ظلت نجمه تفكر هل تصارحه أم تظل صامته. اتخذت قرارها أن تصارحه. خرجت من الغرفه وتوجهت لمكتبه داخل السرايا، لم تجده. سمعت بعدها صوت سيارته وهي تتحرك بالخارج. شعرت نجمه بإحباط وقررت أن تصارحه عندما يأتي من سفره. عادت لغرفتها بعد ذلك وجلست تصلي وتدعو الله أن يريح قلبها. في صباح اليوم التالي، استيقظ الجميع في سرايا الهلالي. عندما اجتمعوا على الفطار، تفاجئت فضه من عدم وجود قاسم.
ظلت تنظر لمكانه منتظرة أن يأتي، ولكنه لم يأتي. وجهت جليله حديثها ل نجمه: "فين قاسم يا نجمه؟ منزلش ليه؟ "قال عنده شغل ولازم يسافر وسافر متاخر، قال عشان يلحق يوصل بدرى." "فى مشاكل ولا ايه؟ "لا معرفش حاجه، هو بس قالى أنه مسافر شغل طارئ." تحدثت فضه بإحباط: "طيب هو اللى بيسافر مش لازم يقول قبلها عشان يعنى نبقى مستعدين." وجهت جليله حديثها لها:
"لا يا فضه، قاسم عنده شغل كتير فى مصر وهو متعود على كده، مره واحده بيسافر ومنعرفش بيرجع امته." "طيب مين بيسافر معاه يخدمه هناك؟ "محدش، هو عنده شقه هناك والبواب ومرات البواب بيشوفوا طلباته." "بس هو متجوز دلوقتي، المفروض يبجي حد معاه." "سبيه على راحته يا فضه، هو لو محتاج حد منكم هيطلب بنفسه." صمتت فضه وقامت من على الطعام دون أن تأكل شيئا، عكس نجمه التي جلست وتناولت القليل من الطعام. في الجهه في المصنع.
وصل قاسم وصعد لمكتبه بشكل مباشر. عندما صعد، تفاجئ امامه بسكرتيرته مروه واقفه وبطنها أمامها ويظهر على وجهها علامات الوجع. "مالك يا مروه؟ انتى هتولدي ولا ايه؟ وبعدين ليه مأخدتيش اجازه الوضع لحد دلوقتي؟ "انا بقالى ٣ ايام بدعي ربنا انك تيجى قبل ما اخدها. المفروض كنت اولد امبارح بس اجلت الولاده." "هو فيه ولاده بتتأجل؟ وليه بتأجليها اصلا؟ "ظروفى يا قاسم بيه، وعلى أمل إنك تيجى وربنا بعتك ليه." "للدرجه دى؟
خير يا مروه، فى ايه؟ "انا جوزي كان شغال فى شركه **** وللاسف مشوه منها وهو قاعد فى البيت بقاله شهرين مش لاقي شغل. وانا شغلى هو مصدر دخلنا الوحيد، ولو سبته وحد خد مكانى يبقى خلاص كده. وانا زي ما حضرتك شايف داخلة على ولادة وطفل جديد ومصاريف، الله لواحده اللي عالم بيها. انا يعني كنت بطلب من حضرتك أنه هو يمسك مكانى وصدقني هو شاكر أوى ومخلص في شغله وربنا يشهد على كلامي." بدأت مروه تبكي وهي تتحدث.
"طيب أهدى يا مروه، أهدى. خلاص اتصلي بجوزك يجيي يقابلني دلوقتي ومرتب الشهر كامل هتاخديه.... وهينزلك كل شهر لمدة سنة وانتي قاعدة في البيت قبضك وابعتي لجوزك يجيي يمسك الشغل بدالك وبعدها روحي اولدي يا مروه. الولادة مبتتأجلش. عملتيها إزاى دي؟ " قالها بمزحة. ابتسمت مروه على مزحته. "أنا بولد قيصري... بجد يا قاسم بيه انا مش عارفه اشكرك ازاى. اللي عملته ده كتير عليا اوي. انا كنت بدعي بس عشان جوزي يمسك بدالي بدل ما نتبهدل."
"انا مش بفهم في الحاجات دي، اللي افهمه معاد الولادة جه. أولد اكتر من كده ماعرفش. إن الولادة بقت أنواع كمان؟ وبعدين لما يكون في حاجة زي كدا مرة تانية اتصلي بيه على كول أو كلمي ناصر يكلمني، انما انتي دعيتى خلتيني اسافر في نصاص الليالي." "مش فاهمه." "المهم ابعتي دلوقتي ناصر خليه يجيي ضرورى وبعدها تقدري تمشي وادعيلي." "ربنا يريح قلبك ويزرزقك الخير كله ويهدي سرك ويحبب فيك خلقه." "يارب يا مروه، يارب."
