كالعادة قفز أدهم، وجد شيش البلكونة مفتوحًا ودخل. تظاهرت سماء أنها فزعت: "بسم الله! في حد يدخل بالشكل ده؟ انت وأختك عندكم نفس الحساسية، مش بتخبطوا على الباب؟ جذبها إلى حضنه وعانقها عناقًا طويلاً، كاد أن يعصرها من شدة الاشتياق، وعيناه اغرورقت بالدموع. أدرك بهذا الحضن أنه كان يحبها دون أن يشعر. لم يكن يشتاق للمياء كما اشتاق لها هذا الشهر. كادت روحه أن تسحب منه. وهي بدورها تعلقت برقبته، وقبل أن تنطق، قال لها:
"وحشتيني قوي يا سماء، قوي." كانت مترددة، لكنها أخرجتها بكل مشاعر الحب. نطقت بها عيناها قبل لسانها: "انت وحشتني أكتر يا أدهم." أمسك الطفلين وظل يقبلهم بحب واشتياق: "وحشتوني قوي يا حبايبي، أنا آسف بجد، أنا السبب." كان الصغيران يضحكان كلما قبلهم. شعر بمدى خسارتهم حينما ابتعدا عنه. شعر بمدى غبائه، كيف يستبدل تلك البديعة الرائعة بتلك البشعة الأنانية. عاد وجذب سماء لحضنه مع الطفلين: "اوعديني إنكم مش هتبعدوا عني مرة ثانية."
صمتت ولم تجبه. "سماء، اوعديني." "ما أقدرش أدي لك الوعد ده. لو فضل وضعنا على ما هو عليه، آسفة، هضطر أبعد. أنا عارفة إنك محتاج وقت، وأنا هسيب لك فترة كويسة، لكن مش هقدر أعيش أنا وولادي حياتنا كلها بالشكل ده في الظل، ولا كأنك تعرفنا." "عارف، وهحاول أحل الوضع بسرعة، بس ما تبعديش عني ثاني. انت ما تعرفيش حالتي كانت إزاي وأنتم بعيد عني. أنا هبات هنا النهارده." "إزاي يا أدهم؟
مش هينفع. كفاية كلام والدتك المرة اللي فاتت، أرجوك. مش هقدر أسمعه تاني، ده جرحني قوي." "أنا ظبطت الموضوع ده. بس انت رجعتي إزاي؟ "وحشتني وحسيت إنك وحشت الولاد، قلت إننا زرنا أبوهم شهر وهنبقى نسافر تاني لأن شغله كتير ومش بيقعد معانا." "تعالوا في حضني، وحشتوني قوي." "لأ، خليهم معاك. اشبع منهم، وهروح أحضر العشا. هتاكل معايا؟ أنا لسه ما أكلتش." "طبعًا، أنا وحشني أكلك وكل حاجة بتعمليها، بس عايز أشبع منك انت كمان."
"هقعد معاك بعد ما يناموا، نشبع من حضن بعض." ذهبت لتحضر الطعام. شرد في جملتها (نشبع من حضن بعض) . كيف لم يراها؟ كيف كانت مخفية داخل مكنونات قلبه دون أن يشعر؟ بعد دقائق: "إيه الريحة الحلوة دي؟ "بصراحة، كان عندي أمل إنك تاكل معايا، فحضرت طاجن البامية اللي انت بتحبه." "انت ما فيش منك اثنين، أنا فعلاً جعان." "طيب، هاكلك بإيدي، وخلي الأولاد على حجرك." "أنا مش واخد على الدلع ده."
