ظلت نجمة تشاهد نزول قاسم برفقة فضة وهو مبتسم. كانت نظرات قاسم محاوطة نجمة أثناء نزوله، كان يراقب تغيرات وجهها عندما رأته. جلس قاسم على رأس الطاولة وألقى السلام عليهم. بدأ الجميع بالطعام، ما عدا نجمة التي كانت شارده. بعد الانتهاء من تناول الطعام، وجهت نجمة حديثها لقاسم. "قاسم لو سمحت، محتاجة أتكلم معاك ضروري." "طيب، ينفع نأجل الكلام يا نجمة لبليل؟ أنا هاجي بدري، بس لازم أروح المزرعة ضروري."
أومأت نجمة برأسها بالموافقة، وبعدها صعدت لغرفتها. أتى قاسم في المساء ولم يجد نجمة جالسة معهم كعادتها. "أمال فين نجمة؟ "قالت إنها تعبانة شوية ومش هتقدر تنزل تتعشى معانا. اقعد كل وبعدين اطلع ريح شوية." "طيب، خليتي حد يطلع لها أكل؟ "هوصي الشغالة تطلع لها الأكل. اقعد كل أنت معانا." جلس قاسم يأكل معهم وكان ذهنه منشغلاً بنجمة. كان يجاري فضة في أحاديثها كما يفعل دائماً معها حتى لا تشعر بتشتت انتباهه.
انتهوا من الطعام وتركهم قاسم وصعد لغرفته برفقة فضة. وجدها جالسة أمام الشرفة تنظر للفراغ أمامها وصينية الطعام خلفها لم تأكل منها شيئاً. اقترب منها قاسم ببطء وضّمها إليه وقبّلها من رأسها. "وحشتيني قوي يا نجمة." "عملت الحركة دي امبارح مع فضة وقولت لها نفس الكلمة؟ وحشتك برضو صح؟ ويمكن أكتر مني كمان، عشان كده جيت عليها؟ "إنتي بتقولي إيه يا نجمة؟ وايه الكلام ده؟
"بقول الحقيقة اللي بحاول أشيلها من دماغي عشان أعرف أعيش ومش عارفة. ياترى يا قاسم، كل حاجة بتعملها معايا بتعملها مع فضة؟ يعني لما بتضمني وتحضني، بتعمل معاها كده؟ لأ، أنت بتعمل أكتر من كده عشان هي مراتك شرعاً، مش أنا، صح؟ نجمة وهي تبص له والدموع في عينيها: "عارف يا قاسم، أنا بقيت بخاف من حضنك... بقعد أسأل نفسي هو أنت بتعمل كده معاها زيي؟ كل كلمة بتقولها ليا بتفضل تدوي في وداني وأسأل نفسي: يا ترى قلتها لفضة قبل كده؟
"نجمة، اهدي بس واسمعيني... "مش ههدي يا قاسم! أنا طول الوقت ساكتة وقلبي وجعني. مش قادرة أعيش وأنا حاسة إني ضيفة في حياتك." "ضيفة؟! "أيوه ضيفة... لما بتضحك معايا، بسمع نفس ضحكتك معاها! لما بتاخدني في حضنك، بحس إني نسخة مكررة مش أكتر... أنا مش لعبة تملي بيها وقتك." "ليه يا نجمة بتقولي كده؟
أنا مقصرتش معاكي في حاجة، بالعكس أنا بحاول أقربلك بكل الوسائل، وإنتي اللي بتبعدي عني. أنا مش عارف أرضيكي إزاي. قاسم اللي كل الناس بتسعى عشان أرضى عنها، بحاول أرضيكي انتي." صمت قاسم لحظات يفكر في سبب حديثها. "نجمة، انتي غيرانة عشان لما جيت امبارح روحت عليها؟ أنا جيت متأخر وده كان يومها، زي ما سبتك ومكملتش معاكي الليلة، ويومها كانت الليلة ناقصة برضو. لما جيت امبارح جيت متأخر ونمت على طول."
"مش بس ده يا قاسم، مش بس كده. قاسم، انت إزاي ترضالي إنك تبقى بايت عندها وتيجي تاني يوم تبات عندي؟ إزاي تبقى لسه لمستها على إيدك وتيجي عايز تلمسني إزاي؟ "أنا مش فاهم يا نجمة." "مش فاهم إيه يا قاسم؟! مش فاهم إني ست، وبحس وبغير وبشم ريحتها فيك؟! انت فاكرني حجر؟ فاكرني مش هحس إنك لسه خارج من حضنها وجاي تحضني؟ "إنتي مكبرة الموضوع قوي... "لأ، مش بكبره!
