الفصل 4 | من 11 فصل

رواية ابن الصعيدي الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
30
كلمة
2,259
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

وصل صخر إلى المكان الذي دله عليه قلبه. لم يتوقف حتى لمح الحفرة المفتوحة وتجمد للحظة ثم ركض بجنون ورائها ملقاة داخلها فاقدة للوعي. فردد بصراخ: "قدر! ألقى صخر كلماته هو يقفز داخل الحفرة يحتضنها ويخرجها. جلس على الأرض وضمها إليه بقلب منهار، يربت على وجهها محاولا إفاقتها بانهيار: "اصحي يا قدر… بالله عليكي كلميني… يلا قومي قدر… قومي." تحركت جفونها ببطء ثم فتحت عينيها بصعوبة وهمست:

"صخر.. جدي… هو الـ دفني اهنيه.. دفني وانا عايشه.. جدو دفني والله وحط التراب علي." نظر إليها صخر بدهشة وردد: "بس الحفرة كانت مفتوحة… دفنك ازاي؟ الحفرة كانت مفتوحة.. مين فتحها؟ ولو حد فتحها ليه مخرجكيش منها؟ هزت صخر رأسها بضعف ورددت ببكاء:

"معرفش… فوقت لاقيت نفسي اهنيه … مش فاكرة حاجة.. بالله عليك خرجني ابوس يدك…. أنا مغلطتش مع كريم… والله ما غلطت… هو الـ اغتصبني… عمل أكده غصب عني جسماً بالله يا صخر.. طلعني ابوس يدك.. طلعني من اهنيه." تجمد صخر وحدق في عينيها بصدمة ولم ينطق. فقط احتضنها من جديد ثم حملها بين ذراعيه مرددا: "هطلعك متخافيش.. اهدي ويلا." ألقى صخر كلماته وحملها وذهب. ***

وفي مكان آخر، وفي أروقة المستشفى، كان آدم يسير ذهابا وإيابا كمن فقد رشده. عيناه معلقتان بباب غرفة العمليات. وكلما سمع صوت أقدام هرع ناحية الباب لكن دون جدوى. حتى اقتربت منه والدته بخطى مرتجفة ووضعت يدها على كتفه وهمست: "اهدّي يا ابني… كل شيء بإيد ربنا.. هتبقى كويسة والله.. أنا مش عارفة أي الـ حصل ومين يتجرأ يعمل أكده.. لا حول ولا قوة إلا بالله… اهدّي يا آدم." هز آدم رأسه بعنف ورد بعينين دامعتين:

"دي كانت بتكلمني عادي. والله كانت واقفة عادي وبنتكلم مع الحارس…. أهل صخر! هما السبب… أكيد هما… هما الـ عملوا أكده فيها يا ماما هما السبب." تنهدت نوال بضيق ورددت: "لأ متقولش أكده… صخر مش أكده ولا أهله.. انت ناسي إن عمته كانت متجوزة أخوي الله يرحمه وهما بيحبوهم والله عيب نظلم الناس من غير دليل يا آدم يا ابني.. حرام عليك." صرخ آدم بغضب مرددا:

"جسمًا بالله لو ليلى جرالها حاجة… والله ما هرحم حد مهما كان. ميت وهقتل الكل.. مفيش حد ممكن يعمل أكده غيرهم يا ماما.. هما الـ عايزين يقهروني ويكسروا قلبي." كادت الأم ترد لكن باب العمليات فتح فجأة وخرج الطبيب منهك الملامح. فركض آدم ناحيته وأمسك بذراعه مرددا: "يا حكيم … طمني عليها؟! حالتها إيه هي كويسة صح؟ خفض الطبيب عينيه وتنهد بأسى: "أنا آسف… عملنا كل الـ نقدر عليه… النزيف كان جامد . ومقدرناش ننقذها."

نظر آدم بذهول كأنما سقط الكون فوق رأسه وجثا على ركبتيه، ثم صرخ بقوة: "ليلى… لأ… ليلى عايشة." اندفع آدم للداخل وهو يدفع الممرضين بعيدا حتى اقترب من الجسد المسجى على السرير. أمسك بيدها الباردة، وصرخ بانهيار: "قومي.. قومي يا ليلى! متموتيش… بالله عليكي متسبينيش أكده… ليلى." بدأ آدم يهز جسدها بضعف، وقلبه يتمزق، حتى خارت قواه فجأة وسقط مغشيا عليه إلى جوارها. ***

وبعد فترة، عند صخر كان يقف أمام العائلة وقدر تختبأ خلفه مردداً: "دي مرتي أنا … محدش هيلمسها تاني… أنا بحذر الكل.. انتوا تقتلوها بتاع إيه؟ لأ ومش بس أكده… بتدفنها حية يا جدي.. للدرجادي مفيش قلب؟ تراجع البعض وتقدم الجد بخطاه المتوترة، يضرب بعصاه الأرض بقوة، وأردف بصوته الخشن:

