الفصل 5 | من 11 فصل

رواية ابن الصعيدي الفصل الخامس 5 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
29
كلمة
2,325
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

انطلقت الرصاصة قرب قدم صخر وارتجف الجميع. صمت الهواء لوهلة وكأن الزمن توقف. ثم تعالى صوت آدم، غاضباً ثائراً، وهتف: "قسماً بالله العظيم لو اكتشفت إن في واحد فيكم ليه يد في موت ليلى… هجتلكم كلكم واحد ورا التاني… ومش هيهمني حد… والله هجتلكم." أنهى آدم كلامه واندفع نحو سيارته، فتح الباب بعنف ثم أغلقه بقوة. انطلقت السيارة كالسهم، مثيرة خلفها دوامات من الغبار. ركض صخر خلفه وصاح بلهفة: "آدم! استنى… اسمعني بس."

ألقى صخر كلماته واستقل سيارته وذهب بسرعة. في مكان آخر، كان الدم يسيل من ذراع كريم. التصق قميصه بجرحه، لكنه ظل واقفاً يتحدى الألم بعينين يشتعلان غضباً. أمامه وقفت رجوة بثوب أسود فضفاض وعينين لا تعرف الرحمة، تسند ذراعيها على خاصرتها وتنظر إليه باحتقار واضح. رددت بحده: "ده مكنش اتفاجئنا يا كريم. إنت اتسرعت. هو أنا ما جلتلك تستنى؟ إيه اللي خلاك تعمل أكده؟ زفر كريم بعنف وصوته خرج مبحوحاً من شدة الألم:

"هو ضربني… كان هيجتلني يا رجوة. إنتي كان لازم تجوليلي وتعرفيني إن كل دا هيحصل… وبعدين جواز إيه عاد؟ أنا إيه اللي هيحليني أتحوز واحدة غلطت معاها؟ أنا مش عايزها أصلاً. وإنتي اللي دخلتيني في كل دا. مليش صالح أنا بجا… أنا مش مجبور أسمع الكلام وأربط حياتي كلها معاه." تنهدت رجوة بغضب ورددت:

"كان لازم تبعد نهائي زي ما جلتلك. دلوجتي خليت صخر يشك أكتر وهيدور عليك تامي وتالت. وأنا كل اللي يهمني دلوجتي إن صخر وآدم ميتجمعوش مع بعض لو اتفاجئوا… هتبجي مصيبة علينا كلنا. أنا ما صدجت بعدتهم كول السنين دي. مش لعد دا كله بسبب عيل زيك؟ عيل زيك هيبزظلي كل خططي. أنا ليا تار ولازم أخده بطريجه، حتي لو وصلت إني أقتل نفسي عشان التار دا يتاخد." تقدم كريم خطوة منها والغضب يتفجر في صوته:

"وأنا كمان ليا تار… ليا دم عند العيلة دي! عند صخر اللي حط السلاح في راسي، وكان هيريح نفسه مني في لحظة واحدة أكده… وأنا مش هسكت مش هعديه." نظرت إليه رجوة بضيق ثم ردت ببرود: "هساعدك بس لو غلطت تاني مليش علاقة وهسيبه يخلص عليك بإيده… صخر أصلاً مش هيسيبك، خصوصاً لو قدر جالتله كل حاجة واعترفتله بال عملته فيها." تجمد كريم وعيناه تتسعان بصدمة مردفاً: "جالتله؟ أكيد لأ يعني… هي إزاي هتجوله حاجة زي ديه؟

هزت رجوة رأسها بقوة وهتفت: "أكيد جالتله إن اللي حصل بينكم كان غصب عنها… وإنك غدرت بيها. صخر عمره ما هيسيب حد أذى مرته. بس أنا هجولك توصلها إزاي وأخليها كمان تيجيلك لحد عندك… بس اسمع الكلام وكفاية تهور بجا عشان أنا مش هسيب حالي وأجعد أفكر فيك وفي حواراتك. الحكاية مش ناقصاك أصلاً. هتعمل اللي هجولك عليه بالحرف… يا والله العظيم أنا اللي هجتلك."

ألقت رجوة كلامها ثم استدارت وتركت المكان، بينما ظل كريم واقفاً وحده، يئن من الألم، وشرر الغدر يشتعل في قلبه. وفي صباحٍ جديد، كانت أشعة الشمس تتسلل إلى غرفة صخر، ناشرة ضوءاً خافتاً فوق وجوه أنهكها السهر والتفكير. جلست قدر على طرف الفراش تراقب ملامحه بصمت، تستجمع شجاعتها لتسأله عما يشغلها منذ الأمس. مردفة: "هو آدم… عامل إيه دلوجتي؟ اتكلمت معاه؟ زفر صخر ببطء ومرر يده فوق جبينه المتعب، ثم أجاب بنبرة منخفضة:

