الفصل 8 | من 11 فصل

رواية ابن الصعيدي الفصل الثامن 8 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
22
كلمة
2,449
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

الأضواء الشاحبة تنعكس على زجاج السيارة وصوت المحرك يعلو في سكون الليل. صخر يقود بسرعة بجوار المستشفى، يتأرجح بين القلق والغضب. حتى لمح طيفًا مألوفًا يقف عند السور. فضغط على المكابح بقوة وانحرف بسيارته إلى جانب الطريق. ثم ترجل منها بخطوات مسرعة واقترب من قدر التي كانت تسير ببطء وهي تبكي بحرقة. وردد بعصبية: "إزاي خرجتي من غير ما نشوفك؟ وإيه الورقة اللي كتبتيها دي؟ أنا كنت فاكر إن كريم خطفك. حرام عليكي، ليه أكده؟

هو انتي ليه دايما عايزة تحرقي قلبي؟ رفعت قدر نظرها إليه والدموع تتلألأ في عينيها، وصوتها يخرج متهدجًا من بين شفتيها المرتجفتين: "أنا السبب… أنا اللي قتلت ميار… عشان كده ابني مات…. أنا أستاهل كل اللي بيحصلي.. لازم أخلصكم مني ومن شري.. محدش بيحبني.. لا أهلي ولا جدي ولا مامتك ولا حتى انت.. الكل بيكرهني وانتوا معاكم حق تكرهوني… سيبني بالله عليك أمشي واختفي من حياتكم كلها."

تنهد صخر بضيق وظل واقفًا أمامها يتأمل ملامحها الشاحبة ونظراتها المكسورة. لم يتحدث، لكن عينيه أفصحت عن قلق دفين كان يحاول كتمانه. حتى اقترب منها بحذر ثم ردد بصوت منخفض: "انتي تعبانة، لازم ترجعي المستشفى.. مينفعش اللي بتعمليه ده. أنا مش ناقص، كفاية اللي أنا فيه." نظرت قدر إليه بدموع واستندت على الحائط وهتفت: "سيبني… بلاش. أنا تعبت خلاص.. سيبني بقى بالله عليك."

ألقت قدر كلماتها وجاءت لتذهب، ولكن لم يمهلها صخر فرصة للذهاب. مد يده إليها بهدوء ثم حملها بين ذراعيه كما لو أنها باتت قطعة من روحه لا تحتمل السقوط. ووضعها في المقعد المجاور وأغلق الباب. ثم استدار إلى مقعد القيادة وأدار المحرك من جديد وانطلقت السيارة بسرعة.

بعد فترة، عند آدم، كان الليل قد ثقل ستاره على البيت الكبير. لا صوت يُسمع سوى أنفاس السكون الثقيلة. فتجولت يمنى بين أرجاء المكان تبحث عن طيفٍ أنثوي. ونادت وهي تمرر يدها على حواف الأبواب الخشبية القديمة: "يا حجة… يا حجة حضرتك فين؟ مفيش حد هنا ولا إيه؟ اتجهت يمنى نحو الصالة وهناك رأت آدم واقفًا عند النافذة، جسده مائل قليلاً وفي يده كأس يلمع تحت الضوء الأصفر الخافت. فاقتربت منه خطوة بخطوة حتى وقفت على

بعد متر واحد ورددت بقلق: "هو إيه اللي في إيدك ده…. انت بتشرب ولا إيه؟ استدار آدم نحوها ببطء وابتسامة باهتة ترتسم على وجهه. وعلق دون أن ينظر في عينيها: "أمي سافرت عند أهل ليلى الله يرحمها … بيقولوا أمها تعبانة شوية. فراحت عشان تشوفها وتبجي جنبها." قطبت يمنى حاجبيها تنظر إليه بنظرة لا تخلو من خيبة أمل وهتفت: "وسايب البيت فاضي وتشرب فيه كأنك لوحدك؟ ده اسمه تصرف راجل.. انت فاكر إن كده هتنسى؟ عمر الحرام ما بينسي حاجة."