خرجت مروه وبعدها بقليل وصل ناصر. "خير يا ناصر، عملتوا ايه؟ "المكن اشتغل تاني، كان عيب كهربا. كلمت حضرتك امبارح بس كنت تقريبا وصلت القاهرة." "خلاص سفر بسفر بقى، اخلص كل اللي ورايا." "تعالى ننزل دلوقتي المصنع ونشوف الدنيا ماشية ازاي واطمن على المكن بنفسي." ذهب قاسم برفقة ناصر وبدأ يتابع سير المكن والأجهزة وخط الإنتاج. "كده الطلبية دي المفروض إنها هتتسام آخر الأسبوع."
"تمام يا قاسم بيه، ولازم حضرتك تكون موجود عشان تتأكد من الجودة بنفسك زي كل مرة." "أنا هفضل هنا كام يوم، مش هسافر غير لما أسلمها. وأهم حاجة في المنتج اللي بنورده إنه يكون كامل المواصفات عشان ده بيحمل وجه بلدنا معاه." "تمام يا قاسم بيه، فاهم قصد حضرتك." "وفيه شركة تانية حابة تستورد مننا بعتولنا ايميل امبارح." "تمام، هطلع أراجع الميلات وأشوف في المزرعة الأول عندنا كام راس قبل ما ارد عليهم." "ربنا يزيدك يارب."
اتصل قاسم بمدير المزرعة وسأله عن عدد المواشي المتاحة حالياً وطلب منه عمل حصر لهم. وبعدها أتى زوج مروه واستلم العمل مكان زوجته. انتهى قاسم من العمل وقرر الذهاب لمنزله لأخذ قسط من الراحة وبعدها يقابل صديقه أمين. في المساء، أتى أمين لمقابلته في منزله. "منور القاهرة يا قاسم." "بنورك يا أمين." "ايه المفاجأة الحلوة دي؟ "كان في مشكلة في المصنع واتحلت الحمد لله... المهم كلمت اللواء رشدي زي ما قولتلك." "كلمته وطلب يقابلك."
"اتصل بيه وعرفّه إني جيت وعايز أقابله." "تمام." وقام بالفعل أمين واتصل به وأخذ منه موعد غداً الساعة السادسة مساءً. خرج بعدها قاسم برفقة أمين وتناولوا العشاء خارجاً وظلوا يتحدثون في بعض الأمور العامة. في اليوم التالي، قابل قاسم اللواء رشدي ومعه أمين. "مساء الخير، ازيك يا سيادة اللواء." "أهلاً يا قاسم بيه، ولا نقولك يا عمده." "اللي يناسب حضرتك، الاتنين حلوين." "أمين كلمني بخصوص شركة الأمن."
"وكنا حابين حضرتك تمسكها. أكيد عند حضرتك خبرة كبيرة وعلاقات." اللواء رشدي (بابتسامة فيها تساؤل) : "طب ليه دلوقتي يا قاسم؟ إيه اللي مخليك محتاجني أمسك الشركة؟ "بصراحة يا سيادة اللواء... الشركة كبرت أسرع من المتوقع. بقينا بنأمن منشآت حساسة ومناطق ليها قيمة، وده محتاج قيادة من نوع مختلف. إحنا اشتغلنا صح لحد دلوقتي، لكن الفترة الجاية مش بس محتاجة إدارة قوية، لأ محتاجة حد عنده وعي وخبرة." "تقصد إن في حد بيراقبكم؟
"مش بحب أسمي حاجة قبل ما أتأكد... لكن في حاجات غريبة بتحصل حوالينا. مناقصات بتضيع فجأة، عقود بتتأجل من غير سبب، وكأن في حد مش عايزنا نكبر. وجود حضرتك معانا مش بس هيزود قوة الشركة... ده كمان هيخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يحاول يقرب." "يعني الموضوع مش مجرد شغل...
"لأ شغل. أنا من حوالي شهرين اتضربت بالنار وكنت تقريباً بين الحياة والموت. ولما رجعنا الكاميرات أنا وأمين وجبنا اللي ضرب علينا نار، لكن لما روحناله لقيناه مقتول ومعرفناش مين." "طيب انت شاكك في حد؟ "في البلد اه، بس أنا مش همشي ورا شكوك. ومش عارف المشاكل اللي في المصنع والشركة دي سببها نفس الشخص ولا صدفة برضو."
"تمام، مبدئياً أنا موافق، بس أنا عايز أطلع على الأجهزة وأشوف نظام الشغل ماشي إزاي وبيكون معايا فريق عمل بيشتغل تحت إيدي." "اللي شايفه مناسب اعمله. وأمين حالياً مقيم في القاهرة وشريكي في شركة الأمن." "مافيش مشكلة يا قاسم بيه، بكرة الصبح هاجي الشركة وأقابلكم هناك وهراجع على أماكن توزيع الكاميرات في البلد." "على خيره الله. والمرتب اللي تحطه ليك وللفريق مش هنختلف عليه بإذن الله."