"لأ… متكلمتش معاه لسه… بس كلمت الحجة، كانت خايفة عليه جوي وجالتلي إن أعصابه بايظة ومش بيرد على حد… بس هحاول أتكلم معاه تاني." صمتت قدر قليلاً ثم اقتربت منه أكثر، تنظر إليه بعينين مشوشتين: "هو في إيه بينكم؟ … إنتو كنتوا أكتر من إخوات يا صخر… إيه اللي حصل يخليكم تبجوا أكده؟ سكت صخر وحدّق في الأرض لثوانٍ، ثم رفع عينيه إليها وقال: "مش مهم دلوجتي… اللي حصل حصل بجا. هلينا في المهم. كريم… لسه عايش؟

اتسعت عيناها من الذهول وتجمدت ملامحها قبل أن تتفجر دموعها فجأة، مرددة: "عـــايش؟! إزاي… هو هيجي صح؟ أنا متأكدة إنه مش هيسيبني… لو عرف إني حامل هتبجي مصيبة. هعمل إيه دلوجتي؟ هيجول لكل الناس اللي حصل. وجدي هيجتلني… هو أصلاً هيجتلني من غير حاجة." مد صخر يده بهدوء ومسح دموعها بأنامله، وهو يهمس:

"متخافيش… خدي بالك من نفسك ومتخرجيش لوحدك أبدًا… أنا مش هسيبه يقربلك. بس انتي كمان خليكي قوية. واصلاً الحج لازم يعرف كل اللي حصل عشان هو مش هيسيبلك. هيجتلك وأنا متأكد… لازم نعرفه كل اللي حصل وإن كل دا غصب عنك ولا انتي عايزة يبجي شكلك جدام الناس إنك بنت مش كويسة وإنك اتنازلتي عن شرفك وجيبتي للعيلة العار… لازم الكل يعرف اللي حصل بالظبط." نظرت قدر إليه بعينين ممتلئتين بالندم ورددت:

"أنا آسفة… آسفة على كل حاجة حصلت واسفة إني خبيت وإني سكت… بس كنت خايفة والله.. سامحني باللع عليك.. أنا دمرتلك حياتك كلها." صمت صخر لكن عيناه كانتا تنطقان بالكثير. فرفعت قدر يدها لتلمس يده ورأت الجرح الغائر في كتفه، حتى لامست الجرح برفق وهي تمرر أصابعها عليه بلطف، وكأنها تحاول أن تزيح عنه الألم. ثم نظرت إليه واقتربت أكثر، واحتضنته دون كلمة.

وفي اللحظة التي خيل لهما أن العالم اختفى، انفتح باب الغرفة بعنف. وقف الزمن لثانية حين ظهرت ميار عند العتبة. كانت واقفة في صمت وثوبها المنزلي يتمايل وعيناها مليئتان بالغضب والصدمة. مرددة: "أنا جيت في وقت مش مناسب… ولا إيه؟ ابتعدت قدر بتوتر وهي تحاول الهروب من نظراتها. فاقتربت ميار من صخر وهتفت بدموع: "أنا كنت جاية أقولك إن جدك عايزك… بعد إذنك."

ألقت ميار كلماتها وذهبت. فلحقها صخر بخطوات سريعة وفتح باب الغرفة ثم أغلقه خلفه بهدوء مضطرب. اقترب منها ومد يده يمسك بيدها المرتجفة، مردداً بصوت خافت: "استني بس… اسمعيني. أنا مكنتش أقصد ال شوفتيه. الموضوع مش زي ما باين والله." نظرت إليه ميار بدموعٍ متجمعة في عينيها وهمست بدموع:

"جولي الصراحة يا صخر… أنا تعبت… جولي إنك بتحبها… إنك مش قادر تعيش من غيرها… وإنك مكمل معايا بس عشان أنا بنت خالتك ومليش حد… أنا عارفة من زمان… بس كنت ساكتة… كنت بحاول أضحك وأصبر عشانك… عشانك بس.. أنا عارفة إنك مش بتحبني أصلاً." اقترب صخر منها أكثر ورفع يده يلامس وجهها برقة ويمسح دموعها بإبهامه وهمس بحزن:

"بلاش تجولي أكده يا ميار… إنتي متعرفيش إنتي غالية عندي قد إيه والله…. والله لو تعرفي مكنتيش جولتي الكلام ده أبداً…" هزت ميار رأسها بيأس، ودموعها تزداد انهماراً ورددت: "أنا بحبك… بحبك بجنون… ومستعدة أعمل أي حاجة عشانك… حتى لو بتحب قدر… حتى لو جلبك مش معايا… أنا ممكن أنسحب… أبعد بس أشوفك مبسوط. ده كل اللي يهمني يا صخر والله هو سعادتك." وبسلم يتحمل صخر أكثر من ذلك، فاحتضنها بقوة وكأنه يخشى أن تضيع منه، وهمس فوق رأسها:

"متجوليش أكده… بالله عليكي متجوليش كده… أنا مجدرش أعيش من غيرك يا ميار… إنتي روحي، ومهما حصل… مفيش حاجة هتبعدني عنك.. إنتي هتفضلي مرتي لآخر نفس في عمري.. طلعي بجا الكلام دا من دماغك خالص وبلاش تفكري فيها." احتضنته ميار أكثر وكأنها تتشبث بالحياة، وقد انكسر كل ما كانت تخفيه من كبرياء وصبر.

