تحميل رواية اجنبية بقبضة صعيدي بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بمنزل كبير الحجم وضخم يتكون من ثلاثة طوابق يحمل لافتة (منزل عائلة فايق) بمنتصف البلدة، صرخات عالية بقهرة مُعبأة بالخوف والذعر وتمتمة بهلع شديدة من هذه السيدة "وفاء" قائلة: -- وووو يا ولدي، يا حسرة جلبي على شبابك اللى راح هدر يا ولد جلبي. ونظر "فايق" إلى زوجته التى تصرخ وتلطم وجهها بقوة من الذعر وابنه "مصطفى" واقفًا يحدق بوالدته ببرود شديد كأنه لم يفعل شيء. فقال بضيق من بكاءها على شيء لم يحدث: -- بكفاياكِ عاد ياما محصلش حاجة. رفعت عينيها به وهى جالسة على الأرض ورمقته بنظرة مُخيفة مُرعبة من القادم...
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نور زيزو
قاد "عاصم" سيارته غاضبًا رغم صمته، لكن هذا الغضب الذي يسكن بداخله ويحتله يكبحُه جيدًا على هذه الزوجة.
تنحنحت "حلا" بحرج من رؤيته غاضبًا، ويكاد تشعر بحريقه الداخلي، ثم قالت بلطف:
-- أحم.. عاصم.
-- اسكتي، متسمعنيش حسك. أنا تنصري أخوكي المغرور ده عليا يا حلا، خليه ينفعك.
ابتسمت "حلا" بعفوية على غيرته الملتهبة، وقد أحرقته من الداخل بالفعل. اقتربت نحوه ثم وضعت رأسها الصغير على كتفه بدلال وتقول:
-- معقول يا عاصم غيران من أخويا؟ وتقول عليا أنا الطفلة يعني!
حرك كتفه بضيق شديد يبعدها عنه، متذمرًا، لتحدق بوجه زوجها الغيور الذي تحول لطفل صغير، ويجرؤ الآن على خصام والدته ودفعها بعيدًا. خرجت منها شهقة ساخرة على فعلته، ورفعت حاجبيها لا تتمالك دهشتها من فعله، ثم قالت بتهكم:
-- عاصم!! أنت فعلًا غيران كل ده من أخي! ما مصدقة إنك طفولي بالقدر ده.
نظر لها بينما يديه تمسك المقود، ووجهه حاد غليظ يحمل عبوسًا يكفي الأرض والعالم كاملًا، وقال بضيق شديد:
-- لا مستحيل، أنا مفروس بس يا روحي لأن حبيبتي نصرت حد تاني عليا، وأنا ناصرها وحاططها تاج على الكل.
ابتسمت "حلا" بلطف على حديثه، ثم رفعت يدها إلى وجنته تلمس لحيته بأناملها الدافئة، وتحدق بوجهها العابس، وقالت:
-- مرة يا عاصم عشان نحل الخلاف بيننا وبين مازن، ما كنت عايزة أحس فعلًا أني خسرت أخ وبقي غريب، وما ينفعش أسلم عليه بالإيد ولا يجبلي حاجة حلوة ونتعامل كالغرباء. صدقيني شعور مؤلم قوي إن القريب يصبح غريب. ما كنت عايز أتوجع بالإحساس ده، لكن أنت عارف أنك عندي ما تتقارن بحد، لأنك بكف والعالم كله بكفة.
أجابها بسخرية شديدة دون أن ينظر إلى وجهها قائلًا:
-- واضح جدًا.
تذمرت بضيق شديد من هذا العبوس الذي يحتل وجهه وعناده، لتعتدل في جلستها وتنظر للأمام، عاقدة ذراعيها أمام صدرها لتقول:
-- براحتك يا عاصم، خليك مقموص زي العيال الصغيرة.
"خلت ابنك الرضيع."
رفع حاجبه إليها من تشبيهها إليه بطفله الذي لم يكمل سوى شهر من ولادته، وكز على أسنانه بضيق، فأزدردت لعابها بقلق منه، ونظرت للنافذة بعد أن سمعت صرير أسنانه في أذنها.
***
جلس "حمدي" على الحظيرة بقرب الشجرة الكبيرة في الأرض الزراعية ليلًا، وأمامه دائرة النار، وتصنع كوبًا من الشاي الساخن بنفسه، حتى سمع صوت خطوات تقترب منه أكثر، فالتفت ليرى "مازن". فعاد لما يفعله وهو يقول:
-- تعالي يا ولدي.
جلس "مازن" بجانبه صامتًا، فسكب "حمدي" له كوبًا من الشاي وقدمه إليه، وعيناه ترمق "مازن" الصامت، فقال:
-- اتحدد يا مازن، مش أنت جاي عشان تتحدد؟
تنحنح "مازن" بحرج مما يدور في رأسه الصغير، ثم قال بلطف:
-- تعبان من حياتي يا عم حمدي.
أومأ "حمدي" إليه بنعم، ثم قال:
-- خابر ده زين. عاصم كيفك أكدة؟ وجت ما تضيق به الدنيا يجي أهنا. أنتوا أكدة يا ولاد الشرقاوي، عايز تسمع مني إيه؟ إنك صح ومظلوم والدنيا جت عليك؟ لا تبجى غلطان.
نظر "مازن" له بعد أن ترك الكوب من يده، متذمرًا كأنه جاء ليسمع ما يرغب به وليس الحقيقة حتى يطمئن عقله. فقال "حمدي" بجدية:
-- متبصليش أكدة. أنا مخابرش باللي بيدور جوا داركم والبيوت أسرار، لكن يا ولدي أنا خابر باللي كل الناس تعرفه، إنك اتجوزت على مرتك اللي أكيد كيفها كيف أي ست بتكون مجهورة ومكسورة بجواز جوزها من واحدة تانية. مسألتش حالك البنت اللي دخلت دارك دي حياتها اتدمرت أكدة ليه بسببك وبسبب أخوها؟ كل الرجالة استجوت عليها لأنها ضعيفة. أبوها اللي رماها، وأخوها اللي دفعت تمن جريمته، وجوزها اللي هو حضرتك اللي جبته ورميته للست "مفيدة" تطلع فيها كرهها، وده كل الناس خابراه من غير ما نشوفه. ذنب البنت دي في رقبتكم كلكم، وده الحاجة اللي بتخلي عاصم يختلف عنك، وعشان كده هو الكبير والناس بتجبل بحكم. عمره ما سمح في قعدة حج أن الحج يتأخذ من مرة. ده دايما بيقول الرسول وصانا عليها ودي وصيته، كيف نأذيها؟ يا ريتك سمعت لكلامه ورفضه للجوازة دي.
-- أمي غضبت عليا يا عم حمدي.
قالها "مازن" بحزن، ثم تابع بجدية:
-- من يوم ما أبوي اتخلى عنها وسافر وأنا بجيت راجلها، ودايمًا تجولي إنّي سندها ومالهاش غيري. كيف أهملها لحالها وأخسرها وتنزل دموعها بسببي؟
ترك "حمدي" الكوب من يديه ووضع يديه الاثنين باتكاء على ركبتيه، وقال حادقًا بحدة في عيني "مازن":
-- ودلوجت متبكيش على فراج بتها. مبتتوجعش يا ولدي؟ أشك لأني بنتي ماتت صغيرة من حوالي 30 سنة لما وقعت في الترعة ولسه جلبي بيوجعني عليها وببكي دم، مش دموع على فراجها. ما بالك بأم بنتها مجتولة، وشايفة قصادها أخت اللي جتل. لو الدموع والبكاء اللي منعوك تعارضها يبقى خسارة، لأنها أكيد لسه بتبكي. ولو على رضاها، عمر رضا الوالدين ما كان في الشر يا ولدي. أنت عشان ترضي الست الوالدة أذيت حالك ومرتك وبنت مالها ذنب. تعرف لما جادر بعت رجاله يسألوا عليها بأمر الست الوالدة قبل ما توافق على الجوازة، جاله إيه؟ الناس قالوا إنها بنت طيبة، متشبهش حد من بنت الصديق. قالوا إنها الذرية الصالحة والنبتة الخضراء اللي طلعت في أرض بور. تخيل واحدة بالشبه دي تدفع تمن حياتها أكدة.
-- أنت رافض لأنها بخلق طيبة ولا لأنك كيف عمي أبو عاصم طيب ومالكش في الدم والثأر؟
قالها "مازن" بخبث شديد ليجيب عليه "حمدي" قائلًا:
-- ولنفرض أن السبب رفضي للثأر والدم. أصلًا عمر الثأر ما طفى نار الوجع والفراج ولا رجع اللي راح. أنت يا ولدي مش بس أذيت زوجاتك الاثنين، لأ حتى خيتك استجوت عليها. كيف ترميها أكدة برا الدار؟ إحنا قوامين على النساء مش للكسر والإهانة، عشان نخبيهم تحت جناحاتنا، نسندهم، والسند محتاج يكون قوي.
تنهد "مازن" بضيق شديد من هذا الشيء، ثم قال:
-- أنا همشي. آه همشي. زود الحمل علينا مخففتهوش.
وقف ورحل، لكن استوقفه "حمدي" عندما قال بجدية:
-- الست الوالدة وزوجاتك وأنت كلكم بخطوة واحدة ترتاحوا، لكنكم يا عائلة الشرقاوي تحبون الشقاوة والوجع.
رحل من أمامه غاضبًا ويفكر بهذه الجملة الأخيرة، وأي خطوة ستريحهم جميعًا.
***
جلست "هيام" قرب "حلا" بضيق تترجاها أن تتحدث مع زوجها مرة أخرى لتقول:
-- روحي يا حلا.
-- قولت لا يعني لا، ما عايزة أتكلم معاه.
قالتها بضيق بعد غضبهما وشجارهما صباحًا، لتتأفف "هيام" باختناق، ثم ضربتها على ذراعها ساخطة من عنادها وقالت:
-- والله وبجيتي تعاندي اختك الكبيرة، وما فيش أي احترام لملكيتها.
قالتها "حلا" بنظرات باردة، ثم قالت بجدية:
-- روحي كلميه.
انتفضت "هيام" من مكانها فزعًا، ثم قالت بصدمة ألجمتها:
-- أكلمه؟ مين أنا؟ لا... لا مستحيل، أنا أتكلم مع عاصم؟
لضحكت "حلا" على فزعها وانتفاضها من فوق الأريكة كأنها صعقت بالكهرباء للتو، فقالت:
-- لحظة، ليكون عاصم هيعضك يا هيام؟ عادي، بني آدم زينا. أديني قدامك أهو عايشة معاه في أوضة واحدة... روحي.
جلست "هيام" مرة أخرى أمامها وحدقت بعينيها ولا تستوعب الأمر، ثم قالت:
-- حلا أنتِ غير. أخرجي برا واطلبي من أي حد يقوله صباح الخير مش يتكلم معاه وشوفي الناس هتجبل ولا هتخاف. أنتِ يا حبيبتي غير الكل. عاصم... لالالا مستحيل أتكلم معاه حتى لو فضلت عمري كله من غير جواز.
وقفت من جوارها ثم ذهبت من أمامها، لتستوقفها "حلا" بنبرة صوتها المرتفعة وتقول:
-- معقول أدهم ما بيستاهل أنك تضحي عشانه وتتكلمي مع عاصم؟
وقفت على أول درجة من السلالم وقلبها يرتجف حائرًا. "أدهم" بل يستحق، لا قلبها يقتلها شوقًا إليه، والأيام تمر دون أن تسمع صوته أو تراه. لكن وجه "عاصم" كافي بأن يردعها ويجعلها تتسمر محلها كأنها جمدت محلها.
صعدت للأعلى غاضبة، لتبتسم "حلا" على أختها، ثم نظرت نحو باب غرفة المكتب حيث يجلس زوجها الذي يخشاه الجميع، لكنه الآن يتجرأ على خصامها. فتنهدت باختناق وعقلها لا يتوقف عن التفكير كيف تجعله هو من يبدأ بالصلح بينهم ويهرع إليها. ابتسمت بخبث شديد، ثم صعدت للغرفة بالأعلى.
***
دلف "مازن" من باب السرايا بسيارته وترجل منها بعقل شارد، حتى رأى "نهلة" تجلس هناك أسفل المظلة الخشبية وأمامها الكثير من الكتب، ويبدو أنها تذكر وتستعد لدراستها في العام الدراسي الجديد. دلف للداخل وعقله يفكر في حديث "حمدي". رأته "نهلة" عندما عاد وظلت تنظر عليه بينما يسير نحو الباب، وشعرت بحزن يسكن قلبها. زوجها أي زوج هذا؟ وهو لا يتطلع بوجهها لبرهة واحدة. تكاد تقسم أنه حتى لا يعرف لون عينيها لأنه لم ينظر بها لمرة واحدة رغم كونها زوجته من شهور. خرجت زفرة من فمها وعادت بنظرها للأمام، فلمحت بنظرها "قادر" يجلس مع الرجال يضحكون معًا ويتسامرون. فسألت بجدية متمتمة:
-- مبيناموش؟ بسببكم أنا عالقة هنا، مجدرش حتى أهرب.
عادت للنظر إلى كتابها غاضبة ووضعت السماعات في أذنها، ثم نظرت إلى الهاتف تستمع إلى المحاضرة وبدأت تكتب كل شيء تسمعه في دفترها، تجتهد حتى لا تترك مجالًا للفشل. وقف "قادر" من مكانه يضحك مع رجاله ويحمل في يده كوبًا من الشاي الساخن، فوقع نظره عليها، ومنذ أن عادت من الخارج وهي تجلس هناك أمام الكتب تدفن رأسها بها. دلف للغرفة المجاورة للباب حيث يسكن وجلس على الفراش، وقبل أن تغفو عينيه في النوم تمامًا سمع صوت المطر يرتطم بالأرض الصلبة، فخرج من محله وهو يضع يده أعلى جبينه، فأسرع الرجال في ترتيب المكان. لينظر للجهة الأخرى ورأى "نهلة" تجمع الكتب بخوف من أن تتبلل، ولم تستطع إحضار غيرها إذا تلفت. جمعتهم ووقفت بهلع، فنزلت الدرجتين الخشبيتين بخوف من المطر وتحتضن كتبها، لكن زلت قدماها مع الماء وسقطت أرضًا لتبدأ بالبكاء على حالها بعد أن اتسخت ملابسها بالطين وتبللت الكتب وسقط بعضهم على الأرض في الطين. حاولت الوقوف لكنها تألمت قليلًا، فعادت للجلوس أرضًا وتساقطت دموعها على وجنتيها لتختلط مع قطرات المطر. ظلت محلها تبكي وتبللها قطرات المطر حتى سمعت صوته القوي يقول:
-- أساعدك في حاجة؟
رفعت نظرها للأعلى لترى وجه "قادر" الذي يقف كجبل صلب، لا يعير اهتمامًا لتساقط المطر، أو يمكن المطر أبكاها بسبب ما تحمل من ثقل في قلبها، فأنفجرت في البكاء على أقل الأسباب. ظلت تتحمل وتتصنع الشجاعة والصمود، لكن مع أبسط سبب انفجر الثقل الذي بداخلها. نظرت أرضًا ومتابعة بكاءها وقالت:
-- شكرًا.
جثا على ركبتيه أمامها وبدأ يجمع لها الكتب وهاتفها الذي تبلل بالطين، ومسحه بوشاحه الموضوع حول عنقه، ثم قال:
-- اتفضلي.
نظرت للهاتف ثم إلى وجه "قادر". حدقت به بهدوء، أزدرد لعابه بتوتر من نظراتها، ثم قال بخفوت:
-- اسمحيلي.
لم تفهم كلمته، لكن سرعان ما علمت ماذا يطلب أذنها عندما حملها على ذراعيه ووقف بها، فصرخت بهلع:
-- أنت بتعمل إيه؟ نزلني.
لم يبالي بصراخها وسار نحو السرايا بها، فقالت بحرج:
-- ده هيوسخ لك هدومك بالطين.
أجابها بجدية ونبرة خشنة:
-- ده ألطف من زعل عاصم بيه لو اتصاب حد من أفراد عائلته.
صرخت بهلع بعد أن نظرت للخلف قائلة:
-- الكتب!
لم يبالي بصراخها، وهذه الفتاة البلهاء لا تهتم سوى بالكتب. أم قدمها التي تورمت على الفور من سقوطها لتوحي بانكسار عظامها، ومع ذلك لا تهتم لصحتها، فقط كتبها. صمتت بحرج من كلماته وأخفضت رأسها قليلًا بعد أن شعرت بقشعريرة في جسدها تصيبها بسبب قربه هكذا، وهي تكاد تستمع لأنفاسه وتشعر بضربات قلبه المنتظمة في صدره. لأول مرة يلمسها رجل، حتى زوجها لم يفعل ولم ينظر لها. رأت قطرات المطر تتساقط من شعره الأسود إلى وجنته ولحيته الكثيفة. كان رجوليًا وحادًا، تخشى النظر له، وهو كقطعة من الثلج لا يعرف شيئًا سوى القتال والقوة. فتحت "ناجية" باب السرايا بعد أن طرقه لتراه يحمل "نهلة" أمامها، ثم قال:
-- أعتقد أن رجلها تأذت.
أخذتها "ناجية" منه ووضعت "نهلة" ذراعها حول أكتاف "ناجية" وحاولت الاتكاء عليها والسير للداخل. فعاد "قادر" للخارج ورأى كتبها على الأرض، جمعهم ثم أعطاهم لأحد الرجال كي يدخلها للسرايا من أجلها. لم يهتم أحد لما حدث لها، وسمعت "حلا" بما حدث لتذهب إلى غرفة "نهلة" وكانت وحدها تضع الثلج على قدمها وتبكي من الألم، لتتأفف بضيق من هؤلاء الناس الذين يسكنون هنا، فقالت:
-- حصل إيه؟
-- متجلجيش، أنا كويسة.
قالتها بلطف مصطنع محاولة كبح ألمها. نظرت "حلا" بحزن شديد عندما نظرت إلى قدمها المتورمة جدًا وأصبحت زرقاء وباردة من الثلج، فقالت:
-- كويسة! قوليلي إزاي؟
صرخت "حلا" بضيق شديد من هؤلاء الأشخاص، ثم خرجت من غرفتها واتجهت للأسفل، فكان الجميع جالسون على السفرة يتناولون الإفطار، فقالت:
-- بتعملوا إيه؟
نظر الجميع لغضبها، ومن بينهم زوجها المتعجب لانفعال زوجته، فقال:
-- مالك يا حلا؟
لم تتمالك غضبها واتجهت إلى مقدمة السفرة المقابلة لزوجها ومسكت مفرش السفرة وسحبته نحوها بقوة حتى سقطت الأطباق أرضًا وسقط الحساء الساخن على قدمها، ليفزع "عاصم" من مكانه وهكذا الجميع، فقال "مازن" باندهاش:
-- حلا؟
-- أنتوا بتاكلوا هنا ببساطة كده؟
هرعت "هيام" نحو "حلا" ونظرت إلى قدميها ثم قالت بقلق:
-- حلا أنتِ مجنونة، الأكل سخن.
دمعت عينا "حلا" بحزن شديد، وقالت:
-- قلقانة عليا؟ كلهم بتقلقوا عليا، لكن في حين أن واحدة مريضة فوق ورجلها مكسورة حتى مكلفتوش نفسكم تاخدوها للمستشفى. أنتوا جبتوا القسوة دي منين؟ مازن... فين رجولتك ومرتك مكسورة فوق منتظر مين يعالجها ويجبلها دكتور غيرك؟
تأففت "فريدة" بضيق، ثم مرت لكي تصعد إلى الأعلى غاضبة من هذا الحديث، لتقول "حلا" باختناق سافر وصراخ أكثر:
-- ما تتقمصيش يا فريدة، جوزك المصون ما بيهتم غير بيكي وبيأذي بنت بريئة وكلكم ظالمينه. إزاي بتناموا بليل وتحطوا راسكم على المخدة وأنتم ظالمين.
اقتربت "حلا" من "مازن" بانفعال، ثم قالت:
-- طلقها يا مازن، حافظ على اللي باقي من رجولتك وطلقها.
-- إياك.
قالتها "مفيدة" بضيق، ثم تابعت بحجود وقسوة:
-- سيبها يا حلا، هي تستاهل كل اللي يجرالها، وحتى لو ماتت أنتِ عارفة إننا مش هنهتم، فياريت تموت بسرعة.
نظرت "حلا" إلى "مفيدة" بحسرة وحزن شديد، لتنظر إلى زوجها الواقف محله، فقال بضيق قبل أن توجه الحديث له:
-- جلتلكم من البداية أنا ماليش صالح بالجوازة دي.
-- اسمعوا، يا تطلق وترجع لأهلها، وكفاية لحد كده يا أمي، قسمًا بالله ما هتشوفوا وشي مرة تانية وهمشي وما حد فيكم هيعرف لي طريق. اختاروا، يا أنا يا هي في البيت ده.
تركتهم وصعدت للأعلى حتى وصلت إلى غرفة "نهلة" لتراها تتألم من قدمها ودموعها لا تتوقف عن الانهمار، ثم قالت:
-- أنتِ ليه ضعيفة أوي كده؟
أخذتها بلطف من الفراش لتضع ذراعها حول كتفها بلطف وساعدتها في الحركة حتى نزلت للأسفل بصعوبة، وجسد "حلا" الضئيل لا يساعدها، فأقتربت "مفيدة" غاضبة منها تقول:
-- حلا!
-- ما تحاولي توقفيني إلا لو حابة تخسري بنت تانية يا ماما مفيدة.
قالتها بتحذير شديد، والجميع يعلم جنون هذه الفتاة، فلم تتفوه "مفيدة" بكلمة أمام تهديدها، وهذه الفتاة تعلم جيدًا أنها أصبحت ابنة لها حقيقة وليس مجرد كلمة تتفوه بها وغالية على قلبها. سار "عاصم" نحو "مازن" بجدية، ثم قال:
-- طلقها يا مازن، لأن من البداية وأنا رافض الجوازة دي اللي دمرت حياتنا كلتنا، وأولهم أنت ومرتك.
خرج للخارج مع زوجته وأخذها بسيارته إلى المستشفى. نظر "مازن" إلى والدته بضيق، وعنادها هو سبب كل شيء يحدث هنا.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور زيزو
أخذ خطوة نحوها ومع كل خطوة إليها كان قلبها يزيد من نبضاته كأنه فى سباق يسابق قلبه على من ينبض أكثر، شوق وحب وحنين كل هذه المشاعر كانت تضرب قلبها بهذه اللحظة، وصل أمامها وتتطلع “أدهم” بعينيها ثم قال:
--كيفك يا هُيام؟
--كيف؟
قالتها ليتعجب “أدهم” وظهر أستغرابه من سؤالها على ملامحه وعقد حاجبيه للتابع الحديث بنبرة خافتة مسحورة بنظرته وضربات قلبها التى أوقفت عقلها فى هذه اللحظة عن التفكير بأى شيء أخر:
--كيف بتجوله هُيام؟
متبسم بعفوية بعد أن أوضحت سؤالها وطريقة نطقه لأسمها تصيبها بالعشق فقال:
--جلبي جالي أنك هتحبيه أكدة وهيكون أستثنائي محدش هيجولهولك أكدة غيرى.
تنحنحت “هيام” بخجل شديد من كلماته وتحاشت النظر له ثم أستدارت وبدأت تتحرك فى المكان و”أدهم” خلفها يقول:
--طمنينى عليكي؟
--أنا زينة كيف ما أنت شايف مما تمشي بجى، أفتكر أنى بعتلك مع جاسمين أن مهينفعش نتكلم ولا نتجابل أكدة.
قالتها بحدة ليهتف “أدهم” بضيق شديد قائلًا:
--لحد ميتى؟ أنا دخلت البيت من بابه بجالي أكتر من 5 شهور ومحدش رد عليا ولا عبرني، أعمل أيه تاني؟
ألتفت “هيام” إليه بضيق شديد ثم قالت:
--وفيها أيه يعنى؟ زعلت ولا كرامتك وجعتك.. ما تحاول تاني وثالث وعاشر عشاني ولا أنا مستاهلش أنك تحاول تاني.
تطلع بعينيها مُشتاقًا لمشاجراتها وعنادها حتى صراخها عليه أشتاق إليه ليقول بنبرة دافئة:
--تستاهل يا هُيام.
أزدردت لعابها الجاف من حلقها بخجل شديد من كلمته التى نزلت عليها كجمر متلهبة أشعلت نيران جسدها لتشعر بحرارته كأنها تحترق وتُذب من الداخل، قشعريرتها الخافتة ورجفة قلبها خجلًا من كلمته، تنحنحت بلطف ثم قالت:
--أحم …. عن أذنك.
مرت من أمامه مُسرعة فى خطواتها تحاول الهرب منه حتى رأت جاسمين تخرج من غرفة تبديل الملابس فأخذت الفستان الموجود فى يدها ووضعته على الطاولة وخرجوا معًا من الخارج و”جاسمين” تقول بأندهاش:
--على مهلك يا هيام الفستان عجبنى!
--بعدين يا جاسمين بعدين.
قالتها بحياء شديد ثم هربت من المركز التجاري كاملًا بسبب ضربات قلبها التى أوشك على الأنفجار بداخلها…..
***
دَلفت “فريدة” مع “مازن” إلى غرفة “مُفيدة” وكانت تجلس على الفراش وبجوارها “حلا” وتحمل على قدميها “يوسف” الصغير، تبسمت “حلا” لحضورهما معًا وقالت:
--شوفي يا ماما مين جه.
تبسمت “فريدة” بخجل شديد وهى تتباطأ ذراع “مازن” وقالت:
--عايزة أيه يا حلا؟ ماليش مزاج أتخانج وياكِ النهار دا.
رفعت “حلا” حاجبيها بضيق شديد من هذه الفتاة وقالت:
--شوف مين بيتكلم؟ أصلًا أنا اللى ما عندي بال أتخانق معاكِ.
تبسمت “فريدة” بغرور شديد ووضعت رأسها على كتف “مازن” بدلال ثم قالت:
--عشان خاطر ميزو حبيبي بس.
صمتت “حلا” لبرهة بأغتياظ شديد ثم قالت بجدية صارمة:
--مازن، حوش مراتك عني، أنا ما عايزة أقوم أجبها من شعرها عشان.
تركت “فريدة” ذراعه بأنفعال شديد من هذا الحديث وصرخت بها بعد أن وضعت ذراعيها فى خصرها قائلة:
--مين دى اللى تجبيها من شعرها يا حلوة، بلاش أنتِ يا بنت الخواجات مهتعرفيش تتخانجي وفى الأخر أنتِ اللى هتضربي يا بسكوتاية.
وقفت “حلا” على ركبتيها فوق الفراش بأنفعال شديد وقالت بجدية صارمة:
--مين دا اللى هتنضرب يا …
--باااااس.
قالتها “مُفيدة” بضيق شديد من صراخهما بينما وضع “مازن” يده على بطن “فريدة” وقال بدلال:
--حبيبتى متتعصبيش عشان صحتك، ونصحية متجربيش منيها كتر لبنتنا تلجط العدوي منها وتطلع مفترسة كيفها.
--مشايفاش كيف عاملة زى الكلبة المسعورة.
نظرت “حلا” بصدمة إلى أخاها بينما أتسعت عيني “مُفيدة” على مصراعيها من الدهشة وبدأت تجمع ما سمعته للتو، تبسمت “فريدة” وهى تضع يدها خلف ظهرها بدلال وقالت بأستفزاز شديد وعينيها تحدق بـ “حلا”:
--عندك حج يا حبيبى.
سألت “مفيدة” بنبرة هادئة قائلة:
--أنتِ!
تبسم الأثنين معًا وقال “مازن” بحماس:
--اه فريدة حبلة يا أمى.
تبسمت “مفيدة” بهدوء بينما تجلس مكانها دون أن تظهر رد فعل قوي وقالت:
--مبروك.
نظر “مازن” إلى أخته الواقفة كما هى على ركبتيها فوق الفراش مذهولة فقال:
--أيه يا حلا مهتجوليش مبروك.
صرخت “حلا” بانفعال شديد كالبركان الذي أنفجر للتو فى وجههما قائلة:
--مبروك أيه وزفت أيه؟ مازن أنت بتنصر مرتك عليا ها وأنا كلبة مسوعرة.
أجابها ببرود شديد ساخرة من لهجتها التى ما زالت تصعب عليها نطق الكلمات وما زال بها جزء مُرتبط بأصلها الغربي قائلًا:
--مسعورة أسمها مسعورة.
--والله أنا ها ماشي يا مازن وأنا اللى نصرتك على عاصم.
قالتها بضيق شديد كطفلة تغار وتغضب منه، ترجلت من الفراش ثم حملت طفلها الصغير على ذراعيها، وقف “مازن” أمامها بلطف وقال:
--حلا إحنا بنهزر وياك.
دفعته بكتفها بغيظ شديد وغاضبة بوجه عابس وقالت بضيق:
--أبعد عني، أنا ماليش فى البيت دا غير عاصم حبيبي وماما.
خرجت من الغرفة غاضبة لتجد زوجها يدخل من باب السرايا عائدًا من عمله لكنها لم تتوقف لأجله فقال بجدية:
--حلا.
ألتفت إليه ليرى وجهها العابس وشفتيها تقوسهما للأسفل بحزن شديد يحتلها، وصل أمامها ليرفع رأسها بسبابته بقلق وسأل:
--مالك؟ حد زعلك؟
لم تجيب عليه بل ظلت غاضبة تتحاشي النظر إليه لكن جاء الجواب إليه قبل أن يكرر سؤاله مرة أخرى عندما خرج “مازن” من الغرفة خلفها ويناديها قائلًا:
--والله عال راح تشتكينى لجوزك إياك.
نظر “عاصم” تجاهه ثم قال بجدية ورفع حاجبه:
--أنت اللى زعلتها.
تنحنح “مازن” بقلق من نظرة “عاصم” ثم قال بتردد:
--محصلش ولا شوفتها النهاردا أصلا.
صرخت “حلا” بغيظ شديد يسكن بداخلها قائلة:
--كذاب دا على أساس مين اللى قالي أنتِ كلبة مسعورة.
