فتحت رباب السماعة، تحدث نيل باللغة الإنجليزية وقال:
"أنا استمعت إلى الفويس بتاعك الذي تسألني فيه إن كنت أعلم أنك ابنته سيلا، الصديقة المقربة لأختي ليان، وأن استغلك لكي أوصل لها. نعم. وسألت أيضاً إذا كان ابني ريان هو أخو عبد الرحمن. نعم، هو أخوه الكبير، أكبر منه بسنتين. عندما قامت بخطفها كانت حامل فيه، وبعد ما أنجبته ضحكت عليها وقلت لها أنه مات لكي أوجع قلبها عليه ولكي لا تعود إلى مدحت. وأيضاً إذا علم أنها مات ابنه يكرهها. ولكن حدث العكس ووقف بجوارها ورزقوا بالابن الثاني. وما دامت علمت كل شيء، أنت الآن أصبحت جاسوسة لي، ومن المفترض أن تنقلي لي أخبارها. ماذا يفعلون؟
لأن من وقت ما انتقلت إلى هذه الحارة لم أستطع اختراقها، وكأنها في جزيرة محمية فيها. وإذا أخبرت أحد أني أبحث عنها فسوف المرة هذه سوف تتسجن بجد وليس تشوه. لماذا لا تجيبين؟ هل تفكرين في حديثي؟ انطقي، قولي نعم، أوافق على كل ما أقول." كانت رباب تتنهد، ونيل يستمع لها، ولكنها لا تفهم كلمة من الذي يقوله. وهو ظن أنها خائفة من التهديد. عندما قال لها فردت بنفس الحديث على قد ما تقدري. وهو ابتسم واعتقد أن القلق من الخوف، وقال:
"إذن، أنتظر منك كل المعلومات." وأغلق الهاتف. بحثت رباب عن برنامج يترجم الحديث الصوتي إلى اللغة العربية لكي تفهم. وبعد محاولات نجحت وفهمت الحديث. وبحثت عن الفويس الذي كان يتحدث عنه على الواتس، وبالفعل استمعت له وحملته. وأيضاً وضعته في برنامج يترجم. وكان النص:
"أنتم ضحكتوا عليا واستغلتوني من أول يوم أرسلت لي للعمل في الشركة. كنتم تعلمون أني ابنة سيلا، صديقة ليان أختك، وأنا علمت كل الحقيقة. وعلمت أيضاً أنك تخبي عنها أن ابنها الكبير عايش. ولكن أنا سوف أقول لهم كل شيء، وإلا لن تستطيع أن تقترب منها. وأنا مستقيلة." بعد أن جمعت رباب كل هذه التسجيلات، جمعتهم مع بعض في فيديو واحد مجمع كل التسجيلات الصوتية. وابتسمت:
"والله أنتِ بنت جامدة يا بنت يا رباب. والكرسي اللي أخذتيه في التكنولوجيا نفعك أهو. أنا بقي عايزة أتسلى منها. أكون السبب أن عبد الرحمن يشوف أخوه. وإن ما نفع عبد الرحمن، ينفع أخوه. أي حد من العائلة ده المهم. أبحث دلوقتي عن إيميل ريان ده، أكيد عنده إيميل وأتواصل معه." وبالفعل وجدت أن ديمة كانت تبحث عن إيميل له. وابتسمت وقالت:
"ده أمور أوي وجندل كده فيه شبه منه كمان. أنا لازم أقوي نفسي باللغة الإنجليزية. لكن على ما أقوي نفسي أسجل كلامي عربي يتحول إلى إنجليزي وأجمع الأخين مع بعض. وكده واجب الكل يشكر فيه." وضحكت بخبث: "ابدئي اللعبة يا رباب يا عسل. المهم دلوقتي لازم أرجع التليفون، وأنا نقلت كل حاجة عندي وظبطت الدنيا." بالفعل رجعت على بيت ديمة ودقت الباب لكي بحجة تطمئن. وفتحت سيلا الباب ورحبت بها: "اتفضلي يا بنتي."
دخلت رباب على الغرفة. كانت حنان بعد ما اطمنت على أخواتها وسمحت لهم يلعبوا مع أولاد الحارة، لكن بدون خناق. ورجعت عند ديما بعد ما أحضر عبد الرحمن كل الأدوية وعلق لها المحلول وبدأت تعمل لها كمادات. ومازالت ديما تتحدث مع نفسها: "أنا لازم أقول لـ عبد الرحمن أنه له أخ، وأن نيل استغلني. أنا لم أعمل معه، أنا لست جاسوسة."
حاولت حنان تركز في حديثها وبدأت تفهم أن تعبها أن في سر جواها عايزة تقوله، لكن خائفة من رد فعله. وقررت بعد أن تفوق تساعده وتقف بجانبه. دخلت رباب واقتربت منهم لكي تطمئن ووضعت الهاتف بدون ما أحد يشعر. وجلست بعد الوقت تحت في الشارع. نادى عمي نادر كل الأطفال وبدأ يوزع عليهم فوانيس من صنع يده بالنحاس، شكلها جميل. وأضاف عليها فلاش صيني يغني. فاستطاع يجمع بين الفوانيس بتاعت زمان مع فوانيس صيني. وكانوا الأطفال فرحانين.
