ظهرت سيدة ترتدي عباية وفوق شعرها طرحة سوداء واقتربت من البنات وصرخت: -إيه يا حلوة انتي وهى بتشاطروا على مين كدة؟ من إمتى أخلاق شارعنا إننا نتشاطر على الضيوف؟ وسّعي يا بت. وانتِ يا بت يا رباب مش هتبطلي تخلقي مشاكل. اقتربت سيلا من ابنتها: -حبيبتي يا ديمة، عملوا فيكي إيه؟ آسفة يا بنتي. وقفت ليان وهي تنظر إلى البنات: -مكنش العشم فيكم، ده الأخت هى وصيته ليكم تعتبروها أختكم. نظرت البنات بخجل:
-إحنا خفنا تكوني بتصورينا، إنتي مش شايفة الكاميرا. نظرت إليهم السيدة: -وفيها إيه لو صوركم بكاميرا؟ على حسب، مش كل واحدة فيكم ليها قناة على التيك توك؟ ولا ترسموا الفضيلة؟ بلاش محن البنات والغيرة العمى ده، وكل واحدة على شغلها. واعتذرت من سيلا: -أنا محقوقلك يا أختي سيلا، حق عليا. كانت سيلا تحضن ابنتها التي من الصدمة والهجوم الذي لم تفهمه، مبررة، مش عارفة تنطق.
وصل الخبر عند الرجال والشباب والكل اتجمعوا علشان يفهموا إيه اللي حصل. وقتها شعر عبد الرحمن بالحزن الشديد واليأس من اللي حصل، ومسك المايكروفون وطلب إن الكل يسمع ليه. وبدأ يتكلم: -دلوقتي فيه ضيفة عزيزة عليا جداً، أول مرة تنزل مصر ونزلت مع أهلها اللي هما، بنسبة للأهل، أخواتهم. وتم إهانتها في حيرتها. أما هي فجارتي ومن مين؟ من بناتها. يبقى إيه لازمة الأمة ده؟
وإننا نرسم التقوى والحب ونتجمع في ليلة مفترجة زي دي وفيه نفوس في وسطنا حقودة وغيرى. ده النفوس اللي هتقابل رمضان بكرة إزاي تنوي الصيام وإنتي ضربتِ واحدة مسكينة؟ وأقسم بالله لو مجاش حق ديمة دلوقتي من كل بنت وجاءت اعتذرت وبست راسها واعتذرت لها، مافيش سحور لأي بنت معانا ولا النهاردة ولا أي يوم من الـ 30 يوم الشهر الكريم. جميع الرجال أجمعوا على حديثه: -عندك حق يا ابني. واحد فيهم جابوا بنته وأجبرها تعتذر من ديمة:
-اعتذري لأختك يا عفاف، إحنا في رمضان. اقتربت عفاف وهي خافضة رأسها: -آسفة يا أختي، إحنا اتجمعنا ومكنش فاهمة إيه اللي حصل ولا نعرف إنك الضيفة. رباب قالت إنك صحفية وغريبة عن الحارة وجاية تصوري بنات الحارة وتنزل كلام وحش عليهم وتفبركي كلام. بقي البنات أقسموا: -والله العظيم هي قالت الكلام ده. بنعتذر منك يا أختي، إنتي اسمك إيه؟ وكنتِ عايشة فين؟ وبدأ البنات يتكلموا مع ديمة ويعتذروا لها.
وفي لحظة نسيت اللي حصل معاها واندامجت معاهم، وخصوصاً لما عبد الرحمن عطاها الثقة. صورة كل ترابيزة بالأسرة اللي فيها وأنا أعرفك عليهم، ومتزعليش من أخواتك، إنتي عارفة مصارين البطن بتتخانق.
انبهرت ديمة بعبد الرحمن في اجتيازه المشكلة وانتصارها، واعتذر البنات ليها. أول مرة تحصل معاها إن حد يعتذر منها، وفي ثانية البنات أصبحت روحها حلوة وبيضحكوا معاها وبيضوها صور صواريخ عشان تفرقعها، وكمان فوانيس. بدأت تشعر بجو رمضان والأسرة، حتى لو اتخانقوا بيتصالحوا.
