ساعي البريد مرسوم على وشه ضحكة وبيقول: "حسين بيه، الحمد لله أخيرًا الجواب بتاع أمريكا وصل." بس المرة دي بقى لازم الحلاوة بتاعتي تكون حاجة كبيرة ومحترمة كده، أه ماهو مش كل يوم هييجي جواب من الحبايب. حسين مبسوط أوي، ومد إيده في جيبه وطلع فلوس كتير واداهم لساعي البريد. أمورة واقفة وهي كمان اترسمت على وشها ابتسامة، لأن أخيرًا جدو حسين بيضحك وفي حاجة بتفرحه، وأمورة من حبها واحترامها ليه بتفرح لفرحه وتحزن لحزنه.
جدو حسين أخد الجواب وقعد على الكرسي الهزاز بتاعه، وكأن الدنيا اتغيرت ما بين لحظة والتانية وأعصابه هديت. ولسه أمورة مستنية تعرف سر الجواب، ولسه مش ناسيه سر الصندوق اللي كله قلوب وورود. أمورة: جدو حسين، هو حضرتك ليك قرايب في أمريكا وكنت مستني منهم رسالة؟ حسين: لا يا أمورة، مش قرايب، بس زي ما تقولي كده في ناس بتكون أقرب لقلبك من القرايب. ومهما بعدوا بيكدبوا المثل اللي بيقول: "البعيد عن العين بعيد عن القلب".
أمورة: الله يا جدو، ده حضرتك شاعر بقى وطلعت رومانسي كمان ههههه، آآآ أنا آسفة بس مبسوطة لأني رجعت شفت ضحكتك تاني. ولسه أمورة بتتكلم ولكن حسين مش مركز في كلامها، وكل اللي يهمه إنه يفتح الجواب اللي عمال يقلب فيه كأنه ابنه اللي ضايع منه من زمان. وفتح حسين الجواب وبدأ يسرح فيه وهو متلهف يوصل لكل كلمة مكتوبة. وفجأة ومن غير أي مقدمات بتغيب ابتسامة حسين وتوسع عيونه، وتركز أوي على الكلمات.
وأمورة عمالة ترغي بالشقاوة والبراءة المعتادة عليها، وتسأل: "ياترى مكتوب إيه؟ وبعد شوية برضو مفيش رد من حسين. ترجع أمورة تكمل رغيها وتقول: "طيب أه رايك وأنت مع مرسال الحبايب كده أعملك قهوة من إيدي عشان تظبط دماغك بيها؟ جدو رد عليا، وعلى فكرة بقى أنا هاخد الجواب ده وأقرأه كلمة كلمة، ده واضح يا جدو إن حضرتك طلعت شقي أوي هههه."
ولسه أمورة بتحكي وفجأة بتلاحظ إن عيون جدو حسين بتلمع والدموع اتجمعت فيها وإيده بدأت ترتعش. ومد إيده على النظارة اللي كانت مدارية إلى حد ما دموعه، وخلعها. وحتى مش قادر يوصلها الترابيزة، للأسف النظارة وقعت من إيده اللي أصلاً مش متماسكة ولا قادرة تتحكم في حاجة. أمورة: جدو مالك؟ هو الجواب في حاجة زعلتك؟ أيوه أكيد في حاجة. جدو حسين من فضلك رد عليا، الجواب ده فيه إيه؟
حسين بيقف ويحاول يتماسك ويسند جسمه الضخم على الحيطة ويسند نفسه بصعوبة ويمشي بخطوات بطيئة علشان يوصل لباب أوضته. وأخيرًا بيوصل ويرمي جسمه المنهك على السرير ويسمح للدموع إنها تنزل. المشهد ده كله وأمورة مش قادرة تتكلم وحاسة كأن الدنيا اسودت تاني في وشها. حسين بصوت واطي وكأن المرض اتمالك منه فجأة بيقول: "لو سمحتي تخرجي بره وأقفلي الباب وراكي، عاوز أقعد لوحدي شوية."
أمورة من غير أي نقاش بتخرج وتقفل الباب وراها وتنفذ الأوامر اللي حاسة إنها الحل الوحيد اللي ممكن يريح قلبه شوية. أمورة رايحة جاية في البيت ومش قادرة تسأل حد، وعاوزة الوقت يجري ومفكرة إن حسين نام وارتاح وبعد شوية هيصحى ويحكي عن اللي مزعله. وفي أوضة حسين، بيسرح بخياله وهو بيكلم نفسه وبيقول: "كده يا مارى، كده تغدري بيا، بعد كل الانتظار والسنين دي تغدري بيا وتسيبيني لوحدي، يا خسارة يا مارى." ويغمض عيونه ويسرح في مارى.
فلاش باك،،،، ويلا ندخل في أحلامه ونشوف ذكرياته… وزي الليلة، ليلة رأس السنة من أكتر من عشرين سنة، بيقف حسين وهو ممشوق القوام شاب عنده ٢٢ سنة وعيونه رايحة جاية وسط الناس البسيطة اللي ماشية في الشارع، بيدور عليها. بتقرب منه مارى بنت جميلة أوي وتقول: "حسين برضو جيت ومصر إننا نمشي سوا كده عادي قدام الناس، حسين أنا خايفة حد يشوفنا وتبقى مشكلة، أنت متعرفش بابا قال لي إيه لما عرف حكايتنا."
