الفصل 7 | من 11 فصل

رواية ابن الصعيدي الفصل السابع 7 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
25
كلمة
2,384
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

يجلس صخر على طرف السرير في غرفته… متكئًا برأسه إلى الأسفل كأن الحزن قد انحنى بثقله على كتفيه. ملابسه لا تزال تحمل رائحة المستشفى. الهدوء الذي خيم على البيت زاد من اختناقه. دخل خليل بخطوات هادئة واقترب منه ووضع يده على كتفه مرددًا: "ربنا يرحمها يا صخر… كانت طيبة وربنا بيحب الطيبين… مينفعش أكده يا ابني أنا حفيدي قوي. انت المسؤول عن العيله دي كلها بعدي.. انت كبير الصعيد كلها بعدي يا ابني لازم تبجي أقوى من أكده."

لم يرد صخر ولم يبدِ أي حركة… ظل صامتًا كأن الكلمات لا تجد طريقها إليه. فتحت الباب بهدوء ودخلت قدر بخطوات مترددة… كانت ملامحها شاحبة وعيناها محمرتان من البكاء. تقدمت نحوه بخوف. وما إن همت بالكلام حتى دوى صوت أم صخر في الغرفة مرددة بغضب: "انتي جاية اهنيه تعملي إي عاد؟ مش كفاية ال حوصل بسببك.. عايزه اي تاني؟ جتلتي بنت اختي ال كانت بعتبرها زي بنتي بالظبط.. انتي فاكره اني هسمحلك تكملي معاه.. جسما بالله ما هيحصل."

تجمدت قدر في مكانها ورددت بارتباك: "أنا… أنا مكنتش أعرف ان كل دا هيحصل والله العظيم ما كنت أعرف حاجة… أنا عارفه اني السبب في ال حصلها بس غصب عني.. بالله عليكم سامحوني." نظر الجميع إليها بغضب. اقتربت والدة صخر منها أكثر بعصبية: "لأ مش غصب عنك.. كل حاجة بمزاجك.. مفيش أي حاجة غصب عنك.. بس أنا الغلطانة اني سمحت ان كل دا يحصل." نظر خليل إليها بغضب ثم أمسك قدر من يدها بقوة وردد: "برا يا بنت! مش عايز أشوف وشك هنا تاني!

برا.. يلا." أنهى خليل كلماته وسحبها خارج الغرفة وهي تبكي. صوت الباب وهو يُغلق كان أشبه بصفعة على وجهها. في مكان آخر كان آدم يقف قرب النافذة ويسند ذراعه على الحافة المعدنية الباردة وعيناه معلقتان بالفراغ في الخارج، كأن شيئًا ما هناك يشده بعيدًا عن هذا العالم. لم يكن يرى الشارع ولا البيوت ولا حتى أشعة الشمس المتسللة بين الغيوم. كان غارقًا في دوامة صامتة لا يسمع فيها سوى صوته الداخلي.

انفتح الباب بعنف ودخلت يمنى بخطوات سريعة. كانت تتنفس بصعوبة وتحاول كتم ثورتها لكن ملامحها المشتدة وعيناها الممتلئتان باللوم فضحاها. وقفت خلفه للحظات كأنها تنتظر منه أن يلتفت… أن ينطق، أن يعتذر. لكنه ظل جامدًا، متبلدًا، وكأنها لا وجود لها. حتى صرخت هي بغضب: "أنا ساعدتك علشان عندي إنسانية… علشان ضميري ميرضاش أشوف حد محتاج مساعدة وأسكت…. بس إنت معندكش إنسانية أصلاً ولا ضمير.. انت معندكش أي إحساس جسما بالل."

استدار آدم إليها ببطء، وعيناه مثقلتان بالتعب لكنه لم يتكلم. رددت يمنى مرة أخرى: "صاحبك… ال كان بيوقف في ضهرك ويدافع عنك، دلوقتي منهار ومتبهدل وبدل ما تبجي جنبه، سايبه لوحده يغرق في حزنه كإنه مش موجود أصلًا في الكوكب دا.. انت ازاي أكده." تنهد آدم بضيق ثم أردف ببرود: "هو دلوقتي بيعيش نفس ال أنا عشته… نفس الألم ال كسرني." يمنى بصراخ:

"بس هو معملكش حاجة… صخر عمره ما أذاك ولا حاول يخرب حياتك.. مراتك ماتت لوحدها محدش لمسها… وصخر ملوش ذنب في ال حصل." ألقت يمنى كلماتها ثم اقتربت منه خطوة وارتجف صوتها وهي تكمل: "هو كان جنبك وجت ما الكل سابك… كان بيحاول يخرجك من ال إنت فيه، وإنت دلوقتي أول واحد بتخذله.. حرام عليك انت الوحيد ال تقدر تخرج صخر من ال هو فيه ده." صرخ آدم بغضب وهتف:

"انتي مش فاهمة أي حاجة.. بس فالحة تتكلمي وخلاص. وبعدين هو علشان ساعدتيني مرة هتفكري نفسك ولي أمري ولا إيه؟ تنهدت يمنى بضيق ورددت بعصبية: "لأ أنا فاهمة كويس…. فاهمة إني كنت غلطانة لما افتكرت إنك بني آدم… بس الحقيقة إنك مجرد شخص أناني غرقان في وجعك وناسي الدنيا كلها حتى صاحبك، ال لسه قلبه بينزف ميستحقش منك حتى كلمة. والله أنا ندمانة اني شفت واحد زيك ياريتني كنت سيبتك تموت وجتها."