"دي حاجة تفرحني إني بعمل حاجة ما حدش عملها قبلي." نام الطفلان ووضعتهم سماء في السرير الخاص بهم. بعدها ضمها أدهم داخل حضنه وقبل رأسها وخدها. "الواحد مش بيعرف قيمة الحاجة الحلوة إلا لما تبعد عنه." "وانا حاجة حلوة؟ "انت أحلى حاجة دخلت حياتي. سماء، خلينا نتكلم بصراحة شوية من غير زعل. أنا حبيتك، بس مش لدرجة الحب اللي واحدة في جمالك تستحقه. بس حاسس مع الوقت إنه هيكبر." "يعني خلاص نسيت لمياء؟
"هبقى كداب لو قلت آه. عايزك تفهميني، حبها كان بيجري في دمي بقاله سنين من واحنا صغيرين، فاكيد مش هنساها في يوم وليلة." "طب ولو حصل إنك اتحطيت في يوم قدام اختيار بيني وبينها، هتعمل إيه؟ "ما فيش مجال للكلام ده، لأن عمره ما هيحصل." "أدهم، رد على السؤال لو سمحت. لو رجعت وحبت ترجع لك بشرط إنك تسيبني، هتعمل إيه؟ "أرد على إيه؟ ده من المستحيلات. عمرها ما هترجع، ولو رجعت مش أنا الراجل اللي تملى عينيها."
"فهمت خلاص، إجابتك وصلت." "فهمتي إيه؟ "خلاص يا أدهم، عايزة الحق أنام قبل ما حد من الأولاد يصحى ويسهرني. تصبح على خير." "مش هتقعدي معايا شوية زي ما قلتي؟ "معلش، تعبانة طول اليوم مع الأولاد، وكنت بنظف الشقة، كانت مقفولة شهر، انت ناسي." أغلقت الحوار وفي قلبها غصة وتخوف من حدوث شيء مثل ذلك، ومتوقعة إجابة أدهم. حاول أدهم ضمها داخل حضنه، لكنها رفضت، ففهم أنها لا تشعر بالأمان معه لامتناعه عن الإجابة.
فضل أن يجيبها بأفعاله مع الأيام. في الصباح، استيقظت وكانت آثار الدموع في عينيها. "صباح الخير، أحضر لك فطار؟ "صباح النور. لأ، هفطر مع ماما عشان ما تشكش. بس مال عينيك؟ "أبدًا، ولا حاجة. هتقدر تيجي النهارده تقعد معانا شوية؟ "هحاول، بس مش هبات. لازم أبين طبيعي." "فاهماك." "انت زعلتي؟ "لأ، مقدرة وفاهمة." عاد إلى حجرته وخرج، وجد والدته قد أعدت الفطار. "هو انت عرفتي منين إني صحيت؟ "ما عرفتش، كنت داخلة أصلًا أصحيك."
"مش قلت لك هصحى لوحدي." "صعبت عليا، لا اتعشيت واتأخرت على الفطار. طيب يا حبيبتي، بس بجد الفترة دي لما ببقى هلكان من التعب، بلاش تصحيني. أنا عندي النوم أحسن من الأكل." "طب بقول لك، احنا هنروح نقعد عند سماح في البيت بتاعها، أصلها زهقت من القعدة هنا." "لأ، أنا مش رايح." "مش رايح فين؟ مش انت؟ ده أنا وسماح." شعر بسعادة لم تكتمل حينما أكملت كلامها: "آه، هتطولي هناك؟ "آه، على ما تزهق من هناك وتحب تغير جو."
"طيب، هبقى أجي أطمن عليك." "بقول لك، ابقي ارجع شقتك يا أدهم." "ليه؟ ما أنا قاعد هنا." "أصل هرش الشقة. اسكت، مش لقيت فار دخل الشقة ولسة ما طلعت." "لأ، والله." "بجد. وبعدين سماء رجعت، والشيطان انت عارفه، ما أنا فهمتك قبل كده." رسم اندهاشه مزيفًا: "بجد؟ سماء رجعت؟ امتى؟ "يعني ما تعرفش؟ رجعت امبارح." "هعرف منين؟ ما حدش بلغني، وهي مش بتكلمني بعد كلامك معاها." "طيب، هبعت لك واحدة كل فترة تنظف لك شقتك."
