دخلت ديمة الزنانة وهي تبكي وتتكلم بالإنجليزية، ومش فاهمة هي فين. لم تتصور أن هذا يكون قسم شرطة وهذه زنانة. أول ما شافتها البنات اللي في الحجز اتلموا عليها. جاءت بنتان ممسوكون في قضية آداب، مترحلين من قسم ثان. وسألتا: "مترحلة من فين يا قمر؟ نظرت لهن ديمة وهي مش فاهمة كلامها وقالت: "يعني إيه ترحيل؟ وانتوا هنا ليه؟ ضحكت البنات بصوت مرتفع: "جينا نتوب هنا يا حلوة." استغربت ديمة وسألتهن: "تتوبوا من إيه؟
ضحكت وقالت: "مش سمعت، لرمضان بيجي بيتسلسل الشيطان وكل أتباعه، إحنا بقي أتباعه. قبل رمضان الشرطة بتجمع كل المسجلين خطر والمشبهين، واللي عليهم قضايا." انصدمت ديمة بدأت تستوعب: "يعني ده قسم بجد؟ طيب أنا جايبيني ليه؟ أنا مليش قضايا." نظرت لها بنت أخرى وسألته: "هو إنتي مالك معوجة كده، بتتكلمي عربي مقطع؟ قضية إيه يا بت، قوليه." هزت ديمة رأسها بالرفض: "أنا مليش قضية وأنا مش من هنا."
قربت منها وسحبت منها العباية. شقتها وقطعتها، كانت ديمة لابسة تحتها بودي وبنطلون استريتش. ضحكت الفتاة: "هو دلوقتي بقى يجيبوا الأجنبي يمشوها في الدعارة بدل المصريين؟ ضحكت أخرى وقالت: "واضح كده يا أختي، يقطعوا عيشنا في ده كمان." سألتها أخرى: "إنتي من بلد إيه يا شاطرة؟ ومسكوك مع مين كده؟ كانت ديمة تسحب منهم العباية تستر نفسها وهي تتحدث: "مسكني بوليس وأنا بتخانق مع الدرايفر."
ضحكت واحدة منهم: "طيب أنا فهمت البوليس ده، طيب إيه الكلمة العجيبة ده؟ معناه إيه؟ وكنت معاه فين؟ ردت ديمة وهي تتخانق معاهم: "أنا عايز العباية بتاعتي، واوعوا بعيد عني. انتوا مش بشر، أنا مش هعيش يوم تاني هنا." اقتربت واحدة من الموجودين في الزنزانة منها، ودفعت البنات وأخذت منهم العباية، وساعدتها تلبسه. وسألتها: "معلش يا قلبي، سيبك منهم، دول شوية حوش ميعرفوش يعني إيه ستر. إنتي جيتي هنا إزاي؟
بدأت ديمة تحكي لها ما حصل. وعلى ما قد ما قدرت تجمع ما حصل، انصدمت: "يعني إنتي كنتي بتقولي على ميكروباص صندوق (box) ، ولما جه الظابط كنتي بتشتكي من سوق الميكروباص بطريقتك ده، فاكر إنك بتتكلمي عن عربية الشرطة وبتشتمي الشرطة." هزت ديمة رأسها بالتأكيد. شافوهم البنات بيشوشوا، قربوا منهم: "هو أنتوا بتتكلموا عن إيه؟ حركت ديمة يديها في الهواء كأنها بتضربهم: "ابعدوا عني، انتوا حواش! صرخوا ومسكوا فيها: "مين الحواش يا أختي؟
" وبدأوا يضربوا في بعض. على دخول الصول، انصدم من المنظر. نادى على ضابط (علي) ومعه (مؤمن) . وشافوا ديمة في وسطهم متبهدلة ومقطعين هدومها. جرى مؤمن أخذها من وسطهم لأنه حس أنها هي، وهو خارج ينظر إلى (علي) بعتاب. خافت ديمة وكانت تتوجع من كل جزء من جسمها وبتعيط وبتحكي: "والله أنا معملتش حاجة يا بوليس، أنا كنت بشتكي من درايفر اسمه إيه؟ البنت اللي جوه لسه قايل اسمه، هو big كده شبه bus لكن small." بدأ مؤمن يهدئها
ويربط على كتفها وقال: "اهدي يا آنسة ومتخافيش، أنا عرفت كل حاجة وعارف إنك معملتيش حاجة." نظرت له بلهفة وبراءة: "بجد انت مصدق إني مش شتمت بوليس؟ أنا بحترم القانون." نظر لها (علي) بغيظ: "عشان كده تلبسيه مشكلة بعبطك، وقال: انتي قولتي إنك تبلغي كل السفارات الأجنبية، وإن الشرطة متوحشين وعصابة ومافيا. كل كلمة قولتيها متسجلة بصوتك."