"الـ جابها اهنيه تاني بعد الـ حصل، يبطّي ميعرفش الأخلاق ولا الشرف والنخوة… هو دا الـ أنا جايبك مخصوص علشانه.. علشان تدافع عنها جليل التربية عديمة الشرف." رفع صخر رأسه ونظر إليه دون خوف وهتف: "أنا جبت مرتي بيتي وجسماً بالله الـ هيقرب منها تاني لهقتله مهما كان مين عاد.. جدي أنا بحبك وبحترمك بلاش تعمل فينا أكده." بدت الصدمة على الوجوه وتقدم الجد أكثر وهو يصرخ: "انت بتتحداني يا صخر… بتجولي أنا الكلام دا.. عايز تقتلني؟

ردّ صخر بصوت ثابت ونبراته تتحداه مرددا: "أنا بتحدى الظلم الـ بتعمله مش بتحدّاك انت يا جدي… بتحدى الـ بيدوس على الضعيف باسم الرجولة.. وقدر من النهارده تحت جناحي أنا.. ومحدش ليه كلمة عليها غيري.. أنا المسؤول عنها.. أنا بس الـ جوزها."

كانت قدر تقف خلفه تمسك بطرف قميصه وتنظُر أرضاً بصمت، لكن جسدها المرتعش فضح خوفها. وفجأة توقف الزمن للحظة حين سمع صوت سيارة تقف أمام الدار والتفت الجميع، لترى امرأة تنزل بخطى مسرعة ترفع طرف عباءتها، وقد علت وجهها ابتسامة ممزوجة بالشوق. وما إن وقع بصرها على صخر حتى ركضت إليه ورددت بلهفة وهي تحتضنه:

"واحشتني يا صخر… واحشتني جوي.. ازيكم يا جماعة عاملين إيه عاد.. مش عارفة انتوا فاكريني ولا لأ.. بس أنا أبقى ميار بنت خالة صخر ومرته." ساد الصمت الدهشة جمدت ملامح الجميع عدا الجد الذي ظلّ ساكناً، كأنما كان يعلم. فسحبت قدر يدها من يد صخر ببطء، والدم انسحب من وجهها. وقفت أم صخر على مقربة تنظر إليه بشيء من العتاب حتى هتفت: "هتيجي معانا إمتى؟ احنا جايين علشان نشوف آخرتها وإيه الـ حصل." هز صخر رأسه وتحدث بصوت

خافت وهو ينظر ناحية قدر: "مش وقته الكلام ده يا حاجة… انتوا أكيد تعبانين من السفر.. تعالوا ارتاحوا." ألقى صخر كلماته لكن قدر لم تنتظر وركضت نحو السلالم تسبق دموعها وتدفع الباب خلفها وتغلقه. حتى صعد صخر خلفها. وما إن دخل إلى الغرفة قاطعته وهي تبكي بحرقة:

"متجولش حاجة.. أنا والله مطلعتش أكده عشان مثلاً زعلت أو حاجة من دي.. طبيعي تحب وتتجوز.. دي حياتك وميار مراتك… هي أصلاً كانت بتحبك وانتوا صغيرين.. أنا بس اتوترت فجأة ومش عارفة أي الـ ممكن يحصل دلوقتي.. انت هتسيبني صح.. بالله عليك يا صخر.. بلاش تسيبني الأيام دي بس. أنا هنزل الـ في بطني وأمشي أشوفلي أي مكان بعيد بس متسبنيش دلوقتي." ولم تنهِ قدر كلماتها حتى اقترب منها صخر واحتضنها فجأة مردداً:

"اهدّي… اهدّي وبطلي عياط.. أنا مش هسيبك.. مين قال إن هسيبك؟ وأنا والله ما أعرف إنكم مش عارفين عن جوازي عشان جدي عارف وحضر كل حاجة.. أنا أو كنا نعرف كنت هقولك قبل ما نكتب الكتاب عشان أنا مش بحب أخدع حد.. أنا مش هسيبك اهدّي ومتنزليش حاجة.. دا ابنك حرام تنزليه." انهارت قدر بين ذراعيه وهي تبكي بحرقة مرددة:

"والله غصب عني… جسماً بالله غصب عني يا صخر… أنا كنت بكرهه… بكرهه من ساعة ما عمل فيا أكده… بس كنت مضطرة… مضطرة أتجوزه… وأتحايل عليه يفضل معايا… عشان ميسبنيش… كنت لوحدي… خايفة ومكسورة… ومكنش ينفع أقول لحد … بس طلع غدار وواطي." شدها صخر إلى صدره أكثر وكأنما يريد أن يمحو كل ذلك الألم من روحها ثم همس في أذنها بصوت متهدج:

"كفاية بجا… كفاية… أنا أهيه دلوقتي، ومش هسيبك… وكل الـ فات مش ذنبك.. خلاص أنا معاكي والله ما هسمح لحد يعمل فيكي حاجة تانية وال اسمه كريم دا اعتبريه كلب وراح.. اوعي تفكري فيه تاني." انكمشت قدر أكثر بين ذراعيه وكأنها وجدت أخيرًا ملاذها وراحت تبكي بصمت طويل يخرج كل ما خبأته في قلبها لسنوات. ***