كز “عاصم” على أسنانه بغيظ من هذا الرجل ثم قال بجدية:
--جولت أيه؟
تبسم “مازن” بخفوت ثم قال:
--ولا حاجة بجولك مشوفتهاش واصل النهار دا.
خرجت “فريدة” من الغرفة خلفه لتحدق بها “حلا” بأغتياظ شديد ثم قالت:
--والله ايه؟ تخانقوني أنت ومراتك فى غيابه وأول ما تشوفه يبقي ما شوفتوني، لا يا عاصم والله خانقوني وقالوا ….
قاطعها “مازن” عندما أسرع نحوها ووضع يده على فمها يمنعها من الحديث ثم نظر إلى وجه “عاصم” وقال بدلال هانسًا فى أذنها:
--خلاص بجي هجبلك الشيكولاتة اللى بتحبيها، أصلًا جايبلك علبة بحالها ليكي فوج.
رفعت حاجبها ببرود إليه وهو يضع يده على فمها والأخرى تحيط عنقها، تبسم بلطف وأقترب ليضع قبلة على جبينها لكن سرعان ما شعر بيد “عاصم” تسحبه من لياقته بقوة للخلف وقال بجدية:
--أنا مسمحتلكش تلمسها ها… وحسابك معايا بعدين لينا مكتب نتحاسب فيه مش جصاد الحريم أهنا.
أبعده عن طريقه ثم أخذ زوجته الطفولية وصعد للأعلي لتنظر “حلا” إلى أخاها أثناء صعودها وتخرج لسانها من أجل أغاظته، دلفوا للغرفة معًا وبدل “عاصم” ملابسه ليرتدي بنطلون أسود وتي شيرت أسود اللون وخرج من غرفة تبديل الملابس ليرى “حلا” تضع طفلها الرضيع فى الفراش الصغير بعد أن غاص فى نومه، شعرت بيديه تحيط خصرها ويعانقها من الخلف لتبتسم بعفوية وظلا الأثنين يرمقون طفلهما فى نومه، تبسم “عاصم” بلطف ثم قال هامسًا:
--أتوحشتك جوي.
كزته فى خصره بذراعها وقالت بخجل:
--وبعدين معاك كفاية أنك رايح الشغل النهار دا من غير نوم.
وضع قبل على عنقها بدلال وهمس فى أذنها بلطف قائلًا:
--أعمل أيه ما أنتِ اللى كنتِ واحشاني.
أغمضت عينيها بأستسلام لسحر هذه القبلة الناعمة لكن سرعان ما ألتفت إليه ثم قالت:
--يبقي دلوقت تنام أنا متأكدة أنك رجعت بدرى عشان تعبان.
جلس معها على الفراش وبدأت تحكي له ما حدث من “مازن” وأصابعها النحيلة تتغلغل فى خصلات شعره الكثيف بنعومته ليبتسم وعينيه على وشك الإغلاق والذهاب فى رحلة نومه الطويلة وقال:
--متزعليش أنا كمان معنديش حد أغلي منك ولا أنصر حد واصل عليكي.
تبسمت “حلا” بسعادة كأنه أمتص كل غضبها حين أخبرها أنها الملكة فى عالمه وأنحنت قليلًا لتضع قبلة على جبينه بلطف ثم قالت:
--ربنا يخليك ليا يا عصومي.
أغمض عينيه بعد أن أخذ نفس عميق وسحب يدها الأخر إلى يده ليتشابكا معًا ووضعهما فوق صدره وأستسلم للنوم من التعب لتبتسم “حلا” ويدها تمسح على رأسه بحنان حتى أسترخي جسده نهائيًا وأخرجت يدها من قبضته القوية وتسللت للخارج بعد أن تركته غارقًا فى نومه وهكذا صغيرها…
***
خرج “مصطفى ” فجرًا من منزله يقود سيارته ولم ينتبه نهائيًا لهذا السيارة التي تسير خلفه تراقبه وبداخلها “قادر” مع أحد رجاله فقال الرجل:
--بجاله سبوع كل يوم يخرج فى نفس الميعاد عشان أكدة كلمتك.
نظر “قادر” نحو السيارة الخاصة بـ “مصطفي” وقال بفضول شديد:
--أكيد وراءه مصيبة ولازم نعرفها.
وصل “مصطفي” إلي منزل بعيدًا عن البلد وترجل من سيارته ثم دخل وحده، ظل “قادر” ينتظره بحيرة وأفكار كثيرة تضرب عقله لكن قاطع هذه الأفكار الرجل يقول:
--مهيخرجش دلوجت، هيخرج على الساعة 8 الصبح أكدة كيف العادة.
حرك “قادر” سبابته والأبهام على ذقنه بحيرة وسأل:
--محاولتش تعرف بيجابل مين جوا ولا مين اللى ساكن أهنا؟
--لا خليت واحد يراجب البيت دا طول السبوع اللى فات لكن لا حد طلع ولا دخل غيره ولد المحروج د.
قالها الرجل وهو يشعل سيجارته ثم أعطي سيجارة إلى “قادر” فأخذها وعينيه لا تفارق المنزل وتمتم قائلًا:
--لازم نعرف بيجي أهنا ليه؟ خليك أهنا وأبجى خبرني لو حصل جديد.
ترجل “قادر” من السيارة وأنطلق سيرًا حتى يعود للسرايا وفور وصوله وجد “حمدي” ينتظره فسأل بجدية:
--كنت فين يا جادر؟
--بتمشي هبابة.
قالها ببرود ليتابعه “حمدي” بحديثه الحاد قائلًا:
--بتتمشي هبابة ولا جناب البيه طلب منك حاجة، ما أنا خابره زين لأن أنا اللى مربي، عاصم مهيهملش تأره من عائلة الصديق وموضوع الجوازة دى ملدش عليه أنا خابره.
ألتف “قادر” له بوجه عابس جاد ثم قال:
--وما دام خابره زين أكدة بتسأل فى اللى ميخصكش ليه يا عم حمدي، خليك فى حالك يا راجل يا طيب.
تركه ودلف للغرفة قبل أن يسأل من جديد رغم معرفته بأن “عاصم” لن يترك حقه ولن يأخذه من أنثي، لكنه ينتظر الوقت المناسب لأخذ الحق بحرفة ومهارة…
***
بحث “عاصم” عن زوجته كثيرًا وعندما أستيقظ صباحًا لم يجد لها أثرًا بجواره و”يوسف” لم يكن بالغرفة، ترجل للأسفل ليرى “تحية” تحمل طفله بين ذراعيها فسأل بنبرة هادئة:
--امال حلا فين؟
نظرت “تحية” إلى غرفة حمام السباحة فسار إلي هناك ودلف ليراها تسبح مهارة وترتدي ملابس السباحة فذعر من ملابسها التى تخفي من جسدها أقل بكثير من الظاهر ليقول بصراخ:
--حلا!
توقفت فى منتصف حوض السباحة بذعر من ظهره من العدم دون سابق أنذار وقالت بتذمر:
--عاصم خضتني.
--نهار أبوكي أسود اللى اللى لابساه دا… لا.. لابساه أيه؟ أيه اللى جالعة دا نهارك طين، أطلع.
تبسمت بعفوية على غيرته ثم قالت:
--مالك يا عاصم، ما حد هيشوفني أهنا والأوضة مقفولة والله قفلت الباب لما دخلت وخليت طنط تحية تقعد عشان محدش يدخل كمان معايا هدومي والله.
نظر إلى حيث تشير على ملابسها ليرى روب الأستحمام وبجواره عباءة سوداء اللون بأكمام فضفاضة ليسرع بخطواته نحوها وأخذ العباءة قفز فى حوض السباحة حتى وصل إليها غاضبًا والغيرة تأكل قلبه بل تلتهمه كاملًا، ألبسها العباءة بالقوة وهى تصرخ بعناد منه:
--عاصم أنت بتعمل أيه؟ أبعد يا عاصم.
جذبها بقوة إليه غاضبًا وقال:
--حلااااا!
أزدردت لعابها بخوف من نظرته وطريقة نطق أسمه ووقفت محلها بهدوء ليكمل ما يفعله فقالت بنبرة خافتة:
--عاصم.
نظر إليها بوجه عابس لتقول:
--أنت بليت العباءة هخرج بيها أزاى قصادهم هتكون مبينة كل جسم.
نظر إلى العباءة مُطولًا وكأنه لم يدرك ما فعله إلا للتو فتبسمت “حلا” على غيرته التى جعلته عقله يتوقف عن التفكير لبرهة من الوقت، ألتف كى يخرج لكنها أستوقفته عندما تشبثت بيده ليستدير لها بهدوء وغيرته المُتلهبة لا تقوي مياه الحوض كاملًا على أطفائها، أقتربت “حلا” أكثر منه ووضعت يديها حول أكتافه بدلال ليقول “عاصم”:
--إياك يا حلوتي وألا متلومنيش واصل.
تبسم “حلا” بسمة مُشرقة تذيب قلبه العاشق وعينيهم يغمرهم العشق ويفيض منهما، شعر كلا منهما بحرارة الحب تشتعل فى القلب وبدأت نبضاتهم تتسارع وسط هدوء المكان لتكون كنغمة تطرب أذانهم، أقترب “عاصم” أكثر منها وشعرت بيده تحيط خصرها النحيلة فقالت بهمس وعينيها على شفتيه:
--عاصم قولتلي إياك..
--ااه بس أعمل فيكي أيه وأنتِ مُحتلة جلبي وعجلي كيف أجدر أجاوم سحرك يا حلوتي.
قالها وهو يشعر بأنفاسها الدافئة لتبتسم “حلا” بدلال فقال بجدية:
--لا متبتسميش كفاية على جلبك أكدة يا حلوتي.
ضمت شفتيها بين أسنانها بقوة تخفي بسمتها ليقول بخبث شديد:
--ياا …
أقترب أكثر لتذوق حلوته اللذيذة لكن قاطعته قبل أن يفعل صوت طرقات الباب و”ناجية” تناديه قائلة:
--يا جناب البيه جادر عاوزك.
تأفف بضيق شديد فضحكت “حلا” عليه وهربت من أمامه وخرجت من حوض الأستحمام ليخرج هو الأخري وجعلها ترتدي روب الأستحمام فوق عباءتها المبللة جيدًا ثم حملها على ذراعيها خوفًا وغيرة من أن يراها أحد رغم ملابسها التى أرتدتها وأخفت حتى أصابع قدميها، خرج بها من الغرفة وقال بجدية:
--من ساعة خرجت واحدة ست من البيت و الرجالة بعتولي صورتها.
أعطي الهاتف إلى “عاصم” فنظر إلى الصورة جيدًا ليُصدم مما رأوه وأخرج هاتفه ليقارن الصورتين معًا وتأكد أن هذه المرأة هى من أخذت طفله فى المستشفي، وأصبح الأمر أمامه مؤكد أن من سعي خلف إختطاف أبنه هو “مصطفي” كأنه لم يكف عن الجرائم الذي يفعلها معهم حتى بعد أن تزوجت أخته من “مازن” بسبب جريمته، خرج من الغرفة غاضبًا كالثور الهائج فسأل بجدية:
--مازن فين؟
أجابته “فريدة” بعفوية وسعادة تغمرها قائلة:
--راح يخلص الورج مع المأذون عشان يطلج الهبابة اللى جوا.
سار للخارج بأغتياظ شديد ثم قال بنبرة جادة كأمر يقطع على أذني الجميع:
--الطلاج دا مهيتمش يا جادر فاهم.
خرج من السرايا مُشتعلة وترك الجميع خلفه حائرون من قرر رفضوا للطلاق وسعادة “فريدة” تحولت إلى حجيم فى أقل من ثانية واحدة لتصعد إلى غرفتها باكية بحزن وهى كالجميع تعلم إذا أمر “عاصم” بشيء سيحدث دون نقاش رغمًا عن الجميع….
أنطلق بسيارته كالمجنون حتى وصل إلى المنزل ليزيد من سرعة سيارته ويهدم بابه الخشبية بمقدمة سيارته لترجل منها بينما وقفت هذه المرأة أمامه بصدمة مما تراه لتتقابل أعينيهم معًا وعينيه تخبره بأن الحجيم قد وصل إليها وما عليها إلا تنمي الموت أفضل مما ستراه فى حجيم “عاصم الشرقاوي”…………
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور زيزو
وصل مصطفي للمنزل مساءً كالمعتاد، لكنه صُدم من هيئته الخارجية، فكان مُدمّرًا بالكامل من الخارج. دلف بقلق شديد تغلغل إلى قلبه. لم يجد أثرًا لهذه المرأة في المنزل.
استدار لكي يخرج من مكانه، لكنه توقف مكانه كالصنم عندما سمع رنين هاتفه. سار للداخل باحثًا عن الهاتف ليجده فوق الطاولة، والمتصل مجهول الهوية. استقبل الاتصال بقلق ويداه ترتجف.
عندما وضع الهاتف على أذنيه، أتاه صوت خشن قوي يعرفه جيدًا جعله ينتفض من مكانه يقول:
-- أكدة تتأخر برضو!
-- عاصم!!
قالها بقلق شديد ونبرة خافتة.
ليسمع صوت ضحكات عاصم القوية وهو يقول بجدية:
-- بيه، عاصم بيه، مع نص ساعة وتكون عندي وألا…
تبسم مصطفي بمكر شديد ثم قال قاطعًا لحديثه:
-- وفر على نفسك التهديد، أنت ليه محسسني أنا واخد مرتي مثلًا، دا أنتوا أخدتوا خيتي ومتهزش شعر مني، فوج أكده يا رجل وشغل مخك.
-- أنا كنت فاكر أنى بتكلم وي راجل، طلعت بكلم مرة كيف اللى عندي.
قالها عاصم بسخرية شديدة وإهانة.
ليغلق مصطفي الاتصال غاضبًا من إهانته وغادر.
على عكس عاصم، الذي تبسم بخبث شديد ونظر للمرأة الجالسة أمامه بعد أن سمعت حديث مصطفي وتركه لها هنا. وكأن عاصم كان يدرك جيدًا وقاحة مصطفي وجبنه من مقابل عاصم، لذا سيختار التخلي عنها. فتح مكبر الصوت عمدًا حتى تستمع لهذا.
وقف من مكانه بهدوء وهندم عباءته بلطف ثم قال:
-- كان لازم تسألي عنه جبل ما تشاركيه فى خطف ولدي، أهو طلع ندل وهملك لحالك تحاسبي على عمايله وخططه الجذرة كيفه…
خرج عاصم من المكان تاركًا إياها في صمتها وحيرتها.
***
كانت فريدة تشتعل من الغضب بسبب قرار عاصم ورفضه لهذا الطلاق. تمتمت بغضب مكبوح بداخلها. دلف مازن للغرفة بعد أن أتصل بالمأذون ليخبره بأن ينتظر قليلًا، ورأى زوجته كما خمن تمامًا، كالجمر المُلتهب وقلبها لم يعد يحتمل الغضب الكامن بداخلها.
قال بنبرة هادئة تمامًا:
-- فريدة.
انتفضت من مكانها كالبركان الذي وصل للتو لأقصى درجة غليان في باطنه لينفجر أمامه. صرخت به بأنفعال شديد قائلة:
-- فريدة!! فريدة هطج يا مازن، مكفكوش فرحتي اللى ماتت جوايا بسبب المصائب اللي نازلة على دماغنا وحولت، معلش يا بت خليكي بنت أصول وأتحملي وأتحملت فعلًا وأتنازلت عن الفرح وفرحتي زى كل عروسة وجولت معلش، أمك تجولك أتجوز وتتجوز عليا وجولت أم وجلبها محروج على موت بنتها وهو معذور رضا أمه برضو، لكن توصل لحد أهنا وكفاية، أيه مكفكوش تجطيع فيا أكتر من أكدة، كسرت جلبي فى كل اللى فات مكفتكوش عشان ترحموني هبابة ولا أنا مكتوب عليا الحزن وفرحتى تتسرج منى، حتى فرحتي بحبلي كسرتوها، أيه عايزين توصلوا لأي تاني…
تنحنح مازن بهدوء وقال بنبرة خافتة:
-- أهدئي يا فريدة، كله هيتحل والله والفترة دى صعبة علينا كلتنا بس هتعدي صدجني هتعدي والله.
لم تتمالك فريدة غضبها أكثر من هذه الكلمة فقالت بسخرية شديدة:
-- هتعدي!! مازن مفيش حاجة بتعدي واصل، مفيش وجع ولا حزن بيعدي، أنا بجيت خايفة أفرح وكأن الفرح خسارة فيا!!
أقترب منها قليلًا ثم قال بنبرة خافتة هادئة:
-- أيام، أيام قليلة وكل دا هيعدي يا حبيبتي صدجني.
رفعت نظرها إليه لتتقابل عيونهما وعينيها تملأها الدموع التى تلوث رؤيتها وقالت بحزن شديد ونبرة مُنكسرة مُعبأة بالخيبات:
-- هتعدي! بس هتعدي ميتى ولما تعدي هكون أنا نفس فريدة حبيبتك، اللى بيعدي مبيعديش كيف الريح يا مازن، دا بيسيب جوانا علامات وجروح بتغيرنا وتغير كل حاجة فينا.
ضمها إليه بلطف شديد وبدأ يربت على ذراعيها بحنان ثم قال بنبرة لطيفة راجيًا إياها:
-- متتغيريش يا فريدة، بالله عليكي خليكي بجمال رحك وجلبك الطيب وصدجينى هتلاجي الفرح والحب هما اللى فتحين بابهم ليكي.
جهشت باكية بحزن لم تتحمل بقاءه ففي قلبها أكثر بينما ينهش فى روحها وعقلها. قبل جبينها بحب شديد وهو خير الناس معرفة بأنها تعاني أكثر من أي شخص بهذا المنزل، لكنه يترجاها بأن تكون قوية وتتحمل حتى تمر هذه الموجة عليهما ويعم السلام على قلوبهما وحياتهما.
***
وصل عاصم للمنزل وولج هادئًا كما هو معتاد منه. ذهبت حلا نحوه وتحمل في يدها كوب مشروبها الساخنة وقالت:
-- كنت فين يا عاصم واتأخرت ليه؟
نظر لها بهدوء ثم بعثر غرتها بلطف وقال:
-- مشوار يا حبيبتي، أنا طالع أغير خلجاتي.
صعد للأعلى. فتابعته حلا بقلق من صمته، لطالما كان صمته مرعبًا لها أكثر من حديثه. دلفت للمطبخ وبدأت تسخن الطعام من أجله وجهزت صينية العشاء وصعدت بها للأعلى حيث غرفتها. لم تجده، لكنها سمعت صوت صنوبر المياه.
فوضعت الصينية على الطاولة الزجاجية أمام الأريكة وحملت كوبها الموجودة أعلاها وجلست تستمع بمشروبها البارد قليلًا من الانتظار وتركه حتى سمعت صوت باب المرحاض يفتح لتلف تنظر إليه.
تطلع عاصم إليها بعد أن بدلت ملابسها وأرتدت بيجامة من الحرير الخالص ذات اللون الأخضر الغامق (زيتي) عبارة عن شورت قصير وبدي بحمالة وتضع فوقه روبها القصير الذي يصل إلى ركبتيها. تسدل شعرها الناعم على ظهرها والجانبين بسبب الفرق الموجود بمنتصف رأسها ويترك غرتها على الجانبين.
أقتربت حلا تجلس جواره ووضعت الكوب على الطاولة ثم قالت:
-- مالك يا عاصم؟ وقبل ما تقول تمام أنا بقولك لا، أنت فيك حاجة أنا ما هتوه فيك.
بدأ يأكل طعامه بصمت وبعد أول لقمة من طعامه قال بتجاهل لسؤالها:
-- تسلم يدك.
ابتسمت بخفة رغم تجاهله لحديثها وقالت بلطف تخفف من ضغطه وتوتره الذي تراه في عينيه وتصرفاته:
-- ألف هنا وصحة على قلبك يا حبيبي، قولي مالك؟
رفع نظره إلى الأمام حيث شاشة التلفاز وفتحها وظل ينتقل من قناة إلى قناة حتى وصل لقناة خاصة بالملاكمة ويتناول طعامه أثناء مشاهدته. تأففت حلا بضيق شديد من تجاهله لها حتى أن عينيه لم ترفع بها.
بل ظل يتحاشى النظر لها كثيرًا. فأخذت الريموت الإلكتروني وأغلقت الشاشة ليقول بضيق:
-- حلا؟
-- مالك يا عاصم؟ حصل أيه؟
قالتها بنبرة مُرتفعة قليلًا تدل على غضبها من صمته ورفضها لتصرفاته. ثم تابعت بضيق أكثر:
-- من لحظة خروجك الصبح متعصب وأنا قاعدة قلقانة عليك وهتجنن من اللى وصله لك قادر ووصلك لمرحلة الغضب دي. أتصلت بيك فوق العشر مرات وأنت مُتجاهلني تمامًا كأني شفاف وأستنيت فى قلقي عليك من الصبح ساعات وصبرت نفسي بالعقل وقولت لما يرجع هيحكي ويطمنك، لكن أنت بتزود قلقي عليك.
قبل جبينها بهدوء قبلةً رقيقة جدًا ثم قال بهدوء:
-- متجلجيش عليا!!
ابتعد عنها لتحدق بوجهه بقلق أكثر بعد كلمته وقالت:
-- لا قلقانة، حتى لو الكل بيخافوا منك وبيعملوا لك ألف حساب وفضلت الكبير، هتفضل في نظري حبيبي وهفضل أقلق عليك لأنك بشر زينا وبتحس وبتتوجع. ممكن ما تقلقني عليك، بجد لو عاوزني ما أقلق أحكي ليا وطمني عليك، لكن تقولي ما تقلقي يبقي هيزيد قلقي لتكون فاكر أنه هيقل.
عاد لصمته بينما وقف من محله وذهب نحو الفراش. لتقف حلا خلفه مُصرة على أن يتحدث ويخرج ما بداخله حتى تستطيع مؤاساته لتقول بعناد أكثر:
-- طب اللى حصل له علاقة بعائلة الصديق عشان كدة رفضت الطلاق يتم صح؟
التف إليها بضيق وهو الآن لا يقبل بسماع أي شيء عن هذه العائلة أو حتى التحدث عنها. فقال بانفعال خافت يخرجه عنه هدوءه:
-- مالكيش صالح ومتجبيش سيرة العائلة دى جصادي بدل ما انزل أروح أولع فى دارها وهملني لحالي دلوجت.
أخذت حلا نفس عميق بعد أن تأكدت بأن ما حدث وسبب غضبه الكامن بداخله هو هذه العائلة. أقتربت منه بعد أن صعد على الفراش وجلست جواره ثم قالت بلطف:
-- عاصم أنا كنت عايزة فلوس.
سألتها مُندهشًا من تغييرها للحوار ثم قال:
-- أبجي خدوي اللى عايزاه من الدولاب، الخزنة عندك وخابرة رجمه.
ابتسمت وهى تلمس لحيته بدلالية وعينيها تبتسم قبل شفتيها وتلمع ببريق ساحر وقالت بحب:
-- هم كثير بصراحة، عايزة أشتري أجهزة عشان الكلية أنت عارف أني أتخصصت هندسة الكترونيات و….
قاطعها بنبرة خافتة مؤيدًا لها ولا يحتاج لمبرر في سحبها للمال الذي تريده:
-- مسألتكيش، خدي اللى عايزاه يا حلا.
نظر للأسفل بعينه نحو يديها التي تداعب لحيته بأسلوبها الناعمة. ثم رفع نظره نحوها وقال:
-- خشي فى الموضوع على طول، أنا خابر أن الموضوع مهوش موضوع فلوس.
تنحنحت بخجل شديد من أفكارها الخبيثة وقالت ببراءة مُصطنعة:
-- أخس عليك يا عصومي، أنا تشك فى برائتي.
ابتسم بسخرية خافتة وقال:
-- لا يا حبيبتي العفوى، أنا بس نفسي أعرف كيف واحدة فى العشرين بمكرك دا، أمال لما توصلي للأربعين هتعملي فيا أيه؟
ضحكت حلا بعفوية بينما تستلقي جواره وتسحب ذراعه ليكون وسادتها الدافئة. ثم قالت بلطف:
-- يمكن أخطفك من العالم المؤذي دي ونروح عالم تاني لوحدنا.
أومأ إليها بنعم وعاد لصمته ليعم الصمت في الغرفة فقط صوت أنفاسهما الخافت ما تسمعه. فقالت:
-- على فكرة أنا طلبت حاجات أون لاين وهتوصل بكرة.
هز رأسه بنعم دون أن يعقب على صرفها للمال أو حتى يسألها بماذا ستفعل أو ماذا طلبت. لتتذمر حلا من حالة التجاهل الذي تملكته وقالت بضيق:
-- معقول يا عاصم اللى أنت فيه دا، طبيعي أنك ما تسأل مراتك بتودي الفلوس فين وأن كل اللى أطلبه متاح حتى لو تافه، دا بزغ.
ضحك عاصم بخفوت ضحكة خافتة ربما خرجت منه بصعوبة من ضغط أفكاره التي تلتهم عقله. فربما جزءًا من عقله يخبره بأن يامر بقتل مصطفي، لكن الجزء الآخر يخبره بألا يصبح قاتل وتلوث الدماء يديه لطالما كان الكبير ويلجأ له الجميع في الحكم والعدل، فماذا عندما يتحول لقاتل. أم الباقي من عقله لا يتحمل فكرة الاستسلام لترك مصطفي هكذا بلا عقاب رغم ارتكابه للكثير من المصائب والجرائم في حقه وحق عائلته. أم عن قلبه فلم يترك الصراع هكذا دون أن يحارب بسلاحه الذي يملكه وهو حلا. كيف ستنظر له إذا قتل؟ ماذا إذا رحلت عنه أو تغير قلبها وحبها إلى كره. لطالما يعلم أن ما بين الحب والكره مجرد خيط رفيع كفلق الصباح ويخاف أن يقطع هذا الخيط دون قصد أثناء بحثه عن الانتقام.
ابتسمت حلا على ضحكته الخافتة وقالت:
-- ضحكت وأخيرًا، دلوقت أطمن قلبي، قولي بقي اللى حصل.
ضحك أكثر على عنادها وإصرارها ليقول بينما يهز رأسه بأستنكار:
-- ههههه مشوفتش حد في عندك وإصرارك.
-- أنت عارف أني عنيدة معاك وفى أمرك.
قالتها بدلال بعد أن انقلبت بجسدها الضئيلة لتستلقي على بطنها وتتكأ على ساعديها جيدًا ونظرت بعينه وتابعت مُحدثة إياه:
-- أحكيلي لأنك عارف أني ما هسكت إلا لما أعرف، أو على الأقل أعرف ليه رفضت أن مازن يطلق نهلة.
رفع ذراعه يضعه على عينيه بتعب شديد من التفكير الذي يفرط به من الأمس ثم قال بجدية:
-- أيام يا حلا الموضوع كله أيام وهمليني الله يخليك أنام هبابة.
تأففت بيأس شديد من هذا الصمت وتكتمه على ما في جعبته لتستسلم للأمر وترجلت من الفراش مع بكاء يوسف الذي استيقظ من النوم للتو كأنه ينقذ والده من هذا الإصرار. بدأت تسير في الغرفة بطفلها وتغني له بحب يحتلها كأن قلب هذه الفتاة تغير مع ولادتها ليصبح بها جزء جديد ولد مع ولادة يوسف.
تبسم عاصم بهدوء عندما سمع صوتها تدندن لطفلها لينام هو قبل طفله على صوتها المُدلل.
***
الشوق يحرق قلبها مُنذ أن رأته وكأنه أشعل نيران عشقه بداخله. أخذت هيام نفس عميق وخرجت من غرفته غاضبة وأتجهت للأسفل، ليست بغاضبة بقدر رغبتها في البوح عن مشاعرها التي تأخذها إلى منعطف لا تريده. لا تسعى لفعل شيء سرًا، بل كل أمنيتها أن تكون معه علنًا وليس سرًا. تخبر بأخبار الجميع أنه حبيبها ولا تريده سواه دون خوف أو قلق من نظرات الجميع.
وصلت للطابق الأسفل وكانت تحية جالسة مع مفيدة أمام الشاشة تشاهد مسلسل تركي، بينما تجلس حلا جوار مازن يتحدثان في الكثير، وفريدة تحمل يوسف بين ذراعيها وتداعبه بدلال.
وقفت هيام أمامهم وقالت بجدية:
-- عاصم فين؟
رفعت حلا نظرها إلى حيث أختها وتساءلت كثيرًا عن سبب سؤالها بنظرتها قبل أن تلفظ هاتفه:
-- أشمعنا؟
تنهدت هيام بلطف قبل أن تفقد أعصابها وتنفجر كالقنبلة بهما وقالت:
-- في المكتب صح!!
أومأ مازن لها، فأغمضت عينيها لثواني معدودة ثم قالت بجدية عازمة أمرها وقد حسمت قرارها وقالت:
-- أوكي، أنا داخلة له.
أتجهت نحو المكتب مع أنظار الجميع الذين اندهشوا من كلمتها ولأول مرة تتجه هيام للحديث معه. ما عدا حلا، التي تبسمت بسبب جراءتها وهي تعلم جيدًا سبب طلبها وسعيها للحديث معه. سببها الوحيد الذي جعلها تأخذ هذه الخطوة الجريئة منها هو العشق. العشق الكامن بداخل قلبها وقد بدأ يحرقه مُنذ أن اعترفت لقلبها بأنها تكن المشاعر لهذا الأدهم وتحملت نيرانه حتى وصلت لأقصها وألمها الشوق ليأخذها إلى هذا الوحش الذي تخشاه عاصم الشرقاوي، ليس سوى عشقها من دفعها للجنون والاتجاه إلى مكتب هذا الرجل لتحدثه، رغم أنها تخطت أخاها مازن، فكان من السهل عليها أن تلجأ إلى مازن عوضًا عن محادثة عاصم. لكن بالتأكيد قلبها من أخذها للأقوى الذي سيحقق مطلبها دون أي وسائط بينهما تأخذ معها القليل من الوقت حتى يصلها طلبها، فأرادت أن تقدم طلبها إليه مباشرة فهي لن تتحمل أكثر من ذلك حتى إذا كان القليل من الوقت.