هزت ديمة رأسها: "أنا قولت كده، لكن مقصدتش كده. أنا مكملتش يومين هنا ومعرفش شكل القسم بتاعكم أو عربية الشرطة. ومرة واحدة رمونا بوليس جوه صندوق ومنعوا ماما تكون معايا أو ليان. وبعد كده جايبني هنا، كنت فاكرة مافيا أو عصابة، مثل ما بشوف في الدراما الأمريكية عندنا."
ابتسم مؤمن وقال: "والله العظيم عندها حق. كل حاجة فعلا لازم تتغير. قسم الشرطة يتغير ويكون يلقي بأي شخص يدخل فيه، حتى عربية البوكس تكون على الأقل آدمية. حقك علينا يا آنسة، اسمك إيه؟ هزت ديمة رأسها بخجل وحزن: "اسمي ديمة، أنا عايزة أرجع لبلدي، ممكن تساعديني أرجع لبلدي؟ تنهد مؤمن وتكلم بهدوء: "وإنتي شايفة إن مصر مش بلدك؟ نظرت له وخافت تتكلم.
شعر أنها خايفة، ونظر إلى علي وطلب منه يخرج ويبلغ أهلها يجيبوا ليها هدوم بدل الحوش اللي عندك اللي عملوه فيها. نظرت له وقالت: "في بنت جوه برضو مظلومة، وقالت عليهم حوش ومحبوسة هنا عشان محدش سمعها." انصدم مؤمن من كلامها وسألها: "إيه عرفك أنها مظلومة؟ هي قالت لك كده؟ هزت رأسها بالنفي: "مش لازم تحكي عشان أعرف، أنا عرفت من عيونها، وإنتي كمان هتعرف إن كانت بريئة أو مجرمة. أرجوك خليها تبعد عن الحوش اللي جوه يموتها."
طلب مؤمن يشوف البنت اللي بتقول عليها، وبالفعل بعد الصول يجيبهم. ولما شافتها في وسطهم شوارد: "هي دي البنت المظلومة؟ نظرت لها الفتاة بتعجب: "إزاي عرفت أنها مظلومة رغم إن محدش صدقها؟ أمر الجميع بالرجوع، وسألها: "إنتي اسمك إيه وتهمتك إيه؟
هزت رأسها الفتاة: "اسمي حنان يا فندم، وتهمتي وصل أمانة، لكن أقسم بالله العظيم مش مضيت، وحياتي أخواتي اللي بيجرى عليهم. كل الحكاية إن المعلم حنكيش كان بيضايقني عشان أقبل اتجوز، ولما رفض لفّق لي التهمة ده وقدم الوصل، ومرمي بالي يومين وساب لي أخواتي الأطفال لوحدهم." انصدم مؤمن بكلامها، ووجه حديثه لـ علي: "ورينا الوصل والبلاغ يا علي."
كان علي محرج جداً. وبالفعل جاب الوصل وطلب مؤمن يتفحص من الخطوط وإن الإمضاء مطبقة ولا لأ. وطلب إطلاق سراحها بمحل سكانها وعلى ضمنته. مكنتش مصدقة نفسها، حنان ركعت على الأرض تحب على رجله والدموع في عيونها: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي، ربنا يكرمك يارب ويعلي مراتبك كمان وكمان." ابتسم مؤمن ومسكها رفعها وقال: "مفيش شكر. وطلب من عبد الرحمن يدخل." بعد ما جاب ملابس لديمة، دخل بلهفة وهو قلقان على ديمة وانصدم من شكله. رحب بـ
مؤمن وشكره: "مش عارف أشكرك إزاي يا حضرة النقيب." ابتسم مؤمن: "مفيش شكر. ولو فعلاً عايز تشكرني، خد حنان وأخواتها عندك في الحارة واحيمهم. البنت يتيمة وبتجري على أخواتها، وفي واحد مفترس في الحارة عندها مش رحيمها." ابتسمت ديمة بفرحة: "آه يا عبد الرحمن، ده أنقذتني من الحوش اللي كانوا بيضربوني. أنا حسيت إنها مظلومة وطيبة، وحضرة البوليس صدقني وهو كمان أنقذها." ابتسم مؤمن وسألها: "يعني لسه كارهة مصر وعايزة ترجعي بلدك؟
نظرت له ديمة وهي بحيرة وتتذكر ما حصل معها. وكشر. ابتسم مؤمن وقال: "إنتي عارفة إن كل حاجة بتحصل بتكون لحكمة في حياتنا." نظرت له ديمة بحيرة وسألتهم: "مش فاهمة." ابتسم عبد الرحمن وفهم وقال: "ربنا أراد إنك تعملي مشكلة مع السواق وتيجي هنا بالتحديد عشان نوصل لمؤمن وييجي. في الظاهر كان أنقذك، لكن في الباطن... هزت حنان
رأسها والدموع في عيونها: "ربنا بعتك ليا أنا عشان تنقذيني أنا وأخواتي من الحارة اللي أنا فيها. ربنا سمع دعائي وصليت طول الليل وأنا بدعي إنه ينقذني ومش يحرمني أقدر أول يوم مع أخواتي في رمضان، بدل ما قاعدين لوحدهم. ربنا بعتك لي عشان يبعت حضرة النقيب ألا يصدقني ويخرجني بحمايتهم."
