جدك ماندفنش؟ يعني ايه ماتدفنش؟ يعني اختفى، خرج في ليلة من بيته هنا على إنه جاي لباباكي. كان المفروض جايلنا القاهرة. ليلتها كان باباكي الله يرحمه متوتر أوي ومستني باباه وهو متلغبط ومخنوق، لكن جدك ماوصلش عندنا. اختفى، وبعد أربع سنين اتحكم بوفاته، بيسموها وفاة حكمية. المهم، اوعي تجيبي سيرة لحد من عماتك ولا لجدتك إنك شفتي جدك في الحلم، اوعي، أنا بقلك أهو. ولا تجيبي سيرة جدك خالص.
شاورت براسي إني موافقة، وماما فضلت جنبي لغاية ما نمت. كان نوم كله قلق وكوابيس. وتاني يوم صحيت على إيدها وهي بتصحيني. قالت إن النهاردة الجمعة وهننزل نتغدى تحت مع عماتي وجدتي زي العادة من يوم ما جينا هنا. حاولت أقولها إني مابحبش أنزل تحت، لكن زي كل مرة صممت ننزل.
بعد صلاة الجمعة نزلنا. كان تالت غدا لينا في البيت دا بعد ما رجعناله. نفس القبضة في قلبي حسيتها لما دخلت من باب البيت، بس المرة دي حسيت بقبضة أكبر أول ما شفت صورة جدي المتعلقة ع الحيطة. ولما روحت أسلم على جدتي وهي قاعدة في مضيفة البيت، حسيت إنها أول ما إيدي لمست إيدها ابتسمت ابتسامة غريبة وضغطت على إيدي جامد لدرجة إني اتوجعت. بصيت لماما باستغراب، لكن ماما أخدت الموضوع بهزار وعدت الدنيا.
كانوا عماتي التلاته موجودين. عمتي بثينة مقعدة بتتحرك على كرسي بعجل، هي بتسمع وبتعرف تتكلم، لكن ماما بتقول إنها مابتتكلمش نهائي من سنين وعلى طول شاردة ومكشرة. وعمتي صفاء لسانها وحركتها تقال أوي. أما عمتي إجلال فهي أحسنهم في الحركة والكلام. بس هما التلاته زي ما يكون عقلهم عقل طفل. أما جدتي فلسه جامدة وصحتها كويسة.
كنت عارفه إن جدي وجدتي ولاد خالة، ويمكن دا كان السبب في إن ولادهم طلعوا كدة. لكن بابا أخوهم الصغير طلع طبيعي. أنا مالحقتش أعيش في البيت دا وأنا صغيرة، مافتكرش أصلاً. مشينا منه ومن بلد بابا كلها من 17 سنة وأنا عندي سنة، وجدي مات أو اختفى بعد ما مشينا بسنة واحدة بس. وكان بابا هو اللي بييجي يزورهم لوحده من بعد ما جدي مات. لكن القدر ساقنا إن نرجع هنا تاني.
قعدت في الاستقبال بتاع البيت وماما دخلت ع المطبخ مع جدتي وعمتي إجلال. كان التليفزيون شغال على مسلسل قديم وعمتي صفاء عماله تقول كلام مش مفهوم، بس الغريب إن عمتي بثينة كانت قاعدة يعتبر على يميني، بس طول الوقت كنت لامحاها باصالي بطرف عينها.
قمت من جنبها وطلعت ناحية البلكونة. كنت مستغربة ليه سايبين الشقة مقفلة كدة ومنورين لمباتها طول الوقت وخلاص. باب البلكونة كان كبير أوي ونظامه عتيق، فتحته بصعوبه وبصوت تزييق وطلعت قعدت على كرسي في البلكونه ومسكت تليفوني. فتحت الفيس وبدأت أقلب فيه لغاية ما عيني جات على نفس الصورة بتاعت البيت، لكن المرة دي كان مكتوب على الصورة "عيلة البتران، الحلقة التانية". حاولت أقرأ كام سطر بسرعة، لكن مافيش ثواني والصورة اختفت ومالقيتش المنشور.