فتح باب المكتب ودلفت بعد أن أذن لها. رفع نظره قليلًا عن الأوراق لكنه دُهش عندما رأى وجه هيام، لطالما ابتعدت عنه، فقال بحيرة من سبب قدومها:
-- تعالي يا هيام.
أقتربت أكثر بقلب مُرتجف وعقل مُتردد ثم جلست أمام المكتب تحت أنظاره بعد أن ترك الأوراق وعمله لأجله، فما أتى بها لهنا ليس بشيء بسيط بل بالتأكيد مهم جدًا. تمتمت هيام بنبرة خافتة مُتحاشية النظر إليه:
-- أنا بحب…
نظر عاصم لها بجدية دون أن يعقب، فرفعت رأسها تنظر إليه ويدها وضعت على يسار صدرها ثم قالت بخفوت:
-- أتوحشتيه؟
قالها عاصم بنبرة هادئة تمامًا، لا تعلم هيام أهي نبرة مُخيفة ستجلب العاصفة خلفها أم نبرته تعني موافقته على ألمها وسماعها. هزت هيام رأسها بالإيجاب قليلًا وقالت:
-- أمممم أتوحشته يا عاصم!!
أتاها صوت مازن كالصاروخ الذي خرج من محله مُتجهًا إليها يفتتها لإشلاء عندما يقول:
-- جولتي أيه؟……
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نور زيزو
بجول بحب يا مازن، ما أنت بتحب وعاصم بيحب واللي بتحبهم بنات على فكرة، هتحللوه عليكم وتحرموه عليا، بحب يا مازن ومعملتش حاجة غلط، بالعكس يا أخويا أنا جاية أجولكم بحب عشان تفكروا فيا هبابة كيف ما بتفكروا فى حج اللى مات فكروا فى حج اللى عايش وياكم ولا مستنين لما أموت عشان تفكروا فى حجي واللى أنا عايزاه…
قالتها “هيام” بحزن شديد وألم يجتاح قلبها ويحرق صدرها. حاول “مازن” أن يتحدث مُعارضًا حديثها لكن أوقفه يد “عاصم” التى رفعها أمامه بمعني أن يتوقف ولا يحادثها.
نظر “مازن” إلي والدته الجالسة أمامه بعد أن أستمعت لما حديث من أبنتها وقال بنبرة جادة ولهجة قوية:
--أمي فكري هبابة بهيام، هيام حاسة أن كل اللى يهمنا هو سارة اللى راحت وهى ولا ليها جيمة وعوزة عندنا، أن جيتي للحج أنا كمان خوفت… خوفت أن يحصل حاجة من عند ربنا ويصيبها أذى لا قدر الله ووجتها هنفضل مقهورين العمر كله أنها راحت منين، بالنسبة ليا كفاية أنها مسمعتش لحد وحفظت على ثجتنا فيها يا أمي، هيام تستاهل تعيش وتفرح زى أى بنى أدم عايش.
لم تعقب “مُفيدة” علي حديثه وظلت صامتة تتساءل كيف تفرح وتغمرها السعادة وهناك قطعة من روحها لم تنال حقها ويُعاقب من سفك دماء طفلتها. تنهد “مازن” بحيرة ممزوجه بالعجز من تغيير رأي والدته، خرج من الغرفة صامتًا بعد أن اوصل لها حديث “هيام”.
سار فى البهو مُتجهًا للسلالم لكن صوت “عاصم” أستوقفه وهو يقول:
--مازن، تعال أنا عايزك.
نظر “مازن” لـ “عاصم” بقلق شديد من رغبته فى الحديث معه. أتجه إلى المكتب خلفه ورأي “عاصم” يبعثر شعره الأسود بيده بحيرة مُرتدي بنطلون رمادي وتي شيرت أسود اللون. سأل “مازن” بفضول:
--خير، أنا بجلج لما بما بتعوزني.
ضحك “عاصم” بخفة ثم قال:
--أجعد أنا خليت حلا تعملينا أتين جهوة.
أتسعت عيني “مازن” على مصراعيها بدهشة وقال بذهول أصاب نبرته قبل ملامحه وحركاته اللإرادية:
--مين؟ حلا!! هي ناجية جصرت فى حاجة.
--مالك يا مازن؟
ضحك “مازن” بسخرية من أمر هذه الفتاة وقال بتهكم شديد:
--ما عاذ الله يا كبير، هى مرتك وعلي عيني ورأسي لكن أنا ممستغنيش عن عمري، مرتك!! دى مبتعرفش تعمل الرضعة لولدها هتعملي جهوة.
تبسم “عاصم” على زوجته البلهاء لكنه مُمتن لكل محاولة تفعلها من أجل التعلم ويثق أنه سيأتي يوم وتستطيع فعل ما تريده. قال بنبرة دافئة تليق بالحديث عن محبوبته ومدللته:
--على الأجل بتحاول، وإياك يا مازن تجول حاجة لما تيجي… تشرب جهوتك من غير ولا كلمة ويكون أحسن لو شكرتها.
نظر “مازن” للجهة الأخري وبدأ يتمتم بكلام غير مفهوم فسأله “عاصم” بحدة:
--بتجول حاجة؟
هز رأسه مصطنع البسمة ثم قال:
--لا سلامتك، إن شاء الله تجول الكلمتين اللى عندك جبل ما الجهوة تيجي، خش فى الموضوع يا عاصم دوغري.
تبسم “عاصم” على تهرب أخاه من شرب فنجان قهوة صنعته بيديها أم هو يشرب ويأكل كل ما تقدمه فى صمت بل يدفع ثمن قهوته أو وجبته لها حبًا ودلالًا. تحدث “عاصم” مع “مازن” يخبره عن هذه المرأة ومحاولة إختطاف “مصطفي” لطفله لينظر “مازن” له بجدية وقال مُشتعلًا من الغضب:
--وأنت هتهمله أكدة وتكتفي بجوازي من خيته.
رفع “عاصم” حاجبه بغرور شديد ليبتسم “مازن” بعد أن فهم هذه النظرة وقال بخفوت مُتردد:
--أنت عرفت اللى هتعمله .. لا أنا خابرك زين أنت مجتش تجولي اللى بيدور من ورايا غير لما بدأت تأخد حجك بالفعل وبدأت تتحرك.
صاحته هذه اللحظة رُسمت بسمة على شفتي “عاصم” نادرًا ما تُرسم على وجه هذا متحجر القلب ثم قال:
--بتعجبنى وأنت فاهمني زين!! هجولك على عملته واللى ناوي أعمله يا مازن ولما يتحجج وجتها ممكن تطلج نهلة وترجعها لأهلها مبجاش ليها عوزة لكن لو رجعتها دلوجت هتفتح عيونهم أننا بنخطط لحاجة، وأنا أتعلمت درس مع جدك الكبير العين بالعين والسن بالسن وأهم حاجة المعاملة تكون بالمثل بنفس الجلم والجسوة اللى دوجتها لازم يدوجها، كيف ما جتلوا سارة غدر ومن ورايا.. أنا كمان هلعب من وراهم لكن لما أخد حجي هأخده وعيني في عينيهم لأانى مش غدار.
تبسم “مازن” بحماس ليخبره “عاصم” بخطته كاملة وما هو يريده أن يفعله. كاد “مازن” أن يتحدث بالموافقة لكن أستوقفهما صوت صراخ من الخارج. خرجوا الأثنين معًا وكان الصوت قادم من المطبخ وتحديد صوت “ناجية”. هرع الأثنين إلى المطبخ وكانت “حلا” جالسة على الأرض تبكي بألم من الفشل فى صنع شيء كأى امرأة مسئولة عن زوج ومنزل وطفل، ماذا أن كان زوجها لم يملك خادم كـ “ناجية”؟ ماذا كان سيصيبها؟، تطلع “عاصم” بزوجته الباكية بينما “ناجية” تقف فى الخلف بحزن من بكاء “حلا” ثم قالت بقلق من ظهور “عاصم”:
--والله جولتلها أعمل أنا هي اللى رفضت.
كان المطبخ فى حالة من الفوضي ملئ بقطع الخضراوات وشرائح البطل والمقلاة على البوتاجاز كأنها كانت تحاول أن تصنع طعام وفشلت. تمتم “مازن” بخفوت شديد قائلًا:
--أنا متنازل عن كوباية الجهوة.
ضربه “عاصم” فى خصره بضيق ليذهب من أمامه. أقترب “عاصم” من “حلا” وجثا على ركبتيه أمامها ثم رفع يده إلى وجهها وبسبابته رفع رأسها كي تنظر إليه فقالت بنبرة واهنة باكية:
--كنت عايز أعملكم سندوتشات مع القهوة.
تبسم “عاصم” بلطف عليها ثم أشار إلى “ناجية” بأن تذهب لتترك المطبخ وترحل. وقف بعد أن مسكها من أكتافها وقال بحب:
--عاوزة تعملي أيه؟
أشارت على طبق وقالت بحزن:
--كنت هعمل سندوتشات تشكين برجر وحلقات بصل مقرمشة شوفتهم على التيك توك حلوين جدًا.
تبسم “عاصم” ليها بلطف شديد على سعيها لفعل الأفضل ثم قال بنبرة خافتة:
--وماله نعلمهم.
بدأ يرتب المطبخ أولًا وهى تراقبهم عن كثب وتتابعه بنظراتها. وضع الزيت فى المقلاة على البوتاجاز وبدأ يقطع الطماطم وصنع خليط من أجل البصل بينما “حلأ” تتابع زوجها المُثير بأفعاله. تسللت من أسفل ذراعه لتقف أمامه وهو يقطع البصل لشرائح فتبسم إليها وقال:
--خلي بالك طب لسكينة تعورك.
تبسمت بعفوية وهي تشعر بدفء جسده ومن الخلف ثم قالت:
--معقول أتجرح وأنت معايا…
ألتفت برفق لتتقابل أعينهم معًا فقال بجدية:
--أخلص الأكل طيب وبعدين نشوف أنتِ عايزة أيه.
ضحكت “حلا” عليه ويديها تلف حول خصره بلطف وقالت:
--حد يصدق أن الكبير بيطبخ، دا الحب بصنع المعجزات فعلًا.
أبتعد عنها وأخذ شرائح البصل من خلفها ثم أتجه إلى المقلاة وبدأ يضع بها الطعام. السعادة التى كانت تغمر “حلا” بهذه اللحظة كفيلة بإيقاف العالم بأسره هنا. تعلم أن ما تصنعه ليس الأفضل لكنه يتقبل بصدر رحب مُتعمدًا أن يزيد من حماسها وألا يصيبها بالفشل حتى تستمر. خرجت وتركته فى المطبخ بعد أن سمعت صوت بكاء طفلها فى هذا الجهاز الصغير….
دخل “قادر” إلى المخزن الخاص بمواد البناء والإنشاء الخاص بشركة الشرقاوي ووجد المرأة تجلس محلها صامتة. جلس أمامها لترفع نظرها إليه بقلق شديد خائفة من أن يفعل بها شيء لتقول:
--خلاص هتجتلني.
نظر إليها بحدة شديد ثم وأخرج سكين من جيبه بهدوء لتفزع أكثر ثم قال:
--أجتلك ليه هو إحنا عصابة كيفكم، أه هو هملك لحالك تحاسبي على عمايله هو ما شاء الله رشح نفسه فى انتخابات مجلس الشعب عن دايرتنا بس معلش تتعوض.
--رشح نفسه.
قالتها بصدمة شديد مما سمعته للتو عن “مصطفي” فقال بجدية ونبرة باردة تحمل فى طياتها خبث كبير:
--اه على حساب ناس كتير كيفك خدعهم عشان يوصل للى عايزه كيف ما ضحك عليكي وخدعك عشان تخطفي ولد الكبير وأول ما وجعتي أديك سمعتي بودانك اللى يأكلها الدود دي كيف أتخلي عنيك، بس معلش تعيشي وتأخدي غيرها، جومي روحي.
نظرت له كثيرًا بحيرة لا تصدق أن “عاصم الشرقاوي” بنفسه غفر لها فعلتها ومحاولة خطف ابنه فأشار “قادر” لها بنعم يجب أن تذهب بعد أن مد يده لها بالسكين وقال:
--خليها وياكي عشان تتأكدي أننا مهنأذكيش.
أخذت السكين منه ولم تفكر أكثر لتقف من محلها وتفر من أمامه قبل أن يغير رأيه ويقتلها على جريمتها التى شاركت “مصطفي” بها وتدفع ثمنها وحدها هنا لكن قبل أن تغادر نهائيًا سمعته يقول:
--مستنيش فى طريجك وأنتِ معاودة تعدي على السوج أصل عضو مجلس الشعب المستقجبلي بيلف هناك عشان الناس تنتخبه، أهو تشوفه وهو واجف بيضحك على حسابك.
تأففت بضيق شديد ثم خرجت من المكان غاضبة بل عاصفة هلاكية وستلتهم “مصطفي” وحده. أخرج “قادر” هاتفه وأتصل بـ “مازن” ثم قال كلمة واحدة بعد أن وضع الهاتف على أذنه:
--حصل.
أغلق “مازن” الاتصال بينما يقف فى بهو السرايا وقال بجدية:
--همي أمال يا ست الكل.
خرجت “مُفيدة” من غرفتها مُرتدية عباءة سوداء ملكية تدل على مكانتها وثرائها الفاحش، وتضع حجابها الأسود على رأسها رغم أنها لم ترتدي الحلي والزين مُنذ وفأة “سارة” فقالت:
--أنا مخابرش مالك مستعجل كدة ليه يا ولدي وواخدني على فين بس؟
أخذ يدها فى ذراعه بحماس وقال:
--همي يا كبيرة جبل ما الحفلة تخلص ويفوتك منظر ميتكررش مرة تانية.
لم تفهم حديثه أو سبب رغبته فى إناقتها اليوم ومصاحبته لمكان لا تعرف عنه شيء، أى منظر سيفوتها لكنها كل هذا جعلها تسير فى صمت معه. أخذها فى سيارته إلي حيث السوق وهناك سمعت هتاف الجميع وترحيبهم ب”مصطفي” الذي يسير على قدمه وسط رجاله ووالده “فايق الصديق” بجواره. أشتعلت غضبًا وعينيها تكاد تقتل “مصطفي” وتحرقه الآن خصيصًا ببسمته هكذا بعد أن قتل أبنتها. شعر “مازن” بغضب وحزن والدته فقال بلطف بعد ان أخذ يدها فى يده بحنان وقال:
--دي البداية يا أمي جوي جلبك أمال دجيجة واحدة، معاوش غير أنك تجوي جلبك دجيجة واحدة وتملي عينك منه.
لم تفهم كلمته لكن سرعان ما جاء الجواب عندما أقتحمت سيارة “عاصم الشرقاوي” السوق ليتوقف الجميع عن الهتاف وترجعه للخلف كأنهم تخلوا عن “مصطفي” بحضور الكبير. فتح “قادر” باب السيارة الخلفي ليترجل منه “عاصم” بكبرياء وغرور قاتل. نظر للجميع حوله ثم قال:
--أنا موافجتش على الإنتخابات.
للحظة واحدة بدأ الجميع يرموا من يديهم ملصق الأنتخابات وأبتعدوا أكثر عن “مصطفي” فقال بغضب:
--محدش طلب موافجتك.
ضحك “عاصم” بكبر على هذا الرجل وتقدم نحوه بعد أن أخذ ملصق الأنتخابات من أحد الرجال الذين يوزعوا على الجميع ووقف أمامه بتهكم شديد وقال بنبرة ساخرة هامسًا له:
--لتكون فاكر أن ممكن تنجح فى الإنتخابات من غير موافجتي، فتح عينك وشوف أنت بتكلم مين أنا عاصم الشرقاوي الكبير يا عيل صغير، اه أنت عيل صغير أفرموا بجزمتي وأوعدك لو طال عمرك للمسا هنجحك فى الإنتخابات.
أتسعت عيني “مصطفي” على مصراعيها بصدمة ألجمته بعد أن أخبره “عاصم” أنه سيقتله الليلة ويسترد حقه بيديه بطريقة غير مباشرة. هندم “عاصم” وشاح “مصطفي” بسخرية وقال بنبرة مُخيفة:
--لما تكون جتيل لازم تكون جتيل أنيج وجميل.
ألتف “عاصم” كي يغادر وفتح “قادر” باب السيارة وقبل أن يصعد نظر “عاصم” لأحد رجاله الذي يقف وسط رجال “مصطفي” وأشار له بنعم. أخرج الرجل سكين من وشاحه وقبل أن يطعنه ظهرت هذه المرأة تصرخ بأسمه:
--مصطفي.
ألتف “مصطفي” لها بعد أن سمع صوتها وكان وجهها غاضبًا كأنه وصلت لأقصي درجة التحمل وتخليه عنها أفقدها صوابها بعد أن تركها تدفع ثمن جرائمه وحدها. كانت تركض نحوه حافية القدمين وبجسد هزيل وملابسها متسخة بالأتربة. وفور وصولها أمامه قال بصدمة:
--عاصم هملك حية كيف!
--ربك أطال فى عمري عشان أخد عمرك ويايا.
قالتها ومع نهاية كلمتها غرست السكين فى قلبه فى وضوح النهار وأمام الجميع ليسقط جثة هامدة تحت أنظار الجميع. تبسم “عاصم” بفخر بعد أن أخذ ثأره أمام الجميع وفى وضوح الشمس. لكن هناك من كان بلغ أقصي درجات السعادة فكانت “مُفيدة” تبتسم بفرحة عارمة لم تظهر على وجهها مع ولادة “حلا” أو مع خبر حمل “فريدة” فرحة لم تتكمن من الدخول لقلبها ألا مع أخذ حق ابنتها المتوفية لتدرك أن “عاصم” وابنها من أنتقموا إليها دون أن يلوثوا أيديهم بالدم.
عادت للسرايا بسعادة وهى تطلق الزعاريط فى كل أرجاء السرايا بسعادة. جاء الجميع على صوت زعاريطها لتقول “حلا” بأندهاش من فرحة “مُفيدة”:
--فى أيه؟
تبسمت “مُفيدة” بسعادة تغمرها وقالت:
--فرحانة أيه مش من حجي أفرح لما أخد حج بنتي، وهيام، فين هيام؟
ألتفت للخلف لتراها تقف على الدرج مذهولة من فرحة أمها وقالت:
--جهزي حالك، عاصم من هبابة أتصل بأدهم وهجي بعد المغرب نقرأ الفاتحة لا أنا هخلي عاصم وأخوكي مازن يتفقوا على حفلة الخطوبة الخميس بعد بكرة.
لم يفهم أحد ماذا حدث لهذه السيدة حتى أخبرهما “مازن” بموت “مصطفي” وأكد لـ “حلا” أن الفاعلة هى المرأة التى أختطفت ابنها قتلته بعد أن تخلي عنها. أتجه “مازن” إلى حيث غرفة “نهلة” التى لم تسمع بخبر وفأة أخاها بعد وقال بجدية:
--ممكن أتكلم وياكي كلمتين.
نظرت له بصمت ليقول:
--أنا مكنتش عايز أتجوزك، كيف أتجوز وأنا رجل متجوز وبحب مرتي بكل نفس ليا وكل دجة جلب لكن أهو الظروف كانت أجوي مني، مكنتش بتجاهلك جسوة منك لكن النصيب بجى، أنا جيت أجولك لمي حاجاتك أنا عديت على المأذون وطلجتك جبل ما أجي، العربية برا هتوصلك لدار أهلك.
خرجت “نهلة” عن صمتها بقلق شديد ثم قالت:
--طلجتني!! مصطفي جراله حاجة، أبويا حصله أيه؟ أذيتهم صح.
--إحنا من مطاريد ولا جتالين جتلة، أنا أختارت سعادة مرتي وفرحة جلبها.
قالها بجدية بعد أن وقف من مكانه ليغادر فقالت بحزن:
--بس أنا ماليش مكان فى بيت أهلي، كيف أرجع أعيش وياهم بعد ما أتخلوا عني ورموني هنا عشان يعيشوا، أنت فاكر أن ممكن اللى أتكسر جوايا يتصلح لا اللى أهلي كسروا هيتحصل ولا اللى أنتوا كسرتوا هتحصل، لا هجدر أعيش خدامة أهنا ولا هجدر أعيش سلعة فى بيت أهلي بيعوها كيف ما يعوزوا.
خرج من الغرفة دون أن يعقب ليجد أمه تقف أمام الباب تستمع لحديثهم فقالت:
--بعد عن طريجي يا مازن.
دلفت للغرفة و”مازن” يقف خلفها بقلق مما ستفعله فى هذه الفتاة ألم تأخذ روح القاتل ودفع ثمن جريمته. أعطت حقيبة صغيرة إلى “نهلة” وقالت:
--دول ربع مليون جنيه وهتلاجي عجد شجة بأسمك جوا، أعتبريهم مؤخرك وحجوجك عند ولدي وتعوضي على إهانتي ليكي وعيشي وحججي أحلامك لكن نصيحة مني متعاوديش لدار أهلك اللى رموكي أهنا ومسألوش فيكي لأنك خسارة فيهم، عارفة أنا أم واللى يجرب لعيالي لأكله بأسناني وأولع فيه حي لكن أنتِ لا عندك ام ولا أب يولعوا فيا على اللى عملتوا فيكي. تبجي خسارة فيهم.
غادرت وجمعت “نهلة” أغراضها بحيرة وهى تتسائل لما الآن قرروا تركها ترحل؟ أخذها “قادر” بالسيارة إلى حيث الشقة التى أصبحت ملك لها وعينيه لم تفارقها فى المرآة. هدوءها وصمتها يدلوا على أنها لم تعلم بعد بموت أخاها. ترجلت من السيارة فحمل الحقائب لها وصعد إلى الشقة فتحها وأدخل الحقائب ثم أعطاها المفتاح وقبل أن يغادر سمعها تقول:
--شكرًا.
ألتف إليها بذهول فقالت ببسمة خافتة:
--شكرًا يا جادر.
أومأ إليها بنعم ثم قال بحدة:
--العفو، متنسيش تجفلي الأبواب كويس ربنا يوفجك فى حياتك.
غادر بعد كلماته البسيطة وتركها لا تصدق أنها وأخيرًا نالت حريتها والآن لديها الكثير لتفعله فى حياتها وتبدأ من جديد وحتمًا الأيام سترمم ما أفسده العالم بداخلها.
ركضت “هيام” على الدرج بسعادة تغمرها لا تصدق بأن هذا اليوم تحقق فعلًا. كانت ترتدي فستان سماوي اللون مصنوع من التُل بطبقات كثيرورابطة من الستان حول خصرها. وقفت “جاسمين” و”حلا” و”فريدة” معها على الدرج وهى تراقب “أدهم” الجالس هناك فى الصالون مع “عاصم” و”مازن” وقلبها لا يتوقف عن النبض بجنون. لم تتخيلي أن أمنيتها تحققت الآن. ترجلت “مُفيدة” من الأعلي بعباءة زرقاء اللون وترتدي ُحليها وذهبها كأنها عادت للحياة بعد الثأر قالت بفخر:
--معجول فى عروسة تجف أكدة كيف المخبرين، مستعجلة على أيه بكرة تجولي كنت هانم فى بيت أبويا.
ضحكوا الفتيات بسعادة ثم قالت “فريدة” بغرور:
--ألا طبعا لو بيت أبوكي هو بيت جوزك مهتحسيش بتغير واصل.
أقطعها صوت “مازن” الذي صعد الدرجات القليل لأجلهم وقال:
--جاهزة يا عروسة.
هزت رأسها بنعم ليأخذ يدها فى يده ونزل درجة لكنه عاد مُسرعًا إلى زوجته الواقفة وقال:
--أيه الحلاوة دى بت كيف الجمر، أجري غيري الفستان الحلو دى… أديها عباية من عندك ياماض.
ضحكوا عليها فقلت “فريدة” بسخرية مُبتسمة:
--أتفضلي يا ستي.
ضحكوا على غيرته التى لم يتنازل عنها لمرة كلما رأها. أخذ “هيام” معه للأسفل لتركض الفتيات خلفهم. ألتف “مازن” بضيق قائلًا:
--رايحين فين أطلعوا على فوجوا.
أتاه صوت “عاصم” الذي يحدق بزوجته التي تقف هناك مُرتدية فستان أحمر من قماش قشر السمك اللامع ويظهر أنوثتها يقول:
--هملهم يا مازن.
أخرجت “حلا” لسانها تغيظه وركضت نحو زوجها الذي يدعمها دومًا فى كسر العادات والتقاليد حتى وأن كان يعاني من هذا الأمر لكن بسمتها تكفي لقلبه. جلست بجوار “عاصم” بينما جلست “هيام” على الأريكة الذي يجلس عليها “أدهم” رغم بُعد المسافة وكان يتطلع بوجهها الجميل بخجل من وجود أخاها وابن عمها. لطالما أراد أن يخبرها كم هى جميلة ويتغزل بها فى الحال لكنه خجالًا من فعل ذلك أمام هؤلاء الرجال. تمتم بنبرة خافتة:
--نقرأ الفاتحة وإن شاء الله كيف ما أتفجنا هي بس تجهز نفسها وفستانها وحاجات البنات دى ونعمل الخطوبة بس معلش أنا لي طلب.
نظر الجميع له فقال بلطف:
--أنا عاوز نعقد مع الخطوبة.
صرخ “مازن” برفض قاطع:
--لا، كتب الكتاب مع الفرح.
ضحكت “فريدة” وهى تتذكر أفعاله عندما أصبح زوجها وكيف تجاوز الحدود لطالما كانت حلاله وزوجته أمام الله والجميع. نظر “عاصم” له بهدوء ثم قال:
--خليهم يعملوا اللى عايزينه يا مازن، كيف ما تحبوا أتفج وي عروستك.
--شكرًا.
ضحك “عاصم” بعفوية وهو يقف مُمسكًا بيد زوجته وقال:
--لازم تشكرني مفيش رجل صعيدي هيجولك أكدة، بس أنا بجي رجل صعيدي عاشج وخابر زين كيف الحب بيسكن صاحبه، عندك مثلًا هيام اول مرة تتكلم ويايا كان بسبب الحب جدر دا زين وأهم حاجة تحطها جوا نن عينك وتحترم جنانها، صدجني مهما كانت عاجلة الستات لما بيحبوا بتحولوا لمجانين.
نكزته “حلا” فى ذراعه بينما نظر “أدهم” إلي “هيام” وقال بلطف:
--هُيام فى جلبي جبل عينى والله ووعد عليا أصونها وأعززها كيف ما كانت فى داركم وأكتر كمان.
أومأ الجميع لهم ثم غادر “أدهم” وبدأ يحتفل أهل المنزل معها ويباركوا لها بسعادة. مر يومين فقد بسبب فرحة “هيام” وأنجزت كل شيء خاص بتحضر حفل الخطوبة وكان الحفل بسيطًا جدًا يكفى لعائلتين داخل السرايا بحضور المأذون وعدد قليل من أصدقاء “أدهم”. جلس المأذون على طاولة زجاجية فى حديقة السرايا ووضع يد “أدهم” فى يد “مازن” وكيلًا للعروس وبعد أن عقد القران ورفع المنديل بدأ “قادر” بطلق النيران مع رجاله كتحية. وقف “عاصم” يراقب فرحة الجميع تمامًا كما أراد أن ينهي الحزن ويقتله من منزله ليعيد السعادة لأهل هذا المنزل التى سلبت منه فى أيام الحزن والوجع. لقد أنتشل الحزن من قلوبهما. ودع الرجال وهكذا “أدهم” وعائلته ثم أتجه للداخل حيث حفلة الفتيات ورحل الجميع بينما وقف فيتات منزله يمرحون مع “هيام” التى أصبحت زوجة مُنذ قليل. وقفت “حلا” جواره وتشبثت بذراعه بسعادة وقالت بهمس لا يسمعه سواه:
--عصومي.
--عايزة أيه؟
قالها “عاصم” بجدية بعد أن بدأت تدلله دون سابق أنذار. كان واقفًا بمنتصف البهو يسمع الجميع يبارك لـ “هيام” على عقد قرانها لكنه مشغولًا بحديث هذه الفتاة التى تثيره وتحتل كيانه فهمست إليه بحب قائلة:
--ما رأيك بسندوتش واحد تشكين برجر وحلقات بصل مُقرمشة؟!
نظر للجميع بخجل ثم عاد بنظره إليها وقال هامسًا إليها بأحراج، خاجلًا من أن يعلم أهل بيته أنه يصنع الطعام من أجل زوجته وقال بهمس:
--حلا.
--ما تقلق كلهم هيناموا فى دقيقتين من التعب.
أومأ إليها بنعم قاطعه حديث “مازن” الذي وضع يده حول عنق “فريدة” بعفوية وقال:
--الحمد لله بجيت فى رجبة حد تاني وخلصت منك، مبجاليش غيرك يا جميل أبيض يا جشطة أنتن.
نكزته “فريدة” فى خصره بخجل من نصيبها فى حديثه وغزله بها أمام الجميع ووالدته “تحية” واقفة وتبتسم عليه فقالت:
--أتلم يا مازن.
لطالما كانت هذه الكلمة تغيظه منها فصاح بغضب مصطنع:
--خليكي شاهدة يا حماتي حتى بعد ما بجيت مرتي وأم ابني بتجولي أتلم، أعملها كيف دي.
ضحك الجميع عليهما لتبتسم “فريدة” وهمست إليه بخبث:
--خلاص أتلم بس مش جوي.
قهقه ضاحكًا لها ثم قال:
--عجبت لكم يا نساء، حتى أنتوا معارفنيش عايزين أيه ولا فاهمين حالكم هنفهمكم إحنا كيف؟
هز “عاصم” رأسه بنعم كأنه يوافقوا الرأي. رفعت “حلا” حاجبها بغرور مُصطنع ليبتسم إليها بينما ضربت “فريدة” قدم “مازن” بغيظ من كلمته وقالت:
--والله طب أعمل حسابك تنام عند أمك النهاردة.