حسين: "مارى حبيبتي، أنا قولت إني بحبك وعاوز أتجوزك، ووالدك يشوف هو عاوز مني إيه وأنا تحت أمره. وإحنا مش أول اتنين هيتجوزوا وأنا مسلم وإنتي مسيحية. أنا فاهم كويس أوي في الدين وسألت وعرفت الشروط، بعدين أنا خلاص مش قادر أعيش من غيرك ومش قادر برضو أصدق فكرة إنك ممكن في يوم تتجوزي حد غيري، وأنا أتجوز حد غيرك." مارى برقة وزعل:
"مت تقولش الكلام ده من فضلك، أنا لا يمكن أكون لحد غيرك، ولعلمك انت لو بس فكرت مجرد تفكير إنك تحب ولا تتجوز غيري أنا ممكن أهد الدنيا عليك." حسين بيضحك على كلامها وغيرتها البريئة ويقول:
"أيوة كده أخيرًا اعترفتي إنك بتحبيني وبتموتي فيا، يا بنتي أنا أصلاً ما اتسابش. وبعدين يلا نجري في الشوارع النهاردة أول يناير يعني بداية سنة جديدة والناس كلها كانت سهرانه امبارح بالليل تحتفل برأس السنة. والكل لسه تعبان ونايم، إنما أنا وإنتي دلوقتي الشوارع والسما والأرض ملك لينا، إحنا نجري براحتنا ونصرخ فيها براحتنا، ها تحت أمرك يا مولاتي، أمري وأنا أنفذ."
وبيضحك حسين وبتضحك البنت الجميلة مارى، ويمشوا سوا تحت المطر الخفيف والسما الصافية وكأنهم في عالم تاني ومش حاسين بالناس ولا الدنيا اللي لسه مش عارفين مخبية لهم إيه. وفجأة تقف مارى وتحط إيدها على راسها وتقول: "استنى يا حسين، آآآآ دماغي يا حسين مش قادرة، مش قادرة صداع رهيب." حسين بقلق:
"ألف سلامة عليكي يا حبيبتي، برضو نفس الصداع وإنتي مش مهتمة بالعلاج ولا مهتمة بصحتك. إنتي لازم تعملي التحاليل والأشعة اللي الدكتور طلبها منك ومش كفاية المسكنات اللي عمالة تاخدي فيها دي على الفاضي والمليان." مارى:
"إنت عارف يا حسين إني ما بحبش الأدوية وخايفة يطلع عندي نفس المرض اللي موت أمي. أنا طول عمري أسمع تيتا بتقول إن المرض ده وراثي في العيلة، وكل أسبوع أروح الكنيسة وأدعي إن الصداع ده يخف شوية وأقدر أكمل دراستي حتى أدخل الامتحان السنة دي، أحسن من إني بأجل زي كل سنة." حسين: "حبيبتي متفكريش في امتحانات ولا تتعبى نفسك في المذاكرة، إنتي لازم تهتمي بس بصحتك، وأنا مش عاوزك تبقي دكتورة، أنا عاوزك تبقي بخير وتنوري بيتي وحياتي."
مارى بتسند راسها على أقرب كرسي وحسين يحاول يخبيها ويحميها من المطر، ويكملوا كلام وأحلام للمستقبل الوردي.
واللي نعرفه إن مارى بنت مسيحية من أسرة كبيرة وميسورة الحال، والدتها متوفية وهي صغيرة ومارى تبقى البنت الوحيدة لأبوها، واللي بيشتغل دكتور كبير أوي في أمريكا وكان مهاجر وسايب مارى مع جدتها لأمها. ومارى كمان كانت طالبة في آخر سنة في كلية الطب وأصغر من حسين بكام سنة، وبتحبه وتعشقه وحسين بيعشقها أكتر وأكتر. ولكن مجرد فتح موضوع الجواز منها خلى والدها زعل منها وخصمها، ومش عاوز إنها تتجوز حد من غير دينها. ولكن مارى لا يمكن تستسلم وفضلت تقابل حسين رغم كل التنبيهات من والدها.
وبيوصل العشاق لبيت مارى وبيقف حسين تحت البيت علشان يطمن عليها إنها وصلت أوضتها وارتاحت كمان. وأخيرًا ولسه الدنيا بتمطر مطر خفيف، مارى بتفتح شباك أوضتها وتشاور لحسين إنه يمشي وكفاية عليه واقفة في الشارع وتحت المطر. حسين بيطمن عليها ويقرر إنه يمشي ويرجع بيته وهو سعيد لمجرد إنه شافها وشاف ضحكتها، وسرقوا سوا لو ثواني من الحياة. ولسه مارى حاسة بالصداع والموضوع بيزيد معاها لدرجة إنها فجأة بتصرخ وتقول:
"لا، كفاية، الحقيني يا تيتا، الحقيني! وبتقع مارى على الأرض مغمى عليها، وبتدخل عليها جدتها وتحاول تشيلها وترتاح على السرير وبسرعة بتتصل بوالدها وتقول:
"دكتور عادل، بنتك مارى الحالة جتلها تاني ولازم تتصرف، اعمل حسابك البنت مش هتفضل كده وتروح مني. المهدئات والمسكنات مش جايبة نتيجة، وعلى فكرة أنا ست كبيرة ومش حمل إني كل شوية أشيلها وهي مغمى عليها، أظن آن الأوان إنك ترجع وتشيل مسئولية بنتك شوية ولا عاوز تسيبها وترمي مسئوليتها عليا زي أمها اللي سيبتها لحد ما المرض نهش جسمها وماتت وهي لسه في عز شبابها…."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!