مكنتش فاهمة بردو ديمة يقصدوا إيه وقتها، لكن بالفعل لبست ديمة فستان وخرجت ومعاها حنان اللي راحت بحماية مؤمن وعبد الرحمن. الحارة بتاعتها، وهي كانت متابعة الموقف.
وانصدمت لما شافت أخواتها صغيرين، طفل عشر سنين وطفلة ٧ سنين. كان المشهد يبكي أي حد. والأطفال بيجروا في حضن أختهم اللي فرحوا لما شافوها، وهي بتبكي في حضنها. والمعلم جه فجأة واستغرب خروجها. ولما جه يتعرض ليها، وقف ليه عبد الرحمن ومؤمن. وأخذت أخواتها وهدومها. وجاءت عربية نقل من حارة عبد الرحمن نقلت كل عفش حنان ودفعوا الإيجار القديم بتاعها، وأخذوها على الحارة. دخلت على أذن المغرب وهو بيقول الله أكبر. ومسك عبد الرحمن مؤمن يأكل معهم. وجلسوا الأطفال اللي كانوا جعانين من يوم حبس أختهم.
لحظة صمت. سكتت ديمة وسألته: "مش هتاكل يا بنتي؟ انتي بسببك عملت عمل عظيم النهارده." سألتها ديمة بحيرة: "هو ده اللي محيرني؟ غير إنقاذ حنان، هو إيه؟
ابتسم عمر وقال: "إنتي كنت السبب إن نساعد غارمة تخرج من الحجز. دي جزء من اللي ربنا وصي عليهم، ونسد دين الغارمين. وإحنا سددنا دين عليها، وكمان مساعدة يتيمة الأب والأم وبتجري على أخواتها الأيتام. والدنيا كانت جارت عليها. يعني أحياناً في شر بيحصل لينا بيكون سبب عند ربنا، وهو بعتك عشان ينقذها. مش فقط من البنات اللي في الحجز، لا كمان أنقذتها هي وأخواتها من حارة مفيهاش راجل يحميها. بالعكس كان فيه مفترين عايزين ينهشوا في لحمها. فهمتي يا بنتي الثواب العظيم اللي كنتي السبب فيه؟
بدأت تستوعب ديمة، ونظرت إلى مؤمن وهي تسأله: "هي دي الحكمة اللي إنت كنت بتقول عليها؟ أنا ربنا أراد يحصل معايا كده مش عشان أكره بلدي، لكن عشان أنقذ بنت في بلدي من ظلم وقع فيها." انصدمت ديمة وسألته: "ليه مش هما عملوا شغلهم؟
هز رأسه مؤمن بالنفي: "للأسف لا. استغلوا شغلهم. ضابط المرور أخد فلوس من سواق الميكروباص عشان يخليه يعدي، وعلي كان واخد فلوس من المعلم حنكيش إنه يحبس حنان من غير أي سبب، لأنه عارف إن الوصل مضروب. والسواق كان فعلاً يخالف كل قواعد الأمان وكان يركب عدد أكبر من حمولة الميكروباص، وقبل كده سبب حادثة وكان متقدم بلاغ فيه."
ابتسم عبد الرحمن: "يعني إنتي بطلة يا ديمة، وكنت السبب إن السواق يعاقب ويسجن عشان سبب فعلاً في حوادث لناس. إنتي فعلاً وجودك خير في بلدك. لسه شايفة مصر مش بلدك؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!