نظرت “مُفيدة” لها بهدوء وقبل أن تفتعل الشجار معها حملها “مازن” على ذراعيه وقال:
--عند أمي وجدرتي تجولها أنا هوريكي أنا هنام فين النهاردة، عن أذنكم يا جماعة متخافوش مهضربهاش أنا هفهمها غلطها وأن مفهمتش هطلجها وأتجوز واحدة تاني.
ضحكوا عليهم وهو يصعد بها بينما هي لا تكفي عن الصرخ به والتذمر بشأنه. وصل للرواق وهى تصرخ به قائلًا:
--نزلني يا مازن، أنت بتسجوي عليا أكمني بحبك.
سألها بنرة دافئة وعينيه تحدق بعينيها الأثنين بحب وضربات قلبه تطرب صدره:
--أكمنك أيه…
أجابته بنبرة دافئة وقلبها لا يختلف حاله عن حال قلبه المتراقص فوق ضلوعها الصلبه:
--بحبك.
فتح باب الغرفة بحماس وهو يقول:
--والله وأنا بموت فيكي أجولك على حاجة هتموتي يا سوسو.
ضحكت بعفوية على تقليده لـ “محمد هندي” ثم صرخت فرحًا بعد أن أغلق باب الغرفة بقدمه. بدأ الجميع يذهبوا لغرفهم وأتجه “عاصم” إلي المكتب ينهي عمله حتى يحن الوقت ويتأكد بأن الجميع غاصوا فى نومه بسبب كبرياءه حتي يصنع لها ما تريد. صعدت “حلا” للغرفة بدلت ملابسها بعد أن أخذت حمام دافيء وأرتدت قميص نوم من الحرير يصل لركبتها وفوقه روب بنفس اللون الأسود بأكمام من الدانتيل يصل لركبتيها. جلست تجفف شعرها بالمجفف حتى قاطعها صوت بكاء طفلها فوقت من محلها سريعًا وأتجهت إلى سريره الصغير وبدأت تلبي أحتياجات “يوسف” لكنهم كأى أم لأول مرة لا تعرف ماذا يريد ببكائه. أخرذته للمرحاض وبدأت تحممه بالماء الدافيء على بشرته ثم وضعت جسده الضئيل فى المنشفة وقالت:
--مبسوط؟
ضحك الطفل الذي يبلغ من عمره شهرين بوجه والدته لتضحك بعفوية عليه وبدأت تلبسه ثيابه مع حديثها معه كأنه يفهمها:
--ما تخيلت للحظة أنى أكون أم لبيبي، أنا حلا مستحيل، بتضحك عل أيه دلوقت بحكيلك حكايتي.
ضحك “يوسف” على تعابير وجهها الطفولي الممزوج بالوجه المُضحك فى نبرتها فتابعت “حلا”:
--هى حكاية تضحك فعلًا لكنها بقيت أفضل بسبب عصومي.. اه عصومي تعرف بجن جنونه إذا قولت عصومي قدام حد، أصل كيف بيكون الكبير ويتقاله عصومي كدة… خلي بالك أنا عايزاك تكون زيه رجل قوي وشجاع حتى لو أتقال عليك وحش كفاية أن أنا بس اللي بكون عارفة قد أيه أنت حنين وطيب…
أصدر الطفل صوت بضحكته كأنه يعارضها فقالت بحزم:
--اه أنا بس.. لتكون فاكر أن ممكن أسيبك لواحدة تحبك وتأخدك مني، لا مستحيل أنت بتاعي أنا وبس ما بتتخيل أنا أستنيتك قد أيه عشان تخرج.
شعرت بذراعيه تطوقها من الخلف بدفء شديد بعد أن أستمع لحديثها وقال بعفوية ونبرة دافتة:
--بس أنا موافج أن واحدة تأخده ما دام هتحبه كيف ما أنتِ بتحبني.
ضحكت “حلا” ثم رفعت ذراعيها إلي يده الموجودة حولها تتشبث بهما بدلال ثم قالت:
--مستحيل حد يحب حد كيف ما أنا بحبك يا عصومي، أصلًا أتحداك لو حد جواه حب بقدر الحب اللى جوايا لكلم يجيبها بلسانه بل أكتفي بوضع قبلة من شفتيه على عنقها المثير ثم أخذها إلى الطاولة لتتناول الطعام.
الذي صنعه من أجلها لتبسم “حلا” بحماس شديد من وجوده معها الذي يجعل من كل شيء تريده ممكن فقلت بلطف:
--شكرًا.
رفع حاجبه بغرور شديد ووجه مُتذمر عاقدًا ذراعيه أمام صدره فقالت بقلق:
--ايه؟
--مش ناسية حاجة.
قالها بجدية لتضحك بسعادة ثم أقتربت لتضحك قبلة على وجنته بدلال وقالت:
--شكرًا… شكرًا …. شكرًا.
قالتها بلطف وبدأت تكررها مع كل قبلة تضعها على وجهها دون أن تترك أنش لم تقبلها فتبسم بسعادة ثم قال بإمتنان:
--لازم تشكري طريجة شكرك يا حلا لأنها أول حاجة ربكتني منك وفتح باب جلبي ليك.
أتسعت عينيها بأندهاش من هذه الكلمات وقالت:
--بجد! لا أنا لازم أشكرك فعلًا.
وقف يركض من محله وهى خلفه تصرخ بسعادة وتريد أن تقبله مرة أخرى وتشكره وعمت الغرفة ضحكاتهما حتى أنه تخلي عن هيبته ووقاره لأجل هذه الفتاة التى تسكن بداخله وتجعل منه شخص أخر لا يراه غيره ولم يظهر سوى أمامها. أراد أن يتفادي السرير الأرجوحي الخاص بطفله فسقط على فراشه الكبير وهي فوقه وبدأت تقول بعفوية:
--شكرًا على حبك!! شكرًا لأنك ملكي وبتاعي! شكرًا لأنك عصومي حبيبي أنا.
أكتفت ببسمة ويديها تحيط خصره بإمتنان لهذا القدر الذي أحضرها للصعيد تحديدًا لهذا الرجل كي تسكن قلبه عوضًا عن بيته.
خرجت “نهلة” من الجامعة مع أصدقئها بعد أن تغيرت حياتها كثيرًا فى هذه الفترة وقد مر على خروجها من منزل “الشرقاوي” أكثر من ستة أشهر ولا تصدق أنها الأن فتاة عشرينية بسنتها الأخيرة مُطلقة لكنها تعافر من أجل النجاح رغم حديث الناس حولها فهم لن يعطوها شيء ولن يفيدوها فى قساوة الأيام كل من يفعله الحديث الذي لا قيمة له. نظرت على الطريق أثناء حديثها لتُدهش عندما رأت “قادر” يقف بسيارته هناك يتطلع بها كالمعتاد فمؤخرًا بعد أنتقلها فكونها زوجة لم يدخل بها فلم يقيدوها عدتها التي لا تملكها. تبسمت بلطف إليه.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نور زيزو
ترجلت “هيام” من السيارة أولًا ثم قالت:
-- لما أخلص هكلمك.
تبسمت “حلا” بخجل شديد ثم قالت:
-- لا ممكن تروحي لوحدك النهار دا، عاصم هيجي ياخدني.
نظرت “هيام” على بسمتها ثم أومأت إليها بنعم وغادرت.
لينطلق “حمدي” إلي كلية الهندسة ثم ترجلت “حلا” من السيارة، ذهبت نحو “أمير” و “رقية” وجلست معهم لتقول “رقية” بعفوية مازحة:
-- وأخيرًا رجعنا للجامعة.
تبسمت “حلا” بخجل ثم قالت:
-- اشتقت لكم والله.
تبسمت “رقية” بعفوية ثم قالت:
-- واضح واضح.
وضع مقعد آخر على طاولتهم ليرفع الجميع نظرهم وكان “عمران” يجلس جوارهم، قال بعفوية:
-- حمد الله على السلامة يا جميل.
أجابته “حلا” بلا مبالاة وهى تنظر فى الهاتف وتكتب رسالة لـ “عاصم” تخبره بوصولها للجامعة.
كان “أمير” غاضبًا من هذا الشاب وهو يبحث فى ماضيه خلسًا ليقول:
-- تشرب حاجة يا عمران؟
هز “عمران” رأسه ثم قال:
-- شكرًا، بجولك يا حلا.
أومأت إليه بنعم وهى تتحدث مع زوجها فى الرسائل قائلة:
-- قولك.
كاد أن يتحدث لكنها وقفت مُسرعة ولا تبالي له عندما أخبرها “عاصم” أن تتصل به عندما تكون خارج المحاضرة، أسرعت بالركض بعيدًا عنهم فتبسم “أمير” ساخرًا من تجاهلها إليه وقال بسخرية:
-- أنا لو مكانك هدفن نفسي فى الأرض على الكسفة دي.
داعب “عمران” وجنته بضيق من هذه المعاملة ثم وقف ليذهب فمر من جوارها بضيق وهو يقول:
-- مصيرك يا ملوخية تيجى تحت المخرطة.
تبسمت “حلا” وهى تتحدث فى الهاتف قائلة:
-- خرجت.
أومأ إليها بنعم وهو يقود سيارته بيده اليسري ويضع الهاتف على أذنه بيده اليمنى ثم قال:
-- أكيد لأن بسبب طفلة مشاغبة نمت متأخر وأتاخرت على شغلي.
تبسمت “حلا” بخجل وهى تتذكر لحظاتهم معًا أمس لتقول بأستحياء وهى تخفض رأسها للأسفل قائلة:
-- آسفة.
تبسم وهو يتخيل خجلها الآن فقال بلطف:
-- ولا يهمك، ممكن تروحي تكملي دراستك وأفتكري أنك فى الجامعة عشان تدرسي يا حلا بلاش دلع.
أومأت إليه بعفوية ثم قالت بحب وضربات قلبها لا تتوقف عن النبض بجنون من أجل هذا الرجل الذي تمكن من قلبها كاملًا ليصبح مالكه الوحيد، بهذه اللحظة كان قلبها يتراقص على صدرها ويرفرف فرحًا فأغلقت معه الأتصال وذهبت إلى حيث “رقية” صديقتها وجلست جوارها لتقول بخفوت:
-- عمران مشي عشان أضايج من طريقتك وياه.
تبسمت “حلا” بلا مبالاة ثم قالت بخفوت:
-- أحسن، لو عاصم جه وشافه كان حصل حاجات مش لطيفة.
نظرت “رقية” إليها بفضول شديد ثم قالت:
-- عاصم مين؟ دا اللي كان فى الخطبة وأخدك ومشي صح؟
تبسمت “حلا” وهى تفكر به ثم قالت بخفوت:
-- آه جوزي.
أتسعت عيني “رقية” على مصراعيها بأندهاش شديد من كون صديقتها الصغيرة متزوجة ودخلوا معًا للمحاضرة وبعد خرجوهم جلست تقصي “حلا” إلى صديقتها عن زوجها لتقول “رقية” صدمة ألجمتها:
-- معقول تتجوزي واحد أكبر منك بعمر كامل، حلا دا بيلبس جلابية وشبه العجائز يا حبيبتي أيه اللي عجبك فيه؟
تبسمت “حلا” بعفوية وهى شاردة فى “عاصم” ومواقفه معها لتقول:
-- مش إعجاب بس، لو قلت أني عاشقاه هتصدقينى؟
هزت رأسها بالنفي لا تستوعب عقل هذه الفتاة لتأتي “سارة” من الخلف باسمة وتقول:
-- لا صدقيني، أنتِ ما بتتخيلي نهائيًا جنون صاحبتك بس جال أنه هيطلقها.
بدأت تقصي “سارة” جنون “حلا” وضعف قلبها عندما يخبرها بالفراق فضحكت “رقية” بسخرية قائلة:
-- لا أنتِ مجنونة رسمي، أنا أجازف بحياتي وأنط من اللكونة عشان رجل ما يولع سورى يعني.
طلبوا طعامهم من كافتريا الجامعة وبدأ تقصي “حلا” عن حياتها وهكذا “رقية” ويتسامرون معًا.
خرج “ليام” من المنزل مُرتديًا عباءة ويلف وشاحًا حول وجهه المحترق ليصعد بالسيارة وأنطلق إلى حيث الجامعة ليراقب “حلا” عن قرب بعد أن أوقف السيارة صعد “عمران” به ليقول:
-- أنت اللي أتصلت بيا؟
أومأ “ليام” إليه بنعم ثم أعطاه صورة “حلا” وقال:
-- عايزها وعارف أنك هتقدر تعملهالي.
نظر “عمران” للصورة ليشعر بقلق من هذا الرجل الغريب فقال:
-- أعمل إيه؟ لا طبعًا أنا مش بلطجي.
تبسم “ليام” بسخرية من كلمة هذا الشاب ورفضه ثم قال بسخرية وعينيه تنظر على الطريق:
-- للعلم أنا عارف أنت بتجيب فلوسك منين؟ ولو عايزني أقولك أنت صورت كام بنت وأبتزتها بالصور أقولك، لكن أنا بقي عندي شغل يجيبلك أكتر من اللي بتجيبه بكتير.
نظر “عمران” له ليقول “ليام” بسخرية ووقاحة قائلًا:
-- متستغربش أوي، ما أنا مش أمام جامع أنا قواد.
نظر “عمران” له بصدمة ألجمته ثم نظر إلى صورة “حلا” بحيرة شديدة ليري “ليام” حيرته فقال بجدية وأغراء:
-- لو جبتلي حلا أنا هديك 50 ألف جنيه مش مجرد 5 أو 6 آلاف جنيه هتأخدهم لما تصورها زي غيرها.
ألقى “عمران” الصورة فى وجهه ثم قال بخبث شديد:
-- طب ما تسمع عرضي أنا.
الأول أنا أروح أقول لعاصم الشرقاوي خطتك وأنك بتسعى وراء بنت عمه هيدفع أكثر.
الثاني أعمل خطتي أنا والمبلغ اللي هطلبه هاخده منهم حتى لو كان مليون جنيه.
إيه بقي اللي يخليني أسيب كل ده وأجري وراك أنت…
تبسم “ليام” بمكر شديد ثم قال بخبث ولهجة مخيفة:
-- واضح أنك راسم خطتك أوي بس نسيت تتحرى عليها كويس، لأنك لو تعبت حالك شوية وسألت كنت عرفت أنها مش بنت عم عاصم الشرقاوي لا دي مراته.
قالها ثم أبعد نظره عن الطريق ونظر إلى “عمران” الذي أرتجف خوفًا من هذه الكلمة الأخيرة وأبتلع ريقه خوفًا وقبل أن يتحدث ” ليام” ترجل “عمران” من السيارة مُرتعبًا خوفًا وسار بعيدًا ليبتسم “ليام” بسخرية وهو يتمتم قائلًا:
-- بحقك يا عاصم كيف عملتها وخلت الكل يموت من الخوف منك….
أعادت “هيام” الكتب للمكتبة ولتمد لها الفتاة الكتاب الذي استعاره “أدهم” وقالت:
-- دكتور أدهم ساب لك الكتاب.
نظرت للكتاب مُطولًا ثم أخذت الكتاب وغادرت لتجد “حمدي” بأنتظارها فصعدت للسيارة والكتاب بيدها وأثناء قيادته إلى حيث كلية “سارة” لتأخذها فتحت الكتاب بفضول لقراءته لكنه فُتح إلى حيث الورقة المطوية بداخله، فتحتها بحيرة من ترك ورقة بداخل الكتاب ثم قرأتها بعينيها:
(آسف لو أخذت الكتاب منك بتمنى لك قراءة ممتعة لكن من غير غضب على الرغم من أنك جميلة جدًا في غضبك يا هيام)
تبسمت بخفوت على هذا الثناء ثم أغلقت الكتاب وأخفت الورقة فى حقيبتها عندما فتح باب السيارة لتصعد “سارة” ….
ركضت “رقية” مع “حلا” وتقول:
-- هشوفه من بعيد، بصراحة مركزتش قوي يوم الفرح.
تبسمت “حلا” بحرج من صديقتها العنيدة وهى تقول:
-- امشي يا رقية.
هزت رأسها وهى تقول بسخرية وتتبأطأ ذراع “حلا”:
-- مستحيل، الفضول بيقتلني أعرف إيه اللي عجب خواجة زيك في أبو جلابية، ده حتى رغم امتلاكه لشركة ومعظم رجالنا هناك جلعوا الجلابية إلا أنه زي ما هو…….
أتسعت عيني “رقية” على مصراعيها وهى تقول:
-- مستحيل…. لا.
التفتت “حلا” بلا مبالاة تنظر إلى حيث تشاهد “رقية” لتتسع عيناها بصدمة ألجمتها عندما رأت “عاصم” واقفًا يغلق باب سيارته بعد أن ترجل منها مُرتديًا بدلة رسمي ذات اللون الرمادي وقميص أسود ويرفع شعره الأسود إلى الأعلى، تسارعت نبضات قلبها بإعجاب به ووسامته، تمتمت بتلعثم من وسامته:
-- ده اللي من العجائز!!
أجابتها “رقية” وهى تسير إلى الأمام قائلة:
-- ينجطع لساني.
جذبتها “حلا” من ملابسها للخلف غاضبة بسبب غيرتها وهذه الفتاة تنظر إلى زوجها هكذا لتقول:
-- رقية ده جوزي.
قالتها وهى ترفع يدها للأعلى تضع الخاتم أمام عينيها، توقف “عاصم” أمامها ليقول:
-- خلصتي؟
أومأت إليه بنعم لتذهب معه فصعدت بسيارته وهى لا ترفع نظرها عنه، سأل “عاصم” وهو يقود سيارته وينظر للأمام على طريق:
-- هتفضلي باص لي كتير كده؟
تبسمت وهى تقترب نحوه بهيام ثم قالت بإعجاب شديد:
-- بصراحة أنت جميل جدا.
نظر إليها بعفوية ثم قال:
-- مش أول مرة تشوفي من غير الجلابية يا حلا، دايمًا في البيت بتشوفي كده.
تبسمت بعفوية ثم قالت:
-- ده حقيقي لكن يا عاصم أنت في البدلة كأنك حد تاني، بصراحة لأول مرة أعترض على الجلابية بس مديالك سن أكبر منك.
رمقها بطرف عينيه ثم قال:
-- تحبي نتغدا؟
رفعت حاجبها إليه بأندهاش من لطفه معها لتقول بقلق:
-- لتكون بتعاملني بلطف عشان تودعني وتطلقني؟
نظر إليها ليراها تتكأ بباب السيارة خائفة من لطفه ليفتح راحة يده إليها، ترددت كثيرًا فى مد يدها إليه لكنها فعلت فى نهاية المطاف ليغلق قبضته على يدها ثم قال:
-- معقول أودع حلوتي ها؟
نظرت إليه بحيرة شديدة ثم سألته بقلق:
-- طب قولي سبب التغيير المفاجيء.
دفع يدها إلى فمه ثم وضع قبلة فى راحة يدها وقال هامسًا:
-- كل سنة وأنتِ سالمة يا حلوتي.
رسمت بسمة مشرقة على شفتيها بعفوية ثم اتكأت برأسها على كتفه وقالت مُتمتمة:
-- لأنه عيد ميلدي.
أومأ إليه بنعم لتشرد قليلًا فى أفكارها وقلبها هائمًا فى العشق وكأنها بلغت قمة أحلامها فى هذه الحياة وشعر بالأرتياح وحب شديد بعد معاناة طويلة فى حياتها ثم قالت:
-- عاصم.
نظر للأسفل حيث تنام على كتفه لترفع رأسها عن كتفه وحدقت بعينيه الرمادية ثم قالت:
-- ممكن تحقق لي أمنية واحدة في عيد ميلدي؟
أومأ إليها بنعم وهو يقود سيارته وينظر إليها تارة وإلى الطريق تارة أخرى فتبسمت بحماس شديد ….
نظرت “تحية” إلى ابنتها الحزينة ثم قالت:
-- قولت لك يا فريدة، مازن ما يجيش بالطريقة دي، تفتكري حتى لو هيوافق على شغلك بعد عملتك دي هيوافق بالعكس ده هيعاند أكتر.
صرخت “فريدة” بضيق شديد وسط بكائها:
-- خلاص عرفت كفاية من ساعة ما رجعت بتأنبيني، على فكرة أنا اللي بنتك مش هو.
جلست “تحية” جوارها بحنان ثم أخذت يدها بين راحة يدها وقالت:
-- عشان بنتي أنا خايفة عليكي يا فريدة، وبعدين كيف تدي فرصة لحماتك تمسك غلط عليكي ومن الأساس هي رافضة جوازكم.
صمتت “فريدة” ولم تجيب لتضمها “تحية” بلطف إلى ذراعيها وبدأت تربت على ظهرها بخفوت وقالت:
-- أهدي يا حبيبتي وأنا هتكلم مع مازن لما يعاود.
أومأت “فريدة” إليها بنعم لتتابع “تحية” كلماتها بجدية مُنبهة أبنتها:
-- لكن أوعاكي تحسسي جوزك مرة تانية أن رأيه مش مهم وأن ما دام عاصم أداكي الأذن خلاص، دلوقتي مازن أهم من عاصم وكلمته تمشي عليكي أكتر من عاصم، فاهمة.
أومأت إليها “فريدة” بنعم لتبتسم ” تحية” وهى تربت على وجنتي أبنتها وقالت:
-- أنا هحلها متجلجيش.
خرجت “تحية” من الغرفة لترى “حلا” تصعد الدرج للأعلى وخلفها “عاصم” تسحبه من يده وأتجهت إلى غرفتهم ، تبسمت “تحية” بعفوية عليهم وهى تقول:
-- الله يصلح حالكم.
دلف “حلا” إلى الغرفة لتترك يده وهى تقول:
-- استناني لحظة.
أومأ إليها بفضول شديد لهذه الأمنية التي تطلبها منه، دلفت لغرفة النوم بعد ان تركته بغرفة المعيشة، جلس على الأريكة وفتح الشاشة ليشاهد التلفاز بسبب تأخيرها، دق باب الغرفة ليفتح وأخذ كعكة عيد ميلادها من “ناجية” ليضعها على الطاولة ووضع بها الشموع تحمل 19 تمثيل عمرها الصغير ثم نظر نحو الباب المغلق ثم قال:
-- حلا أنجزي…
قاطعه صوتها من الداخل وهى تقول:
-- تعالي يا عاصم.
تأفف بضيق من الانتظار ثم وقف من مكانه وهو يفتح زر سترته بملل ليفتح الباب الجرار ودلف ليراها تقف أمام المرآة مُرتدية فستانًا أسود اللون قصير يصل لأعلى ركبتيها وبدون أكمام يظهر أكتافها وعنقها بوضوح وتسدل شعرها على ظهرها وتضع مساحيق التجميل، ترتدي كعب عالي وكانت جميلة جدًا لدرجة جعلته يقف محله لا يتحرك ساكنًا إليه ويتابعها بنظراته وهى تضغط على هاتفها لتبدأ الموسيقي في البدء ثم استدارت إليه وسارت نحوه حتى وقفت أمامه ورفعت عينيها به لتقول:
-- عاصم.
لم يُجيب عليها بل كان شاردًا بهذه الزوجة الطفلة التي لم تكبر لكن تسعى جاهدة في هذه، لكنها لا تعرف أنها لا حاجة للكبر لأنها في الأساس تسكن بداخل قلبه، تسارعت نبضاته وهو ينظر إليها لتبتسم ببراءة وقالت مُجددًا:
-- عاصم.
تنحنح بحرج شديد وهو يقول:
-- امممم.
تبسمت بخفوت شديد ثم قالت:
-- طبعًا إذا طلبت تخرجني مستحيل.
عقد حاجبيه بضيق شديد بعد كلماتها ثم قال:
-- تخرجي كده، ده أنا جوزك ومكسوف أبصلك بالخجل ده.
ضحكت بعفوية وهى ترفع ذراعيها حول عنقه وتشبثت به ثم قالت:
-- طب ممكن وأنت مكسوف ترقص معايا؟
أندهش من طلبها ونظر إلى عينيها بأرتباك وهو لم يفعل هذا من قبل، لتأخذ “حلا” يديه وتضعها على خاصرته ثم رفعت ذراعيها حول عنقه مُجددًا وبدأت ترقص معه على الموسيقي، ذابت الشموع على الكعكة مع مرور الوقت، نظر بعينيها صامتًا لتقول بنبرة هامسة:
-- لو قولت لك أن النهار ده أجمل يوم في حياتي من يوم ما جيت البلد دي هتصدقني؟
رفع يده اليمنى عن خصرها ثم أبعد خصلات شعرها للخلف بدلال ثم قال:
-- آه هصدق يا حلا.
تمتمت “حلا” بجدية بعد أن توقفت عن الرقص وقالت:
-- أمنيتي في سنتي الجديدة أنك ما تسيبنيش يا عاصم، في الحقيقة كل ما فكرت أن كل بيسيبني يمشي بترعب، بابا سابني ومشي مع إني كنت بحبه ومتعلقة به وأنا صغيرة بس أول ما قرر يرجع لطنط مفيدة وأخواتي سابني ومشي، بعده ماما قررت تنتقم من هجره ليها فيا وبدأت تجيب رجالة البيت وقصادي من غير ما تفكر فيا، وفي الأخر قررت تسيبني عشان الفلوس.
دمعت عيني “حلا” حزنًا من حياتها التعيسة ثم تابعت بلهجة واهنة:
-- لو تعرف أني بطلت أحتفل بعيد ميلدي من سنين طويلة بسبب ماما بس لأنها قررت تبعني لرجل أكبر من بابا في عيد ميلدي الـ15 لكن وقتها هربت منها وياريتني ما رجعت ليها لما تعبت من سنة وقتها قررت تبعني تاني لكن المرة دي للتجارة، أصلًا حياتي تعيسة كفاية لذا ما كان قرار مجئي لهنا أصعب خطوة في حياتي.
جهشت باكية بحزن شديد على حياتها وهى ترى ذاكرتها كشريط تمر أمام عينيها أثناء حديثها فجلست أرضًا ليجلس أرضًا جوارها يستمع لحديثها بعد أن رفع يده إلى وجنتها ليجفف دموعها لتنظر إلى عينيه بأمتنان سافر وتابعت الحديث وهى ترفع يدها إلى وجنته تلمس لحيته بحب شديد قائلة:
-- لما جئت هنا شوفت في عيونهم كلهم القسوة والكراه كأني منبوذة إلا العيون دي، أطمنت كل مرة أطلعت فيك كنت بحس إني بأمان حتى في قسوتك يا عاصم كانت عينيك بتطمن كأنها بتقولي متخافيش مني مستحيل أذيكي، لأول مرة أنام من غير خوف لما ضمتني وقتها عرفت أن ماما مستحيل تأذيني ومستحيل أفتح عيني على خوف، لو تعرف قد إيه كنت خايفة من شمس النهاردة يا عاصم تطلع ويمكن ده السبب اللي خلاني أجي عندك امبارح.
قاطعها بنبرة خافتة وهو يمسح دموعها بقلب مفطور يبكي وجعًا على حياتها وما ذاقته في أيامها وعمرها القصير قائلًا:
-- حلا….
وضعت سبابتها على شفتيه تقاطعه ثم قالت:
-- أنت أول حد يغار علي يا عاصم، قبلك ولا حد قلق عليا ولا حتى اهتم لمرضي، حتى أمي ما خافت عليا من الموت لكن أنت أول حد يمنعني عن الموت ويقول أن حتى موتي ما مسموح به، لو تعرف بس أنك أول إيد تمسح دموعي وتضمني لذا حتى لو كرهتني ممكن ما تسبنيش والله إذا سبتني يا عاصم ما هتحمل فراقك.
أومأ إليها بنعم بحنان وهو يقول:
-- أطمني مههملكش واصل….
نظرت إلى عينيه الرمادية هذه العيون التي زرعت بداخلها الأمان والسلام الداخلي وقالت بحب شديد هائمة بعشقه ومشاعرها التي احتلت قلبها مُرحبة بهذا الاحتلال:
-- أنا بحبك يا عاصم.
لم يُدهش من كلمتها فهو يعلم بهذا الحب من قبل، فلم يُجيب عليها لينحني إليها وهى جالسة بين ذراعيه ليُقبل عيونها الباكية بحنان لتُتمتم مُجددًا قائلة بهمس ونبرة ناعمة:
-- عاصم بقولك بحبك، تسمحي لي أحبك صح!!
أبتعد عن عيونها لتفتحهم ببطء شديد ثم قال بدفء وعينيه ترمق عينيها الخضراء التي يفيض منها العشق والدفء بحنان:
-- ده الحاجة الوحيدة اللي مسموح لك بها يا حلوتي.
تبسمت بعفوية وسط دموعها التي لوثت وجنتيها وزادت من احمرارها ليمرر سبابته على شفتيها مُستمتعًا بهذه البسمة وقال بنبرة خافتة:
-- بحقك يا حلا كيف عملتيها؟
نظرت إليه بأستفهام وهى لا تفهم سؤاله وتلاشت بسمتها ثم قالت:
-- هي إيه؟ أنا ما عملت حاجة، أحلف لك؟….
أخذ يدها فى يده ليضعها فوق صدره حتى تشعر بضربات قلبه الذي يخفق بسرعة فاقت سرعة البرق مُتراقصًا بين ضلوعه الصلبة وعينيه تنظر بعينيها مباشرة وقال بحب:
-- لم ينبض لأحد من قبل، أنتِ أحييتِ قلب الوحش عديم القلب.
أتسعت عينيها على مصراعيها بأندهاش من اعترافه بالحب إليها، ربما هو لم يُدهش من اعترافها لأنه كان يعلم به لكنها لم تكن تصدق ما تسمعه أو تستوعب كونها سكنت قلبه لتقول بتلعثم:
-- عاصم.
أنحنى إلى أذنها ثم همس بنرة مبحوحة دافئة وأنفاسه تضرب عنقها:
-- تشنج جسدها وكأنها تجمدت مكانها ولم تقوى رئتيها على استقبال أو إرسال الهواء من الدهشة التي أصابها وتكاد تجزم أن قلبها توقف من وهلة الدهشة بهذه اللحظة ليكسر تجمدها عندما شعرت بشفتيه الدافئة تقبل عنقها البارد تاركًا عليه قبلته الملكية ………….