"لأ، ما تتعبيش نفسك، أنا هتصرف." قالت بصرامة: "أدهم، تقعد في شقتك." "حاضر يا ماما، إيه؟ هو أنا عيل صغير؟ "مش العيل الصغير بس اللي بيحتاج نصيحة وتوجيه." "فاهم يا أمي، حاضر." دخل عمار غرفة أدهم لينصحه كما اتفق مع خالته: "أبسط يا عم، دي فرصة كويسة تقعد بقى مع مراتك وعيالك من غير خوف أو قلق." "فرصة إزاي؟ "انت قدام الناس طالع بيت أبوك، وتقوم داخل شقة عمك." "وماما اللي نبهت عليّ كذا مرة أروح شقتي." "ومين هيقول لها؟
وهنبه على سماح تبلغك قبل ما يرجعوا، وانت عارف خالتي بتتحرك دلوقتي بالعافية، يعني عمرها ما هتطب عليك." "تصدق فكرة؟ انت عندك حق. انت أحلى صديق وأخ وجوز أخت وابن خالة." "حيلك، مالك مبسوط قوي كده؟ هو انت غيرت رأيك من ناحية سماء؟ أنا كان قصدي تقعد مع العيال وتشبع منهم." "تصدق، لو قلت لك حاسس إني بحبها من زمان." "لأ، مش مصدق. أخيرًا اعترفت." "انت كنت فاهم." "يا ابني، أنا فاهمك أكتر ما انت فاهم نفسك. بس عايز أحذرك."
"تحذرني من إيه؟ "سماء قلبها رقيق، بلاش تكسرها. كلنا عارفين ظروفها، هي تعبت قوي في حياتها، خليك جنبها." "مقدرش طبعًا أعمل حاجة توجعها." "أتمنى." "بس تفتكر بتحبني زي ما بحبها؟ "لأ." "يا خسارة." "بتحبك أكتر ما انت بتحبها. كلنا قرأنا ده في عينيها ومن زمان." "انت بتتكلم جد؟ ما قلتليش ليه؟ "دايمًا كنت بحاول ألمح للطور اللي هنا." "الطور اللي هنا سمعت منك الجملة دي قبل جوازي من لمياء. انت قصدك...
"حمد لله على السلامة، بقى عندك مخ؟ أسيبك، عندي شغل." "استنى بس فهمني." "أدهم، مش محتاج حاجة. الرؤية بقت واضحة دلوقتي. سلام." أوصل أدهم والدته وأخته إلى مسكنها. عاد سريعًا وفتح شقة عمه بالمفتاح ونادى على سماء: "إيه ده يا أدهم؟ انت دخلت هنا إزاي؟ طنط ممكن تشوفك." "عندي مفاجأة هتفرحك قوي قد ما أنا فرحان." بعد أن أخبرها، احتضنته وكأنها أعجبت بالفكرة. وهو أيضًا احتضنها بقوة.
"وكمان هاخد النهارده إجازة وهقضي اليوم كله معاكم." "ده أنا كده لازم أحتفل بيك وأعمل لك أكلة حلوة قوي من اللي انت بتحبها." "لأ، ما تضيعيش الوقت في الطبخ. هنطلب من بره، ومن بكرة اعملي اللي انت عايزاه. وكمان هعرفك هرجع إمتى عشان نتعشى مع بعض دايمًا." "يااااه يا أدهم، ده حلم حياتي أعيش معاك كام يوم وأحس إني متجوزاك بجد." "هي دي أقصى طموحاتك؟
"انت كنت حلم صعب يتحقق. اتجوزتك مع إيقاف التنفيذ، وربنا رزقني بأطفال منك كمان. وحاسة إن الأولاد غيروا مشاعرك من ناحيتي." "الولاد دول أحلى حاجة عشان منك، ومشاعري دائمًا ما كنتش فاهمها ولا قادر أحدد هي إيه، بس كانت موجودة." "خلاص، ادخل غير هدومك وتعالى نلاعب الأولاد شوية." "قصدك أجيب بال أول شنطة هدومي. بس غرفتك صغيرة. نظفي بقى أي غرفة كبيرة عشان ننقل فيها أنا وانت." "الشقة كلها نضيفة يا أستاذ، اختار اللي تعجبك."
