ترددت هذه الجملة في ذهنها كصدى بعيد، كأنها تخرج من شاشة قديمة يعمها الغبار. كانت قد سمعتها في أحد الأفلام المصرية يومًا ما، ولم تكن تدري أنها ستراها يومًا مرآة لحقيقتها.
تمددت على سرير المستشفى بفستان زفافها الأبيض، الباهت تحت أضواء النيون الباردة. وجهها شاحب يتأمل السقف كأنها تبحث فيه عن علامة، عن إجابة، عن رحمة. كانت الغرفة مليئة بالناس، رجالًا ونساء، وكان الجميع في حالة من التوتر والغضب، وأصواتهم تتعالى. الجميع يتبادل النظرات المشحونة بالألم والغضب. فجأة، قطع صمت الغرفة صوت جدها، الذي اعتاد أن يكون صاحب القرار في العائلة. وهتف بصوت مرتفع:
"ابعتوا هاتوا صخر والمأذون.. دلوقتِ حالاً." جمدت قدر في مكانها ولم تصدق ما سمعته، إذ أن صخر هو ابن عمها الذي لم تره منذ سنوات عديدة. ولكن تلك السنين الطويلة لم تنسها ملامحه، ولم تبعده عن تفكيرها أبدًا. ركزت قدر على هذه الكلمة وكأنها رنت في أذنيها كقنبلة انفجرت في داخلها. كانت تلك أول مرة تسمع فيها اسم صخر منذ أن كانا صغارًا. حتى قاطع شرودها صوت الجد مرة أخرى، قائلاً بقوة:
"هتتجوزي صخر.. وكفاية علينا فضايح أكده، يا هتتجوزيه يا قسمًا بالله العظيم هقتلها. مش على آخر الزمن بنت زي دي تجيب لعيلة الصعيدي العار والفضايح." في تلك اللحظة، قامت إحدى السيدات في الغرفة واقتربت منه مرددة بتوسل: "بلاش صخر بالله عليك يا حج.. أبوس يدك بلاش صخر. ده لو عرف الحصل الدنيا هيخرب الدنيا كله." نظر الجد إليها بغضب وردد:
"تختاري.. يا تتجوزي صخر يا تتقتلي.. ويلا.. كلنا هنخرج ونسيبها تفكر مع نفسها. يا الجواز يا الموت."
خرج الجميع من الغرفة وأُغلق الباب خلفهم كأنهم أغلقوا عليها العالم بأسره. وخيم الصمت الثقيل على المكان، وتسللت برودة الوحدة إلى جسدها. فنظرت إلى ذراعها، إلى الإبرة المغروسة فيها، ثم نزعتها بعنف. فاندفعت قطرة دم صغيرة، لكنها لم تكترث. الألم الحقيقي لم يكن في ذراعها، بل في قلبها الذي ينزف. وتأرجحت على قدميها، ودموعها تسيل بلا هوادة، وصدرها يعلو ويهبط كأنها تغرق. لحظة واحدة فقط كانت كفيلة بقلب كل شيء رأسًا على عقب.
وانفتح الباب فجأة، ودخلت يمنى ابنة خالتها، ووجهها مشوه بالقلق. وما إن وقعت عيناها على قدر حتى اندفعت نحوها بسرعة، واحتضنتها بقوة مرددة: "قدر.. يا حبيبتي اهدي.. أنا جيت أهو أنا معاكي متخافيش مش هسيبك والله.. بس اهدي بالله عليكي.. إيه الحالة اللي إنتي فيها دي عاد." اقتربت قدر منها وانهارت في حضنها مرددة: "راح فين سابني أكده؟! سابني في نص السكة؟!
إزاي يعمل أكده يا يمنى أنا كنت مستنية اللحظة دي من سنين… كنت فاكرة إننا هنكمل سوا، هنواجه الدنيا مع بعض… بس هو هرب… سابني لوحدي أتحط في الوحل.. ولا في دماغه إيه اللي هيحصلي." "متجوليش أكده يا قدر… يمكن حوصله حاجة… يمكن اتأخر بس.. او يمكن مثلاً فيه أي حاجة.. هو أكيد مش هيعمل أكده." "اتأخر؟ اتأخر إيه دا فرحه.. هو عارف قد إيه اليوم ده مهم بالنسبالي!
ده وعدني وقال إنه مش هيسيبني أبداً… أهو سابني وسايبني دلوقتي للناس دي يقطعوني بأيديهم." تنهدت يمنى وساعدتها لتجلس على طرف الفرش مرددة: "ما هو أكيد فيه حاجة… يمكن أهله مثلاً حد منهم حوصله حاجة او يمكن حد هدده… بس مينفعش نرميه كده من غير ما نعرف إيه اللي حوصله.. أصلاً أهلك بيدوروا عليه لو لقوه هيقتلوه من غير ما يفهموا إيه اللي حصل حتي." "هما بيقولوا هتجوز صخر… صخر يا يمنى! اللي مشوفتهوش من سنين!