كان “عمران” يفكر طيلة الليل بحديث “ليام” ليحسم أمره وقد اختار طريقه ليصعد على دراجته النارية وينطلق صباحًا مُتوجهًا للجامعة إلى حيث سيجد “حلا” فرصته الذهبية التي سيجني من خلفها الكثير من الأموال تكفيه عمره كاملًا …………
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل السادس عشر 16 - بقلم نور زيزو
نزل”مازن” من غرفته صباحًا مُستعدًا للذهاب إلى العمل لكن استوقف قدميه صوت “تحية” من الخلف تناديه:-
-مازن
ألتف إليها بضيق وهو يعلم جيدًا سبب رغبتها فى الحديث لتقول:-
-تعالي عايز أتكلم وياك يا مازن
سار نحوه غاضبًا من “فريدة” وأفعالها العنيدة ثم جلس جوارها على الأريكة وقال بضيق:-
-أتكلمى يا خالة بس خلي بالك أنا مهيغرش رأي
نظرت إليه ببسمة خافتة ثم قالت:-
-أنا مجولتش تغير رأيك، أنا خابرة زين أن بنتي غلطانة والغلط راكبها من مشط رجلها لرأسها، بس ينفع أول ما تغلط أكدة تخيرها بينك وبين اأى حاجة فى الدنيا مهما كانت أيه، يا ولدى دا أنت عنديها متتجارنش بالكون كلته
تحدث “مازن” بضيق شديد قائلًا:-
-لو صحيح أنا عنديها كيف ما بتجولي ماكنتش راحت تأخد أذن عاصم وأنا ولا أكنى موجود، دا أنت كتبت عليها وبجيت جوزها
ربتت “تحية” بلطف على كتفه وقالت:-
-عيلة يا مازن ولسه متعودتش على أنك جوزها، راحت لعاصم لأنها متعودة أنه ولي أمرها من وهى فى اللفة، وغلاوتي عندك يا مازن عديها المرة دى وأنا بوعدك أجعد وياها وتكون أخر مرة ، خلي بالك أنا مسكتلهاش والله
تنحنح بضيق صامتًا يفكر فى حديثها ثم قال:-
-ماشي يا خالة عشان خاطرك بس وغلاوتك عندي، أنا هروح شغلي
تبسمت “تحية” بحماس وهى تقف من مكانها وتقول:-
-لا أبدًا ما تطلع من البيت وأنت زعل أكدة ….. فريدة يا فريدة
جاءت “فريدة” من الغرفة المجاورة تنظر للأرض بحرج منه لتبتسم “تحية” بسعادة وقالت:-
-راضي جوزك يا بنتى وحسك عينك تزعليه مرة تانية
غادرت “تحية” تتركهم وحدهما لينظر “مازن” إليها وقال بخفوت:-
-بتجولك مرة تانية، متعرفش أنك مبتعمليش حاجة غير أنك تزعلينى
رفعت رأسها ترمقه بعينيها ثم قالت بتذمر:-
-متزيطش فيها يا مازن
نظر حوله بغزل ثم نظر إليها بوجه حاد وقال:-
-طب أيه مهتصالحنيش
نظرت إليه بضيق وهو يدير وجهه إليه لتضرب ذراعه بخجل شديد وتقول:-
-أتلم يا مازن
رفع حاجبه إليها غاضبًا ثم قال:-
-وربنا ما هتصالح إلا لما أخد واحدة، دا انا كاتب كتاب وربنا أفضحوك
قهقهت ضاحكًا على تذمره لينظر إلى بسمتها وهو يضع يده على قلبه ويقول بعفوية:-
-يا خراشي، ما تيجي أجولك كلمة كدة سرًا
ضحكت بعفوية عليه ثم قالت بلطف:-
-بطل بقي، متزعلش أنت عارف زين أنى مجدرش على زعلك
هز رأسه إليها بنعم ثم نظر لهاتفه الذي يرن ولم يتوقف وقال بتعجل:-
-ماشي يا ست البنات، أنا همشي
ألتف وهو يستقبل الأتصال ويضع الهاتف على أذنيه لكن توقفت قدميها عن التقدم حينا مسكت “فريدة” ذراعه ليستدير لها وهو يقول:-
-متجلجش أنا …..
بترت حديثه عندما وضعت قبلة على وجنته وقالت:-
-متزعلش
نظر إليها مُصدومة ولسانه توقف عن الحديث فتبسمت “فريدة” بعفوية عليه وقالت:-
-طلعت بوء بس وجلبك ضعيف
أغلق الخط لتركض للأعلي بعفوية وهو يناديها من الأسفل:-
-خدي يا بت هنا
وقفت بالأعلي تغيظه وتخرج لسانها إليه ثم قالت:-
-بعينك يا مازن
ضحك “مازن عليها بعفوية وقلبه يكاد يتوقف عن الرقص عاشقًا وصارخًا بعشقه يبوح به ويضخه بين أوردته، غادر “مازن” المنزل وبسمته لم تفارق وجهه بعد أن كان سيغادر تعيسًا من خصامهما……
___________________________
أستئذان “أمير” منهم ليذهب إلى المرحاض لتكن فرصة “عمران” وتسنح له بتنفيذ مخططه خصيصًا بعد معرفته بخطط “حلا” و “رقية” بعد الجامعة، ذهبوا معًا إلى محل ملابس نسائيًا وبدأت “حلا” تختار مع صديقها بعض الملابس الخاص لأجلها وفعلت “رقية” المثل بما أنها على وشك الزواج كونها مخطوبة لأحد أفراد العائلة جبرًا لتقول:-
-والله شجعتينى يا حلا أتجوز ابن عمتى حتى لو مبحبوش يمكن أحبه فى الأخر زيك
تبسمت “حلا” بعفوية وهى تعطي البطاقة البنكية للبائعة وتقول:-
-أكيد طبعًا أتمنى تلاقي الحب يا رقية لأنك بتستاهلي
خرجوا الأثنين معًا وذهبت “رقية” مع أول ميكروباص مر من أمامها وكان “عمران” يراقبهما بعيدًا ويفكر كيف يتقرب منهن لكن بعد رحيل “رقية” كانت الفرصة الأنسب له التى لن تكرر نهائيًا، قاد سيارته إلى حيث “حلا” ثم توقف أمامها ليقول:-
-على فين يا حلا؟
أجابته بضيق من ظهوره أمامها قائلة:-
-مروحة
أشار إليها بأن تصعد فهزت رأسها بلا وهى تحاول الأتصال بـ “حمدى” لكن هاتفه كان مشغولًا فتبسم “عمران” وكأن حظه يساعده ليقول:-
-أركبي يا حلا هوصلك مش هأكلك
تأففت بضيق وهى تشعر بأنقباض قلبها ثم صعدت للسيارة ويا ليتها نصتت لقبضة قلبها وتردده أو تشبثت برفضها …..
___________________________
أعادت “هيام” الكتاب للمكتبة لتتركه مع الأمينة وهى تطلب منها ان تعطيه لـ “أدهم” حين يأتي ، غادرت وهى تعلم أن الأسبوع القادم ستبدأ إمتحانات الترم مُتمنية أن يحصل “أدهم” على الكتاب قبل توقف المحاضرات…
___________________________
أستيقظ “عاصم” صباحًا على صوت “حلا” وهى تجلس خلفه بالفراش وتتكأ على ذراعيه تقول:-
-عاصم هتتأخر أصحي
فرك عينيه بتعب وهو يستدير إليها لتتكأ بذراعيها على صدره وبدأت تداعب لحيته بأناملها الناعمة ثم قال:-
-صباح الخير يا حبيبي
تبسم وهو يأخذ نفسًا عميقًا ويتطلع بوجهها مُبتسمًا ثم قال:-
-صباحك ورد يا حلوتي
داعبت خصلات شعره بدلال ثم قالت:-
-الساعة 10 هتتأخر وبعدين تقول أن حلوتك السبب
ضحك بخفة وهو يقرص وجنتها بلطف وقال بجدية:-
-دا ميمنعش أنك السبب برضو
ضحكت “حلا” بخفة عليه وأعتدلت فى جلستها بدلال ثم قالت:-
-طب يلا يا أستاذ عشان ما تتأخر بجد، كمان أنا ورايا مذاكرة معقول أقعد أصحي فيك اليوم كله
هز رأسه بنعم وترجل من فراشه لتقول بجدية وهو يسير نحو المرحاض:-
-أنا مش هروح الجامعة النهار دا
دلف للمرحاض وهو يستمع لحديثها من الخارج ولم تكفي عن الحديث فى تفاصيل يومه بالأمس فى الجامعة حتى أنها أخبرته عن أختفاء “عمران” وتغيبه عن الجامعة مُنذ أكثر من أسبوعين، وهو لا يبالي ويلف عمامته جيدًا ثم ذهب للخارج لتركض “حلا” على الدرج بتعجل خلفه وهى تصرخ باسمه قائلة:-
-عاصم!!
ألتف محله ينظر إليها ليقول بخفوت:-
-براحة يا حلا هتوجعي
وقفت أمامه ببسمة مُشرقة تنير وجهها ثم قالت:-
-ما تخاف
أومأ إليها بنعم ثم قال بنبرة دافئة:-
-عايزة ايه؟ أنا ورايا شغلي، كفاية أنى متأخر بسببك
تبسمت بعفوية وعينيها ترمقه بأندهاش ثم قالت:-
-شوفت قولتلك هتقول أنى السبب ، بعد أذنك ما تتأخر، اليوم الخميس وأنا عايزة أتفرج وياك على فيلم
أومأ إليها بنعم ثم غادر المنزل بعد أن وضعت قبلة على وجنته بدلال فخرج مُبتسمًا، ألتفت “حلا” لتعود للدرج لكنها رأت “مُفيدة” جالسة على الأريكة فى الصالون وتحدق بها لتقول:-
-دلع بنات، أتحشمي هبابة والدلع المساخ دا يبجى فى أوضتكم مش جصاد الخلج
تنحنحت “حلا” بحرج من كلماتها ثم قالت:-
-أسفة لو ضايقك يا طنط بس عاصم مضايقش
وقفت “مُفيدة” من مكانها غاضبة من هذه الفتاة وما زالت لا تتقبل وجودها رغم مرور أكثر من 3 شهور على وجودها هنا وقالت:-
-قسمًا بربي أنا اللى حايشنى عنك أنك مرته، لكن جريب يطلجك ووجتها مهيمنعنيش عنك حد يا حلا
تبسمت “حلا” بغرور وهى تعقد ذراعيها امام صدرها بكبرياء وثقة من حبها وقالت:-
-مستحيل يا طنط، عاصم ما بيطلقنى أرتاحي ، أكرهنى زى ما تحبي لكن أنك تتدخلي فى حياتى لا ممنوع وما بسمح لك
غادرت “حلا” بضيق شديد من هذه المرأة التى تتجنب دومًا الحديث معها ورؤيتها ……
_____________________________
وصل “عاصم” على الشركة ودلف إلى مكتبه ليدخل السكرتير خلفه ويقدم له ظرفًا مُغلقًا وقال:-
-ساعى البريد جابه لحضرتك وجال محدش يفتحه غير جنابك
أخذه “عاصم” منه وأشار إليه بأن يرحل ليخرج السكرتير ثم فتح “عاصم” ليُصدم عندما رأى هذه الصور ووقف من مكانه بصدمة وهو يقلب فى الصور وعينيه لا تتحمل رؤية ما يراه ليتوقف قلبه غضبًا مما يراه وخرج من المكتب كالثور الهائج من محله مُتجهًا للمنزل وهو يتمنى ألا يراها هناك حتى لا يقتلها بيديه فى الحال، وصل للمنزل ودلف دون أن يغلق حتى باب سيارته وصرخ بأسمها بغضب شديد:-
-حلا
فزعت “تحية” من مكانها على صراخه ووجهه كان يوحي بكارثة، لم تراه من قبل بهذا الغضب أو الانفعال فعندما يطلق الرصاص على أحد يكون هادئًا كالتلج وباردًا لكن صراخه وهو يبحث عنها كالمجنون أنذرت “تحية” بالخوف وذعرت ، خرجت “حلا” من المطبخ مع “فريدة” وهى مُرتدية فستان طويل بكم وفضفاض وتقول:-
-عاصم جت بدرى
ألتف إلى حيث صوته وعندما رأها لم يتمالك غضبه ووجع قلبه فأسرع نحوها وهو يمسكها من شعرها بقوة لتفزع وهى تقول بأندهاش:-
-حصل أيه يا عاصم؟
وضع الصور أمام عينيها لتشهق بصدمة وفزع عندما رأت نفسها بحضن رجل أخر بقميص نومها فشل لسانها عن الحديث من صدمة ما تراه وفاقت من صدمتها سريعًا وهو يقول بغضب:-
-أيه دا؟ بتستغفلينى أنا
صفعته الأولى نزلت على وجهها لتصرخ بألم وهى لا تفهم الأمر ولا تستوعب الموقف ليأخذها من ذراعه بقوة بعد أن نزلت “مفيدة” من الأعلى مع “سارة” من صوت صراخها ليقول:-
-بتخونينى أنا ….
صفعها مرة أخرى لتجيبه ببكاء وجسدها ينتفض فزعًا من غضبه وعينيه التى تخبرها بأنه سيقتلها فى الحال:-
-لا أنا معملتش حاجة، دى مش أنا
صفعها مرة أخرى بقوة لتسقط أرضًا منه من قوة صفعته ويقول صارخًا:-
-دى أنتِ يا مدام بخلجاتي، أطلع أجيبهالك من فوج من دولابك
كانت ترتجف بصدمة وهى تراه يقترب ليكمل ضربًا بها فعادت زحفًا للخلف بخوف شديد منه وتقول بتلعثم وسط بكائها وشهقاتها التى تزداد:-
-مش أنا والله
مسكها من غرتها بقوة وهو يرفعها بشدة لتقف معه من الألم لينظر بعينيها ويشعر بنفضات قلبها وجسدها بين قبضته لترى دموعه التى لوثت عينيه وكأنها خذلته وكسرت قلبه للتو فقالت بخوف مُرتجفة:-
-مش أنا ، معملتش حاجة ….
كان الجميع يحدق بهما وأنحنت “فريدة” تلتقط الصور من الارض لتراها وتدرك كم الغضب الذي به وسببه، رفعت نظرها إلى حيث يقف “عاصم” بها ويصفعها، شهقت “تحية” بقوة من كم الغضب وهو يشبه البركان الذي أنفجر للتو على عكس “مُفيدة” التى كانت تقف مُبتسمة وتقول:-
-كانت مستني أيه من تربية أمها الخمورجية
على عكس أبنتها التى لم تقوى على التدخل أو مُحادشته كى يبتعد عن أختها لكن كانت تعلم أن من سيقوى على التدخل هو أخاه الذي بالخارج لسوء حظ أخته فهرعت “سارة” بذعر شديد وهى تتصل بـ”مازن”باكية بخوف تترجاه أن يعود مُسرعًا للمنزل فقال بقلق:-
-فى ايه؟؟
لم تجيبه بل أجاب عليه صرخات “حلا” كأنها تستغيث بأحد أن ينجدها من يد هذا الوحش وهى تصرخ باكية بأرتجاف:-
-والله ما أنا يا عاصم
لم يكن يستمع إليها بل ينهل عليها بصفعاته المتتالية غاضبًا ويغلي كالبركان ولم تجرأ أحدهن على الوقوف أمامه كي تنفذ هذه الفتاة منه ليقول:-
-أنا المغفل يا حلا
ركضت من بين يديه بذعر وتشعر بألم فى كامل جسدها حتى أختبأت منه خلف “تحية” وتقول:-
-والله ما أنا، أنت غلطان
صاح بأنفعال وقد فاض به الأمر ووصل للجنون بعد أن رأها بحضن رجل أخر قائلًا:-
-أنتِ يا حلا، معجول أغلط فى مرتى…. بس لا يا حلا أنتِ لعبتى فى النار لما فكرتي تدوسي على شرفي وعرضي وجبتلي العار
أسرع فى خطواته نحوها وعقله لا يستوعب ما رأه وقلبه انشق لنصين للتو لتركض ذعرًا منه وتُتمتم باكية بألم شديد:-
-عاصم أنا
جذبها من شعرها بقوة وكلما سمع صوتها ازداد غضبه أكثر ليسقطها على الأريكة وينقض عليها بصفعاته، حاولت “تحية” أبعده عنها وهى تقول:-
-هملها يا عاصم
دفعها بغضب يعمي عينيها وعقل فقده للتو وهو يقول:-
-بعدي هملنى أغسل عاري بيدي
لفظت أنفاسها بصعوبة ليرفع يده كي يصفعها مُجددًا لكن هذه المرة أستوقفه صوت “مازن” من الخلف يقول بغضب ولهجة حادة:-
-إياك تلمسها يا عاصم
توقف وعينيه تحدق بوجه “حلا” وهى تنتفض بين ذراعي “تحية” وشهقاتها لم تتوقف ليقول بنبرة هادئة مُخيفة مُعبأة بالوجع:-
-أنتِ طالق يا حلا
أتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة فرغم أنه أبرحها ضربًا فلم يتألم قلبها كما توقف للتو بصدمة من كلمته فحلمها المُخيف الذي لطالما هربت منه وترجته إلا يفعله ويحققه قد تحقق للتو، قبل أن تصل قدميه إلي غرفة المكتب صرخ الجميع بأسمها عندما فقدت الوعي وسقطت أرضًا من وهلة الصدمة لطالما أخبرته بأنها لن تتحمل فراقه وتركه لها، لم يبالي لما حدث لها وحتى أن موتًا وليس إغماء فلم يهتم، أخذوها إلى غرفة “هيام” ليسأل “مازن” عن السبب فكانت “مُفيدة” التى لم تتأخر فى أثار غضب الثاني لتعطيه الصور وهى تقول:-
-أتفضل شوف أخوك اللى حطت رأسكم فى الطين
نظر “مازن” للصور وأشتعل عقله جنونًا وغضبًا وهو لا يُصدق ما يراه ليركض إلى حيث غرفة أخته وكانت الفتيات فى الداخل وأغلقوا الغرفة بالمفتاح توقعًا لغضب “مازن” فقال:-
-أفتحوا، أفتحى يا سارة جبل ما أفتح رأسكم وياها
أجابته “فريدة” بغضب شديد قائلة:-
-اهدأ يا مازن خلينا نطمن عليها الأول
صرخ من الخارج غاضبًا وهو يقول:-
يكش تكون ماتت وأرتاح منها وندفن عارنا وياها
سمعته “حلا” من الداخل ودموعها لم تتوقف عن الأنهمار على وجنتيها وترتجف بخوف وألمًا، وضعت “سارة” الثلج على وجهها المتورم من صفعاته لكنها لم تبالي لهذا الألم وظلت صامتًا مما جعل الفتيات يزيد قلقهم فسألت “هيام” وهى تدلك يدها بلطف:-
-حلا، ردى عليا وطمنينى
لم يخرج منها سوء صوت شهقاتها وأنين بكائها وتنظر للأمام فحتى عينيها لا تتحرك، نظرت “سارة” بخوف عليها إلى “أخواتها ثم قالت:-
-معجول اللى حصل، حلا ردينا علينا والنبي
أغمضت عينيها بقوة وكأن أول رد فعل تأخذه عندما أغمضت جفنيها بأنهيار وتمتمت بصوت مبحوح:-
-عاصم طلقنى!!
صرخت “هيام” بضيق شديد قائلة:-
-ما يكش يولع، هو بعد الضرب دا كله أنتِ عايزة تبجي على ذمته ليه؟
أدارت “حلا” رأسها إلى أختها بحزن وضعف شديد ثم قالت بتلعثم شديد:-
-عاصم فى الطبيعي كان سحب مسدسه وقتلنى يا هيام، لكنه أختار الضرب، ضربنى وهو بيبكى وعينيه بتتهمنى بالخيانة مع كل دمعة نزلت منها، عينيه كانت بتقولي أنتِ كسرتنى وخذلتينى، أيده كانت بتترفع علي وهى بتترعش من كسرته، نظرته كانت بتسألنى أزاى حبنى وأنا كسرته، أزاى خليت الكبير يطاطي رأسه، أنا كسرته حتى لو مظلومة …أنا … أنا هروح له
ترجلت من الفراش بهلع لا تستوعب ما يحدث لتقف “فريدة” أمامها بغضب سافر ثم قالت:-
-تروحي فين أنتِ اتجننتي، أنتِ لو خرجتى من الأوضة هتكون خرجتك من الحياة كلها وأن مكانتش على أيد عاصم هتكون على أيد مازن
تمتمت بضعف وعينيها لا تتوقف عن البكاء:-
-أنا لازم أروح أقوله أنى مظلومة، أنى مكسرتوش ولا أذيت قلبه
عقدت “فريدة” ذراعيها أمام صدرها بجدية ورمقتها بنبرة حادة ثم قالت:-
-كيف؟ كيف ظلومة وكيف هتثبتي دا يا حلا وأنت كيف عاصم بالظبط عارفة أن اللى فى الصور أنتِ مش صور مزورة وإلا مين العبجري دا اللى عارف شكل هدومك وجمصان نومك
هزت رأسها بالنفي وهى لا تفهم شيء ولا تملك مبرر لما حدث ثم قالت:-
-معرفش لكن أعرف أني مش خاينة، أصلًا أنا مستحيل حد يضمنى غير عاصم
رفعت “فريدة” حاجبيها بحزن شديد على حال هذه الفتاة وقالت:-
-جبل ما تثبتي أنك بريئة أوعاكِ تجربي من عاصم ولا تخليه يلمحك يا حلا لأن كيف ما جولتى، عندينا هنا وأنتِ مرت الكبير جزائك الموت، دى نصيحتى ليكي
غادرت الغرفة غاضبة من “حلا” بعد أن تأكدت من مغادرة “مازن”، ألتفت “حلا” إلى أخواتها بحزن وضعف ثم قالت:-
-مش أنا
لم تجيبها أى منهن وكأن الجميع صدق ما رأوه ولم يصدقوا معرفتهم بهذه الفتاة لتشعر “حلا” ولاول مرة أنها وحيدة لا تملك أحد يساندها أو يثق بها، دلفت للشرفة باكية تاركة الجميع خلفها بعد أن كان الصمت جوابهما، أخاها وأخواتها وزوجها كل من تملكهم فى حياتهم لم يثق بها أحد، حتى “عاصم” لم يثق بحبها له، ظلت حتى شروق الشمس وحيدة بالشرفة وتبكي بصمت فأتصلت بصديق لها فى كاليفورنيا شاب بعمر زوجه الوحيد الذي تعرفت عليه من علاقات زوجها وأتخذها صديقة له ولم يطمع بأكثر منها، ظلت تبكي بضعف وهى تخبره بما يحدث معها ولم يصدق نهائيًا بأن “حلا” الفتاة المتمردة التى لم تخضع لرجل من قبل رغم أغراءات والدتها لها تتهم الأن بالخيانة، طلب منها أن ترسل له الصور وهو سيفحصها بنفسه وأغلقت الهاتف ثم دلفت من الشرفة وكانت “هيام” نائمة لتسلل إلى باب الغرفة وهرعت للأسفل باحثة عن الصور لتجدها على السفرة، ظلت تحدق بها بصدمة وهى لا تصدق أن ما هذا حدث معها ……
لم يغادر مكتبه من الأمس لتجمع شجاعتها ودلفت “تحية” للغرفة وسارت بخطوات ثابتة وهى تقول:-
-عاصم
رفع رأسه عن راحتى يديه لتصدم عندما رأته يبكي فقالت بدهشة:-
-أنت بتبكي يا عاصم؟
لم يجيبها لتتابع الحديث بحزن:-
-مهتروحش الشغل
لم يجيب عليها لتبتلع ريقها بخوف من رد فعله ثم قال:-
-حلا عايزة تتكلم وياك…….
أسكتها بصراخ غاضبًا وهو يقول:-
-مرة كمان أسمع أسمها وهخلي بعده بيتجال رحمها الله
أبتلعت “تحية” لعابها بذعر لتغادر المكتب خائفة من غضبه ورأت “حلا” تقف أمام باب المكتب فهزت رأسها بلا بعد أن رفض محادثتها أو رؤيتها لتطأطأ رأسها وصعدت للأعلي بأنكسار شديد…..
____________________________
أعطت أمينة المكتبة الكتاب لـ “أدهم” ففتحته وهو يسير فى الرواق ووجد ورقة مطوية بالداخل ليبتسم بعفوية وهو يصل إلى مكتبه وألقي الكتاب على المكتب وفتح الورقة وكانت تحمل رسالة قصيرة لطيفة
(لقد كانت قراءة ممتعة خصيصًا بمساعدة دكتورى الذي ظلل الأجزاء الهامة… شكرًا لك سأعبر لك عن شكرك بكوب قهوة فى المكتبة، أخر يوم إمتحانات بعد اللجنة)
تبسم بعفوية على رسالتها مُتحمسًا لليوم الأخير رغما أن اليوم هو الأول….
____________________________
تحدثت “فريدة” بهدوء قائلة:-
-بالعجل يا مازن أختك بتموت على عاصم، ورغم كل الضرب اللى ضربه موجعهاش غير أنه طلجها معجول تكون بتحبه كل الحب دا وتخونه أو تعرف راجل تاني
تأفف “مازن” بغضب سافر مكبوح بداخله قائلة:-
-أنتِ بتبرري أيه يا فريدة، عاصم طلع ليا قميص النوم من الدولاب لما أصرت أن الصور مزورة معجول دى صدفة
تنحنحت “فريدة” بحرج وهى لا تملك مبرر لهذه الصور:-
-بصراحة العجل ميجولش أنها صدفة وفى نفس الوجت نفس العجل ميصدجش أن حلا تعمل كدة وهى عاشجة، يمكن كونها أتربت فى الغرب يخلينا نصدج أن دا يحصل منها لكن العاشجة مستحيل
صاح بضيق شديد قائلًا:-
-نصيحة منى يا فريدة، الحبس وأنها تتخبي منى مش حل لأن هى أكدة بتأخر أجلها مش أكتر
أتسعت عيني “فريدة” من عناد زوجها وقالت:-
-هتجتل خيتك يا مازن
رفع نظره بعيني “فريدة ثم قال:-
-ولو مرتي هجتلها برضو يا فريدة
وقف من أمامها ليغادر حاسمًا أمره بقتل هذه الفتاة فور رؤيته لها، صعدت “فريدة” للأعلي بحزن شديد إلى حيث “حلا” وبعد أن دخلت نظروا ثلاثتهم إليها لتهز رأسها إليهن بلا كأنها فشلت فى محاولة إخماد غضبه لتبكى “حلا” بحزن شديد وخوف ثم قالت:-
-أنا عايز أتكلم مع عاصم….
خرجت من الغرفة باكية ولم تبالي برؤية “مازن” حتى إذا قتلها فربما تستريح من حياتها المؤلمة، خرجت من المنزل إلى حيث “حمدي” وقالت:-
-ممكن تودينى لعاصم
ألتف إليها بهدوء ثم قال بنبرة مُحذرة:-
-نصيحة منى يا بتى متخلهوش يشوفك دلوجت، أنتِ متعرفهوش كيف ما انا أعرفه بس لسلامتك
تساقطت الدموع من عينيها وعادت للداخل وهى تشعر بيأس وكأن حياتها انتهت بالفعل دون أن يقتلها “مازن” فربما قتله إليها هو سبيل نجاتها من هذا الجحيم الذي تعيش به، شعرت بدوران شديد فى رأسها وهى تصعد الدرج كأنها أستسلمت وأخيرًا للموت وتسير بخطوات ثقيلة إلى حيث غرفة “مازن” حتى يطلق رصاصته التى تشبه رصاصة الرحمة إليها، وقفت أمام غرفته وهى تقوم دوران رأسها ورفعت يدها حتى تطرق الباب لكنها توقفت عندما مسكت “ناجية” يدها تمنعها وقالت:-
-تعالي يا بنتى….
_______________________________
تبسم “ليام” بعفوية وصوت ضحكاته تملي المكان وهو يقول:-
-عملتها كيف؟
تبسم “عمران” وهو يضع قدم على الأخرى بغرور وقال:-
-دى لعبتى أنا، تفتكر أنا بفربك صور مكنتش خدت جنيه ولا بجي عندي الفلوس دى، عشان تلعبها صح الوجت هو مفتاحك
نظر “ليام” إليه بأستفهام ليتابع “عمران” بجدية:-
-أنت جولت أنك مهتجدرش تأخد حلا طول ما هى مرت الكبير، وأنا كنت عايز فلوس وشوية أكدة بس الأمور تهدى وأنا هكلم عاصم وأطلب مبلغ محترم وإلا هنشر الصور دى خطتي لكن عملتها كيف فى ساعة إلا ربع ، ركبت ويايا العربية وأديتها العصير
وحلا ساذجة جدًا متعرفش تحذر من اللى جصادي ولحظي الجميل كانت خارجة من محل لانجري وشاري كام واحد طلعت بيها الشقة وصورتها وهى نايمة ولما فاقت كانت فى عربيتى، حلا نفسها متعرفش أنها طلعت الشقة معايا
ضحك “ليام” بسخرية وقال بحماس:-
-أنت طلعت شيطان
تبسم “عمران” وهو يقول:-
-من بعض ما عندكم، كدة أنا شيلت عاصم من طريجك ال50 ألف يبجوا عندي الصبح…. سلام ………
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل السابع عشر 17 - بقلم نور زيزو
رأته “حلا” يترجل من سيارته لتدخل ركضًا من الشرفة وتسللت من الغرفة وهى تفتح باب الغرفة برفق حتى لا تستيقظ “هيام” وتمنعها، جميعهم يمنعوها من الحديث معه خوفًا من غضبه لكن “حلا” كانت تملك رأيًا أخر.