ضحك آدم بسخرية ثم جلس على الأريكة بإرهاق واضح وردد: "يمكن لو كنتي مكاني… كنتي عملتي أكتر من كده.. بلاش تتكلمي وانتي مش عايشة مكاني." نظرت يمنى إليه بضيق وأردفت: "لأ مكنتش هعمل كده… انت مش لوحدك يا آدم، في ناس مستنياك تكون سند ليهم.. بس انت كده بتضيع نفسك. أنا مش بقولك بلاش تزعل.. لأ طبعًا ازعل.. مدام ليلي الله يرحمها يتزعل عليها العمر كله. بس عمر الزعل ما كان بالطريقة دي. فيه ناس كتير محتاجالك." رفع آدم رأسه

نحوها وردد بحدة منخفضة: "زي مين؟! "صخر؟ قدر؟ ولا انتي؟ سكتت يمنى للحظة، ثم همست: "لأ مش قدر. وقدر مش وحشة كده زي ما انت فاكر.. بس موجوعة. وصخر… كان قاسي عليها قوي.. محدش رحمها." وقف آدم فجأة. اقترب منها حتى كاد يلامس كتفها وردد بحده:

"صخر أنقذها من تحت الأرض… كل مرة بيوقف جنبها وينقذها.. وقف قصاد جده عشانها.. قصاد خليل الصعيدي اللي لسه محدش قدر يقف قصاده. عشان ست قدر اللي في الآخر كانت السبب في موت مرته.. قدر دمرت الكل وأولهم صخر." ابتلعت يمنى ريقها بصعوبة وقالت بصوت خافت: "بس هو وجعها أكتر ما أنقذها… وكلنا عندنا حدود يا آدم.. الكل بيتعدى حدوده في الأذية معاها.. الكل بيحملها نتيجة أي مشكلة بتحصل. معرفش ليه مع إنها الضحية الوحيدة."

ألقت يمنى كلماتها بضيق وطال الصمت بينهما. وتبادلت نبرة الحوار إلى هدوء عاصف. فأشاحت بوجهها وهمت بالرحيل مرددة: "أنا مش جايه عشان أتخانق… واضح إني غلطانة إني جيت أصلاً." أمسك آدم يدها فجأة. كانت حركته هادئة لكنها تحمل شيئًا مختلفًا. شيئًا أقرب للرجاء وهتف: "استني… متروحيش كده." وقفت يمنى مكانها… لا تجرؤ على النظر إليه ولا على التقدم وهي تشعر بدقات قلبها تتسارع. فهمس قريبًا منها بصوت مبحوح كأنه يحارب نفسه:

"متسبنيش بالله عليك."

رفعت يمنى نظرها إليه أخيرًا وعيناها تلمعان بمزيج من الغضب والتردد. فاقترب آدم أكثر خطوة بعد خطوة حتى تلاشى الفراغ بينهما. وظلت هي واقفة لا تقاوم، لا تستسلم. وهذه اللحظة لم تكن بريئة، لكنها لم تكن واضحة. فقط عينان تتحدثان، ونفس منهك، وقلوب تبحث عن مرفأ مؤقت للهروب من كل ما يؤلم. ثم أغمضت يمنى عينيها وكأنها سلمت روحها لشيء لا تفهمه… شيء أكبر منها ومنه. ولم يدرك أحدهم حجم الكارثة التي حلت عليهم، وبالتحديد يمنى التي كانت وسيلة لهروب آدم من واقعه المرير.

وفي صباح يوم جديد، كان ضوء الشمس يتسلل بخفة من خلف الستائر ينعكس على ملامح صخر التي بدت مرهقة، ساكنة كأن النوم لم يلمس عينيه بطمأنينة. كان مستلقيًا على الفراش وصدره العاري يرتفع ويهبط ببطء، يغوص في هدوء مشوش. حتى أحس فجأة بلمسة خفيفة على كتفه. وفتح عينيه بفزع جالسًا بسرعة وهو يلتقط أنفاسه: "إيه؟ صوته خرج حادًا مضطربًا قبل أن تقع عيناه على عنبر التي تقف أمامه في ثوب نوم بسيط تنظر إليه. وردت بهدوء متوتر: "مالك؟

