في الصحة والمرض، في الحزن والفرح، للموت سنظل معًا. الجملة المعهودة التي تُقال في كل حفلات الزفاف. ثم يُسمح بعد ذلك للعريس أن يُقبل عروسه. ليفعلو ذلك على مضض وتكون قبلة سريعة، عكس قبلاتهم في الخفاء. لماذا نهاب الآخرين كثيرًا ونتصنع أمامهم؟ يوم الزفاف تجهزت برداء ذي لون رمادي، والقليل من تصفيف الشعر الذي استغرق مني بضع ساعات. شرفة غرفتي كانت مفتوحة على مصراعيها.
القليل من ضوء الشمس الخافت يتخلل الثلج الأبيض المنتشر على سور الشرفة الخشبي. يمكنني أن أستمع بوضوح لصوت ذلك الغراب الذي لا أعلم ماذا يفعل في ذلك الطقس البارد. وقفت أمي على عتبة باب الغرفة وهي تحاول فك خصلات شعرها من تلك اللفائف التي ستجعل شعرها مجعد فيما بعد. وقالت: أتمنى تتذكري تاخدي شال من الفرو، لأنك مش هتتحملي الطقس ومعظم أجزاء جسمك عارية. حركت رأسي مرتين دليلًا على الطاعة.
لتخرج هي وهي تسب الفرن الكهربائي الذي كاد أن يحرق الفطائر الخاصة بإفطارنا. أكملت عملي وتجاهلتها، حتى استمعت لأزيز باب غرفتي الخشبي. ومن ثم أغلق بقسوة ليجعلني ألقي بأحمر الشفاه من يدي وأنا أستند على طرف المرآة بكلتا يدي المرتجفتين وأنظر له يدور في الغرفة. وجهت حديثي له بعد أن فاض بي الكيل من ظهوره مرارًا وتكرارًا. وقلت: مش من المفترض ظهورك يكون في أوقات الليل؟ لوسيفر وهو يدور بتمهل في الغرفة.
قال: مين أقنعكم إن المفترض بينا الظهور بالليل فقط؟ جلوريا وهي تبتلع مياه حلقها من شدة التوتر والرعب. قالت: الأفلام، والروايات. لوسيفر بسخرية. قال: سهل جدًا أخرج بمظهر الرجل اللي أنا متقمصه. أخرج من غرفتك وأقول إني قمت بقضاء ليلة رائعة برفقتك. ومفيش حد مش هيصدق. في سرعة البرق وقف قدامها وهو بيزيح الخصل الشقراء الضعيفة من أعلى جبهتها. وهو يقول بأنفاس تشبه اللهيب: الدليل وجودي قدامك حاليًا، رأيك في مظهري؟
ضحكت جلوريا بسخرية وهي تتأمل مظهره الأنيق. لتجيب: معتقد إنك هترافقني للزفاف؟ لوسيفر. قال: مش اعتقاد، أنا أجزم إني هكون معاكي. جلوريا بسخرية. قالت: مش حابة أعطلك عن عملك في الجحيم، والتفكير بجدية في إزاي تخلي البشر يعصوا الله. خطوط سوداء ظهرت كتشققات أسفل عينيه وهو ينظر لها بأعين مشتعلة جعلتها تبتعد بخوف وقشعريرة عنه. ليقول هو: بلاش نخوض الحديث في الجزئية دي. إقترب منها مرة أخرى وهو يتلمس ذراعها العاري بإصبعه.
ليقول: أكيد الجسد الرائع ده محتاج حماية، من الأعين الخبيثة اللي هتكون هناك. جلوريا بغيظ. قالت: ميخصكش أبدًا. والدة جلوريا من الخارج. قالت: جلوريااا، خلاص؟ إرتبكت وهي تنظر حولها لتجده مازال واقفًا أمامها. لتنظر له كقطة شرسة وتقول: أييييه ليه لسه واقف! لم يجبها. فخرجت مضطرة وهو وراؤها دون أن تراه والدتها. إرتدت الشال ذو الفرو الكثيف لتخرج برفقة والدتها وهم يسيرون في أنحاء المدينة.
وبجانب جلوريا يسير لوسيفر وهو ينظر بتفحص للمنازل المغلقة المغطاة بالثلج الأبيض. والدة جلوريا. قالت: لما نعود من الزفاف الغداء هيكون عليكي، أنا حاسة بإرهاق. جلوريا بإرتباك لوجود لوسيفر. قالت: حاضر. ظلوا يسيرون بدون إرهاق أو ملل حتى أن حذاء جلوريا تلوث بالثلوج. ليقول لوسيفر: ليه متملكو سيارة؟ فارهة تنقلكم لأطراف المدينة بسهولة وبدون تعب؟
تقدمت والدة جلوريا للأمام وظلت جلوريا تسير خلفها وبجانبها ذلك الدخيل الملتصق بها منذ لحظة خروجها. جلوريا بإجابة. قالت: نفتقد لوجود المال. لوسيفر بتكهن. قال: شايف كده. وصلوا أخيرًا لحفل الزفاف والموسيقى الراقية. وقفت جلوريا على مقربة من الجموع وخلفها لوسيفر. جاء أحد الرجال يقترب من جلوريا. وهو يقول: كنت واقف بعيد وبتسائل مين السيدة الأنيقة اللي بتمتلك معالم الأنوثة دي.
إتضح لي فيما بعد من والدتك وهي بتصافحني إنك جلوريا. مد يده ليمسك بيدها ويصافحها. مدت جلوريا يدها لتصرخ وهي ترى يد الرجل تُلتوى أمامها بقسوة. كان يصرخ من شدة الألم ولوسيفر ينظر له بحقد ويزيد من جرعة الألم. لحسن الحظ أن الزفاف كان على البحر، وليس قاعة مغلقة. يبدو أنهم فاتهم مراسم الزواج وجاؤوا على الاحتفال فقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!