دلف “عاصم” للغرفة مُنهكًا وألقي بالوشاح على الفراش ليسمع صوت الباب يغلق، ألتف “عاصم” ليراها تقف أمامه مُنذ أسبوع وهو لم يملح طرف أصبعها، تلاشت كدمات وجهها وتقف أمامه مُرتدية بيجامة وردية بشجاعة رغم أنقباض قلبها قلقًا من رد فعله لتقول:
--عاصم
تأفف بخنق شديد وهو يستمع إلي صوتها وقال بنبرة مُخيفة:
--أطلعي برا، أنا مانع نفسي عنك بالعافية يا حلا
حاول الأقتراب نحوها لكي يطردها لكنها كانت تملك خطتها فأغلقت الغرفة بالمفتاح وركضت نحو الشرفة وألقت به خارجًا وهى تصرخ بضيق شديد:
--أنتِ هتسمعنى يعنى هتسمعنى!! بما أنك حكمت عليا ونفذت وطلقتنى يبقي ليا عندك حق أنك تسمعنى، من حقي أدافع عن نفسي وأقول أنى بريئة ومستحيل أخونك…
توقفت هذه المرة عن الحديث عندما وصل أمامها ووضع يده على عنقها ودفعها بالحائط يخنقها وهو يحدق بعينيها وقد دمعت عينيه:
--أسكتى، أنا مش بس عايز أجتلك يا حلا، أنا عايز أجتل كل واحد منعني عن طلاجك من جبل وجالي حبها وعيش وياها ….أدينى حبت وجزائي كان الخيانة والكسرة، أنتِ كسرتنى يا حلا، أول مرة فى حياتى أحس أن ضهرى أتجطم
ذرفت دموعها بأنهيار وهى تستمع إليه بحزن شديد ودموعها تتساقط على يديه التى تضغط على عنقها لتتمتم بتعب شديد من قبضته قائلة:
--لا عاش ولا كان اللى يكسرك، ويبكيك لو أنا فعلًا وفعلًا مصدق أن انا عملت كدة، أقتلنى يا عاصم، أساسًا أنا ميتة من غيرك
ضغط أكثر على عنقها بجنون وعقله يجن جنونه ورأها تلفظ أنفاسها بصعوبة، لفظت انفاسها بصعوبة رغم إيمانه بأنه لن يصيبها بأذي مثل ما يعتقد الجميع وعينها تحدق بعينه بضعف مُستسلمة لما يحدث، ترك عنقها وهو يستدير بعيدًا عنها صارخًا ببكاء وقهرة مما يحرق قلبه وقال:
--كيف مش أنتِ يا حلا، أحلفلك بعمرى ورحمة أمى وأبويا أنها انتِ ، أنا مستحيل أغلط فيك يا حلا
هزت رأسها بنفي وهى تقول:
--مستحيل أكون أنا
ألتف إليها غاضبًا بجنونًا ولا يتحمل فكرة كونه ظلمها أو أتهمها زورًا ليقف أمامها مُنفعلًا وشق بيجامتها بقبضته بقوة وهو يصرخ بجنون لا يستوعب ما حدث:
--كم حد بيعرف أن عندك وحمة فى صدرك يا حلا، حتى أخوكي ميعرفهاش، دى صورك يا حلا مهيش متفربكة ولا متزورة، روحي شوفي الصور وهتلاجي الوحمة واضح فيها وهتعرفي أن دا أنتِ
أقتربت “حلا” منه بضعف وتشبثت بملابسه بخفوت وقالت بهمس:
--عاصم إذا أنا غلطت طيب، كام مرة أنا أترجيتك ما تتركنى، أنا كام مرة قولتلك أنى ما هتحمل فراقك، كنت عاقبني بأى طريقة بس ما تهجرنى
أخذ نفسًا عميقًا دون أن يتطلع بها وقال:
--صدجينى حاولت أجتلك يا حلا بس مجدرتش، جلبى مطوعنيش أرفع سلاحي فى وشك، معلون أبو الحب اللى ضعفنى جصادك
وقفت امامه ليتطلع بها وقالت بحيرة:
--والله لو أنا اللى فى صور لأقتل حالي بيدي، بس معقول أخون حبيبى، أنا ربيت برا وخدت من عادات الغرب كتير بس صدقنى بالحب ما فى شرق وغرب بيكفي أن قلبك يعشقك
كانت دموعها تتساقط على وجنتيها ليقول ببرود سافر:
--متتعبش نفسك من غير ما تجتلي حالك، أنا خدت عزائك يا حلا
لم تصدق كلمته وأتسعت عينيها على مصراعيها من كلمته لتقول بأنكسار:
--موتني وأنا عايشة يا عاصم، بكرة تندم
نظر إليها بأشمئزاز شديد ثم قال ببرود:
--اندم!!، حلا أنتِ لو موتي جدام مهطلعش فيكي واصل، أصلا أنت جوايا ميتة
أخرجها من غرفته بعد أن كسر الباب بالقوة وهى مصدومة من كلمته لتضع يدها على بطنها بوجع خيم على قلبها، حسمت أمرها اليوم بعد أن علمت بأنها تحمل طفله فى أحشائها، دلفت للغرفة باكية وحزينة لا تصدق ما سمعته منه، جلست بالفراش وهى تنظر بالصور بحزن شديد تحديدًا لهذه الوحمة لتتساءل بصوت مبحوح وعقلها لا يستوعب هذا:
--معقول تكون أنا!!
أغمضت عينيها وهى لا تتحمل التفكير أكثر وتعتصر عقلها من الفكر…..
حاولت “سارة” إيقاظها صباحًا لتذهب لإمتحانها لكنها كانت مُرهقة جدًا لا تتقوى على فتح عينيها خصيصًا أن أعراض الحمل بدأت تظهر عليها لتغادر “سارة” مع “هيام” وبصحبتهم “فريدة” المُتجهة إلى الشركة إلى حيث ستجد “مازن”….
كانت “ناجية” تحمل الأطباق من فوق السفرة بعد الإفطار لتسقط على الأرض فاقدة للوعي من التعب وتسقط الأطباق من يدها لتترك “تحية” المخبرة من يدها ذعرًا على الطاولة المجاورة للنافذة وهرعت نحوها، لم تستطيع مساعدتها فى استعادة وعيها لتصرخ بهلع:
--مُفيدة… ألحقينى يا مُفيدة
نزلت “مُفيدة” من الأعلي ركضًا وقالت:
--حصل أيه؟
تحدثت “تحية” بذعر قائلة:
--همي خلينا نوديها المستشفي
أومأت إليها بنعم وصعدت تبدل ملابسها سريعًا ليأخذهم “حمدي” للمستشفي، نزلت “حلا” من الأعلي بعد أن علمت ما حدث، أشمئزت من رائحة البخور وبحثت عن سبب الرائحة، كانت نسمات الهواء تزيد من حرارة الفحم حتى خرجت النيران منه ولمست الستائر، ذعرت “حلا” من رؤية النيران وذهبت ركضًا نحوها لكنها توقفت عندما شعرت بدوران شديد فى رأسها لتتشبث بالداربزين الخاص بالدرج وقالت:
--عاصم
خرجت الهاتف من جيبها بصعوبة وجسدها بدأ يهتز من دورانها ولكنه لم يجيب فأختارت أقرب رقم إلي أصبعها وكانت “فريدة” وألتفت كى تغادر المنزل بخوف وهى تمسك رأسها لتلتف قدميها رغم عنها وتسقط أرضًا…..
هرع “عاصم”من مكتبه بعد أن أتصل الرجال بيه وأخبروا أن المنزل يحترق و”حلا” وحدها بالداخل، كان يقود بسرعة جنونية ولا يتخيل عقله فكرة أصابتها أو أذيتها، وصل للمنزل ليرى الجميع حوله والحريق نشب به حتى ألتهم الطابق الأول كاملًا، نظر بصدمة ألجمته إلى الحريق ويتذكر حديثهما أمس-اندم!!، حلا أنتِ لو موتي جدام مهطلعش فيكي واصل، أصلا أنت جوايا ميتة
كانت كلمته تتردد فى أذنيه بصدمة تحتل كل أطرافه وعينيه ترى المنزل يحترق أمامه و”حلا” بداخل هذه النيران، لم يستوعب أو يتخيل أن كلمته ستتحقق ليهرع “عاصم” للداخل بذعر شديد رغم محاولة رجاله بمنعه من الدخول وسط النيران، بحث عنها وسط الحريق الذي أكل كل ركن فى منزله صارخًا باسمها:
--حـــــلا……
أتسعت عينيه على مصراعيها عندما رأها مُستلقية أمام الدرج ليهرع نحوها بخوف شديد وهو يقول:
--حلا
رفع رأسها على ذراعه لتفتح عينيها بتعب شديد وفور رؤيتها لوجهه تبسمت رغم ألمها وقالت:
--قلت ما هتطلع فيا…
حملها على ذراعيه بسرعة والنار تزداد فى أرجاء المنزل، بحث حوله عن مخرج بعد أن احتلت النيران باب المنزل ليسمعها تقول بصوت مبحوح:
--إذا أنا مت جواك، أتركنى هنا وروح
نظر “عاصم” إلى راسها وهو يضمها إليه جيدًا خوفًا من أن تصيبها النيران وتأذيها وقال:
--أهمل روحي كيف؟
رفعت “حلا” رأسها عن صدره تتطلع به بتعب شديد وقبل أن تلفظ بحرفًا واحدًا سقطت رأسها للخلف وأنقطعت أنفاسها بين ذراعيه، أنتفض قلبه ذعرًا وخرج من الباب الخلفي للمنزل…
أخذها المستشفي وبعد فحصها جيدًا ألجمه الطبيب بكون هذه الفتاة دخلت فى غيبوبة بسبب الدخان الذي احتل رئتيها فنظر جواره بصدمة إلى حيث “حلا” وهى نائمة على فراش المرض والأجهزة الطبية تحتل كل أنحاء وجهها وصدرها، لم يصدق ما أصابها لتتسع عينيه على مصراعيها بصدمة ألجمته حين قال الطبيب مُتابعًا:
--بس الجنين بخير
التف “عاصم” له بصدمة أحتلت عقله ونظر للطبيب وقال بتلعثم:
--جنين!! هى حبلى
أومأ الطبيب إليه بنعم ثم قال وهو يربت على كتفه:
--نتمنى تفوج من غيبوبتها فى أسرع وقت……
قصت “هيام” ما حدث إلى “جاسمين” ووسط حديثهما، جاء “عمران” و “رقية” إليها لتقول :
--لو سمحتي
نظروا الأثنين إليها لتفزع “جاسمين” عندما رأت وجه “عمران” وتذكرت ما رأته سابقًا لتبتلع ريقها بينما قالت “هيام”:
--أتفضلي
تبسمت “رقية” بلطف وهى تقول:
--إحنا زمايل حلا وكنا حابين نتطمن عليها لأنها مجتش الإمتحانات
أجابتها “هيام” بلطف قائلة:
--معلش هى تعبانة شوية
أومأت “رقية” إليها بنعم ثم غادروا لتقول “جاسمين” بذعر:
--دى زميل أختكن
نظرت “هيام” إلى قلقها والتوتر واضح بملامحها لتقول:
--فى أيه يا جاسمين؟
تحدثت “جاسمين” بغضب سافر قائلة:
--مش فاكر الولد اللى جلتلك انه بيهدد بنت بصورها، هو دار
رفعت “هيام” نظرها إلى “عمران” وهو يغادر وبدأت تستجمع روابط ما يحدث، لتخمن أحتمال مؤكد ان يكون هو نفسه من فعل هذا بأختها، رن هاتف “هيام” بأسم “مازن” وقال:
--أنتِ فين؟ أنا جصاد كليتك
وقفت بحماس شديد وأخذت “جاسمين” من يدها فبعد ما حدث قرر “مازن” أن يأتي لأخذ أخواته بنفسه من الجامعة وصلت أمامه مع “جاسمين” وهى تلهث ثم قالت:
--جوليلهن
نظر “مازن” إليها بأستفهام وهو لا يفهم شيء لتصرخ “هيام” بضيق شديد من توتر صديقتها وخوفها:
--ما تنطقي وتجوليله اللى جلتولي
قصت “جاسمين” ما رأته إلى “مازن” وقالت:
--أنا بخمن مجرد تخمين أن يكون عمل فى أختك كدة ما دام هى يعنى تعرفه
أستشاط “مازن” غيظًا وغضبًا مما يحدث ويستوعب ما حدث لكن قاطعه رنين “مُفيدة” لتخبره بما حدث ليهرع للخارج مع “هيام” رغم أنتظار “أدهم” لها فى المكتبة بما أنه اليوم الأخير فى الإمتحانات لكن بعد ما حلت هذه الكارثة لن يكن هناك لقاء……
كان “عاصم” جالسًا جوارها بالمستشفي ويأخذ يدها فى راحة يده ويحاول جاهدًا كبح دموعه عن التساقط ويقول بحزن:
--متهملنيش لحالي يا حلا، حتى لو أنا هملتك متعملهاش أنتِ
رفع يده إلى رأسها ليمسح عليها بلطف وقلبه مفتوحًا بالوجع ويتألم حتى أحرق صدره مع نيران ألمه وفراقها وتابع حديثه:
--ليه دمرتى حياتنا وكسرتي جلبى، أنا مظلمتكيش يا حلا لو تعرفي أنى فكرت فى كل الأحتمال وأنا جايلك يومها، فكرت أن ممكن تكون متفربكة بس كيف يا حلا والخلجات خلجاتك والوحمة اللى فى جسمك، كيف متكنش أنتِ ، فكرت ان ممكن تكون خدعة وحد طمعان فى فلوس منى بس أنا محدش طلب منى جنيه واحد، كيف تأذي جلبي أكدة علمتينى الحب والجهر يا حلا، بس معلش أنا مسامح، مسامح والله بس ما تروح منى، وغلاوة عاصم عندك ما تهملينى لحالي وتروحي
ذرفت دمعته بضعف لينظر إلى بطنها بخوف شديد ولمسها بأنامله وهو يقول:
--معجول تهملوني أنتوا الأتنين لحالي، جوي أمك وجولها أن بابا مستنيكم هنا
فتح باب الغرفة على سهو ودلف “مازن” و”هيام” بذعر بعد ما سمعه بهذا الخبر ليدير رأسه يجفف دموعه بينما هرعت “هيام” إلى “حلا” لا تصدق ما تراه وقالت:
--حلا….
تطلع “مازن” بها بعد أن أخبره الطبيب بأنها فى غيبوبة ولا يعلم أحد متى ستستيقظ وتعود للحياة، مسح جبينه بعجز ولا يستوعب ما حدث …..
وقف “مازن” مع “عاصم” بالخارج ثم قصي له ما حدث وحديث “جاسمين” وكان “عاصم” شاردًا ليُتمتم بهدوء:
--حلا حبلى
نظر “مازن” بصدمة ألجمته وعاد بنظره إلى الغرفة حيث تسكن أخته فاقدة الوعي ولا يصدق بأن هذه الطفلة ستصبح أمًا وهى فاقدة للوعي ليسأل “عاصم” بضعف:
--تفتكر حلا كانت تعرف بالحبل ده
أهز “مازن” رأسه بضيق شديد وهو يقول:
--لا معتقدش، حلا مجنونة إذا كانت تعرف كانت ركضت بالبلد كلها تجول أنها حامل من الفرحة
نظر “عاصم” أسفل قدمه باستياء شديد من قلبه المفطور وجعًا:
--لكن لو عرفت بعد الطلاق معتقدش أن دا هيكون رد فعلها
صمت “مازن” ولم يعقب على حديثه ليرفع “عاصم” رأسه بقلق وهو ينظر لصمت “مازن” وقال:
--ساكت ليه؟
تنحنح “مازن” بخفوت شديد ثم سأل بتلعثم:
--لتجولي أن حزنك دا لأن الحبل مش منك
عقد “عاصم” حاجبيه بضيق سافر ثم نكز “مازن” فى كتفه بقوة وهو يقول بنبرة حادة:
--مستحيل، دا ولدي ومفيش شك واحد فى المليون، سامع يا مازن
تنحنح “مازن” بحرج منه ثم قال متسائلًا:
--هتطلقها لما تولد
نظر “عاصم” للجهة الأخرى بخنق وهو يتذكر كيف لفظ بهذه الكلمة وكم من دموع تساقطت من عينيه بسبب هذا الطلاق ليقول:
--أطلجها!! أنا لحد دلوقتي معرفش كيف نطقتها ولا كيف جدرت أعيش من غيرها سبوع
تبسم “مازن” بلطف رغم حزنه الشديد على حال أخته وقال:
--هترجعها!!
أعتدل “عاصم” فى وقفته وهو يغلق يده على رأس نبوته ثم قال بجدية ونظرات مُخيفة:
--مش جبل ما أرجعها حجها يا مازن
سار خطوتين ليستوقفه “مازن” بقلق شديد حين سأل:
--هتعمل أيه؟
تبسم بسمة شيطانية وهو يقول:
--هخليه يشوف كيف هى جذرة أبليس
غادر المستشفي عازمًا أمره بهلاك “عمران” نهائيًا …….
كان “أدهم” منتظر بمكتبة الجامعة مُنذ ساعة ونصف ولم تظهر “هيام” ليقف من مكانه مُستشيطًا غضبًا وغيظًا من تأخرها او يمكن كانت تنتقم منه وتكذب، صعد بسيارته وأنطلق من الجامعة وفى طريقه أستوقفه صوت هاتفه مُعلن عن أستلام رسالة ليفتحها أثناء قيادته وكانت من “هيام” تقول:
--أسفة حصل حادثة لأختي وأضطرت أمشي
تنهد بهدوء ثم أرسل رسالة لها يقول:
--ولا يهمك، هى عاملة أيه؟
قليلًا وجاءه الرد منها تقول:
--حالة سيئة جوي دخلت فى غيبوبة والبيت أتحرق
أخذ نفس عميقًا قبل أن يضغط على زر الاتصال ليأتي صوتها المبحوح عبر الهاتف تقول:
--ألو
أنقبض قلبه قلقًا بعد أن سمع صوتها ليسأل بنبرة هادئة:
--أنتِ بتعيطي؟
صمتت وهى تزداد فى البكاء كلما نظرت إلى “حلا” وقالت:
--لا
سمع أنين بكائها فى الهاتف لكن كذبتها جعلته يلتزم الهدوء أكثر ثم قال:
--أن شاء الله تكون بخير وزينة
تنحنحت “هيام” بقلق ثم قالت:
--بتمنى تفوج من غيبوبتها، مع ان حياتها تعيسة ومليانة مشاكل بس أحسن كتير عن نومها كدة ومتردش عليا، على الأقل وهى صاحية كانت بترد وتتخانج ويانا
أوقف سيارته جانبًا يستمع إليها لتتابع الحديث:
--بتمنى أنها تفوج ومتموتش مش أعتراض على جدر ربنا بس مش وهى زعلانة مننا كلنا
تحدث “أدهم” بلطف قائلًا:
--ربنا يجومها بالسلامة، أنتِ عاملة أيه؟
جهشت “هيام” باكية بحزن شديد وضعف وما زالت لا تصدق ما حدث وتمتمت بصوت مبحوح تكبح ألمها:
--خايفة وزعلانة ومصدقاش اللى حصل
دلف “مازن” للغرفة لتغلق “هيام” مُسرعة وهى تخفيه فى ملابسها، نظر إلى “حلا” ثم قال بهدوء:
--يلا يا هيام عشان تروحي
نظرت بذعر إلى “حلا” وقلبها يرتجف قلقًا ثم قالت:
--مهنأخدهاش ويانا… معجول هنروح من غيرها ونهملها لحالها
أومأ إليها بنعم ليأخذها ويغادر الغرفة، أخذها إلى منزل أخر بعد أن احترق منزلها الكبير وكان الجميع به على غير “عاصم” الذي ظل بمكتبه ينظر “قادر” ومع حلول الساعة الثانية عشر فتح باب المكتب وكان “قادر” فرمقه “عاصم” بعينه ليبتسم “قادر” بسمة انتصار وهو يهز رأسه بنعم ليأخذ “عاصم” نفسًا عميقًا ثم وقف من مكانه مُمسكًا بنبوته ثم قال:
--تعال يا جادر
أخذه وذهب إلى منزله المُحترق وما زالت رائحة الدخان تعمه وكان “عمران” على الأرض ووجهه مليانًا بالدماء والكدمات وفور رؤيته لـ “عاصم” وقف من مكانه ذعرًا ليركل “عاصم” قدمه بقوة فصرخ “عمران” بقوة بعد أن سمع الجميع صوت عظامه تُكسر وسقط أرضًا، نزع “عاصم” عباءته المفتوحة عن أكتافه ثم سار نحوه و”عمران” يزحف للخلف بخوف ويستمع لصوت “عاصم” يتحدث بنبرة مُخيفة رغم خفوتها قائلًا:
--هى كمان هربت من غضبي كيفك أكدة، بس تعرف الفرق اللى بينك وبينها أن جلبى كان واجف بينى وبينها لكن بينى وبينك في نار
ركل وجهه بقدمه هذه المرة لترتطم رأسه بالأرض، أتكىء على ذراعيه ليرفع جسده وبصق الدماء من فمه وهو يقول بتذمر:
--ولما ضربتها ولما تجتلني هيغير واجع أنها خانتني
لم يتمالك “عاصم” غضبه بعد هذه الكلمة ليغرس رأس الأفعى الموجود فى نبوته فى عين “عمران” اليسرى ليصرخ “عمران” بهلع وألم شديد فمسك “عاصم” رأسه من شعره وهو يقول:
--كان لازم تسألنى بأدب الأول هى خانتني ولا لا
صرخ “عمران” وهو يضع يده على عينيه بضيق شديد وغيظ قائلًا:
--خانتك يا عاصم ومش مرة لا دى كتير
لكمه “عاصم” مرات متتالية لا حصر لها وهو يصرخ بوجهه قائلًا:
--حلا مستحيل تخون
أبعده “قادر” بصعوبة عن عمران المُلقي على الأرض ليصرخ بجنون قائلًا:
--هملنى يا جادر …. هجتلك يا عمران ورب العرش وشرف مرتى اللى لعبت به ما هيطلع عليك نهار ولا هتشوف نور الشمس تاني ، هملنى يا جادر
بصق الدماء من فمه وهو يضحك بسخرية ثم قال رغم أن عينه اليمنى تنظر إلى السقف من التعب ولم يعد يقوى على فعل شيء سوى الحديث:
--مكنتش ضربتها يا كبير لو أنت واثج أنها شريفة هههههه
كز “عاصم” على شفتيه بضيق شديد بأسنانه وقال بتهكم وعينيه يتطاير منها الشرير وقدميه تسير بعيدًا:
--أنا ضربتها لأنها وثجت فى شيطان كيفك، سمحت لشيطان كيفك يجرب منها
أنحنى ليحمل دلو من البنزين وأعتدل فى وقفته وهو يقول:
--بس ملحوقة
هلع “عمران” وهو يراه يقترب بهذا الدلو وعقله ترجم ما سيفعله “عاصم” ليقول:
--أنت هتعمل أيه؟
تحدث “عاصم” بنبرة هادئة مُرعبة:
--هوديك مكانك الأصلي، شيطان كيفك بيلعب ببنات الناس وشرفهم تفتكر مكانه فين غير الجحيم
أستوقفه “عمران” بهلع وهو يترجاه بألا يفعل ليضع “عاصم” قدمه على صدر “عمران” ثم قال بهدوء:
--عملتها كيف؟ صورت مرتى كيف؟
خرج من المنزل مع “قادر” ثم قال بجدية وهو يصعد لسيارته:
--لو حد سألك على الجثة جوله أنه واحد من رجالتنا وأتحرق مع الحريق
أومأ “قادر” بنعم لينطلق “عاصم” بسيارته……
دق باب منزل “ليام” ليفتح بتذمر من طرقات الباب وهو يقول:
--طيب هو أنا واقف وراء الباب
أتسعت عينيه على مصراعيها عندما رأى “عاصم” يقف أمامه مُمسكًا بنبوته وحدق به ليقول “ليام” بتلعثم شديد:
--أنت!!
رسم “عاصم” بسمة شيطانية على وجهه وقال:
--مفاجأة ..
دلف المنزل وأغلق الباب خلفه مما أرعب “ليام” ……
أنحنى “عاصم” يقبل يدها بحنان وما زالت لا تجيبه ولا تستجيب للعالم الخارجي ثم قال:
--يا حلوتي!! معجول ما أتوحشك
كانت لا تشعر بشيء ولا تجيب عن أسئلته ليقول بنبرة مبحوحة ضعيفًا:
--حقك على رأسي يا حلوتي، وغلاوتك عندي أنى دفعت كل اللى أذوكي التمن من دمهم …
صمت قليلًا ليتابع حديثه بنبرة مبحوحة بندم شديد قائلًا:
--أنا… باجي أنا يا حلا، عاجبني كيف ما تحبي لكن أوعاكِ تروحي منى أنا مهجبلش بالعجاب دا، أنا مستعد لأي عجاب يلا حلا ما عدا دا، بديكي عيني لو طلبتي بس فجوق
ذرفت دموعه لم تتوقف عن البكاء وقلبه المُرتجف قلقًا وخوفًا، لكن توقف عن الحديث والبكاء عندما شعر بأناملها تتحرك بين راحة يده لينظر مُجددًا ليدها ثم إلى وجهها وتمتم بسعادة وبسمته لم تفارق وجهه:
--حلا…
فتحت عينيها ببطيء شديد لتراه واقفًا أمامها ومُتشبثًا بيدها لتظل تنظر إلي وجهه مُطولًا فسمعت يقول:
--وأخيرًا يا حبيبة الجلب
أتسعت عينيه على مصراعيها وهو يترك يدها بصدمة ألجمته فلم يتوقع نهائيًا أن يكن عقابها على ما فعله بها هو نسيانه تمامًا كأنه لم يكن موجودًا أو ميتًا بداخلها، حدثها عن موتها بداخلها لتقتله هي بداخلها……..
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نور زيزو
نظر الطبيب بجدية للأشعة التي أجروها لها بعد استعادة وعيها، لكنها كانت فاقدة للذاكرة.
قال: طبيًا، لا يوجد سبب لفقدان الذاكرة. ممكن تكون أثر الصدمة ونتج عنه فقدان ذاكرة مؤقت.
نظر مازن إلى عاصم وغادر الطبيب.
تنهد مازن بارتياح وقال: نحمد ربنا إنها فاقت.
أومأ عاصم بنعم وساروا معًا إلى حيث غرفتها.
فسأل مازن بفضول شديد قائلاً: مين الرجل اللي طلعوا جثته من البيت يا عاصم؟
تنحنح عاصم بضيق ثم قص عليه ما حدث مع عمران، لكن قاطعه مجيء قادر إليهم بعد أن جلسوا في الكافتيريا.
قال بجدية: كله تمام يا جناب البيه، وزمان الناس دلوقت بلغوا المركز عن الغريب.
أومأ عاصم له بنعم ليغادر.
فسأل مازن بفضول أكبر قائلاً: مركز إيه وغريب إيه كمان؟
أخذ عاصم نفسًا عميقًا ثم قال: هحكي لك.
تذكر ما حدث وهو يسأل بفضول شديد قائلاً: كيف عملتها؟ كيف صورت مراتي؟
أجابه عمران بهلع شديد قائلاً: هتفرج أنت أكيد أو أكيد هتقتلني.
تبسم عاصم بخبث شديد قائلاً: يمكن أغير رأيي.
قص عمران له بخوف شديد كيف فعلها. أخذ زوجته وبدل لها ملابسها وهي غائبة عن الوعي وصورها، ثم أعادها للسيارة. لذلك كانت تصرخ دومًا بأنها لم تفعل، فهي لا تملك في ذاكرتها هذا الحديث بسبب شيطان مثله.
ألقى عاصم البنزين عليه بضيق بانفعال شديد وقلبه يحترق على ما حدث لزوجته رغم كونها لا تملك هذه الذكرى الأليمة.
هرع عمران والبنزين يبلله وقال: ليام!
توقف عاصم بعد أن سمع اسم هذا اللعين.
ليخبره عمران أن كل هذا من تخطيط ليام وأنه ما زال حيًا بمنزل في نهاية البلد. رغم أنه ألصق التهمة بـ ليام، لكنه لم يكن بريئًا، فهو أيضًا كان يترصد لها شرًا.
أشعل عاصم قداحته وهو يقول باشمئزاز وغضب سافر: هيحصل لك، ومهيطلعش عليه نور الشمس كيفك؟
ألقى قداحته على عمران بعد أن قيده قادر في العمود الرمادي، وانطلق عاصم إلى حيث منزل ليام.
سأله مازن بفضول أكثر قائلاً: وعملت لـ ليام إيه؟
تبسم عاصم بخنق وهو يقول: بكرة تسمع كيف ما أهل البلد سمعوا يا مازن.
أتت لهم سارة وهي تقول: حلا عايزة تروح؟
ذهبوا إلى حيث غرفتها وكانت غاضبة ومنفعلة.
ليقول مازن بلطف: في إيه؟
أجابته بتذمر ونبرة حادة قائلة: روحني من هنا؟
كانت غاضبة بدرجة جنون بعد علمها بأن زوجة هذا الرجل وأمًا لطفل في رحمها.
أخذوها للمنزل الجديد الذي يعيشون به بعد أن احترق الآخر. كان منزلًا أصغر حجمًا وعدد الغرف أقل.
أخذتها هيام إلى غرفة عاصم فدلفت معها وهي تقول: ما مصدقة إني متجوزة الراجل ده، مجرد النظر له بيحسسني بالغضب.
تبسمت هيام بعفوية.
سألتها حلا بضيق شديد وهي تنظر إلى بسمتها: بتضحكي ليه؟
سارت هيام نحوها وهي تقول: لأن الرجل اللي معاجبكيش ده، أنتِ كنتي عايزاه يا حلا وبجنون لدرجة إنك نطتي من البلكونة عشانه وكنتِ هتضربي نفسك بالنار عشان ميطلقش، مجدرش أصدق إنك نسيته بالسهولة دي.
تمتمت حلا بضيق شديد قائلة: بيستاهل أنساه.
رمقتها هيام بعين مستفهمة عما تقول.
لتردف حلا بنبرة خافتة وخوف من أختها قائلة: بيستاهل يا هيام!! لا والله ما بيستاهل، عارفة إنه جنون لكن عاصم ما بيستاهل.