ألقت يمنى كلماتها ثم استدارت فجأة، وبخطوات سريعة وغاضبة خرجت من الغرفة وصفقت الباب خلفها. ظل آدم واقفًا مكانه وعيناه على مكانها الفارغ. ولم يقل شيئًا. في يوم جديد كانت الصالة تغص بالبكاء والأنين والسواد يلف المكان ككفن مفتوح ينتظر أن يبتلع من تبقى من الفرح. النساء متكدسات على المقاعد بعضهن ينوح وبعضهن يهمس بأدعية ثقيلة. تهاني أم صخر تمسح دموعها بطرف غطاء رأسها وتضم صدرها المتوجع، تنظر في الفراغ.

انفتح الباب بعنف ودخلت عنبر ابنة خالة ميار وصخر بثوب أسود وعينين متورمتين من البكاء. تصرخ من أعماق قلبها المنكسر وتهتف: "يا ضنايا يا ميار… يا وجع قلبي يا كنتي بتنوري الدار… روحتي خلاص. روحتي وسيبتنا للحزن أكده.. ليه بس.. ليه." انهارت عنبر على الأرض وسط ذهول الحضور وضربت صدرها براحة يدها، وصوتها يتعالى حتى خيم الذعر على وجوه من حولها. صرخت: "فين؟ فين ال كانت السبب؟ فينها.. أنا هقتلها."

ما إن وقعت عيناها على قدر الواقفة عند المدخل ترتجف كعصفور مبتل حتى اشتعلت النار في قلبها، واندفعت نحوها كالعاصفة وتصرخ: "إنتي… إنتي ال دمرتي حياتها… إنتي ال خدتي عمرها وحياتها.. أنا لازم أقتلك." رفعت عنبر يدها وصفعت قدر بقسوة وصرخت وهي تحاول الاحتماء بذراعيها. عنبر لم تتوقف وامسكتها من شعرها وجذبتها بقوة. تدخلت يمنى بسرعة واندفعت من بين الجالسين وأمسكت بذراع عنبر لتبعدها وهتفت بصراخ:

"بس بقى كفاية… حرام عليكي… ال حصل حصل، والميت مش بيرجع.. انتوا ليكم كلكم حاطين كل الحق عليها… حرام عليكم." صرخت عنبر في وجهها وهي ترتجف: "انتي مش فاهمة حاجة ال راحت دي كانت صاحبتي. وبنتي وبنت خالتي … هي راحت مني… راحت خلاص." في تلك اللحظة دخل خليل بخطوات ثابتة وعيناه تمتلئان بغضب صامت. تقدم نحو عنبر ووضع يده على كتفها بلطف ممزوج بالحزم: "اهدي يا عنبر… أكده غلط وبتار اختك هيتاخد والله."

أنهى خليل كلماته ثم التفت إلى قدر التي كانت تقف مرتجفة ودموعها تنساب بصمت: "اطلعي على أوضتك يا قدر… العزا مش مكانك دلوقتي.. انتهينا انتي مبقاش ليكي مكان معانا." نظرت إليه قدر بعيون دامعة. ساد صمت ثقيل المكان لا يسمع فيه سوى شهقات بكاء النساء وكأن القصر نفسه يبكي رحيل ميار.

في المساء كان صخر جالسًا في زاوية مظلمة من إحدى البارات الخاصة يحتسي الشراب بصمت. فتاة تجلس بجانبه تحاول التقرب منه لكنه كان يبتعد في كل مرة. أنفاسه ثقيلة وعيناه شاردتان. فجأة دخل آدم بغضب واقترب منه بسرعة وردد بعصبية: "انت أي ال جابك اهنيه… دا مش مكانك يا صخر! هتضيع نفسك أكده ليه عاد." صخر وهو يحاول الابتعاد:

"بعد مفيش حاجة تهمني دلوقتي، خلاص.. عامل فيها خايف عليا أنا عارف كويس قوي انك أكتر شخص بتكرهني في حياتي كله." نظر آدم إليه بغضب وامسكه من ذراعيه مرددًا بعصبية: "مش هسيبك.. ده مش حل. إنت هتخسر كل حاجة أكده هتضيع نفسك.. يلا تعالي معايا." صخر وهو يحاول الابتعاد عنه:

"أنا مش قادر، مش قادر أكمل والله العظيم.. هي السبب.. اللي قتلتها.. قتلتها هي وابني بس جسما بالله العظيم ما أنا سايبها.. والله لـ هاخد بتاري منها وهندمها علي حاجة أنا هدفعها تمن ال عملته دا غالي قوي سيبني." لم ينهِ صخر كلماته حتى ضربه آدم على وجهه بلكمة قوية وهو يصرخ:

"مش هتعيش أكده…. هتضيع كل حاجة لو فضلت على الوضع دا… أنا عارف مين متفق مع كريم.. عرفت كل حاجة ولازم تساعدني.. لازم تساعدني أننا نلاقي رجوه ونجتلها قبل ما تخلص على باقي العيلة. بالله عليك فووق يا صخر.. فووق واصحى من ال انت فيه دا تعالي يلا.. تعالي.. أنا معاك وكل حاجة هنعديها مع بعض.. مش هسيبك بعد اكده لحظة واحدة." أنهى آدم كلامه وأخذ صخر بيده، وخرجا معًا من هذا المكان.

في صباح يوم جديد كانت ممددة قدر على الفراش ثابته في نوم عميق بعد إرهاق دام لأيام. انفزعت من نومها عندما استمعت إلى صوت زغاريط. نهضت بسرعة مرددة بغضب: "مين قليل الرباية ال بيزغرط أكده وعندنا مين.. لو صخر سمعه هتبقى مصيبة." ألقت قدر كلماتها وخرجت.

بعد فترة كانت تقف كتمثالٍ أصابه الذهول ونظراتها متجمدة… لا تصدق ما تراه عيناها. صخر يقف بجوار امرأة أخرى.. يمسك بيدها والشيخ يعلن تمام عقد قرانهما. لم تشعر قدر بقدميها وكأن الأرض انسحبت من تحتها وكأن شيئًا بداخلها انكسر للأبد. جاء صوت الجد مرددًا: "الف مبروك يا ولاد.. ربنا يتمملكم على خير يارب.. مبروك يا صخر."

شهقت قدر بصوت مكتوم. تلاقت عيناها بعيني صخر التي لم تجد فيهما سوى القسوة. لم يكن فيهما أثر للحب… بل شيء أقسى من الكراهية. رددت بصدمة: "ليه أكده… ليه؟! اقترب صخر منها وردد بغضب:

"انتي السبب… انتي ال موتتي ميار…. أنا بكرهك يا قدر، بكرهك من قلبي… وغلطتي الوحيدة إني اتجوزت واحدة زيك… علشان أكده حبيت أصلح غلطتي واتجوز واحدة نظيفة مش زيك رخيصة وملهاش أي أهمية.. انتي أسوأ إنسانة شوفتها في حياتي.. انتي الحاجة الوحيدة ال ندمت عليها ياريتني ما كنت رجعت ولا شوفتك ولا اتجوزت."

انكمشت كلماته كخناجر في صدرها وأحست قدر بالألم يعتصر أحشاءها قبل قلبها. فجأة واختل توازنها ووقعت على الأرض. صرخة مروعة مزقت سكون القاعة ودماؤها تسيل ويدها على بطنها المرتجفة. همست بشفاه مرتجفة ودمعة تسابق الدم وهي تهتف بألم: "ابني… ابني بيموت يا صخر."

بعد فترة من الوقت ظل الجميع واقفًا في ردهة المستشفى. خيم الصمت على الأجواء كأنه غمامة ثقيلة لا تنقشع. لا تزال أعينهم معلقة بباب غرفة العمليات يترقبون لحظة انفتاحه. عقارب الساعة تمضي ببطء خانق. حين انفتح الباب أخيرا خرج الطبيب بخطوات مثقلة ونظرة مرهقة. تقدم صخر نحوه وصوته يختنق بالقلق مرددًا: "طمني يا حكيم… هي كويسة؟ والجنين؟ تنهد الطبيب قبل أن يجيب بهدوء: "البقاء لله… الجنين مات."

ساد لحظة من السكون تليها نظرات ارتياح خفية على بعض الوجوه وكأن عبئًا ثقيلًا أزيح عن كاهلهم. أما صخر فـ تجمد مكانه وغامت عيناه واتشح وجهه بالحزن العميق وظهر الألم واضحًا في ملامحه. اقترب خليل منه وردد ببرود خالي من الشعور: "كده أحسن… والبت دي كمان لازم تموت ونخلص بقى من كل دا." أدار له صخر رأسه ببطء وحدق فيه بعينين تضجان بالغضب والاستياء دون أن يرد عليه.

حينها، اهتز جيبه فأخرج هاتفه ليرى رسالة جديدة. ما إن قرأها، حتى اتسعت عيناه وتغيرت ملامحه فجأة وكأنّ الصدمة أصابته في صميم قلبه. أسرع نحو الغرفة بخطوات متلاحقة وفتح الباب بعنف. ما إن دخل حتي تجمد مكانه عندما وجد الغرفة فارغة لا يوجد بها أي شخص وكان الأرض انشقت وابتلعت قدر. فردد بصوت مبحوحًا من هول ما رأى: "هيجتلها…. هتموت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...