"معقول بتلاقي وقت مع الأولاد للتنظيف؟ "عادي، دي مش شغلانة، وباخدها واحدة واحدة." "طيب ناخد غرفة ولاد عمي عشان جنب غرفتك، نقدر نسمع الأولاد لو عيطوا." "طيب، بسرعة هات هدومك على ما أطلب أكل لينا على ذوقي، ولا تحب تطلب انت؟ "لأ طبعًا، طول عمرك ذوقك حلو." وقبل خدها. مر أسبوع، كان أدهم سعيدًا بوجوده مع سماء وأطفاله. كانت تهتم بجميع تفاصيل حياته كما نصحتها والدته، إلى أن طلب منها: "سماء، هو ينفع نتعامل كأزواج؟
"ما إحنا عايشين كأزواج، مش انت بقالك أسبوع قاعد معانا؟ هو انت ناقصك حاجة؟ "أيوه، ناقصني أهم حاجة، إني آخدك في حضني." "ما أنا كل يوم بنام في حضنك." "سماء، بطلي استهبال بقى، يعني انت مش فاهمة قصدي؟ "انت قصدك... لأ، لأ، مش هقدر. انت عارف ليه." "أنا من يوم ما قعدت معاكم أجلت طلبي، لما تاخدي عليا شوية وتطمني. تعالي نجرب، ولو حسيتي إنك مش قادرة، هحترم رغبتك." "بس يا أدهم."
"من غير بس. نحاول، ولو فشلنا نشوف دكتورة متخصصة تعالج الذكرى المؤلمة دي، وصدقيني هكون حنين معاكي." لم تستطع الرفض، وأصبح أدهم زوجها بالفعل والقول، وكانت لحظاته السعيدة عندما يكون بقربها. لقد استشعر مدى حبها له وتعلقها به. بعد أن انتهى من القرب الحلال، وجد دموعها، ففزع، تصور أنه من الذكرى السابقة. "سماء، انت كويسة؟ "آه، ما تقلقش." "أنا وجعتك؟ أنا كنت حريص أكون حنين معاكي عشان الذكرى القديمة تختفي."
"آه، انت كنت حنين قوي." "امال في إيه؟ الذكرى اللي فاتت؟ نظرت له بحزن ولم ترد. "أرجوك، خلينا نتكلم بصراحة عشان نبني حياتنا مع بعض من غير ما حد يشيل من الثاني." "انت كنت حنين وانت بتدبحني." "إزاي؟ مش فاهم." "انت بجد مش فاهم؟ ما حسيتش؟ قلت لي إيه؟ "قلت لك إيه؟ مش فاكر." "قلت: بحبك يا لمياء." وانهارت في البكاء. "ليه يا أدهم تعمل كده فيا؟ كفاية وجع، أنا تعبت قوي. كان نفسي احتياجك ليا يبقى حب مش رغبة."
"صدقيني، لو نطقتها بحكم التعود، مش بحكم الإحساس." ضمها إلى حضنه بقوة. "آسف يا حبيبتي لو وجعتك، بس ذلة لسان ومش هكررها. انت وعدتيني تقفي جمبي وتديني وقت." "بس مش بالتجريح ده." "آسف، آسف. لو كررتها، اطرديني برة الشقة. أقولك، خلي عنتر يعضني." "هههههه، ما تهونش عليا." "حبيبتي طيبة دايمًا." "بس فكرة إني أطردك فكرة كويسة." "قلبتي شريرة." ضحكت، ومر الخطأ على خير، فهي بقلب أبيض سامحته، عندما ضمها لحضنه وشعرت بصدق مشاعره.