اتسعت عيني هيام على مصراعيها بصدمة ألجمتها لتقول: حلا انتِ…
قاطعتها حلا عندما وضعت يديها الاثنتين على فم هيام لتتوقف عن الحديث خوفًا من أن يسمعها أحد.
لتقول بخفوت: صح، ما نسيت!! ما بقدر أنسى عاصم، لكن هو وأنا بنحتاج الفترة دي، ممكن تقولي عليا مجنونة أو هبلة ومعنديش كرامة، يمكن أي واحدة عاقلة تسمع اللي عمله معايا تقول لا، لازم تطلقي وتعيشي إزاي مع راجل مد يده عليكي، لكن أنا بقي مجنونة وطفلة كيف ما بتقولوا، عمري ما توقعت ولا تخيلت إني أشوف دموع عاصم، لكن شوفت مرتين يا هيام، أول مرة وهو بيضربني والتاني لما فتحت عيني في المستشفى، كان بيبكي عشاني، مرة كسرته ومرة ندمه.
جلست هيام بجانبها بقلق وقالت: وليه تفقد الذاكرة ما دام عايزة خلاص سامحي وخلاص؟
تبسمت حلا بلطف وهي تقول: لأني محتاج أخلي عاصم يندم على اللي عمله ويحس إنه أخد عقاب. لما فتحت عيوني في المستشفى كان بيبكي وبيطلب بعقابه. طيب أنا إزاي أعاقبه أصلاً؟ أنا طرت من الفرح لما عرفت إني لسه مراته وإنه رجع في طلاقه ليا وكمان حامل. لو تعرفي أنا قد إيه كنت طايرة من الفرحة بس عرفت إني حامل وهجيب بيبي من عاصم.
قرصت هيام أذنها بغضب سافر وهي تقول: وخفتي قلوبنا عليكي من الخوف عشان بس تلعبي وتتسلي ويا جوزي؟
تبسمت حلا ببراءة ثم قالت متابعة: تعرفي أنا معترفة إني هبلة، أي اتنين بيحصل بينهم مشاكل كتير وأكبر، وفي اللي بتطلق وفي اللي بتستحمل وتقول مخربش بيت أو عشان أولادي، لكن أنا ما عنديش أولاد ومتجوزة. خوفتي من خراب البيت لأني معرفش أصلًا يعني إيه مسئولية بيت عشان أخاف من خرابه. يمكن أنا اللي فرقني عن كل الناس إني بحب، عاشقة عاصم وبجنون، ويمكن لو كنت أكبر شوية كمان كنت فعلًا أنا اللي طلبت الطلاق بعد العلقة اللي خدتها وشكه فيا، لكن لا عاصم مشكش فيا يا هيام، أنا واثقة إن الصور دي ليا وماكس صديقي أكد على أن الصور حقيقية. أنا ما بعرف إزاي اتصورت، لكن خلينا نعترف إن دي أنا… حقيقة ما بتتغيرش، لكن دي نص الحقيقة بس، والنص التاني مفقود من عندي، لذا أنا قررت أعاقب عاصم بطريقتي، وأنتِ بما إنك بتعرفي الحقيقة دلوقتي لازم تساعديني.
نظرت هيام إليها بلا مبالاة وهي ترفع حاجبها للأعلى ثم قالت: كيف؟ أصلًا كيف هتعاقبه؟ حلا أنتِ ما تتضمنيش من هنا لحد هناك كده، عاصم لو جالك كلمة حلوة هتسيحي على نفسك واحتمالي تعترفي بنفسك.
ضحكت حلا بعفوية وهي تقف لتفتح حقائب ملابسها.
ثم قالت وهي تخرج تنورة قصيرة مصنوعة من الجينز: بعرف، لكن لازم أتمسك عشان عاصم يحس بالندم أكتر وعشان أنا كمان محسش إني سامحته على طول ومعنديش كرامة.
تأفف هيام بحيرة من جنون هذه الفتاة، لكنها لم تملك قرارًا سوى موافقتها على فعل ذلك.
دلف عاصم مساءً للغرفة ورآها نائمة بالفراش.
ليتنحنح بهدوء لكنها لم تتحرك.
بدل ملابسه وذهب إلى الفراش. جلس بجوارها يتأمل ملامحها البراءة التي اشتاق لها بجنون منذ شهر ونصف وهي بغيبوبتها.
ليرفع خصلات شعرها عن جبينها للأعلى ثم انحنى إلى جبينها وقبلها برفق وهو يقول: شكرًا يا حلوتي، إنك مهتمتنيش لحالي.
ضمها إليه بلطف ليأخذ نفسًا عميقًا بارتياح بعد أن عادت لبين ذراعيه.
لم تفتح عينيها رغم شعورها بوجوده وهي تستنشق عبيره وصوت أنفاسه الدافئة. كم اشتقت إليه وإلى سكنها بين ذراعيه.
تسارع نبضات قلبها لتحدثه بعناد: متضعفش والنبي.
كان قلبها يصارع عقلها المتمرد الذي أعلن الحرب على حبيبه الساكن بين نبضاته وضلوعه.
ولأول مرة منذ ليالٍ طويلة تغفو عينيها بسلام بعد أن عادت بين ذراعيه وهي تشعر بذراعيه تتوقها بإحكام حتى أوشك على عصر عظامها بين ذراعيه.
***
كانت فريدة جالسة على الأريكة في الصالون جواره.
وتقول: مهتستناش يعني لما نطمن على حلا؟
تحدث مازن بضيق وهو يأخذ يدها بين راحة يده قائلاً: حلا صحيًا زينة وأحسن مني ومنك. هستنى إيه إنها تفتكر؟ دي مش خطر يعني لما أتزوج وهي مفتكرتش، ناقص تقوليلي استنى لما تولد كمان.
قاطعته فريدة بتذمر شديد قائلة: لا طبعًا، دا لسه 7 شهور. استنى كل ده ليه؟
نظر مازن إليها بعيني عاشقة واقترب نحوها أكثر.
وقال بغزل: مستعجلة؟
تنحنحت فريدة بخجل شديد وطأطأت رأسها قليلاً لتقول: مش أوي يعني بس…
وضع يده أسفل رأسها ومسك ذقنها يرفع رأسها لتتقابل أعينهم معًا.
وقال بخفوت ونبرة دافئة: متكذبيش يا فريدة، بتحبيني ومقدرش على بعدي.
تشبثت بيده بخجل شديد وهي تنظر بعينيه ووجنتيها متوردة بلون الدم وتشعر بحرارة جسدها المرتفعة من قربه هكذا.
وقالت: مازن أنا معترفة إني بحبك. هكذب ليه؟ أكيد اتجوزتك ودلوقتي شرعًا أنا مراتك لأني بحبك مش واخدك تخليص حج يعني.
قهقه ضاحكًا بعفوية وهو يضع ذراعه خلف ظهرها بهيام.
وقال بحب: تخليص حج! وربنا لو تخليص الحج بالجمال ده أنا راضي وعاشق.
رفعت فريدة يدها إلى وجنته بلطف تلمسها بأناملها الباردة من الخجل.
وقالت: توعدني يا مازن؟
نظر إليها بفضول وهو لا يفهم كلمتها.
لتقول متابعة بحب: أوعدني تفضل تحبني كده طول العمر ومتوجعنيش ولا تعمل فيا كيف ما عاصم عمل مع حلا وطلقها لحظة غضب أو تضربني.
مسك يدها الموضوعة على وجنته بحنان واحتضنها براحة يده الكبيرة وعينيه لا تفارق عينيها نهائيًا.
ليقول بدفء ونبرة ناعمة: أوعدك يا فريدة، أوعدك تفضلي حبيبتي وبنت قلبي عمره كله، ومتفكريش في الطلاق ده تاني ولا تخافي منه، لأن كلمة طلاق دي مش في قاموسي نهائيًا.
تبسمت فريدة بحب شديد وهي تضع رأسها على كتفه بهيام.
ليبتسم بحب ثم قال: نعمل الفرح الشهر الجاي، اتفقنا.
أومأت إليه بنعم.
ليقبل جبينها بسعادة.
***
خرجت حلا من غرفتها لكى تذهب للجامعة.
لكن استوقفها صوت عاصم من الخلف يقول: حلا.
تأففت بضيق مصطنع وسارت نحوه كي تقول: أفندم.
أشار على ملابسها وهي ترتدي شورت جينز يصل لأعلى ركبتيها وتي شيرت أسود اللون.
وقال: أنتِ خارجة كده؟
تمتمت بضيق شديد قائلة: اللهم طولك يا روح، أكيد خارجة يعني.
كز على أسنانه بضيق شديد وهو يقول: غيري خاجاتك دي وبعدين اخرجي.
وقفت أمامه بتحدي وعناد متذمرة على حديثه.
وقالت: لا.
أخذها من ذراعها بقوة إلى اتجاه غرفته.
ليقول بضيق: تعالي هنا؟
دفعت حلا بعيدًا عنها بضيق شديد لتقول: متلمسنيش كده.
لم يبالي لأمرها وسحبها من يدها بالقوة.
فلم تتمالك عنادها وكبرياءها قبل أن يسيطر قلبها عليها ويجعلها تخدع أمامه ويسقط قناع الغضب وتعود لبرائتها معه.
فصرخت حلا بغضب سافر لتقول: إياك تقرب مني مرة تانية؟ أصلًا مستحيل إني أكون متجوزة من الراجل ده، جنت أنا عشان أتجوز رجل بعمر أبويا.
صمت عاصم بصدمة لا يستوعب ما يحدث وكون حبيبته بين ليلة وضحاها عدوته وتكره لمسة يده وأنفاسه.
تنحنحت سارة بهدوء قائلة: حلا اهدئي، أنتِ مراته فعلًا وحتى إنك حامل!
لم تتحمل رؤيته أو سماع صوته لتصرخ بانفعال شديد قائلة: مستحيل إني أكون زوجة له وكمان أم! لا… لا أنا هنزله.
لم يستوعب عاصم كلماتها وكيف ببساطة لفظت هذه الكلمة.
ليمُسك يدها قبل أن تغادر يستوقفها.
لتنفعل بغضب سافر قائلة: أنت متخلف! قلت لك متلمسنيش!
كز على أسنانه بضيق من طريقتها وكأنها تحولت لشخص آخر.
لتشعر بصرير أسنانه ويقشعر جسدها من صوته.
وقالت بتنمر وهي تغادر: أنتوا مستحيل الراجل ده إزاي وعايشين معاه… بحياتي كلها ما كرهت حد من النظرة الأولى مثله.
تمتمت هيام بصوت خافت قائلة: بحياتك كلها يا حلا ما حبيتي حد جد، معقول يتحول الحب لكره؟ لو ما كنت بعرف حجتك لكنت فكرتك كرهتي عاصم بجدرك.
ركضت مسرعة خلف أختها لتراها تقف أمام المرآة وترتدي فستان أصفر اللون وطويل بكم وتربط رباطه حول عنقها.
لتقول بعفوية: ممثلة شاطرة، كان لازم تقدمي في السيما بدل الهندسة.
نظرت حلا إلى أختها بطرف عينيها لتقول بهدوء: اتركني لحالي يا هيام.
وقفت هيام خلف أختها وهي تعانقها من الخلف.
وتقول: روقي يا جميل.
تأففت حلا بضيق من زوجها وقالت: عاصم مبيحاولش يصلح علاقتنا ببعض بل بالعكس دايمًا غضبان وبيزعق. لو كنت فاقدة الذاكرة بجد كنت مستحيل أرجع أحبه بعمايله دي.
تبسمت هيام بلطف وهي تقول: طيب يلا عشان هنتأخر على الجامعة وبعدين نشوف موضوع عاصم ده.
ذهبوا معًا للجامعة لتركض رقية إلى حلا بحماس وسعادة لعودتها سالمة وعانقتها بحرارة شديدة.
ابتسمت حلا بعفوية على صديقتها وعانقتها بحب شديد.
فاستوقفهما صوت هيام: أنا همشي بقى.
ذهبت تبحث عن جاسمين وتامر ولم تعثر عليها.
فذهبت للمكتبة وجلست هناك تذاكر وحدها باجتهاد.
لتتصل جاسمين بها فقالت هيام بضيق: أنتِ فين؟
أجابتها جاسمين بتعجل وهي تلهث قائلة: راحت عليا نومة، لسه نازلة أهو.
أومأت هيام لها بضيق شديد من الانتظار.
وقالت: طيب أنا مستنيكي في المكتبة، متتأخريش.
أغلقت معها الاتصال وهي ترى كوب قهوة من الورق يوضع أمامها.
تبسمت بعفوية وهي ترفع نظرها.
لكنها صُدمت عندما رأت شاب من دفعتها وليس أدهم.
لتنظر إلى كتابها بضيق.
فجلس الشاب بجوارها وهو يقول: اعتبريه ترحيب ببداية الترم الجديد.
تأففت هيام بضيق سافر وقالت: هو أنا أعرفك؟
أجابها وهو يضع رأسه على يده بإعجاب قائلاً: أنا عارفك، معقول متعرفنيش؟ أنا معاكي في الدفعة.
تأففت بضيق شديد وهي تترك القلم وترفع نظرها عن الكتاب بانفعال.
ثم قالت: والمفروض إني أعرف كل اللي في الدفعة، وشكرًا على القهوة اللي مش هشربها.
جمعت أغراضها لكى تغادر غاضبة.
فهرع الشاب خلفها بالقهوة وحاول مسك يدها.
لتصرخ غاضبة وهي تدفعه بقوة وتقول: خلي عندك دم.
سقطت القهوة من يديه أرضًا ونظر الجميع عليهم.
شعرت هيام بحرج شديد وغادرت من مكانها مسرعة لتختفي عن الأنظار.
بما أنه اليوم الأول في الدراسة، ذهب أدهم للمكتبة حيث تفضل فتاته البقاء.
لكنه لم يجد لها أثرًا وسمع من أمينة المكتبة عما حدث وشجارها مع طالب آخر.
ليستشيط غيظًا وشعور الغيرة يأكل قلبه.
فخرج من المكتبة غاضبًا ويحاول الاتصال بها لكنها لم تجيب.
نظر إلى ساعة يده وكان متبقي ساعة ونصف على موعد محاضرته.
ليتأفف بضيق وذهب إلى مكتبه حتى تمر هذه الساعة ونصف.
وذهب قبل موعد محاضرته بربع ساعة وهو لا يطيق الانتظار.
ليدهش عندما رآها جالسة مع جاسمين وحلا.
تبسم لشفاء أختها وبدأ محاضرته.
ليدخل الشاب مع أصدقائه ومعهم أكواب من القهوة الساخنة ثم جلسوا أمامهم.
لتشير هيام لـ حلا عليه بعد أن أخبرتها بما حدث.
دُهشت حلا عندما وضع الشاب القهوة من جديد أمامها وهو جالسًا أمامها.
لتتأفف بضيق شديد وعقلها لا يتحمل هذا الفتى خصوصًا بعد ما سمعت من هيام.
رآه أدهم وهو يضع القهوة أمامها ليكمل شرحه بخنق.
لكن حلا لم تكن تخشى شيئًا أو حتى أن تطرد من المحاضرات.
فربتت بسبابتها على كتف الشاب وقالت: شكرًا، مش عايزين قهوة.
أجابها الشاب ببرود شديد: مش ليك هي، أي تماحك.
كزت أسنانها بضيق شديد من حديثه.
ودُهش الجميع عندما سكبت القهوة على ظهر هذا الفتى دون أن تبالي بما سيحدث.
ليصرخ بألم من سخونة القهوة.
فرمته حلا وهي ترفع حاجبها بغرور: تماحك بقي.
صُدمت هيام من جراءة أختها وتوقف أدهم عن الشرح ونظر الجميع ليروا ما حدث وهذا الشاب يصرخ بـ حلا.
***
كان عاصم جالسًا في المكتب مع المصممين ويتحدثون حول مشروعًا جديدًا.
لكن استوقفه صوت هاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين.
ليُجيب عليه وصُدم عندما كان الاتصال من الجامعة يطلبوا حضوره كونه ولي أمر حلا.
فاتسعت عينه بقلق شديد وذهب.
لكن صُدم عندما…
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نور زيزو
نظر “عاصم” إلى “حلا” بعيني ثاقبة، حادقًا بها. هزت رأسها بلا، خائفة من نظرته. كان جالسًا على مقعده أمام مكتب العميد.
سارت “حلا” نحوه لتقف خلفه. بعد أن فتح الباب، دلف الشاب وصديقه يرمقها بأغتياظ شديد. تشبثت “حلا” بأكتاف “عاصم” بيدي مُرتجف، ثم قالت:
-- هو اللى قليل الأدب وضايقنى الأول.
صاح الشاب بضيق شديد ويمد ذراعه الأيمن نحو “حلا” بأختناق شديد ويقول:
-- إن ما دفعتك تمن اللى عملتيه ده.
صاح العميد به قائلًا:
-- أتلم يا زفت ومسمعش حسك إلا لما اسألك.
نظر الشاب إلى “عاصم” الذي تحولت عينيه للغضب الشديد بعد أن هددها هذا الشاب أمامه مباشرة دون أن يحترم وجوده أو يهتم لهذا الأمر. أنهى الأمر مع عميد الكلية بالتراضي ليخرج من المكتب وهى معه.
ليحدق بها غاضبًا وهو يقول:
-- جاية الجامعة عشان أكدة، مكفكيش الإمتحانات اللى مدخلتهاش الترم كمان المحاضرات مهملها وجاية أهنا؟ سايبة كليتك ليه؟
تأففت “حلا” بضيق وهى تنظر إليه وقالت:
-- هو اللى ضايق هيام، أسكت يعنى.
أغلق قبضته بضيق شديد وهو يستمع إلى حديثها ثم اجابها بحدة قائلًا:
-- ومهمكيش نفسك، تيجى كليتها ليه؟ هى معندهاش لسان تشتكي به يعنى ولا تدافع عنها نفسها، أنتِ البلطجي بتاع البيت.
رفعت “حلا” رأسها إليه بغرور وهى تقول:
-- اه، بعدين أنا ما فاهمة هم طلبوك ليه ما كانوا طلبوا مازن أخويا.
أخذ خطوة نحوها اكثر وهو يقول:
-- لأنى جوزك وولي أمرك.
كزت على أسنانها بضيق منه ثم قالت:
-- دا اللى كان ناقصنى النهار ده.
قالتها وهى تسير للخارج بعيدًا عنه بتأفف شديد، لينهدم ملابسه بأغتياظ ثم قال:
-- صبرني يا رب عليها.
ترجل الدرجات هاديءً وهو يراها تفتح باب سيارته وتصعد بضيق يحتل وجهها. مر هذا الشاب من جانبه غاضبًا وهو يسير نحوها وطرق بأصابعه على زجاج النافذة وقال:
-- أوعى تفتكر الموضوع خلص أكدة يا شاطرة، لا أنا اللى يدينى جلم بيرده عشرة.
حدقت “حلا” به ببرود شديد، وقبل أن تجيب عليه أتاه صوت “عاصم” من الخلف وهو يضع يده على كتف هذا الشاب ويقول:
-- اللى بتجدر تعمله أعمله بس أتحمل الباجي.
تبسمت “حلا” بخبث شديد، ثم صعد “عاصم” بالسيارة وانطلق بها.
ذهب “أدهم” إلى حيث “هيام” بعد انتهاء المحاضرة ورأها جالسة مع أصدقائها. تبسنت “جاسمين” بهدوء وأبتعدت بعيدًا مُغادرة. لتنحنح “هيام” بهدوء وهى تنظر إليه بعد أن جلس أمامها لتقول:
-- أسفة.
رفع حاجبه باستغراب شديد لأسفها، فتابعت بخفوت شديد وحرج من فعل أختها:
-- كل مرة بخربلك المحاضرة بمشكلة جديدة.
تبسم “أدهم” بلطف وهو يقول:
-- بيستاهل.
أومأت “هيام” له بنعم ثم قالت:
-- بصراحة اه بيستاهل.
نظر إليها لتخجل من نظراته قليلًا ووجنتها توردت خجلًا وهى تشعر بنبضات قلبها. لتنحنح بحرج ثم قالت وهى تقف:
-- أنا هروح.
غادرت مسرعة من أمامه، ليبتسم عليها خصيصًا فى خطواتها المسرعة كأنها تهرب من أحد يلحق بها.
كانت “حلا” نائمة بفراشها لتشعر بيديه تتطوقها من الخلف وهو يضمها إليه، لتأخذ نفس عميق وهى تحاول كبح شغفها وإشتياقها له مُغمضة العينين.
أستنشق عبيرها الذي لطالما أشتاق له. فتحت عينيها لكى تشاجره لكنها توقفت محلها عندما شعرت بيده تسلل إلى بطنها حيث يسكن جنينهما الصغير. أصابها شعورًا جديد عليها لم تشعر به من قبل، ليهتف فى أذنيها بنبرة خافتة:
-- حلوتي!!
تسارعت نبضات قلبها بجنون خارج عن سيطرتها، لتلتف مكانها وتلف ذراعيها حول خصره وما زالت مُغمضة العينين. تبسم “عاصم” بعفوية ووضع رأسه فوق رأسها ونام فى سبات عميق من النوم.
فتح “عاصم” عينيه مع أذان الفجر ليراها جالسة أمامه تتأمله. لكن سرعان ما تحولت نظرتها لغضب. سأل بنبرة خافتة وهو يعتدل فى جلسته:
-- مالك؟
صرخت “حلا” بوجهه غاضبة تصطنع الأشمئزاز قائلة:
-- مالي!! بجد بتسألني؟ حاول تتخيلي أنا شوفت ايه قصدي أول ما صحيت.
نظر لها بعدم فهم واستفهام، لتقول بقسوة مزيفة:
-- وشك! أنا كمان مرة قولتلك متلمسنيش يا عاصم ولا تقرب منى، قولتلك أن منطقة السرير دي محظورة عليك.
ترجل من الفراش وهو لا يبالي لغضبها وانفعالها. لتقف وهى تسير خلفه بضيق من تجاهله لتقول:
-- هو أنا مش بكلمك يا أستاذ أنت؟
ألتف إليها ببرود شديد ثم قال:
-- عايزة أيه يا حلا، أنا أعرف لو مطايقنيش م=تبطلي تتلزجى فيا أكدة.
أتسعت عينيها على مصراعيها بذهول من كلمته، لتشير على نفسها بسخرية وقالت:
-- أنا!! بتلزق فيك أنت! ليه بحبك مثلًا.
أقترب خطوة منها ليحدق بعينيها الخضراء ورأى أرتباكها فى عينيها ونبضاتها قلبها المتخبطة، ثم قال:
-- يمكن ليه؟
قهقهت ضاحكة بسخرية على كلمته وقالت:
-- ما بحبك، أنا مستحيل أحب واحد زيك.
جذبها إليه بقوة حتى ألتصقت، لتضع يديها على صدره كرد فعل من جذبه، ورمق عينيها الخضراء بنظرة دافئة وعاشقة وقال:
-- عيني فى عينيك أكدة؟
أزدردت لعابها بأرتباك شديد من نظرات عينيه وسحرهما هاتان الرمادتين. لتنحنح بأرتباك من قربه ونظراته التى أوشكت على هزيمتها وهذا القلب لا يقوى على مقاومة سحر الهوى بينهما ومشاعرها تضرب صدرها بدقات قلبها المتسارعة. قالت بتلعثم من ربكتها:
-- أكيد، أنا…. أصل… عاصم ابعد كدة.
تذمرت عليه وهى تحاول أفلات نفسه من بين ذراعيه بعد أن كادت تُهزم أمامه ويهدم حصون قوتها المصطنعة. ليحكم ذراعيه أكثر عليها واستمع لصوت أنفاسها المتضاربة وعلوها ليقول:
-- دقات جلبك، عينيك، حتى أنفاسك يا حلا بيجولوا عكس أكدة، جسمك وجلبك مجادرنيش علي الكذب، كم مرة جولتلك الكذب مبيليجش بيكي يا حلوتي.
هدم كل قوتها وشعرت بشجاعتها وعنادها تفقدهم. تمتمت بأرتباك قوى قائلة:
-- أتركنى يا عاصم.
هز رأسه بلا. لتبتلع ريقها بصعوبة وهى تكرر طلبها:
-- أتركنى وألا ما تلومنى.
نظر إليها بحب وعشقه يفيض من عينيه ونظراتها اللامعة ببريق الهوى وأنفاسه الدافئة تضرب وجهها بعد أن أحتل العشق رئتيه. وقال:
-- معقول أهملك، لا عاجل ولا حتى مجنون يجدر يهمل روحه وجلبه ودنيته كلها، أعملها أنا كيف؟ حلا أنتِ أحتلتي كل عضو فى جسمي مش بس جلبى، حياتى وعمرى ملهموش قيمة نهائيًا من غيرك، دنيتي نورت وأحلوت بس لما جت حلوتي تحلي كل أيامي، كيف أهملك بحقك يا حلا؟
كانت قد هُزمت حقًا أمامه، وبعد كلماته أذاب جليد عقلها المتمرد وشعرت بلسانه يحتوى كبريائها بدفئه. لم تستطيع مقاومة صدق نبرته وعينيه العاشقة أكثر من ذلك لتقول:
-- بتحبني؟!
لم يجيبها بلسانه بل فضل أن يجيب بشفتيه بقبلة ناعمة. لتتشبث به كالوبر فى الملابس. حتى ابتعد عنها وقال:
-- بتكفيكي أجابتي!
أومأت إليه بنعم وبسمتها رسمت على وجهها تنيره وتعيد الحياة له من جديد. رفع يده يلمس وجنتها بأنامله وهو يسأل بقلب مفطور:
-- بربك يا حلا؟ كيف تنسينى!
تبسمت ببراءة وهى تتسلل من بين يديه للخلف هاربة بعيدًا عنه. وهو لا يفهم ما تفعله ونظر لها مُستغرب. لتقول بعفوية وهى تقف خلف الأريكة:
-- بصراحة كانت لعبة، كنت بلعب معاك؟
ظلت بعيدة تختبي منه، وهى لا تخاف من رد فعله حقًا، لكنها لم تتوقع بروده معها وهدوئه الغير معتاد، خصيصًا بعد أن دلف للمرحاض وبدل ملابسه بهدوء حتى أستعد للذهاب للجامعة. لتقول:
-- عاصم أنت سمعتنى؟
أجابها وهو يلف عمامته وقال:
-- سمعت.
تنحنحت بحرج منه وخوف، ثم قالت بنبرة متلعثمة:
-- مُتأكد أنك سمعتنى، رد فعلك غريب.
خرج من الغرفة وهو يقول بجدية:
-- كنت خابر يا حلا أنك بتلعبي.
غادر بعد أن ألجمها بصدمته، فجلست على الفراش وهى تفكر كيف علم؟ هل أخبرته “هيام” أم كيف علم بذلك؟ تأففت بحيرة شديدة وظلت تنتظر هذا الرجل حتى يعود من صلاة الفجر على أحر من الجمر.
فعاد “عاصم” بعد ساعة كاملة، لتسرع نحوه وهى تقول:
-- عرفت منين؟
نظر إليها وهو يبدل ملابسه وينزع عمامته، لتقول بضيق:
-- ما تتكلم يا عاصم أنت هتفضل تبص لي.
نظر لها بجدية ثم قال:
-- اللى بتفقد الذاكرة يا حلا ما بتتفتكرش عربيتي، أنتِ الصبح ركبتي عربيتي وهى مركونة وسط عربيات كتير مع انك مشوفتهاش بعد الحادثة، اللى بينسى ما بيتفكرش كليتها يا حلا ولا أنها مدخلتش الإمتحانات، حاجات كتير بجى.
كزت على أسنانها بأغتياظ شديد، ليهمس فى أذنها قائلًا:
-- حتى خططك هبلة كيفك.
ألتفت إليه بضيق شديد، ليستوقفها بقبلة على وجنتها وذهب إلى الفراش. لتشعر بغضب شديد بداخلها وهى تشعر بأنه أنتصر عليها ولم يترك لها المجال نهائيًا لتفعل به ما تريد.
كادت “حلا” أن تقتله فى الحال من غضبها، لكنها سمعته يقول:
-- تعالي نامي يا هبلة عشان كليتك الصبح.
أجابته بتذمر شديد بعد أن جلست على الأريكة:
-- قال يعنى يهمك أوى.
رفع رأسه عن الوسادة ونظر إليها وقال ببرود أكثر يثير غضبها:
-- يهميني ولدي، أنما انتِ حرة فى حالك.
كزت على اسنانها بغضب سافر من كلماته، ثم قذفت خدادية الأريكة عليه بخنق وقالت بانفعال:
-- نام يا عاصم.
فتحت “مُفيدة” باب المنزل صباحًا وصُدمت عندما رأت وجه هذه المرأة التى سرقت زوجها منها مُنذ سنوات، واقفة أمامها بذهول تام وتتكأ بيدها على حقيبة سفرها ومعها رجل فى عمر الأربعينات. لتقول “مفيدة”:
-- أنتِ.
تبسمت “جوليا” بغرور شديد ثم قالت:
-- لسه زي ما أنتِ يا مفيدة، ما أتغيرتي نهائيًا.
دَلفت للمنزل قهرًا ناظرة إلى أرجائه وهى تقول:
-- لسه عليكي تراب الزمان والعجاز.
ضحكت “مفيدة” بسخرية شديدة وهى تقول:
-- هههههه أنا لسه كيف ما أنا شريفة وست محترمة مش كيفك أنتِ، مجوبتنيش بجي أيه اللى جابك أهنا؟
نظرت “جوليا” لها بهدوء وقالت:
-- فين حلا؟
رمقتها “مُفيدة” بضيق شديد وهى تقول بأختناق بعد أن عقدت ذراعيها أمام صدرها:
-- حلا!! جولتلي بجي، دي خطتكم، هى تجي أهنا تتجوز من الكبير وتحمل وتكوش على الكل وأنتِ تجي أهنا تلمي الغلة منه.
نظرت “جوليا” لها بصدمة ألجمتها ثم قالت:
-- حامل!! هى فين؟
قاطعهم صوت “حلا” وهى تخرج من الغرفة خلفه تناديه بأنفعال شديد:
-- أقف هنا أنا بكلمك.