أنت اللي مش حاسس قد إيه بيكسرني. قاسم، أنا مش لعبة تنقلها من إيد لإيد. مش هعرف أعيش وأنا عارفة إنك بتقفل باب عندي وتفتح باب عندها في نفس الليلة! سكتت لحظة ومسحت دموعها بعصبية: "أنا طول الوقت ساكتة وقلبي مليان وجع... بس النهاردة مش هسكت. مش قادرة أستحمل إحساسي إني حاجة زيادة في حياتك." "نجمة، انتي مش حاجة زيادة. طيب لو متضايقة إن ليلة عندك وليلة عندها، نخليها أسبوع وأسبوع، ولو حابة تبقى انتي الأولى."
"انت ليه يا قاسم مش قادر تفهمني؟ قاسم، أنا بغير، بموت من جوايا وأنا عارفة إن في واحدة تانية في حياتك." "انت ليه يا قاسم مش قادر تفهمني؟ "بفهمك يا نجمة، بس إنتي مكبرة الموضوع... "مش مكبرة! دي نار يا قاسم، نار بتاكلني كل يوم. كل ما تبصلي بعينيك دي، عقلي يقوللي: نفس النظرة بيبصلها بيها. كل كلمة بتقولهالي، قلبي يصرخ: يا ترى قالها لفضة كمان؟ "نجمة، اهدي... "مش ههدي! أنا مش عايزة تقسيم...
مش عايزة أسبوع وأسبوع ولا مين الأولى ومين التانية. أنا مش جدول بتوزعه زي أرض المزرعة. أنا ست... يا تكون ليّ وبس، يا ما تكونش! وقفت تبص له والدموع مغرقة عينيها وصوتها بيرتعش: "قاسم، أنا بموت من جوايا وأنا عارفة إن في واحدة تانية بتشاركني... بموت وأنا مش قادرة أصرخ كل مرة بشوفك خارج من عندها وجايلي." "نجمة، أهدي طيب." "متقوليش أهدي يا قاسم."
"بصي يا نجمة، أنا كمان هكون صريح معاكي. في البداية أنا مكنش فارق معايا واحدة زي عشرة، وخصوصاً لما فهمت من كلام جليلة وأبوكي إنك مش فارق معاكي اتجوز عليكي تاني، وخصوصاً لما أبوكي جه معايا أطلب فضة للجواز. قبل جوازي منكم كنت فاكر إني هحبكم زي بعض وهعرف أعدل، بس للأسف ظاهرياً عادل، لكن للأسف أنا مش عادل. وبعدي عنكم خلاني اتأكدت من كده. أنا قلبي كله معاكي يا نجمة، لكن هي مالهاش ذنب ومش هقدر أظلمها حتى لو هاجي على نفسي ودوس على قلبي."
سكتت نجمة لحظة وبصت له بحدة، صوتها كان ثابت لكن جواها زلزال: "طلقني يا قاسم." "مش هقدر يا نجمة... مش هقدر برضو يا نجمة. طلاقك مني مستحيل. إنتي بتطلبي مني المستحيل." "المستحيل إني أكمل كده! ارتفع صوتها لأول مرة من بداية المواجهة، والدموع اتجمعت في عينيها: "المستحيل إني أفضل أشاركك مع حد تاني وأتظاهر إني راضية! "نجمة... أنا قلبي كله معاكي... "قلبك معايا؟! وإيدك معاها! حضنك معاها! إزاي عايزني أصدق إن ليا مكان عندك؟!
"الموضوع مش بالبساطة دي... "لأ يا قاسم، الموضوع أبسط مما تتصور... طلقني." قرب منها خطوة، وحاول يمسك إيدها، لكنها سحبت نفسها للخلف بعصبية. "بلاش يا قاسم... بلاش تلمسني وإنت لسه كنت جاي من حضنها." وقف ساكت لحظة. "نجمة، أنا مش هقدر أعيش من غيرك." "وأنا مش قادرة أعيش مع نصّك! سابت المكان بسرعة، وهو واقف مكانه مش قادر يتحرك، صوته مكتوم كأنه بيتخنق. "نجمة... مش هقدر أطلقك... ومش هقدر أسيبها... أنا تايه."