بدأ في المقارنة بينها وبين لمياء، التي كانت دائمًا تنفر من وجوده وليس القرب منه. فدائمًا سماء تستقبله بالاحتضان وتقبل خده، ولا تنفر أبدًا من رائحته، أو يرى ذلك في عينيها. اتصل عمار على أدهم. "إيه يا كبير؟ محدش بيشوفك ليه كده؟ خالتي هتشك فيك." "موجود، مش عارف أتحرك." "هي المدام محددة إقامتك ولا إيه؟ دي حتى سماء طيبة." "لأ، أنا اللي ما بصدق أخلص شغل وأجري على البيت. يا أخي، ده أنا ما كنتش متجوز." "اشمعنى يعني؟
"تخيل، سماء بتزعل مني لو نزلت من غير فطار. دي مرة قالت لي لو ما فطرتش، ما تجيش تبات هنا." "معقول؟ للدرجة دي؟ هو انت ما كنتش بتفطر قبل كده؟ "يا عم، لأ بفطر ولا بتغدى، غير إني مش قادر أبعد عن العيال. تخيل ساعات كريم يزق كارما من حضني، تحس إنهم بيتخانقوا عليا، إحساس حلو قوي. لمياء كانت حرمانيني من الحب والخلفة." "مش قلت لك سماء مفيش منها، وياما نصحتك، سيبك من لمياء." "يمكن ربنا عمل كده عشان أحس بقيمة سماء."
"يا ابني، أنا نفسي حاسس بقيمة سماء." "ده انت رخـم وقـفـيل. اقفل... اقفل." "استنى بس، سماح عايزة تشوف العيال، وحشـوهـا. قلت لها هروح أجيبهم، وقلت قدام خالتي إنك هتيجي معايا عشان مش هينفع أطلع لسماء لوحدي." "خلاص، هنستناك." ذهبوا جميعًا لسماح وقضوا الوقت في الضحك واللعب مع الأطفال. همست فوزيه في أذن أدهم: "بتبات فين يا أدهم؟ "في شقة مراتي، والله." أمسكت ضحكتها، فهي تفهم.
"شايفة يعني العيال واخدين عليك كأنهم بيشوفوك باستمرار." "آه، ساعات ببعت الصبي اللي عندي ينزلهم من عند سماء، ألعب معاهم شوية." "طب وعلى إيه وجع القلب ده؟ ما تتجوز، واديك شفت العيال حلوين إزاي." "حاضر يا ماما، هدور على واحدة كويسة." "كانت قدامنا وضيعتها. جتك وكسة." "إيه يا ماما؟ مش تشبعي من العيال قبل سماء ما تروح." توجهت بالكلام: "صحيح يا سماء، ما تباتيش معانا النهارده، أصل العيال وحشوني قوي."
"معلش يا طنط، مقدرش. مش عاملة حسابي، وجوزي مش هيوافق أبـات في مكان فيه راجل." "هو عمار غريب؟ وبعدين جوزك مسافر، هيتحكم فيكِ وهو بعيد." "حقه يـغـير عليا، أصله طلع بيحبني قوي." فنظر لها بإعجاب من مراعاة شعوره، فهو فعلاً يغير عليها من نفسه. "يا بنتي، اسمعي الكلام، اقعدي معانا يومين، منه تغيري جو انت والعيال، ومنه نشبع منهم." أدهم: "إيه يا ماما؟ ممكن تعمليلها مشكلة مع جوزها." "وانت مالك محـمـوق كده ليه؟
"هتبقي مبسوطة وهما زعلانين مع بعض." "يعني انت مش هتوافق مراتك تبات، وعمار زي أخوها؟ "لأ، مش هوافق. إيه اللي يخليها مش واخدة راحتها في بيتها." سماح: "خلاص يا ماما، لو العيال وحشـوكِ قوي، نرجع بيت بابا." أدهم: "ترجعي فين؟ دي هوا شقتك، خلي وشك ينور، وكلـبـظـتِ وبقيتي فلة." "إيه كلـبـظـتِ دي؟ وحـسـاك مش عايزني أرجع عند ماما." "لأ، إزاي بس؟ حسيت إن هنا في طاقة إيجابية، إنما هناك البيت قديم ومليان طاقة سلبية، هتتعبك."