هو انت نسيت إننا اتجوزنا امبارح؟ المفروض ليلة امبارح كانت عندي مش كده؟ نظر إليها صخر لثوانٍ كأنها غريبة أمامه. ثم مسح على وجهه وتنهد وهتف بنبرة باردة: "أنا اتجوزتك عشان أمي طلبت كده. عشان توافق نفضل هنا في الصعيد… وأنا مقدرش أسيب البلد دلوقتي…. وإنتي عارفة ده كويس." اتسعت عينا عنبر وظهر الحزن على ملامحها، لكنها تماسكت واقتربت منه خطوة وهتفت:

"بس أنا مراتك دلوقتي يا صخر ومليش صالح بكل ده… أنا من حقي يكون ليا منك حاجة وأكون معاك." صرخ صخر بها وهو ينهض واقفًا: "اومال العياط على ميار كان إيه…. دا كله كان تمثيل؟ أنا جوزها وأنتي عارفة كويس هي كانت بالنسبالي إيه.. عادي كده إنك تبقي مع جوزها بالسهولة دي يا بنت خالتي.. ده احنا مخدناش وقت حتى! ترددت عنبر بضيق وهي تحاول لمس ذراعها: "أنا زعلت عليها، أيوه.. بس انت دلوقتي انت جوزي." ابتعد صخر عنها بعنف وأشار بيده:

"متقربيش مني… عنبر… بلاش أحسن عشان مش هيحصل بينا اللي في دماغك." وفي تلك اللحظة انفتح الباب ودخلت أمه مسرعة وقد ارتسم القلق على وجهها. ورددت: "إيه؟ إيه الصوت العالي ده.. مالك يا صخر؟ إيه يا عنبر؟ انهارت عنبر بالبكاء فجأة وهي تشير إلى صخر: "هو مش عايزني مش طايجني يا خالتي… ده حتى مش عايز يبص في وشي." تجمد صخر مكانه يضغط على أسنانه. ثم صرخ بصوت أعلى من قدرته على الكتمان:

"أنا اتجوزتها عشانك انتي يا حاجة. بس ده ميخلينيش مجبور ألمسها… أنا مش مجبور أقرب منها غصب عني.. أنا مش قادر… فاهمة؟ مش قادر.. ارحموني بقى." ألقى صخر كلماته ثم اندفع خارجًا من الغرفة يصفق الباب خلفه بقوة، تاركًا خلفه عنبر تبكي في حضن أمه وقلبه يشتعل بصراعات لا يعرف كيف يسكتها.

وبعد دقائق، دخل صخر الغرفة الأخرى بعصبية واضحة كأنما الغضب يشتعل في صدره نارًا لا تنطفئ. وتقدم بخطوات ثقيلة نحو الخزانة وفتحها بعنف. ثم بدأ يبعثر ما فيها من ملابس يبحث عن شيء لا يبدو واضحًا. وفي حركة غير مقصودة ارتطمت يده بجسد قدر فكادت تسقط. إلا أنه أمسك بها بسرعة قبل أن تقع وأسندها بيده كأنها شيء هش. فنظرت إليه بتوتر وعيناها تقرأ غضبه وتخشى تفسيره. ثم سألت بصوت خافت: "انت كويس؟ أغمض صخر عينيه لثانية ثم فتحهما

وقال دون أن ينظر لها: "أيوه كويس…. على فكرة اتجوزت عنبر عشان أمي طلبت مني كده… مفيش بيني وبينها حاجة." انخفضت نظرتها نحو الأرض كأنها تبحث فيه عن شيء ضائع. ثم همست: "سامحني عشان ميار… عشان كل اللي حصل. والله العظيم هي اللي أنقذتني وكنت بتمنى أنا اللي أموت… ومش عارفة لحد دلوقتي ليه ضحت بحياتها عشان." رفع صخر نظره إليها وحدق فيها طويلًا قبل أن يقترب منها خطوة وردد: "عشان أنا بحبك." رفعت قدر عينيها إليه بذهول وكأن الكلمة

وقعت عليها كالصاعقة وهتفت: "بتحبني أنا؟ أومأ صخر برأسه وقال بنبرة منخفضة: "أيوه بحبك… وميار كانت حاسة من كتر ما كانت بتحبني مجدرتش تشوفني موجوع… وجلبي بيتقطع لو جرالك حاجة. بس هي مكنتش تعرف… إن بالرغم من إني بحبك، هي أغلى منك عندي." تراجعت قدر خطوة، ثم أغلقت عينيها بقوة وانهمرت دموعها. فسارع هو بمسحها بأنامله الحانية وقال بهدوء: "متعيطيش." تمتمت قدر بصوتٍ مكسور: "أنا آسفة… سامحني."

