الفصل 2 | من 11 فصل

رواية ابن الصعيدي الفصل الثاني 2 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
30
كلمة
1,869
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

توقفت السيارة أمام بيت كبير. فتح صخر الباب بعنف وهتف بحدة: "انزلي يلا.. كفايه اكده انزلي بدل ما بالله ما انزلك بالعافيه." كانت قدر ما تزال تحت تأثير الصدمة ويداها ترتجفان. لم تستطع الحركة. لم يمنحها وقتا للتفكير، فمد يده إليها وجذبها من ذراعها بقوة. هبط بها من السيارة كأنها دمية لا حول لها ولا قوة. حاولت قدر التملص والصراخ، لكنه لم يعطها فرصة وجرّها خلفه وسط ذهول المارة. هدير صوته يسبق خطاه مرددًا:

"كفاية بهدلة بجا لحد اكده… الجوازة دي لازم توحصل النهارده غصب عن الكل يا جسما بالله العظيم هدفنك في ارضك ولا يهمني." ألقى صخر كلماته واندفع بها إلى داخل البيت. فتح الباب الكبير بقوة حتى ارتطم بالجدار. التفتت العيون إليهما وكانت الوجوه مشدوهة والهمسات ترتفع. لكن صخر لم يلتفت لأحد ودخل ومعه قدر. سحبها إلى منتصف المجلس. نظر الجد، الذي كان على وشك أن يضربها بعصاه، وانتفض واقفًا وصاح: "كنتي فين يا بت انتي… كنتي فين؟

بتهربي… بجا دي اخرتها عريسك يهرب يوم الفرح وانتي عايزه تعملي زيه… بتعربي ليه يا بت انتي.. اي ال حوصل بينكم علشان كل دا يوحصل والله لأربيكي." ألقى الجد كلماته ورفع يده ليصفعها، لكن يد صخر امتدت بثبات وأمسكت يد الجد قبل أن تصل إلى وجهها مرددًا بضيق: "لع يا جدي… من دلوجتي… أنا المسؤول عنها… ومحدش هيقرب منها طول ما أنا واجف.. دي هتبجي مرتي وانا مسمحش ان حد يمد ايده عليها حتي لو انت يا حجي."

سكن الجد لوهلة ثم نظر في عينيه كأنه يختبره. وبعد لحظة، أردف بصوت غليظ: "طيب… وريني بجا هتعمل اي عاد." أشار صخر للمأذون الجالس في الركن بهدوء تام. ثم دفع قدر لتجلس أمامه دون أن يترك يدها وهتف بلهجة صارمة لا تحتمل: "يلا يا شيخ… اكتب الكتاب خلينا نخلص بجا." رفعت قدر رأسها ببطء والدموع ما زالت في عينيها. صوتها خرج كهمس مبحوح: "لع… مش عايزة… ابوس يدك سيبني.. انا مش عايزة اتجوز.. سيبوني في حالي."

أنهت قدر كلماتها، لكن لم يلتفت صخر إليها وكأن صوتها لا يعنيه. فقط شدد قبضته على يدها أكثر وردد: "أنا جولت اكتب يا مولانا.. يلا." -في مكان آخر في ليل هاد يلف سماء القاهرة. الضوء الخافت من الأباجورة ينعكس على جدران الغرفة الواسعة. وسرير فوضوي وسط الشقة. كان "كريم" مستلقيًا نصف عارٍ وصدره مكشوف. السيجارة مشتعلة بين أصابعه. بينما كانت فتاة ترتدي قميصه تضحك بجواره وشعرها مبعثر وعيونها تلمع بخبث. حتى استلقت على

صدره مرددة بنبرة ساخرة: "بتهرب تاني؟ مش هتبطل العادة دي؟ دي كانت ليلتك يا كريم فرحك.. ازاي تعمل كده يا ابني." ضحك كريم ضحكة قصيرة، ساخرة وغمز لها مرددًا باستهزاء: "فرحي؟ أنا كنت في جنازتي يا روحي… الحمد لله إني نجيت من الفرح دا.. أنا أصلا مش بتاع جواز ويوم ما اتجوز اروح اتجوز من الصعيد لا طبعًا." هزت الفتاة رأسها بعدم تصديق مردفة:

"دول صعايدة يا كريم.. لو أهلها عرفوا إنك هربت دول ممكن يدفنوك حي. انت مش مستوعب ال عملته." نفث كريم دخان سيجارته لأعلى وصوته جاء واثقًا وهتف: "محدش فيهم يقدر يعملي حاجة… ولا حتي جدها ال نافش ريشه دا. أنا عارفهم كويس. صيت من غير فعل. وبعدين أنا مستحيل أتجوز واحدة حصل بيني وبينها ال حصل دا.. حتى لو كانت بالعافية خلاص مينفعش أبص في وشها.. البنت ال بتتجرّأ تتقرب من راجل قبل الجواز متستاهلش تبقى مراتي."

نظرت إليه الفتاة بدهشة مصحوبة بابتسامة ساخرة: "يعني أنت مش بس بتكسر القلوب… كمان بتدفنها. وبعدين هو احنا هنضحك علي بعض يا كريم. أنا وانت عارفين كويس اي ال حصل بينكم بالظبط. فبلاش تعمل فيها البريء." ابتسم كريم بسخرية ومال عليها وقبّل جبينها بخفة مرددًا: "أنا بس بخلي ال حوليا يعرفوا حدودهم. هي كانت شايفه نفسها عليا وأنا اتصرفت وخلاص. خلينا نقفل الموضوع دا ومركز في المهمة."

أنهى كريم كلماته ثم سحب الغطاء على جسدهما وانطفأ الضوء. -وبعد فترة، في بيت الصعيدي، داخل غرفة صخر ليلاً. ساد الصمت الغرفة إلا من صوت بكاء قدر المكتوم. كانت تجلس على طرف السرير تضم ركبتيها إلى صدرها وقد التصقت عيناها بالأرضية الخشبية كأنها تستجدي منها مهربًا. وفجأة، ارتفع صوت صخر كالصاعقة مرددًا بغضب: "كفاية بجا… كفاية نكد.. هو اي انتي مش بتتعبي من العياط."

استدارت قدر إليه ببطء وارتجفت من نبرته الغاضبة. لكنه لم يتوقف بل تقدم نحوها وهو يلوح بذراعه وهتف: "انتي لسه بتعيطي؟ بتعيطي على واحد هرب وسابك؟ على كلب؟! دا ميستاهلش حتى تفتكري اسمه. رايحه تختاري كلب وجايه دلوجتي تعيطي ليه.. أنا مش عايز عياط.. كفايه بجا صدعتيني.. انتي جاعده تعيطي علي تفاهه وأنا حياتي باظت بسببك… انتي عارفة أنا سيبت إي علشانك؟

سيبت شغلي، وط حياتي وشركتي ومصنعي وكل اللي ليا هناك… وجيت أتجوزك علشان تصرفاتك السخيفة وقراراتك الغلط! علشان غلطة انتي عملتيها… غلطة اسمها “كريم” ال معرفش جبتيه من اي صندوج زباله. ويوم ما أنزل الصعيد أنزل علشان واحدة زيك؟ واحدة ضعيفة… بس اصلا بكرهك طول عمري." رفعت قدر رأسها أخيرا وعيناها دامعتان. صوتها خرج هامسًا لكنه مشبع بالخوف:

"أنا مش ضعيفة … بس أنا بخاف منك… بخاف من طريجتك، من عصبيتك. سيبني في حالي انا مش عايزاك.. مش عايزة اتجوزك.. أنا عايزة أروح أدور علي كريم… يمكن كان ليه سبب." وقف صخر فجأة وكأنها صفعت كبرياءه، وصاح بحدة:

"أوعي… أوعي تجيبي اسمه تاني… الكلب دا مش عايز اسمه يتجال تاني علي لسانك بدل جسما بالله العظيم هجطلعلك لسانك من مكانه. وعلي فكره أنا هلاجيه… وهجتله… بإيدي بأيدي دي. وبعدها هطلجك وارجع لحياتي تاني ولأمي واصحابي. أنا مش هسمح ان حياتي تدمر بسبب واحده تافهه زيك. ياريت جدي كان جتلك وخلصنا منك." ألقى صخر كلماته وذهب صافعًا الباب خلفه.