وفي المساء، اجتمع الجميع في القاعة الواسعة، يجلسون أمام الجد الذي اتكأ على عصاه الخشبية، يحيط به صمت ثقيل كالغبار. صخر وقف بجانبه، بينما جلست قدر في ركن بعيد، تتجنب نظرات الجميع. وداخل صدرها قلق لا تهدأ له أنفاس. رفع الجد صوته الجهوري قاطعاً الصمت: "أنا قررت من دلوجتي… كل الورث والأرض والفلوس هتبجي باسم صخر… هو بس اللي ليه عندي. واللي مش عاجبه يشرب من البحر." انكمش وجه العمة ثم انتفضت واقفة تصرخ بعينين تقدحان شرراً:

"ورثك؟! وصخر؟! طيب وورث قدر يا أبوي؟ دي حفيدتك ليها حق زيها زي صخر." التفت الجد إليها ببطء وردد بحده: "قدر؟ مين قدر دي؟ أنا معرفهاش… وجريب أوي هنعمل عزاها." سرت رجفة في جسد قدر وابتلع المكان كل الأصوات دفعة واحدة. ثم بدأت تهم بالوقوف، وخطواتها مضطربة تحاول الوصول إلى غرفتها قبل أن تنهار دموعها أمامهم. لكن يداً قوية أمسكت بمعصمها، كان صخر. الذي حدّق في جده بعينين مشتعلتين واردف بصوت غليظ:

"لو في دماغك لسه تأذيها، يبجى أنا اللي هاخدها وأمشي من أهنه يا جدي." ولم ينهِ صخر كلامه حتى صاحت أمه وقد نهضت من مكانها غاضبة: "تاخد مين يا صخر؟! مين جالك إني أصلاً موافقة عليها؟! دي بنت سلمت نفسها لواحد مايتأمنش وعايزها تبجي مرتي…. لأ أنا مش موافقة ودي مش مننا ولا لينا." ضرب صخر بقبضته على الطاولة، فاهتزت الأكواب وصرخ بغضب:

"هي مسلمتش نفسها لحد… كريم هو اللي عمل كده غصب عنها بالعافية يا حاجة، بالعافية… كفاية بجا… كفاية اتهامات على الفاضي. الكلب دا هرب من الفرح بعد اللي عمله عشان عارف إنه مكنش حد هيصدجها." ساد صمت مهول وكأن الهواء اختفى من القاعة. ونظرات الذهول اتجهت إلى قدر التي كانت ترتجف في مكانها. حتى ميار فتحت فمها دون أن تنبس بكلمة. أما الجد ظل صامتاً يراقب بعينين جامدتين، حتى ردد أخيراً بنبرة جافة:

"لو مكنتش موافقة، مكنش قدر يعمل اللي عمله… أنا فاكر أكده إنك هتطلعها بريئة." لم تحتمل قدر أكثر، وأفلتت يدها من صخر وركضت نحو السلم والدموع تتساقط على وجهها وهي تصعد إلى غرفتها. حتى جاءها اتصال هاتفي فأجابت بصدمة: "نعم.. إنت فين… أنا جايه.. نص ساعة وهكون عندك. أوعى تروح في أي مكان."

ألقت قدر كلماتها بغضب. وبعد فترة قد تجاوز الوقت منتصف الليل، والهدوء الثقيل يخيّم على المكان شبه الصحراوي، وقفت قدر وحدها وسط العراء والريح تعبث بطرف فستانها، بينما كانت عيناها تراقبان الطريق الخالي في قلق. لم تكن متأكدة مما تفعله. وفي لحظة خاطفة، قطع الصمت صوت مألوف. كان صوت خطوات سريعة تقترب مرددة: "إنتي إيه اللي جابك أهنه؟ استدارت قدر بسرعة، لتجد ميار تقف خلفها، وأنفاسها متلاحقة وعيناها مليئتين بالغضب والقلق.

"إنتي عرفتي أنا فين إزاي؟ سألت قدر وهي تتراجع خطوة إلى الوراء. فرددت ميار بغضبها: "عرفت منك.. مشيت وراكي… جيتي لوحدك عشان تشوفي كريم؟ صوخ! مش صخر جالك متخرجيش لوحدك؟ إزاي تيجي أهنه… ليه معرفنيش صخر؟ رفعت ميار صوتها بغضب، بينما كانت عيناها تجولان المكان بحثاً عن أي خطر محتمل. لكن قبل أن تتفوه إحداهن بكلمة أخرى، لاح في الأفق نور قوي لعربة مسرعة. فشهقت ميار، ثم صرخت: "قدررر!! ابعدي!

اندفعت ميار بجسدها نحو قدر ودفعتها بعيداً بكل ما أوتيت من قوة. وفي اللحظة التالية، ارتطم جسد ميار بمقدمة العربة المسرعة وسقطت أرضاً والدماء تنزف منها بغزارة، تغمر الرمال تحتها بلون الألم. فوقفت قدر مذهولة تحدق بجسد ميار المسجى أمامها، والهواء من حولها صار أثقل من أن يُتنفس. وفجأة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...