"هههههه، انت شايف كده." "قوي، صح يا عمار؟ وغمز له كي يؤكد كلامه: "طبعًا، خلينا نشبع من شقتنا شوية. ما تنسيش هتـولـدي وتقعدي عند خالتي فترة." سماح: "ماشي، اللي تشوفوه. أنا كنت عايزة ماما تشبع من العيال." أدهم: "كل ما تحبي تشوفيـهم، هبقى أخلي الصبي عندي ياخدهم من سماء، واجبهم حتى تريحي منهم شوية." فوزيه: "الأم مش بتستريح بعيد عن عيالها. عمومًا، ابقى هاتهم انت وعمار زي ما عملت النهارده، وسماء تكون معاكم."
عادت سماء إلى المنزل مع أدهم، فاحتضنها على غير العادة. "عشان إيه الحضن ده؟ "عشان رفضتي تباتي عند ماما، وما حطتنيش قدام الأمر الواقع، لأنك عارفة إني مش هقدر أعترض." "أنا فعلاً مش بحب أزعلك، بس معلش اضطريت أكدب وأقول إنك بتغير وبتحبني قوي عشان يقتنعوا." "انت ما كدبتيش، أنا فعلاً بغير وبحبك أكتر ما انت حاسة." مر على وجود أدهم مع سماء شهرين، كان الأطفال أتموا ٦ شهور وأسبوعين. وفي يوم، كاد أن يدخل الشقة
لولا أنها صرخت بصوت ضعيف: "استنى، ادخل بالراحة." فهمس لها: "إيه؟ في إيه؟ "اقعد على الأرض وازحف وانت قاعد." "ليه؟ همسح الأرض؟ "ما تسمع الكلام وانت ساكت. وبعدين أنا أصلًا لسه ماسحة كويس." "طب فهميني في إيه." "هتشوف دلوقتي بنفسك، مفاجأة تحفة." وجد الطفلين يزحفان بالمقعد، وسماء تقلدهم وهم يضحكون. فزحف مثلها حتى ارتمى كريم داخل حضنه، وبعدها كارما. قام كريم بجذب شعر كارما، فأنبته سماء: "واد يا زفـت! مش هتبطل حركتك دي؟
هـضـربك." نظر له أدهم بحزم: "كريم حبيب بابا، كخ. كارما أختك حبيبتك." فضحك كريم وكارما. "شفت متغاظ إزاي من كارما عشان شعرها طالع حلو زي شعري وشعره طالع أكرت لشعرك." "نعم؟ هو مين ده اللي شعره أكرت؟ "ما تركزش." تحدث أدهم بحماس: "بس إيه المفاجأة الحلوة دي؟ "شفت، من الصبح واحنا بنلعب مع بعض كده." "أنا كمان عندي مفاجأة، بس بعد الغداء." "غداء... غداء إيه؟ هو مين اللي غداء ده؟ "انت ما طبختيش؟ "آسفة، قعدت ألعب معاهم ونسيت."
"ولا يهمك يا حبيبتي، اطلبي حاجة على ما أستحمى وأغير هدومي." "بهزر معاك، وأنا أقدر آكل حبيبي من بره. عملت مكرونة وبانيه، حاجة في السريع كده." أمسك يدها وقبلها. "انت نعمة كبيرة، ربنا يقدرني و أسعدك." "هجري أجهز الأكل وانت خلص عشان أعرف المفاجأة، شوقتني." بعد الغداء، جلس على السرير وفي حضنه كريم، وهي تحتضن كارما، وفتح اللاب توب على بعض الصور لكمباوند. "إيه ده يا أدهم؟ أنا مش فاهمة حاجة."