لكن سمعت صوت حركة جنبي. بصيت على شمالي لقيت عمتي صفاء راكنه بإيدها على ترابزين البلكونة. أول ما بصيت لها ابتسمت، لكن كانت ابتسامة حد طبيعي ووقفتها كانت طبيعية. ولقيتها بتقول بكلام سليم مافيهوش أي تأتأة: "إنتوا إيه اللي جابكم؟ كنت مبرقة عينيا ومش قادرة أنطق. فجأة عمتي بقت طبيعية تماماً كدة. وسط تبريقتي سمعت صوت نعيق غراب عالي. نظري اتخطف ناحيته غصب عني، لقيته عمال يرفرف ويعافر وهو واقف على فرع في الشجرة.
رجعت بصيت ناحية عمتي مالقيتهاش جنبي. قمت ورجعت بسرعة ناحية المضيفة لقيتها قاعدة بتتفرج ع التليفزيون وعماله تقول كلام مش مفهوم ومندمجة مع المسلسل وبتسقف بإيديها. أما عمتي بثينة فكانت بتبصلي باستغراب. فضلت أبص ليهم وأرجع أبص ناحية البلكونة باستغراب لغاية ما لقيت جدتي طلعت من المطبخ وراحت ناحية باب البلكونة. قفلته وهي بتقولي:
"ابقي افتحي بلكونتك فوق يا حبيبتي، إنما إحنا هنا دور أرضي والتراب بيملى البيت لما باب البلكونة يتفتح." قلت في بالي تراب إيه بس دا إحنا حتى مش في نص البلد ولا في عربية بتعدي من قدامنا ولا حتى بني آدمين، وقدامنا حتة فاضية فيها كل فين وفين شجرة. لكن ما قلتش حاجة من دي وابتسمت رغم خوفي وسألتها: "هي عمتي صفاء أحياناً بتتحرك وتتكلم عادي؟
لقيت عمتي صفاء بطلت تسقف وكلام وبصتلي وأنا واقفة. ولقيت جدتي ابتسمت وقربت ناحيتي. كانت الفرحة هتنط من عينها. وقفت قصادي وقالت: "يسمع من بوقك يا بنتي، دا أنا من يوم ما اتولدوا التلاته وأنا بدعيلهم، يمكن دعايا يستجاب في آخر عمري." "اصل وأنا واقفة في البلكونة لقيتها جات جنبي وكلمتني بس كانت كل حاجة طبيعية." لقيت عمتي صفاء بتشاور بإيدها بمعنى لا وبتقول: "أن أنا قمتتتش نن ننكااا." جات ماما من المطبخ وبتسأل:
"فيه حاجة ولا إيه؟ جدتي ردت عليها: "لا أبداً، دا أنا جيت قفلت البلكونة عشان نور فتحتها، وإنتي عارفة إني مابحبش التراب وبخاف على العيال." ماما بصتلي بعتاب وقالت: "لو زهقتي من قعدة التليفزيون روحي ادخلي أوضة مكتب جدك مليانة كتب وروايات، ولا امسكي تليفونك ولا اعملي أي حاجة، بس بلاها البلكونة خالص." "ماشي، حاضر."
رجعوا دخلوا المطبخ تاني وأنا روحت دخلت أوضة جدي وقلت يمكن أكلم هبة صاحبتي ولا حاجة. دخلت لقيت فعلاً مكتبة في الحيطة ومليانة كتب. كانت حاجة غريبة بالنسبة لي إن راجل زي جدي يكون بيقرأ. حتى بابا الله يرحمه كان يدوب معاه إعدادية وجدي جوزه وهو 18 سنة. بابا مات قبل ما يتم الأربعين وماما لسه يدوب خمسة وتلاتين. حتى عماتي التلاته في أوائل الأربعينات. المهم إن كان فيها روايات لنجيب محفوظ ويوسف السباعي وطه حسين، بس كان فيه تحت درجين مقفولين بقفل. جالي فضول أورب باب الدرج وأشوف إيه جواه. شديت البابين لبره شوية كدة وبصيت، فلقيتها مجلدات مش روايات.