انتهى اليوم وذهب قاسم للمنزل وخلد للنوم مباشرة. في اليوم التالي في سرايا الهلالي صباحاً، كانوا جميعهم جالسين على طاولة الطعام بما فيهم نعمه. كانت نعمه تجلس بجانب جليله وتمزح مع فضه ونجمه تحاول أن تجعل بينهم حديث. تحدثت فضه متسائلة عن قاسم: "بقولك يا عمتي، انتي معاكي رقم قاسم؟ "اه." "طيب ينفع تتصلي بيه وتطمنينا عليه وتعرفي هيجي امتى؟ "إنتي مش معاكي رقمه؟ "لأ." "لأ إزاي؟ وانتي يا نجمه مش معاكي رقمه؟ "لأ." "نعم!
هو مش جوزك منك ليها؟ ازاى مش معاكم أرقامه؟ "أنا تليفوني سبته لأخويا قبل ما اتجوز على طول." "وانتي يا نجمه؟ "مجاتش مناسبة. أنا لما بعوزه بلاقيه موجود." "يلا يا عمتي بقى اتصلي بيه، اتطمني عليه." "حاضر يا فضه." اتصلت نعمه على قاسم الذي رد عليها مباشرة وكانت فاتحة مكبر الصوت. "ازيك يا قاسم، عامل ايه يا حبيبي؟ "الحمد لله يا نعمه. اوعي تكوني مشيتي او عايزه تمشي هزعل منك." "لأ لسه هستناك لما تيجي."
"خلاص اتفقنا. طمنيني نجمه وفضه عاملين ايه؟ "هما الاتنين بيسألوا عليكي وعايزين يطمنوا عليكي." "مافيش واحدة منهم رفعت سماعة تتصل عليه؟ "وانت متصلتش بيهم ليه؟ "والله مشغول يا عمتي، يا دوب بعرف اناملي ساعتين." "ربنا يعينك يا حبيبي. فضه مش معاها تليفون تكلمك منه، ونجمه مش معاها رقم ومستحية تطلب رقمك." ابتسم قاسم من سيرة نجمه. "قوللها أنا جوزها وماينفعش تستحي منه. هاتى لما اكلمهم."
أخذت فضه الهاتف من نعمه وذهبت بعيداً حتى تتحدث معه. "وحشتني يا قاسم قوي، هترجع امته؟ وكده تسافر من غير ما تقولي؟ "معلش يا فضه، مشغول شوية. ولما اجي هجبلك هدية وانا جاي." "طيب ينفع اطلب منك طلب؟ "اه طبعاً." "ينفع اروح ازور أمي؟ "روحي يا فضه، هكلم الغفير يوديكي ويستناني يرجعك تاني بالعربية." "تسلملي يارب." "اديني نجمه بقى، اسم عليها." ذهبت فضه واعطت الهاتف لنجمه وعادت غضه تجلس بجانب نعمه.
ظلت نجمه صامته إلى أن قطع قاسم الصمت. "مافيش اتوحشتك يا قاسم؟ أنا قولت لو غبت عنك هوحشك." "تيجي بالسلامة." "أنا زعلان منك على فكرة، كده متسألش عني رغم إنك عارف إن مسافر وعندى مشاكل في الشغل." "منا مش معايا الرقم." "خديه من نعمه. والزعل مش هيروح غير لو اتصلت وسألت علىّ. أنا فاضي بالليل، هستناكي تكلميني ها." أماءت نجمه برأسها ولم تجيب. فابتسم قاسم وتخيلها وهي تهز رأسها. "طيب هشوفك وانتي بتهزي راسك إزاي؟ قولي حاضر."
"انت عرفت منين؟ "خمنت. أنا تقريباً حفظت تصرفاتك. بس لما ارجع هيكونلي كلام كتير معاكي، الكلام اللي مكملناهوش المرة اللي فاتت." مر أسبوع على تلك الأحداث وعاد بعدها قاسم للبلد في المساء وذهب مباشرة لغرفة فضه. تفاجئت فضه من وجوده وظلت تقفز من السعادة بسبب عودته. ابتسم قاسم على تصرفها الطفولي وأخرج هاتف حديث من حقيبته وأعطاه لها. نظرت فضه للهاتف وهي غير مصدقة. "ايه ده؟ "مش انتي مش معاكي تليفون؟ جبتلك واحد، يارب يعجبك."
"ده شكله غالي جوي التليفون ده، ليه أنا... بتاعي." "أه يا فضه، وحطتلك فيه خط وسجلتلك رقمي." "يعني وقت لما تكون مش موجود أكلمك عادي وهترد." عليا ـ آه يا ستي، المهم جهزي لي الحمام أنا تعبان كَن السفر وهموت نوم. وبالفعل أخذ قاسم حمامه وخلد بعدها للنوم. في الصباح، كان الجميع يجلس على السفرة وتفاجأوا بوجود قاسم الذي ينزل من السلم وبجانبه فضة. كانت عين نجمة معلقة عليهم بصمت. "لما أتى إليّ أنا أولاً؟
هل بعده عني جعله يشتاق لي؟ "لما لم يخبرني أنه سوف يأتي؟ كانت تجلس نجمة بغيره على طاولة الطعام وقررت بعد انتهاء الطعام ستتحدث معه ويحدث ما يحدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!