الأميرة النائمة؟
صفقت الطفلة بكلتا يديها فرحًا موافقة على اقتراحه. أما هو فكان لا يزال يتأمل آسيا التي كانت تبتسم له بخجل وهي تعيد إحدى خصلات شعرها إلى وراء أذنها بتوتر.
اخفض رأسه مرة أخرى وهو مازال واقفًا تحت رذاذ الماء البارد يستند بكلتا يديه على الحائط الرخامي للحمام يتذكر بعد زواجهم وهي جالسة داخل حضنه في غرفة المعيشة بعدما أجبرته على مشاهدة فيلم الجميلة النائمة معها. وعندما سألها مستفسرًا عن سر حبها لذلك الفيلم تحديدًا، أجابته بخجل وهي تحاوط وجهه بكلتا يديها:
-: عشان بيفكرني بيك. لما قابلتني في المستشفى وأنا قاعدة من رحمة، كنت ساعتها قاعدة بفكر فيك وبدعي إني أقابلك تاني وبعدها لقيتك واقف قدامي كان قلبي هيقف من كتر الفرحة. ولما وقتها قلت لي إنك الجميلة النائمة اللي مستنية أميرها كنت بقول جوايا انت الأمير اللي كنت مستنياه عشان يصحى قلبي.
في ذلك الوقت كان قلبه يفيض من المشاعر والحب تجاهها. لم يكن يخدعها عندما كان يلقبها بأميرته النائمة وكانت تصحح له مازحة:
-: غلط، من بعد ما عرفتك وحبتك مبقتش نايمة، دي عرفت الحياة على إيديك.
كانت تلك الأيام أقصى مراحل سعادتهم. كان يرى انعكاس صورته في كل مرة ينظر إلى عينيها. أما الآن فعندما ينظر إليها لا يرى إلا الحيرة والقلق. لم يكن يرى انعكاس صورته في عينها إلا عندما يقترب منها.
أغلق الماء وهو مازال واقفًا تحت دش الاستحمام يهتف لنفسه بإصرار:
-: دلوقتي وقت خطوتك يا مراد، مينفعش تتأجل أكتر من كده.