توقفت قدميها عن السير حين رأت أمها أمامها، لتفرك عينيها بصدمة ألجمتها ولا تصدق ما تراه. ليُصدم “عاصم” مثلها تمامًا. لتقول:
-- ماما.
فتحت “جوليا” ذراعيها إلى “حلا”، لكن رد فعل “حلا” كان غير متوقع، حينما وقفت خلف “عاصم” تحدق بوالدتها بصدمة ألجمتها وهى تدرك جيدًا أن والدتها لن تأتي لهنا من أجلها وربما جاءت بمصيبة جديدة لها.
تنحنحت “جوليا” بحرج ثم قالت:
-- عاصم!!
نظر “عاصم” إليها بجدية حادة، ثم إلى هذا الرجل الواقف أمامه. ليقترب هذا الرجل منه وهو يمد يده لكى يصافح “حلا” قائلًا:
-- كيفك يا حلا؟
قبل أن تمد يدها لمصافحته، صافحه “عاصم” بقوة وهو يضغط على يده بغيرة تأكل قلبه. ثم قال:
-- زينة؟ مين حضرتك؟
أجابته “حلا” بلطف وبسمة رُسمت على وجهها من أجل هذا الرجل:
-- ماكس، صديق.
نظر “عاصم” بحدة إليها ونظرته الثاقبة أرعبتها لتبتلع ريقها بخفوت وهى تقول بهمس:
-- والله صديقي مش بكذب، أعمل أيه.
كز على أسنانه، ثم نظر إلى “جوليا” وهذا الرجل.
نزل “مازن” من الأعلى بعد أن علم بجضورها، ليقابل هذه المرأة التى لطالما كانت تُحدثه فى الهاتف وتخبره على دفع المال. فحدق بها بغيظ شديد وخنق. ثم قال:
-- أنتِ جاية ليه؟ عايزة كام المرة دي؟
وضعت “جوليت” قدمها على الأخرى بغرور ثم قالت:
-- كلك بتسألوا نفس السؤال، لكن كيف ما أجى على مصر بعد ما حدث مع حلا، للعلم لأن واضح انكم نسيتوا حلا بنتي الوحيدة.
ضحك “مازن” بسخرية شديدة من حديثها. ومنذ متى وهى تهتم لأمر أبنتها؟ المرأة التى باعت ابنتها لرجل من أجل المال، كيف أن تهتم بحياتها أو موتها.
ضحكت “حلا” بخفوت شديد هى الأخرى، لتنظر “جوليا” لها بأندهاش من فعلها وقالت:
-- حلا.
سألتها “حلا” بخفوت قائلة:
-- بجد قوليلى السبب، أى كارثة عملتيها يا ماما. ولا تقولي أني السبب.
ضحكت “جوليا” بخفوت ثم قالت:
-- لا، أنتِ السبب فعلًا يا حلا.
تأففت “حلا” بضيق شديد، ثم أومأت إليها بنعم وهى لا تصدق كلماتها.
لم يرحب بها احدًا، لكن سمح “عاصم” لها بالبقاء فى المنزل. ودلفت للغرفة مع “حلا”. نظرت للغرفة تتفحصها، لكنها توقفت عندما قالت “حلا” بخفوت:
-- بصراحة يا ماما أنتِ جيتي ليه؟
ألتفت “جوليا” إليها بهدوء تام، لتشعر “حلا” بأن هذا الهدوء وهذا الصمت هما بمثابة ما قبل العاصفة. لتتحدث “جوليا” وهى تجلس على الفراش:
-- عشانك يا حلا، أنا سمعت من ماكس على اللى حصل معاكي ومساعدته ليكي وقالي أنك حامل.
ضحكت “حلا” بسخرية على تمثيل والدتها لتقول:
-- من شوية أستغربتي أني حامل وطلعتي بتعرفي.
أومأت “جوليا” لها بنعم، لتتابع حديثها بحماس شديد:
-- حلا انتِ فتحتي لينا طاقة القدر.
عقدت “حلا” حاجبيها بعدم فهم لكلمات والدتها، لتتابع “جوليا” بمكر شديد قائلة:
-- أنتِ حامل فى ابن عاصم الشرقاوي يا حلا، بتعرفي عاصم ممكن يدفع كام عشان أبنه.
أتسعت عيني “حلا” على مصراعيها بصدمة ألجمتها. هذه المرأة لم تتغير نهائيًا. لن يحركها سوى المال وخططها الشيطانية. أهم ما فى حياتها وأكثر ما تهتم له هو المال وكيف تجني الكثير منه فقط.
تجمعت الدموع فى عينيها بصدمة لا تصدقها، ووالدتها لا تهتم لكل هذا وتتابع الحديث بحماس شديد:
-- أتسعت عينيها على مصراعيها وهى تلمس بطنها بيديها ولا تتخيل أن هذه المرأة لم يسلم منها حتى هذا الطفل الذي لم يخرج للدنيا بعد.
لتُتمتم “حلا” بصدمة وتلعثم شديد بينما تطأطأ رأسها ناظرة على بطنها:
-- ما بكفيكي عذابي وجني المال من بيعي كمان ابني. أنتِ أيه؟ مستحيل تكوني أم، أنا لم أولد بعد وبحس أنه أغلى من روحي كلها، لكن أنتِ كيف بتعملي فيا كدة؟
رفعت رأسها وهى تصرخ بغضب سافر بهذه المرأة قائلة:
-- طلعي ابني من حساباتك وخططك، جربي تحاولي تأخدي جنيه واحد من عاصم وأنا بنفسي اللى هخليه يطردك مش بس من البيت لا من مصر كلها، وعاصم بيقدر.
شعرت “جوليا” بغضب سافر من تحدي ابنتها لها، لتصدم “حلا” عندما صفعتها “جوليا” بقوة وقالت بعناد:
-- يطردني، حلا أنتِ هنا بفضلي أنا، بفضل خططي اللى ما عاجباكي، فوقي إذا أنا نطقت بحرف واحد، أنتِ هتكوني أول المطرودين، حاولى تتخيلي أيه ممكن يحصل لو قولت لعاصم بتاعك دا أنك ما بتكون بنت العيلة دي ولا تقربي ليهم.
أتسعت عيني “حلا” بصدمة على مصراعيها وهى لا تستوعب ما تسمعه، لتقول بتلعثم:
-- أنتِ بتقولي أيه؟ مستحيل، أنتِ وصلتي للقذرة دي أمتى.
صاحت “جوليا” بها بغضب سافر قائلة:
-- اللى سمعتيه، أمك وأبوكي عايشين يا حلا، وأقولك الأقذر أنا لسه بأخد منهم المال بس عشان أقولهم مين بنتهم، وإذا حاب تعرفي أهلك يبقي لازم تخرسي يا حلا وتقفلي فمك وتنفذي اللى أقولك عليه وبس، وإلا صدقني الأسرار اللى جوايا ما بس بتقدر تكسرك لا، أنا إذا فتحت فمي، حياتك راح تنهار وتدمر.
مسكتها “جوليا” من ذراعها بقوة وحدقت بها بناظرات ثاقبة مُخيفة وقالت بنبرة خافتة مُرعبة:
-- لو حابة ما تخسري أخواتك الحلوين وجوزك يبقى تسمعي اللى بقولك عليه، فاهمة.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل العشرون 20 - بقلم نور زيزو
دلف “عاصم” إلى الغرفة مساءً قلقًا، خصوصًا بعد اختفاء زوجته طيلة اليوم بعد حضور والدتها.
رآها جالسة على الفراش صامتة، فجلس جوارها وهو يقول بخفة:
-- مساء الخير.
لم تجب عليه، بل ظلت صامتة وهادئة تمامًا كأنها لم تشعر بوجوده ولم تستمع لكلمته.
دُهش “عاصم” من صمتها، فهز كتفها بلطف وهو يقول:
-- حلا.
نظرت “حلا” له باندهاش، وكأنها فاقت من شرودها أخيرًا لتراه جالسًا بقربها.
سأل “عاصم” بقلق شديد:
-- مالك؟
هزت رأسها بلا بضيق شديد وترجلت من الفراش بتعب وهي تقول:
-- مفيش حاجة.
خرجت من الغرفة هاربة من أسئلته الكثيرة وفضوله، بنفس اللحظة خائفة من ضعفها واحتوائه لها، وعقلها لم يكف عن التفكير نهائيًا فيما قالته والدتها، كونها ليست ابنة هذه العائلة، وابتزازها بهذا الطفل الموجود في أحشائها.
لم يستوعب عقلها كل هذه الأحداث التي سقطت عليها اليوم، لتقف بشرفة الغرفة وهي لا تملك مخرجًا لهذا الأمر نهائيًا.
***
استيقظت “مُفيدة” من نومها على صوت “سارة” ابنتها تقول:
-- يا ماما الفطار جاهز.
ظلت في مكانها لم تتحرك وقالت بضيق شديد:
-- مش هاكلة.
ربتت “سارة” على كتف والدتها بضيق شديد ثم قالت:
-- وبعدين يا أمي، بقالك يومين حابسة نفسك كده في الأوضة.
صاحت بنبرة منفعلة جدًا وهي تقول:
-- هو مش عاصم بيه جعدها ويايا أهنا في نفس الدار، مهموش كسرتي وجهرتي وكل اللي فكر فيه هو مرته، وتفضل أمها جارها أهنا متتفرجش. مش كفاية عليا إني متحملة مرته بنت جوزي، لا كمان جعدلي ضرتي أهنا.
ربتت “سارة” على كتفها بحنان وهي تقول:
-- متهتميش بها ولا كأنها موجودة أهنا، شوية تراب في البيت وخلاص. أنا لو مكانك وخلاص الراجل اللي بتتخانجوا عليه راح، أقوم ألبس وأتزوج كده وأبقى هانم وأخرج أكيدها وأفرسها.
نظرت “مفيدة” إلى ابنتها بصمت، لتشير “سارة” لها بنعم بخبث شديد.
***
كانت “جوليا” جالسة على الوسادة في الأرض في القاعدة العربية وتضع أمامها طبقًا من الفاكهة وفي يدها سكينًا صغيرًا للفاكهة.
فسمعت صوت “مُفيدة” تقول:
-- يا ناجية، اعمليلي فنجان قهوة يظبط دماغي.
رفعت “جوليا” نظرها إلى “مُفيدة” فرأتها تسير نحو الصالون المقابل لها مرتدية عباءة استقبال زرقاء اللون، غالية الثمن من جمالها، وكأنها عباءة صُنعت للملوك والأثرياء. فضفاضة وتشبه بأكمامها أجنحة الفراشات، مطرزة من منطقة الصدر بفصوص فضية وخيوطًا بيضاء.
وأصوات الأساور الذهبية التي تحتضن معصميها تخترق أذن “جوليا”.
رفعت “جوليا” حاجبيها بغرور وهي تتحاشي النظر لها من الضيق.
دق باب المنزل لتفتح “ناحية” وكانت امرأة من الغجر. فور رؤيتها لـ “مُفيدة” هرعت نحوها بحماس حتى وصلت إليها تقبل يدها وجلست بالأرض قرب قدميها وهي تقول:
-- والله كل مرة بشوفك يا ست الناس بلاقيكي صغرت 20 سنة.
تبسمت “مُفيدة” بعفوية، بينما قهقهت “جوليا” ضاحكة بقوة، لتنظر “مُفيدة” لها هي وهذه المرأة باغتيظ شديد.
تمتمت المرأة قائلة:
-- وا مالها دي؟
تأففت “مُفيدة” بضيق شديد قائلة:
-- مجنونة، مالناش صالح بيها.
بدأت المرأة بضرب الحجارة معًا على الأرض وهي تحاول قراءة الطالع لـ “مُفيدة” وقالت:
-- عقربة... لا دي حرباية... حرباية سامة واقفة في طريقك يا ست الناس.
نظرت “مُفيدة” بسخرية نحو “جوليا” وقالت:
-- دي عارفاها من قبل ما تقوليها، أصلي شفتها حرباية مش بس سامة.
كزت على اسمها وهي ترمق “جوليا” بغضب كامن بداخلها:
-- دي نجسة بنت كلاب. كلمي يمكن تلاقي شعرها أصفر وعينيها خضراء.
نظرت المرأة على “جوليا” بسخرية وتبسمت، مما أثار غضب “جوليا” وتركت طبق الفاكهة من يدها وظلت تحدق بها.
تابعت المرأة بنبرة مخيفة حزينة قائلة:
-- مهتمتلكيش في حالك يا ست الناس، احذري منها ومتأمنلهاش، أوعاكِ تدخليها دارك لأحسن تحرجك بسمها.
رفعت “مفيدة” نظرها عن هذه المرأة وقالت بضيق بينما ترمق “جوليا”:
-- متخافيش، هي بس تفكر تجرب مني ومهلاقيش عندي غير الشبشب نازل على دماغها.
جاءت “ناجية” بفنجان القهوة وقبل أن تتابع هذه المرأة حديثها، أتاها صوت “جوليا” من الخلف وهي تقول:
-- احترمي حالك يا مفيدة، أنا ساكتة بس نظرًا لسنك.
وقفت “مفيدة” من مكانها غيظًا من كلمات هذه المرأة وقالت:
-- سن مين يا سن، دا أنا أصغر منك يا عرة النسوة. أنا طبيعي وربنا يا عيني مش كل شهر عند دكتور أنفخ وأشخ. ما تبصي يا بت زين قبل ما تتكلمي، دا أنا ستك وست ناسك وبلدك كلها.
قهقهت “جوليا” ضاحكة بطريقة مستفزة وساخرة بعد أن وقفت الغجرية من مكانها ووضعت “ناجية” الفنجان من يدها ثم قالت:
-- ست مين يا مفيدة؟ لو كنتِ ستي صحيح مكنش تركك واختارني.
حاولت “مفيدة” أن تنقض عليها تبرحها ضربًا، لكن مسكتها الغجرية و”ناجية” لتنفعل بضيق شديد قائلة:
-- لا هو ركني لأني حب يجرب النوع الرخيص، لما لعب الجمار وبعد عن ربه. ما هو على رأي المثل الطيور على أشكالها تقع، كان ويايا شيخ البلد رجل محترم يتحلف بأسمه، لكن أول ما لفتي عليه كيف الحية بجى بتاع جمار وحشاش. كيفك بالظبط، عديمة الأخلاق والتربية، واللي زيك كتير أنزل أتفرج عليهم في الكباريهات، نسوة رخيصة تبيعوا نفسكم عشان ليلة، لكن أنا هانم طرف عبايتي ميلمحهوش راجل يا رخيصة.
لم تبالي “جوليا” لحديثها عن الأخلاق والقيم، فهي لم تنكر نهائيًا حقيقتها لتقول بسخرية ولهجة باردة:
-- الرخيصة دي قدرت تاخده منك وتتركك هنا تموتي من غيظ. اليوم يمر عليكي سنة لحد ما كبرتي وعجزتي حتى لو سنك صغير. الرخيصة دي قدرت تحرق قلبك يا ست الهوانم، بس لو عايزة الحق، تستاهلي لأن الست اللي ما تحافظ على جوزها تستاهل يخونها، وأنا ست تعجب الكل، عمري ما قابلت رجل وما عجبته أصلًا إمكانياتي يا طنط، أصل الست اللي ما تعرف تعجب جوزها ما تبقي… لا مؤاخذة ست.
لم تتمالك “مُفيدة” أعصابها أكثر من ذلك ودفعت الغجرية بعيدًا وصعدت الخمس درجات نحو القاعدة العربية وانقضت على “جوليا” تمسكها من شعرها حتى أسقطتها أرضًا وجلست فوقها وهي تقول:
-- وديني لأربيكي.
بدأت الغجرية و”ناجية” في الصراخ بهلع وهم يحاولون إبعاد “مُفيدة” عنها، لتدفع “مُفيدة” الغجرية مما جعل “جوليا” تنتهز الفرصة وتمسك شعرها لتقلب الوضعية وتبقى “مفيدة” أسفلها.
***
فتح “حلا” عينيها على صوت الصراخ، وبعد أن تأكدت من أنه بالخارج ترجلت من الفراش وهي تأخذ الروب في يدها وترتديه، ثم خرجت من باب الغرفة وهلعت عندما رأت والدتها فوق “مُفيدة” ويتعاركون.
لم تصدق ما تراه وأسرعت نحوهما لتحاول إبعاد والدتها عن “مفيدة” وهي تصرخ بخوف قائلة:
-- جوليا… ابعدي عنها يا جوليا.
دفعتها “جوليا” بقوة بعيدًا لتسقط عن الدرجات للأسفل، ومع صرختها توقف الجميع عن الصراخ وهرعت “جوليا” للأسفل نحو “حلا” بخوف من أن يكون أصابها شيء هي أو طفلها.
أسرعت “مُفيدة” نحوها خوفًا من “عاصم” وغضبه إذا أصاب ابنه شيئًا.
حاولت “جوليا” مساعدة “حلا” لكنها كرهت وأشمأزت أن تلمسها “جوليا” خصوصًا بعد أن أدركت أن كل هذا الخوف ليس عليها بل على طفلها الذي بمثابة ثمرة جمع المال لها.
تشبثت بيدي “ناجية” بألم شديد وأخذوها إلى الأريكة.
جلست “مُفيدة” جوارها بقلق وهي تقول:
-- أنتِ زينة؟ حاسة بحاجة؟
تنفست “حلا” بهدوء وهي تتألم، وتعابير وجهها الشاحب من الألم واضحة.
أومأت إليها بنعم وهي تعود بظهرها للخلف.
مسحت “مٌفيدة” على جبينها بلطف وهي تقول:
-- اتنفسي براحة؟
لمست “جوليا” يدها بلطف لتسحب “حلا” يدها سريعًا منها وهي تصرخ بضيق لم تتحمله:
-- ما تلمسيني إياكِ.
نظرت “مُفيدة” لها باندهاش ثم إلى “جوليا” ثم قالت:
-- اهدئي يا حلا، بلاش العصبية.
أغمضت عينيها بإرهاق وبدأت تنظم أنفاسها بلطف.
وقفت “جوليا” من مكانها بعد أن شعرت بالإحراج وغادرت من أمامهم.
***
استعارت “هيام” بعض الكتب من المكتبة وبدأت تسجلهم مع الأمينة.
لتضع أمينة المكتبة كتابًا آخر فقالت “هيام” بهدوء:
-- أنا مختارتش ده.
تبسمت الأمينة وهي تسجله دون أن تعطي اهتمامًا لرأيها وتقول:
-- دكتور أدهمملهولك.
تحنحت “هيام” بخجل من هذه الفتاة وأخذت الكتب ثم خرجت.
جلست على مقعد خشبي بحماس وحدها قبل أن تذهب لأصدقائها ووضعت حقيبة ظهرها بجوارها ثم فتحتها سريعًا وأخرجت الكتاب وهي تمرر صفحاته بسرعة باحثة عن الورقة التي تحتوي رسالته، لكنها لم تجد.
فأغلقت الكتاب بضيق شديد وهي تقول:
-- أنا حتى مبقرأش إنجليزي وهو…
توقفت عن الحديث وفتحت الكتاب مرة أخرى ومررت الصفحات ببطء أكثر.
وبعد أن انتبهت لدوائر محاطة ببعض الحروف الإنجليزية بطريقة عشوائية وأخرجت ورقة صغيرة من حقيبتها ثم بدأت تدون الحروف بالترتيب مع ترتيب صفحاتها.
ثم أغلقت الكتاب باندهاش وهي تنظر للورقة بضربات قلب متسارعة وهو لا يتوقف عن الخفقان بداخل ضلوعها الصلبة بعد أن رأت رسالته:
(I love you, will you marry me?)
أزدردت لعابها بتوتر شديد وهي تنظر لهذه الورقة ولم تشعر بشيء حولها كأن العالم توقف الآن وتجمد الوقت بها للتو.
شعرت بارتباك شديد ولم تستطع التفكير جيدًا، ثم ذهبت للمكتبة وأنتهزت فرصة انشغال الأمينة مع طالب آخر وألقت بالكتاب جوارها ثم أسرعت للخارج.
لتستوقفها الأمينة قائلة:
-- هيام.
التفت إليها بتوتر شديد ثم قالت:
-- نعم.
سألتها عن سبب عودتها لتشير لها بالهاتف وهي تهرب من أمامها كأنها عادت لجلب هاتفها.
غادرت “هيام” مسرعة.
جلست الأمينة على مكتبها لترى الكتاب أرضًا فتمتمت بخفوت:
-- أنا مدتهوش الكتاب… لما تيجي المرة الجاية.
***
بنهاية اليوم الدراسي مر “أدهم” إلى المكتبة مبتسمًا ثم قدم عبوة من المشروب الغازي للأمينة.
لتنظر الأمينة لعبوة المشروب ثم قالت بعفوية:
-- أنا هاخدها مع إني معملتش اللي طلبته مني.
عقد حاجبيه باندهاش لتقول:
-- والله طلعته عشان أدهولها بس نسيت هي تحطه في الشنطة والمكتبة النهاردة كانت زحمة جدًا.
رأت اليأس والحزن على وجه “أدهم” بعد أن علم بأن رسالته لم تصل لها بعد لتقول بحماس شديد:
-- متقلقش يا دكتور، أول ما تيجي آخر الأسبوع ترجع الكتب هديهولها.
تأفف بضيق شديد من انتظاره لأسبوع كامل وغادر بضيق شديد.
***
كان “عاصم” جالسًا مع “مازن” وأمامهما “فايق الصديق” غاضبًا جدًا من موافقتهم على زواج “فريدة” من ابنه الأكبر “مصطفى” ثم سحبه كلمتهم وتزوجها “مازن” الآن.
ليقول “فايق” بضيق شديد:
-- إحنا مش قليلين في البلد عشان تلعبوا بينا كده.
تأفف “عاصم” بضيق من طريقة حديثه ليقول باغتياظ:
-- يا حج فايق، البنت ميتريدهاش وبتحب، هتتجوز ولد لواحدة جلبها وياه غيره، دا بقى اللي يدوس على كرامتكم.
تأفف “فايق” بضيق شديد هو ينظر إلى “مصطفى” ولده ثم قال:
-- إحنا معندناش حاجة اسمها حب وكلام فارغ، وإلا كنت هجوزها له.
كاد “مازن” أن يفقد أعصابه وهو يتحدث عن زوجته ليقول بضيق:
-- أنت عايز إيه دلوقتي يا حج فايق؟ فريدة بقت مرتي على سنة الله ورسوله والفرح أول الشهر، ابقى هات ولدك وتعالى، أنا بعزمك.
رفع “فايق” رأسه بغرور شديد وهو لا يهاب هذا الرجل ثم قال:
-- الفرح ده مهيتممش يا ولد الشرجاوى.
ضرب “عاصم” نبوته بالأرض بضيق شديد ثم قال بانفعال:
-- فوق كده يا فايق بيه، أنا عاصم الشرجاوى، اختار كلام زين وأنت بتتحدث ويايا، وكلمة كمان ما تعجبنيش ولدك ده اللي عايز تجوزه هخليك تاخد جنازته، والفرح هيتم.
كز “فايق” على أسنانه بضيق شديد ثم قال:
-- عشان يتم وتصف القلوب، أنا جيت النهارده.
نظر “مازن” إلى “عاصم” بحيرة وهو لا يفهم كلماته ليتابع “فايق” بجدية حازمة:
-- أنا طالب يد بنتكم هُيام لولدي مصطفى.
وقف “مازن” بضيق شديد وهو يقول بصراخ:
-- جننت أنت لتطلب يد أختي؟ إيه هي أي واحدة وخلاص؟
وقف “فايق” من مكانه مع ابنه بضيق شديد ثم قال بنبرة تهديد واضحة:
-- أنا ميهمعنيش منكم رأي دلوقتي، فكروا زين بس خدوا بالكم، هُيام هتكون لولدي ده لمصلحتنا كلنا وإلا هتفتحوا بحور دم بينا ومهيكونش بينا تجارة ولا مصالح من بعدها.
غادر “فايق” غاضبًا من هذا الرفض الذي لحق به، وبدأت الآن البلد كلها تتحدث عنه خصوصًا بعد انتشار خبر اقتراب موعد زفاف “فريدة” و”مازن”.
نظر “مازن” إلى “عاصم” وقال بقلق على أخته:
-- ناوي على إيه؟
وقف من مكانه وهو يهندم ملابسه ثم قال:
-- تعال نروح ولما أفكر هقولك.
عادوا للمنزل وكانت “حلا” مختفية لتسرع “ناجية” إلى “عاصم” وأخبرته بما حدث من شجار النساء صباحًا.
سألها بقلق شديد على زوجته:
-- هي فين حلا؟
ابتلعت “ناحية” ريقها بخوف وقلق يلازمها من الصباح:
-- في أوضة الست مفيدة.
اتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة ألجمته من مكانه وهرع إلى غرفة “مُفيدة” بقلق خصوصًا أن زوجته تركت جميع الغرف وبقيت في غرفة “مُفيدة” التي تكن لها كرهًا لا مثيل له يفيض من بحور العالم.
فتح باب الغرفة ليرى “حلا” تبكي بانهيار شديد و”مُفيدة” جالسة أمامها على الفراش وتضمها لأول مرة منذ أن جاءت لهنا.
قال بتلعثم من الصدمة:
-- حلا.
ابتعدت عن “مُفيدة” بخوف من ظهوره فجأة ونظرت إليه فقال:
-- أنتِ زينة؟
قالها وهو يسير نحوها فأومأت له بنعم وهي تجفف دموعها، قالت بصوت مبحوح:
-- كويسة، ما تقلق.
نظر إلى “مفيدة” لتقول ببرود شديد:
-- خد مراتك وسيبوني، دوختيني من الصبح.
أخذ “حلا” وهو يساندها بلطف وعيناه لا تفارق “مُفيدة” باندهاش وهدوء “حلا” فكل مرة تجتمع هاتان الاثنتان تتشاجران وتصاب زوجته شيئًا.
نظرت “حلا” بقلق إلى “مُفيدة” لتشير لها بنعم وهي تغمض عينيها بمعنى أن تذهب باطمئنان لتغادر “حلا” مع زوجها.
نظرت “مُفيدة” للمرأة بغضب شديد وهي تقول:
-- مكفكيش إنك لعبتي الجمار كمان لبستي بنت مش بنته ودلوقتي عايزة تنهبي تعب وشقى العائلة بجذرتك، وحياة ربنا لأوريكي كيف هي الجذرة وكيد النسا هتتعلمي على إيدي أنا.
ساعدها “عاصم” في الجلوس على الفراش ثم جلس جوارها وقال:
-- أنتِ زينة بجد؟
أومأت إليه بنعم فرفع يده إلى وجنتها يجفف دموعها التي بللت وجهها وقال بفضول:
-- أمال بتبكي ليه؟ جوليا!!
نظرت له بتوتر ثم قالت:
-- لا، عاصم ممكن أطلب طلب منك؟
أومأ إليها بنعم وهو ينزع عمامته ويقول:
-- اطلبي يا حلا، أنتِ هتستأذنيني.
تحنحت بتردد شديد فنظر إليها بقلق من ترددها في الحديث لتقول:
-- ممكن تمشي جوليا من هنا؟
نظر لها بفضول شديد من طلبها ولم يستوعب لفظها لاسم والدتها هكذا، فرغم كل ما فعلته “جوليا” كانت تنعتها بأمها الآن تلفظ اسمها ولأول مرة ليقول:
-- عشان اللي حصل؟ أنا ممكن أمشيها من البلد كلها لو تحبي بس أفهم يا حلا نظرة الكره اللي في عينيك دي وانتِ بتحددي عنها ليه؟ وأوعاكي تقولي إن السبب خناقة الصبح، لأن إنك تتجعي غصب عنهم دي أبسط حاجة عملتها جوليا فيكي من كل اللي حكيتيه. جربك من مرت عمي وكرهك اللي شايفه في عينيك لأمك سببه حاجة أنتِ مخبية عليا يا حلا.
هزت رأسها بلا بتوتر شديد وترجلت من الفراش ليمسك يدها بلطف قبل أن تهرب منه كعادتها في أيامها الأخيرة وجذبها نحوه لتجلس على قدميه ويحيطها بذراعه والأخر يرفعه حتى يضع خصلات شعرها خلف أذنها بدلال وقال بنبرة دافئة:
-- احكي ليا يا حلوتي، إيه اللي بيحصل وياكي؟ مالك وإيه اللي مبكيكي ومخليكي حزينة كده، ومكنش عاصم الشرقاوي ولد عمك وجوزك لو ما حلتلك الموضوع.
رفعت يدها إلى وجهه تلمس لحيته بحنان خائفة من فقده إذا علم بحقيقتها وكونهم لم تكن ابنة عمه وتجمعت الدموع في عينيها وهي ترمقه بنظرها ثم قالت بتلعثم:
-- ولا أنا يا حلوتي، أصل ما عرفت الحب إلا وياكِ، بس فهمني مالك؟
رفعت ذراعيها بضعف شديد ولفتهم حول عنقه بخوف وجسدها ينتفض رعبًا من المستقبل المجهول وعانقته رغم ارتجافها وهي تتمتم بحزن:
-- أنا حياتي كلها مشاكل، أصلًا أنا ولادتي كانت مشكلة، بس صدقني أنا أضعف من إني أعمل مشكلة ولا كنت أنا السبب والله القدر هو السبب يا عاصم، بعرف إن حياتي مستحيل تخلي من المصائب بس معلش خليك جنبي وما تسبنيش، بعرف إن ربنا رزقك بزوجة ضعيفة بس ارحم ضعف قلبي وما تسبنيش لحالي نهائيًا.
أبعدها قليلًا حتى يرى وجهها ودموعها المنهمرة بقلق شديد يزداد أكثر وأكثر ليقول:
-- جولتلك إني مهسيبكيش يا حلا، لكن قسمًا بربي لو ما جُلتِ اللي وصلك للمرحلة دي لهسيبك بجد.
طلعت له بصدمة من إجباره لها ولم يتوقف جسدها عن الارتجاف.
حدق بها بجدية صارمة عازمًا أمره على كشف ما تخفيه بالقوة إذا كانت ستلتزم الصمت.