"دي فيلا صغيرة في كومباوند مع جنينة، إيه رأيك؟ "شكلها حلو قوي، بس مالها دي؟ "هشتريها." "ليه؟ "هنعيش فيها عشان الأولاد تقدر تكبر وتلعب في مستوى يليق بيهم، والشمس تدخل غرفهم." "وماله هنا؟ "المنطقة اتغيرت عن زمان، وبقوا الأطفال في الشوارع بيقولوا ألفاظ مش عايز أولادي يكبروا وهم بيسمعوها. إيه رأيك؟ أشتريها ولا نشوف حاجة تانية؟ "هو انت هتشتريها وتنقلنا هناك وتيجي معانا؟ "طبعًا، أمال هتروحوا لوحدكم."
"والناس هناك هيعرفوا إنك جوزي وإنك أبوهم؟ "لأ، الناس هناك مش هيعرفوا." بدأت الدموع تلتمع في عينيها، فضمها إلى حضنه وأعاد: "الناس هناك مش هيعرفوا، بس هنا كمان هيعرفوا يا حبيبتي، أنا خلاص ما أقدرش أستغنى عن البيت والدفا وحبك." "هعلن للناس كلها إنك مراتي وإن دول ولادي." "طب وهتقول لهم إيه؟ "هقول إني خبيت عشان صحة عمي، لو عرف كان ممكن يزعل، إنما هو دلوقتي اتحسن وفاتحته وأقنعته وفرح لنا." "وانت هتعمل كده فعلًا؟
"لأ طبعًا." بدأت الدموع من جديد تلتمع في عينيها. "إيه يا حبيبتي؟ سيبيني أكمل. أنا بقول لك لأ طبعًا، لأني عملت فعلاً، وهو فرح قوي وقال لي إن المرة دي أحسنت الاختيار." ارتمت داخل حضنه. "بجد يا أدهم، أنا بحبك قوي." "وأنا كمان بحبك قوي، غير إن عندي مفاجأة كمان." "لأ، كده كتير عليا." "أنا نويت أفتح مكتب هندسي وهشتغل مهندس." "نعم؟ ليه؟ هو أنا اشتكيت لك؟ "مش عشانك، عشان ولادي، ما حدش فيهم يحس بالخجل إن أبوه جزار."
"طب وبابا؟ "بلغته وموافق." "إيه سر التغيير ده؟ أنا عارفة إنه كان سبب الخلاف بينك انت وطلقتك، وياما طلبت منك تشتغل مهندس وتنقلوا من المنطقة." "هههههه، مش عايزة تقولي اسمها. آه، كان سبب الخلاف." "وعارفة كمان إنك كنت بتنفذ لها كل طلباتها، بس ده كان مرفوض تمامًا." "عندك حق، بس لو كانت بتطلبه بأسلوب كويس، أو لو كنا خلفنا، يمكن كنت فكرت وعملت زيي دلوقتي." "متأكد إنك بتعمله عشان الولاد." "كلميني بصراحة، ليه بتقولي كده؟
"يعني مش بتعمله عشان لما يوصل لها الخبر تندم إنها سابتك." "سماء، هي دلوقتي انتهت من حياتي نهائي، ولا بقت بتعدي على تفكيري لحظة واحدة." "انت مقتنع بالخطوة دي؟ أنا بالنسبة لي ما فيش مشكلة، ولما الأولاد يحسوا إن أمهم فخورة بأبوهم، هما كمان هيبقوا فخورين." "عارف ومتأكد، بس لازم أعمل مستقبل أفضل لأولادي، لأن روحي بقت فيهم." "طيب، هنروح نزور مامتك امتى ونبلغها؟
"أنا لسه راجع من عندها، وآخر الأسبوع هترجع شقتها مع سماح عشان هدبح وأعمل حفلة أبلغ الناس بجوازنا، وإن صحة عمي اتحسنت وهيرجع قريب. وهعمل لك فرح أول ما يرجع عشان يسلمك ليا." "انت بتهزر؟ فرح إيه؟ ومعانا عيالنا." "عايز أعوضك وتلبسي فستان الفرح اللي مامتك كانت مفصلاه ليكي. أنا شفتك وانت بتطلعيه من الدولاب تتفرجي عليه ودموعك بتنزل." "أنا كنت بعيط عشان ماما كانت بتبقى وحشاني." "يعني مش عشان حرمتك من حاجات كتير؟ "لأ طبعًا."