خرج قاسم خلفها من الغرفة وصعد خلوته. ظل يفكر في حديث نجمة. هو عارف إن عندها حق، مهما حاول يهرب من الحقيقة مش هيقدر، بس للأسف مفيش حل. استحالة أطلق فضة أو أظلمها، واستحالة أطلق نجمة. وضع الهاتف الذي اشتراه لها أمامه وظل ينظر له، لا يعلم ماذا يفعل. ماذا لو أتى له أحد بنفس المشكلة، هيقول له إيه؟ أمشي ورا قلبي وأظلم؟ ولا أكمل مع الاتنين وأظلم برضو؟
ظل جالس في خلوته إلى أن غلبه النوم. وفي صباح اليوم التالي ذهب لغرفته ليأخذ حمامه ويبدل ملابسه ووجد نجمة على حالها من أمس. اقترب منها وجلس أمامها ومسك يدها وقبلها. "نجمة حبيبتي، أنا عارف إن الوضع صعب، يمكن عليكي إنتي أكتر، بس أنا أعمل إيه؟ أطلقها وأبقى ظالم؟ ترضيهالي؟ ومتقوليش طلقني عشان مش هقدر. الموت عندي أهون. أنا معاكي حسيت حاجات مكنتش أعرف إنها موجودة أصلاً.... طلاقي منك معناه موت قلبي."
"طيب أنا أعمل إيه.. مش بإيدي. حاولت ومعرفتش يا قاسم.... أنت بحبك من ساعة ما وعيت على الدنيا دي. عمري ما فكرت أحب زي باقي البنات اللي في سني. مراهقتي وطفولتي وشبابي كلها أنت. كل مرة يتقال فيها اسمك قلبي بيتشال من مكانه ويتحط تاني." قامت وفتحت دولابها. "بص يا قاسم، كل الهدوم دي كنت بفكر وأنا بجيبها إيه أكتر حاجة هتعجبك عليا؟ إيه أكتر لون هتحبه فيه؟ أنت متخيل؟ شايف كل دي، ملبستش حتى واحدة منها."
نظر قاسم لكل الملابس وقربها منه بحب ونظر في عينيها بعشق. "نجمة، بصيلي. أنا مش قادر أتخيل حياتي من غيرك." "وأنا مش قادرة أعيش وأنا حاسة إني نص واحدة... مش كاملة في قلبك." "والله العظيم قلبي كله ليكي... بس الموقف اللي أنا فيه أكبر مني ومنك." "يبقى سيبني يا قاسم... سيبني قبل ما أموت كل يوم وأنا جنبك." "لأ، ما تقوليش كده! (قرب منها أكتر وعينه بتلمع) "نجمة، الموت عندي أسهل من بعدك." "وإنت فاكر البعد عنك سهل عليا؟
أنا بموت بالحياة دي يا قاسم... سكتوا لحظة، صمت تقيل في الغرفة، مفيش غير صوت أنفاسهم. قاسم حاول يشوف في عينيها نقطة ضعف، وهي بصت له بعناد حزين. "نجمة، يلا ننزل نفطر معاهم ونكمل كلامنا بعدين. خلينا نهدى ونفكر بهدوء، يمكن نوصل لحل." "مافيش حلول يا قاسم تنفع." "عشان خاطري استحملي معايا يا نجمة. أنا آسف على كل حاجة وجعتك خليتك تحسيها. صدقيني يا نجمة، اديني فرصة." "حاضر يا قاسم."
أعطاها قاسم الهاتف وبعدها خرج من غرفته. وخرجت خلفه نجمة وحاول أن يظهر وجهه بشكل طبيعي وجلس معهم على السفرة كما يفعل دائماً تحت حكايات فضة له وماذا تعلمت على الهاتف الجديد. بعد انتهائهم من الطعام، طلبت فضة من قاسم أن تذهب لوالدتها ووافق قاسم وانتظرها حتى تجهز ويقوم بتوصيلها في طريقه. في ذلك الوقت كانت النظرات متبادلة بين قاسم ونجمة، ولكن ليس هناك حل بيدهم. ذهبت فضة وجلست مع والدتها وأعطتها بعض المال. "إيه ده يا فضة؟
"قاسم بيديني مصروف كبير ومش عارفة أعمل بيه إيه. عارفة يا ماما، كنت بفكر أحوشه وأجيب تليفون جديد، لكن قاسم جاب لي واحد هدية من النوع الغالي ده، فقولت أديكي جزء من الفلوس." "الحاجة جليلة عاملة معاكي إيه هي ونجمة؟ "الحاجة جليلة أهم حاجة عندها إن قاسم يبقى مبسوط ومحدش يعمل حاجة غلط، غير كده هي طيبة. ونجمة في حالها أغلب الوقت سرحانة، لكن عمته دي بتيجي زي النسمة. بصيلي جابت لي إيه هدية."
"حلوة أوي، الحمد لله إنك مبسوطة يا فضة. أنا كنت خايفة يكون غرضهم منك... " وسكتت لم تكمل حديثها. "غرضهم مني إيه؟ تقصدي إيه؟ ياترى فضة هتعمل إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!