القهوة اتجمعت برجال الحارة والتلفزيون مفتوح يعرض مسلسلات رمضان. والرجل يلعبون شطرنج ويتسمر. تحدث أحدهم: "إيه المسلسلات بتاعت اليومين دول اللي ملهاش طعم. فاكر يا أبو أحمد مسلسل ذئاب الجبل، ولا مسلسل ليالي الحلمية؟ ابتسم أبو أحمد وقال: "طيب فاكر الفوازير اللي كبرنا عليها جدو عبدو وعمو فؤاد، وفوازير نيللي وشريهان؟ كنا بعد الفطار ننتظرهم. فاكر لما كان مفيش غير قناة الأولى والثانية والثالثة فقط." "يا أبو حميد."
ضحك أبو حميد: "آه أيام. أنا فاكر لما أبوي وهو داخل يجيب الجريدة معاه وأول ما يدخل ندخل جرى عشان نشوف مواعيد البرامج. فأكل حيلهم بينهم. وإلا برنامج بدون كلام، ولا المقالب. اديني عقلك اللي كان بيجي الساعة ٢ ونص وقت السحور." ضحك أبو أحمد: "والله إبراهيم نصر ومقالبه الجميلة مش زي دلوقت." استمروا يحكوا عن رمضان وأجواء رمضان زمان. وبعد كده ابتسموا وهم ينظرون إلى الأطفال اللي معهم الفوانيس وبيجروا بيلعبوا في الحارة. وضحكوا:
"عمي نادر ده مش بيتغير. ومن زمان وهو يلم الأطفال وخصوصاً الأيتام ويوزع عليهم الفوانيس يلعبوا بيها. هو فعلاً نادر في كل حاجة، رغم انقطعت العادة دي من زمان." ابتسم آخر وقال: "إحنا حارتنا تحتفظ بكل حاجة حلوة وكل حاجة بتاعت زمان. يا ريت كل مكان يكون فيه الحب والسلام إلا في حارتنا." أوقفهم الإعلانات الكثيرة على التلفزيون، فقاله: "الناس ده تقصد تحرق دمنا، ولا بيعملوا إعلانات لشعب تاني؟ ضحك آخر:
"آه والله العظيم ده حاجة تحرق الدم. بيعملوا مدن لناس اللي معاها فلوس مش لينا. وساعات يا شيخ بحس إنهم يقصدوا يكسر الشعب ده بإعلاناتهم دي، وخصوصاً إعلانات المدن الجديدة والأماكن الساحلية. بيكون عايزين يبلغونا أن فيه جنة في الدنيا، لكن مش للفقير." رد آخر بأسف: "فعلاً والله مش بيحسوا بالفقير. والمشكلة إني مش أنا اللي بشوف الإعلانات دي، ده الفقير الكحيان ويتحسر على حياته." سأل أخرى وقال له:
"تيجي الشقة هناك بكام يا أبو حميد؟ ضحك أبو حميد وقال: "متعديش يا طرش. تيجي ٥ مليون." رد طرش: "يا نهار أسود. بيتعدوا زي دول؟ ولا يجيبهم منين؟ إحنا بنساعد بعض. بنطلع كل شهر ١٠٠ جنيه للصندوق اللي بيخليني في رمضان نعرف نعمل الإفطار والسحور ده، وبنقول المليان يصب في الفاضي. ولا معاه أكثر بيساهم. وبنقول مستور.
"نيجي بقى للواحد أقل واحد فينا راتبه ميكملش ٦ آلاف. فيشتغل شغلتين عشان يوصل ل ٦ آلاف عشان يعرف يدفع إيجار ونور ومياه وياكل ويلبس عيلة كويس. ولو جه دور تعب لا سمح الله بياكل نص المرتب أدوية. إمتى نحوش الفلوس ده؟ لما نعجز." ضحك أبو حميد: "لا خفيف. انت حوشهم وسيبهم للورثة. ووقتها هما يروحوا يدفعوا لك كفانك." ضحك درش: "والله صدقت. طيب كده إحنا هندخل الجنة إلا في الآخرة، ولا هنطلع من المولد بلا حمص؟
ولا نولني جنة الدنيا ولا جنة الخلود؟ ضحك أبو حميد: "صدقت يا صاحبي." مرت الساعات على أبناء الحارة حتى جاء وقت السحور. وبدأ المسحراتي يدق للاستيقاظ. والأطفال كانت نامت من التعب والسيدات في بيوتهم، والرجال اتجمعوا للسحور. كانت ديما فاقت وحرارتها نزلت وطلبت تنزل تتسحر معهم: "أنا بقيت كويس والله يا ماما. عشان خاطري كفاية ضاع علي احتفال الأطفال بأول يوم في رمضان." ابتسمت حنان وقالت:
"الحمد لله إنك بقيت زي الفل. بس السحور بيكون للرجال فقط. السيدات هتتسحر في بيوتها يا ديما." استغربت ديما: "ليه؟ مش امبارح الكل اتسحر؟ هزت رأسها سيلا: "هنجمع في الفطار بس. والنظام كل أسرة هتنزل بأكلها اللي هي عاملها. وكده الكل يشارك. إنتي عارفة يا بنتي الناس هنا متوسط الحال. هما بيحوشوا الفلوس عشان يعيشوا جو رمضان ده." نظرت لها ديما وهي مش فاهمة، ثم سألت: "طيب أنا كنت عايزة أتكلم مع عبد الرحمن في موضوع، ينفع؟
هزت رأسها سيلا بالنفي: "الصباح رباح يا بنتي. بكرة إن شاء الله وقت الإفطار تكلمي معه. لكن هنتكلم في إيه يا ديما؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!