أما رباب، الغل مسكها أكتر، وخصوصاً إنها عملت كده عشان تخوف ديمة وتخليها تطلع شقتها عشان تبعد عيون عبد الرحمن عنها، عشان هي بتحب عبد الرحمن ونفسها تلفت نظره، لكن اتحبست هي عشان الكل اعترف عليها وبقت هي المنبوذة. بدأ السحور والمسحراتي بيغني وينادي والكل اتجمعوا، وبدأت ديمة تقرب من كل ترابيزة وتتعرف على كل أسرة بمساعدة عبد الرحمن. -ده عيلة عم فتحي صاحب محل الموبايل، رجل جدع. وكمل رفع إيده عم فتحي بالتحية وسلم على ديمة:
-نورت يا بنتي البلد، ويارب يكون ذوقي عجبكم. ابتسمت ديمة: -ديكور يجنن، تسلم إيدك يا عم فتحي. عايز أعمل فيلم عن شغلك يا عم فتحي وإزاي حطة الخشب بتبقى مرة واحدة، حاجة حلوة زي كده. ابتسم عم فتحي: -بكرة نورتي يا بنتي، وكمان ممكن تكون فتحة خير علينا وناس تيجي ترزقنا وش الخير. ابتسمت ديمة بفرحة من حديثه وسلمت على زوجته وبناته، وبعد كده انتقلت على الترابيزة التاني. وابتسمت سيدة:
-أعرفك أنا بنفسي، أنا أم محمود يا بنتي. ابني إيده تتلف بحرير، مبيضين وهو اللي دهن الحيطان. واسفين اللي عملوه البنات فيكي. هزت رأسها ديمة بابتسامة: -حصل خير، هما كانوا فاهمين غلط وخايفين وعندهم حق. ربنا يحفظه ليكي. أكيد، أنا بالفعل صورته وهو بيبيض وبيدهن ونزلتها لايف وناس كتير سألت هو فين؟ خليه يدخل ويكتب رقم تليفونه. ابتسمت أم محمود وقالت: -طبعاً يا بنتي، مش عارفة أشكرك إزاي.
وانتقلت الترابيزة الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر.
ومع كل أسرة قصة مختلفة، إلا طرزي ولا كهرباء ولا بيبيع بويات، ولا بيعمل انتريهات. وفي وسط كل ده اكتشفت إنهم في حارة واحدة نجحت تعمل لنفسها كيان من كل حاجة، كأنها دولة صغيرة فيها كل المجالات. وفوجئت إن بنت الطرزي دكتورة وفتحت عيادة في الحارة مشتركة هي وكذا دكتور ودكتورة من أبناء الحارة بمساعدة أهلها. كانت سعيدة جداً إنهم إيد واحدة في الفرح والحزن واحد. وآخر ترابيزة كانت عبد الرحمن وأسرته. وسألت عبد الرحمن:
-إنت بقي وظيفتك إيه غير شيخ وصوتك حلو؟ ابتسم عبد الرحمن: -أنا محامي ورثته عن والدي المحامي الكبير مدحت، وده أمي الست الجميلة ليان، وده بقي حكايتها حكاية. ابتسمت ليان وهي تنظر إلى مدحت:
-قصتي بدأت لما الرجل الجميل ده جه زيارة لأمريكا، كان وقتها بيعمل دكتور في دراسة القانون، وكنت أنا في نفس الجامعة. لفت نظري أخلاقه وخجله، غير أي شاب مصري بيصدق يشوف أي فتاة أمريكية ويتقرب منها. بالعكس، كان يمشي خطوات بعيد عن أي فتاة. استمر سنتين خلال دراسته. كنت بتابعه، كنت أتمنى ألفت نظره. ابتسم مدحت: -لحد ما وقعتني في حبك وقتها. ضحكت ليان:
-أه، وقتها كان في نفس الوقت كنا داخلين على رمضان، وكنت مش عارفة يعني إيه رمضان. سمعته وهو بيتكلم مع صديق له ويتفق معاه إنهم يفطروا مع بعض ويشوفوا التوقيت. اقتربت منه وسألته: -يعني إيه رمضان؟ نظر لي وابتسم، ابتسامته وقعتني في حبه أكتر.
وبدأ يشرح لي إنه مسلم وفى شهر كامل اسمه رمضان والشهر ده يصومه المسلمين. ولم سألته إيه الحكم في ده، كان أسلوبه جميل في الشرح ووصل فكرته إن عشان يحسوا بالمحرومين والناس الفقراء، وإنهم بيعملوا مائدة الرحمن عندهم في مصر في كل جامع أو شارع أو حي لازم يتعمل مائدة رحمن يتجمعوا فيها الناس البسيطة ويتحضر الأكل ويتقدم. غير في أماكن تانية بيطلعوا أطباق أكل ويوزعوها.
استمر يحكي لي وأنا منبهرة بالكلام اللي بيقوله، التكاتف والتعاون. وطلبت منه لو نزل مصر ياخدني ويفرحنا. ابتسمت ديمة من قصتهم وسألتها. ابتسم مدحت: -طلبت مني أشكي ليه عن كل حاجة عن الإسلام. وكنت كل يوم نتقابل، وفي يوم طلبت تيجي تفطر معانا. ابتسمت سيلا: -ويوميها جبتها معاك. انصدمت ديمة: -هو مدحت يقرب ليك يا أمي؟ ابتسمت سيلا وقالت: -طبعاً يا ديمة، ابن خالي وجاي عندنا يعمل دراسات عليا في القانون.
نظرت ديمة إلى ليان وتذكرت حديثها مع نيل، وما بين نفسها: مش معقول ليان هي أخت نيل اللي طلب مني أدور عليها. أنا لازم أعرف كل الحكاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!