وفي لحظةٍ خافتة تقدمت نحوه بخطوات مرتجفة كأن قلبها يقودها رغم عقلها. حتى وقفت أمامه تمامًا ورفعت رأسها إليه ونظرت في عينيه نظرة طويلة. ثم وضعت شفتيها على شفتيه في قبلة مرتعشة، محملة بما فاض من الحنين والندم والوجع. وظل صخر متيبسًا لبرهة قبل أن يغلق عينيه ويضمها إليه بقوة ويبادلها القبلة كأنهما يهربان من كل ما في الخارج إلى لحظة صدق نادرة لا تخضع لأي حساب.

وبعد فترة، في غرفة آدم، كانت يمنى تقف أمام المرآة وظهره إليها. ترتجف أناملها وهي تغلق أزرار قميصها ببطء. وعيناها متورمتان من البكاء وشفاهها جافة كأنها لم تنطق منذ قرون. ونظرت إلى انعكاسها للحظة ثم أزاحت عينيها عنه وكأنها لا تطيق رؤية نفسها. فوقف آدم عند باب الغرفة، وجهه شاحب وصوته بالكاد يخرج وهتف: "يمنى… استني اسمعيني بس بالله عليك."

هزت يمنى رأسها دون أن تلتفت. ثم انحنت لتلتقط ما تبقى من ملابسها من الأرض. وكانت حركتها بطيئة كأن الجاذبية تضاعفت فجأة أو كأن العالم ينهار فوق جسدها المثقل. ورددت بصوت مختنق: "أنا اللي غلطانة… أنا أستاهل كل اللي بيحصلي. أنا اللي عملت في نفسي كده." أغلقت يمنى الحقيبة بسرعة ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا. كانت نظرتها خالية، ميتة كأنها لم تعد ترى فيه سوى نهايتها. وهتفت:

"ياريتني كنت مت قبل ما كل ده يحصل…. أنا ضيعت كل حاجة.. اللي زيي لازم يموت مش لازم يعيش." تقدم آدم خطوة نحوها ورفع يده كأنه يحاول احتضانها أو منعها من الرحيل. لكنها أبعدته بعنف وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء مرعب. وبقي آدم واقفًا للحظة ثم استدار فجأة ودخل الغرفة كأنها أصبحت فجأة زنزانته. فنظر حوله ورأى آثارها.. ملابسها… عطرها.. لمستها.. كل شيء صار شاهدًا عليه. فصرخ بأعلى صوته:

"أنا إيه اللي عملته ده… ازاي أعمل كده.. ازاي وصلت للمرحلة دي؟ ركل الكرسي بقوة فتكسّر. وراح يضرب بيديه كل ما تطاله أنامله…. الكؤوس… المرآة… الكتب…. كل شيء صار هشًا بين قبضتيه. وصرخ بغضب: "وسختها… وبهدلتها… وكسرت كل حاجة فيها… حتى هي مسلمتش مني.. حتى هي." انهى تدم كلماته وضرب قبضته في الزجاج فتفتت شظاياه وتناثرت حوله. والدم بدأ يسيل من يده. لم يهتم وجلس على الأرض بين الحطام ورأسه بين يديه يئن ويشتم نفسه.

وبعد عدة ساعات، هبطت قدر السلالم مسرعة وضحكتها تتردد في أرجاء القصر. وخصلات شعرها تتطاير خلفها كفراشة خرجت من شرنقتها خوفها. مرددة: "ماما.. ماما." نادت قدر بصوت مبلل بالشوق. ثم توقفت فجأة وقد وقعت عيناها على امرأة تقف عند نهاية السلم تفتح ذراعيها كأنها كانت تنتظرها منذ سنوات. فـ أسرعت قدر نحوها وارتمت في حضنها تلف ذراعيها حول خصرها بقوة: "واحشاني قوي يا ماما."

ابتسمت رجوة وهي تحتضنها. ولم تقل شيئًا. لكن عينيها في لحظة العناق لم تبسما معها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...