"بطلي كدب، أنا عشرتك فترة قصيرة بس سهل الواحد يفهمك، ولازم أعوضك." "عوضني بحبك بس يا أدهم، وخليك دايمًا معايا. أوعى تسيبني." "انت اللي أوعى تسيبيني. هتوعديني الوعد اللي رفضتيه؟ "أوعدك يا أدهم، أنا أسيب روحي ولا أسيبك." "وانا أتمنى أكون جاوبتك على سؤالك بالفعل، مش بالكلام." "سؤال إيه؟ "لو اتحطيت في اختيار بينك وبين لمياء." "معقول هتختارني؟ كنت متوقعة العكس، عشان كده ما ضغطتش عليك في الإجابة."
"حسيت، ومهما جاوبتك وقلت هختارك انت، كنت هتفضلي مش مطمنة. فضلت أطمنك عملي." قامت باحتضانه والبكاء داخل حضنه. "لأ، ده مش وقت عياط." "امال وقت إيه؟ "نيمي العيال وتعالى أقول لك ده وقت إيه." لكـمـتـه في كتفه بخفة. قام أدهم بتنفيذ كل ما اتفق مع سماء عليه، وكان في انتظار وصول عمه. تأجل وصول عمه شهرين، ففضل أدهم الانتقال إلى الفيلا مبكرًا كي يستطيع أطفاله الجلوس في الشمس والهواء النقي في حديقة الفيلا.
قام بتوظيف مربية لتساعد سماء ومساعدة لأمور المنزل، فقد أرادت سماء العودة لعملها الذي تحبه، مع وعد أنه لن يؤثر على بيتها. عادت سماء للعمل في العيادة البيطرية وليس المزرعة، فهي لم تعد تناسبها وأصبحت بعيدة عن مسكنها. أعد أدهم بيت لعنتر في الجنينة، وفاجأ سماء بذلك. انشغل أدهم في تأسيس مكتبه. عاد ذات يوم، وجد والدته تجلس في الجنينة. "خير يا ماما؟ في حاجة؟ مالك؟ "مـخـضـوض كده ليه؟ "مفيش، أصل ما أعرفش إنك هنا."
"الولاد وحشوني. كلمت سماء تجيبهم، جت أخدتني أنا وسماح، وقالت إن فاضل عليها كام يوم وتـولـد عشان تبقى معاها، وإنها مش هينفع ترجع بالعيال هناك، لأن شغلك بقى قريب من هنا." "هي عملت كده؟ كل يوم احترامي لها بيزيد." "سماء طول عمرها بنت أصول، وبتعتبر سماح أختها. ما تخليش احترامها بس اللي يزيد، حبها كمان." "أنا فعلاً بحبها قوي." "متأكد يا أدهم؟ "ليه بتقولي كده؟ "أبدًا، بطمن عليك." "هروح أغير وأرجع لك."
دخل، وجد سماء تنتظره وعينيها ممتلئة بالـغـضـب. "في إيه؟ مالك؟ "بتـخـونـي يا أدهم؟ "أنا؟ انت مجـنـونة؟ مين قال لك كده؟ "ما حدش قال لي، أنا اكتشفت لوحدي." هل فعلاً أدهم يقوم بخيانة سماء؟ وما المعنى الخفي من وراء كلام والدته؟ الحلقة الجاية فيها مفاجأة كبيرة للجميع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!