لكن وأنا شادة الدرجين سمعت صوت ورايا بيقول: "إنتي بتدوري في إيه؟ اتفزعت وبصيت ورايا لقيتها عمتي بثينة. كانت على كرسيها المتحرك بس بتبص بغيظ. رديت بخوف: "بشوف مكتبة جدي." "ووقعتي كل الكتب دي ليه؟ لسه كنت رايحة أقول أنا ماوقعتش حاجة، لقيت الكتب اللي ع الرفوف كلها ورا ضهري نزلت ع الأرض. اتلخبطت وبقيت ألم فيهم بسرعة وأرصهم ع الرفوف وأنا بقول: "أنا ماوقعتش حاجة، هما اللي وقعوا لوحدهم قدامك."
كنت فاكرة إنها لسه واقفة ورا ضهري، لكن وأنا بلملم الكتب وقعت في إيدي ورقة. تقريباً كانت وسط الكتب أو وسط كتاب منهم. كان كاتب فيها زي أفكار، كلام ملخبط مش مفهوم: "هدفع نصها هاخد نصها وارجع ادفع نصها اخد النص التاني بس ع الأقل بعد 17 ولا 18 سنة." حطيت الورقة في جيب بنطلوني وطلعت لبره. روحت ناحية عمتي بثينة لقيتها قاعدة قدام التليفزيون عادي، فقلتلها: "أنا لميت كل الكتب ورجعتها مكانه." بصتلي بقرف كدة وماردتش.
قعدت جنبهم ومسكت تليفوني فتحت الفيس تاني. قلت في بالي إني فراكة وكل ما بتحرك بعمل مشاكل، فاقعد أحسن. فضلنا قاعدين تحت لغاية العشا تقريباً. لما طلعت أنا وماما فوق، أول ما دخلنا صالة شقتنا قلتلها: "أنا عايزة أرجع القاهرة يا ماما." "إحنا مش خلصنا الموضوع دا يا نور." "هنزل أشتغل ومع معاش بابا هنعرف نعيش." "إنتي إيه عرفك إنتي بمصاريفنا كانت إيه؟
دا إيجار الشقة لوحده كان خمس آلاف جنيه من غير أي مصاريف تانية، ومعاش باباكي ألفين جنيه. هنا بيت جدتك وعندها أراضي مأجرها، جدك كان كاتب كل حاجة باسمها. باباكي ما ورثش حاجة من جدك. نرجع فين وإحنا ماكناش عارفين ندفع الإيجار حتى." "طب ودراستي؟ "دراسة إيه، إنتي مش أخدتي الدبلوم." "كنت عايزة أكمل في أي حاجة." "بلا تكملي بلا وجع دماغ." "طب وحياتي وأصحابي؟ "بكرة تتجوزي وتنسي الكلام دا كله." "يوووه بقى."
سبتها ودخلت أوضتي وقفلت على نفسي. فضلت قاعدة في السرير وأنا كارهة البيت دا باللي فيه. بعد ساعة كدة ماما جات ندهت من ورا الباب: "أنا هنام، عايزة حاجة؟ "لا شكراً." طفيت النور وفضلت أقلب في الفون يمكن ساعة ولا أكتر، بس وسط تقليبي حسيت بصوت حركة بطيئة، زي صوت خطوات. ماكنتش عارفة أحدد هي جوه الأوضة ولا بره قدام الباب. فضلت ساكتة وقاطعة النفس خالص لغاية ما حسيت بأوكرة الباب بتتفتح.
جسمي اتنفض وقمت من ع السرير أجري ناحية كبّاس النور، لكن قبل ما أولع النور إيد مسكت إيدي وقالت:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!