اللي أنا أصلاً كنت بخاف منه وإحنا صغيرين… أنا مبحبوش… وعايزيني في نص ساعة أوافق وأبصم وأتجوز." "مش هيحصل طالما أنا معاكي مش هيحصل… هنتكلم مع جدك.. هقوله إنك تعبانة، مش جاهزة، إنك محتاجة وقت.. أي حاجة." انهارت قدر من جديد ودفنت وجهها في صدرها مرددة: "هو مش هيسمع، هو قالها صريحة… يا الجواز يا الموت. وأنا… أنا مينفعش أتجوز غيره يا يمنى. أنا… مش سليمة… لو عرفوا… لو عرف صخر… لو عرف أي حد، هيقتلوني. والله هيقتلوني."
وبعد دقائق ثقيلة، بدت وكأنها ساعات، وكل من بالخارج كانوا ينتظرون قرارها. الجميع التزموا الصمت احترامًا لهيبة الجد، إلا العيون كانت تتحرك بقلق بين الباب المغلق وساعتها التي لا ترحم.
وفتح الباب فجأة، ودخل الجد يتقدم من معه بخطى صارمة، عيناه تلمعان بالغضب والقرار القاطع. وخلفه رجال العائلة والنساء المتوترات. لكن الصدمة ضربت الجميع دفعة واحدة، وهم يرون الغرفة فارغة والسرير خالي والغطاء مقلوب وزجاجة المحلول معلقة بلا جدوى وآثار قطرات دم جافة على الملاءة. فصرخت إحدى النساء بذهول: "راحت فين؟! كانت هنا من شوية! كانت موجودة هنا." انتفض الجد وصاح بصوت أجش كالرعد: "مش ممكن… دي مجنونة! هربت؟!
هربت من الجواز.. قسمًا بالله ما هرحمها." ألقى الجد كلماته وضرب بعصاه الأرض ثم التفت للحرس الواقفين على الباب ووجهه مشتعلًا بالغضب مرددًا: "دوروا عليها في المستشفى كلها… في كل مكان. ولو لقيتوها… يا تجيبوها حالًا… يا تريحوني منها وتقتلوها. مفيش بنت في العيلة دي تنزل راسنا وتفلت أكده… فاهمين؟! تحرك الرجال كالعاصفة وعم الفزع المكان، وانهارت امرأة في الخلف وهي تهمس:
"ربنا يستر عليكي يا قدر… يا ترى رحتي فين.. هي ذنبها إيه بس إن عريسها هرب.. ذنبها إيه… ربنا يسترها معاكي يا قدر." ألقيت السيدة كلماتها بخوف.
وفي مكان آخر، كانت تركض قدر في الشارع بكل قوتها تفاديًا للنظرات المتسائلة والهمسات التي تلاحقها في كل مكان. وفستان الزفاف الأبيض كان يعيق حركتها لكنها لم تكترث. كانت قدمها تتعثر على الأرصفة المبللة والناس في الشوارع يرمقونها بنظرات مشككة، لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها. كانت هي الوحيدة التي ترى كل شيء كسراب، وكل شخص كظل في تلك اللحظة. تسابق خطواتها الزمن وهي تتنفس بصعوبة.
وفجأة، عبر الصوت القوي الذي كسر سكون المكان. كانت أصوات رجال حرس جدها تتعالى وقد التفوا حولها وأحاطوا بها من كل جانب. واردف أحدهم بنبرة حادة: "يا ست هانم … تعالي معانا علشان عندنا أوامر… يا نجيبك… يا نقتلك واحنا مش عايزين نعمل أكده.. تعالي معانا." سحبت قدر نفسها للخلف وحاولت الهرب بكل ما أوتيت من قوة، لكنها وجدت نفسها محاصرة وقلبها ينبض بسرعة، ويديها ترتجفان من شدة الخوف كأن الموت يقترب منها كظل لا يرحم.
وقبل أن يصوب أحدهم سلاحه نحوها، دوت مكابح سيارة حادة وتوقفت بسرعة بالقرب منها، وخرج منها عدة رجال يرتدون ملابس أنيقة بينهم شاب ذو ملامح صارمة ونظارات سوداء. رفعها بهدوء عن عينيه. فنظر الجميع نحو السيارة، ثم نحو الشاب الذي تقدم بخطوات ثابتة، يحيط به هالة من القوة والهيبة. وتراجعت خطوات رجال الجد على الفور، ولم يعد أحد منهم يجرؤ على التحرك.
فوقفت قدر في مكانها، قلبها يكاد يتوقف من الصدمة. كانت عيناها معلقتين على هذا الوجه الذي تعرفه جيدًا… الوجه الذي كان منذ سنوات في ذاكرتها، والآن أصبح أمامها كحلم قد تحول إلى واقع. فهمست بصوت ضعيف وفزع: "صخر؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!