وفي المساء، في غرفة ميار كان صخر واقفًا بجانب الشباك عاري الصدر، وعيناه مثبتتان على الظلام الذي يملأ الأفق. كان يحدق في الفراغ حتى اقتربت منه ميار بخفة وهي ترتدي قميص نوم بسيط وشعرها المتناثر أضاف إلى ملامحها هالة من التوتر والاشتياق. توقفت بالقرب منه، وعندما لاحظها، التفت إليها. فمدت يديها وأحاطته بذراعيها برقة واردفت: "واحشتني جوي… أكده أهون عليك كل الفترة دي تسيبني لوحدي؟

لم يبعد صخر يديها بل ظل هادئًا، وهو يحاول السيطرة على نفسه. همس بصوت عميق: "وأنتي كمان. واحشتيني جوي .. كنت بحس بوجودك دايما معايا وكنت مفتقدك جوي معايا يا ميار حمد لله على سلامتك." ابتسمت ميار واقتربت منه وأخذت نفسًا عميقًا ولامست وجهه مرددة: "بجد… اومال مكنتش بترد عليا ليه.. أنا افتكرتك نسيتني والله." هز صخر رأسه بلطف لكنه تجنب النظر إليها بشكل كامل. رد بصوت منخفض:

"أنا آسف.. بس والله أهيه المشاكل كتيرة جوي وأنا مكنتش فاضي .. معلش متزعليش مني." ميار بضيق: "صخر هو انت فيه حاجة بينك وبين قدر.. أنا بتحبها يعني ولا إيه عاد.. بالله عليك فهمني." تنهد صخر بضيق وردد بحده: "متخافيش يا ميار. قدر بنت عمي وبس وكان لازم أتجوزها عشان الـ حصل.. أنا مفيش بيني وبينها أي حاجة."

ابتسمت ميار برقة ثم اقتربت منه وتبادلوا القبلات. ولكن فجأة دون سابق إنذار، سمعوا صوت صراخ مدوٍ من الخارج، تلاه صوت طلقات نارية متتابعة. فجذب صخر ميار إليه بسرعة، وحاول أن يحميها من أي خطر قد يحيط بهما. كان قلبه لا يزال في حالة من الاضطراب.

نزل صخر بسرعة من الغرفة بعد أن سمع الصوت المدوي والطلقات النارية المتتابعة وقلبه في حالة من الاضطراب وعيناه تتابعان كل حركة حوله في الظلام. اقترب من مصدر الصوت وفجأة توقفت خطواته عندما رأى آدم يقف هناك وعيونه مليئة بالغضب والألم. فصدم صخر عندما رأى آدم هكذا وركض نحوه بسرعة وسأله: "إنت كويس؟ إيه الـ حصل.. إيه الحالة الـ انت فيها دي عاد.. مالك في إيه وليه بتعمل أكده؟ نظر آدم إليه بغضب وصرخ بانهيار:

"بجد والله.. انت مش عارف في إيه. . أنت خاين.. انت قتلت ليلى… مراتي ماتت بسببك.. انت الـ قتلتها.. قتلت ليلى وخدتها مني." تجمد صخر في مكانه، وكأن قلبه توقف عن الخفقان للحظة، ثم همس بصوت خافت: "إيه؟ ليلى ماتت؟ رد آدم بصوت متألم: "آه ماتت… ماتت وانت الـ قتلتها.. ومتعملش فيها البريء بجا عشان أنا متأكد.. انت قتلت مراتي." حاول صخر استيعاب ما يقوله آدم، ثم صرخ في وجهه محاولاً تهدئة الوضع: "انت مجنون! مش ممكن أكون عملت أكده!

أنا والله ما عملت حاجة.. جسماً بالله ما عملت حاجة.. أنا أغلى من أخوي… مستحيل أعمل فيك أكده." لكن آدم لم يصدق وصرخ في وجهه: –أنت مش كداب وخاين…. بطل كدب.. كفاية أنا عملتلك إيه.. دا أنا لآخر لحظة كنت بحاول أشوف أخبارك وأسأل عنك.. ليه أكده… ليه قتلت مراتي ليه." شعر صخر بالعجز والصدمة فاقترب من آدم وحاول أن يثبت له براءته وردد بصوت منخفض، وهو ينظر في عينيه:

"لو مش مصدقني… اقتلني. لو كنت أنا السبب فعلاً زي ما بتقول اقتلني دلوقتي يلا وأنا مش همنعك ولا هخلي حد يمنعك." ألقى صخر كلماته ثم اقترب منه أكثر وعانقه بحزم في محاولة للتهدئة، لكن فجأة، وبدون أي تحذير أطلق آدم عدة رصاصات في صخر وهو لا يزال بين ذراعيه. *** يتبع…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...