-وفي يوم جديد، وعلى شاطئ الإسكندرية الممتد. نسائم البحر تداعب وجوه العابرين. إلا أن الغضب كان له رأي آخر في قلب ميّار ابنة خالة صخر. التي كانت واقفة بجانب خالتها أم صخر في شرفة منزل واسع يطل على البحر. عيناها تغليان بالدموع والغضب وهي تمسح وجهها بعنف تهتف بصوت مرتعش: "يعني اتجوز اكده بكل بساطة؟ وأنا آخر من يعلم؟! دا هو ازاي يعمل اكده من غير ما حتى يرجعلي؟ مددت خالته يدها تمسك بكفها برفق محاولة تهدئتها مردفة:

"يا بنتي دي ظروف طارئة… الموضوع مش سهل ولا بسيط صدجيني. صخر مجبور و…" قاطعتها ميار بانفعال شديد: "مجبور؟! دا حتى لو مجبور كان جالي. وبعدين من امتي وصخر الصعيدي بيتجبر علي حاجه يا خالتي.. دا واعدني واعدني يا خالتي! وأنا صدقته." تنهدت تهاني أم صخر بحزن ومسحت على كتفها مرددة:

"أنا عارفة إنه غلط… بس هو اتصرف حسب الموقف… وأهو لما يرجع هنقعد ونفهم كل حاجة سوا. وبعدين متنسيش ان دول أهل ابوه يا ميار والمفروض يعمل واجبه ليهم يا بنتي." شهقت ميار بقهر ودموعها تنهال على خديها وهي تصرخ: "لع مش هستنى يرجع. أنا رايحةاله الصعيد… رايحة وأعرف منه بنفسي كل حاجة ومش هسكت.. مش هسكت يا خالتي كفايه بجا اكدها."

اقتربت تهاني منها أكثر تحاول تهدئتها مجددا. ولكن فجأة توقفت ميار عن البكاء، وحدقت في خالتها بعينين مشتعلتين وصوتها خرج مزلزلاً وهي تصرخ: "يا خالتي إنتي ناسيه إني مرته." -وفي المساء، عند يمني التي دخلت الي الغرفة لتطمئن على قدر. ولكنها انصدمت عندما وجدتها ملقاة على الأرض مغشيا عليها. فصرخت بفزع وهرعت إليها محاوله إيقاظها. وبعد لحظات دخل الطبيب مسرعا وبدأ في فحصها. بينما كان الجد يراقب بقلق مرددا:

"ها يا حكيم… طمني بالله عليك. البنت كويسه.. اي ال حوصلها فجأه اكده." ابتسم الطبيب وانتهي من الفحص مرددا: "متخافش اكده يا حج خليل. الف مبروك هي حامل."

-وفي مكان مظلم يشبه المخازن القديمة. كان الجو خانقا وحجم المكان ضيقا. أضاءته خافتة فقط من ضوء شاحب ينبعث من نوافذ صغيرة مغلقة. وكان كريم جالسا على الأرض مربوطا بإحكام على أحد الأعمدة الحديدية. وجهه مغطى بالكدمات والجروح التي تنزف بلون داكن. كان يرتجف من الألم، إلا أنه لم يتوقف عن محاولة التنفس بصعوبة. وصخر يقف امامه يتفحصه بعيون تمتلئ بالغضب ممسكًا بسلاحه بيد ثابتة وكأنما الهواء نفسه قد توقف أمامه وهتف بغضب:

"لسه متخلقش ال يضحك على حد من عيلة الصعيدي ويفضل عايش." أنهى صخر كلماته ورفع سلاحه نحو كريم الذي بدأ في توجيه نظراته الضعيفة نحو السلاح. وقبل أن يترك له أي فرصة للتنفس أو حتى للتفكير، أطلق صخر عدت طلقات في جسده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...