بعد خروج عائلة شادن من سراي النيابة ووصولهم إلى منزلهم بساعات، قام أحد الزائرين بدق جرس الباب. لم يتوقع أهل المنزل نهائيًا أن الطارق سيكون هذا الشخص. قام والد شادن بفتح باب منزله لاستقبال الزائر. هشام: أفندم. مين حضرتك؟ الزائر: رائد مؤيد رسلان، إدارة مكافحة الإرهاب. فزع هشام، ولكنه استعاد رباطة جأشه وقاوم مخاوفه. هشام بثقة: حضرتك أنا بنتي خرجت من سراي النيابة بدون توجيه تهمة لها.
مؤيد: أنا عارف يا دكتور، لكن الموضوع اللي أنا جاي علشانه مختلف. تسمح لي حضرتك في دقائق من وقتك؟ هشام مشيرًا له بالدخول: اتفضل حضرتك. مؤيد وهو يتجه إلى داخل المنزل ويتبع إشارات هشام له بالمكان المسموح له بالجلوس به: شكرًا دكتور هشام، وأرجوك ما تقلقش من زيارتي المفاجئة. هشام: لا أبدًا ما فيش قلق. تحب تشرب إيه؟ مؤيد محاولًا إزالة التوتر: اللي حضرتك هتشرب منه هشرب منه. هشام: أنا هشرب قهوة. قهوتك إيه؟ مؤيد: قهوة مظبوط.
قام هشام من كرسيه متوجهًا إلى زوجته لطلب القهوة وطمأنتها بعد أن لمحها وهي تتابع الحوار من بدايته بعيون مترقبة. شاهيناز: خير يا هشام؟ هو جاي ياخد البنت تاني ولا إيه؟ هشام: حبيبتي لا ماتقلقيش. واضح إنه هياخد كلمتين ويمشي. لكن لو عاوز ياخدها كان جاب معاه قوة وعساكر. شاهيناز: كلم طارق المحامي. أنا خايفة يا هشام. هشام: ماتخافيش يا ماما. ولو سمحتي جهزي لنا القهوة. قهوته مظبوط وقهوتي معاه.
شاهيناز بقلة حيلة: حاضر. روح أنت شوفه عاوز إيه. عاد هشام إلى حيث يجلس مؤيد. وجلس الاثنان لحظات بدون أي حديث دائر بينهم، إلى أن قطع هذا الصمت مؤيد لسؤاله. مؤيد: هي الآنسة شادن مش موجودة؟ هشام: هو حضرتك عاوزها في حاجة؟ أرجوك تفهمني سبب تشريفك. شعر مؤيد بغبائه في طريقته لإدارة الحوار لأول مرة، وأنه بدلًا من أن يخفف من حدة التوتر زادها بسؤاله هذا. هشام: طمني أرجوك. مؤيد: والله يا دكتور أنا مش عارف أبدأ كلامي إزاي.
وإلى هنا كان قد نفذ صبر شاهيناز وقطعت جلستهم بغضب وخوف. شاهيناز بصوت قلق مهتز وعيون يحتبس بها الدموع: خير يا أفندم؟ حضرتك مش عاوز تطمنا ليه؟ عاوزين إيه من بنتي؟ النيابة خرجتها. عاوزين إيه تاني منها؟ رد مؤيد بسرعة محاولًا تهدئتها وإزالة الرعب الذي تسبب به دون شعور: والله يا هانم أنا طالب منكم إيد الآنسة شادن. مش جاي آخدها ولا حاجة.
وكأن دلوًا من الثلج قد نزل فوق رؤوسهم جميعًا، بما فيهم مؤيد من رده هذا. ألقت شاهيناز بجسدها على أقرب مقعد وهي تحاول التنفس بصورة طبيعية وتعيد بعقلها ما سمعت وتحاول استيعابه. أما هشام فلم يختلف حاله عنها كثيرًا. ومؤيد شعر لوهلة أنه أبله ولم يستطع صياغة الحديث ولا طريقة تناوله معهم، وتملكه خوف أن يقوموا برفضه. ولكن بعد أن تملك هشام أعصابه، حاول بداية الحوار مرة أخرى لتفهم ما قاله مؤيد.
هشام: معلش يا ابني، واضح إن كلنا أعصابنا مشدودة ومش عارفين إحنا بنقول إيه. اقعد وواحدة واحدة فهمني. أنت تعرف بنتي منين وإيه علاقة اللي حصلها امبارح بطلبك انهاردة؟ مؤيد وقد فهم ما يرمي إليه هشام، فمهما يكن هو يتعامل مع أخطر الأشخاص والأجهزة، يستطيع فهم الكلام من مجرد التلميحات، وقرر الرد بهدوء حتى يبرئ ساحتهم. مؤيد: أولًا يا دكتور ما فيش أي علاقة بين طلبي النهارده واللي حصل امبارح للآنسة شادن.
ثانيًا: بنت حضرتك أنا كنت أول مرة أشوفها امبارح وما حصليش الشرف من قبل كده. ثالثًا: أنا عجبت بشجاعتها وجرأتها واقتنعت بوجهة نظرها، وده كان سبب خروجها من النيابة النهارده. لأن لو محامي حضرتك بلغك بنص المحضر اللي اتحولت بيه من الإدارة عندنا للنيابة، كنت عرفت إني قاصد ما تتأذيش. لكن لو كنت أكدت كلام العميد وأمن الجامعة، كان زمانها دلوقتي لسه في النيابة أو رجعت عندنا تاني. هشام: حقيقي أنا مش عارف أقولك إيه. بس ليا سؤال.
مؤيد: اتفضل. هشام: ليه زملاء بنتي أكدوا لنا إن الظابط اللي حقق معاها في المديرية هو سبب احتجازها الليلة دي؟ مؤيد مبتلعًا ريقه بصعوبة: بصراحة يا دكتور هما عندهم حق. أنا استفزيت من طريقة الآنسة شادن وجرأتها معايا في الحوار، وده خلاني اتعصبت وحجزتها. أنا آسف طبعًا، بس والله يشفع لي إني كنت طول الليل سهران علشان أحميها وأمنع عنها أي أذى. هشام: تصدقني لو قولت لك أنا مش عارف المفروض أقوم آخد حق بنتي منك ولا أشكرك؟
لأن لولاك ولولا اقتناعك بموقفها، كان زمانك صدقت كلامهم وعملت محضرَك وبنتي وزملائها يتظلموا لمجرد إنهم قالوا رأيهم. مؤيد: أنا عاذر حضرتك وهتحمل أي قرار، بس أرجوك حاول تقدر موقفي والضغط العصبي اللي بنكون فيه. عادت شاهيناز بعد ما اطمأنت وقامت لعمل القهوة، وقد أتت وهي تحملها وقدمتها لكلايهما. شاهيناز: هو حضرتك ليه جاي لوحدك من غير أهلك؟ آسفة على سؤالي، بس محتاجة أفهم.
مؤيد: لا، ده حق حضرتك. بس أنا حبيت أتعرف على حضراتكم وأعرف الرد المبدئي، وبعدها العائلات تتعرف. شاهيناز، ومثلها مثل أي أم مصرية، أرادت التعرف عليه أكثر وبدأت بتوجيه الأسئلة. شاهيناز: عندك كام سنة؟ مؤيد: ٢٨ سنة. ثم أكمل بقية المعلومات التي ستنهي استجوابها لها.
مؤيد: اسمي مؤيد رسلان، والدي اللواء عبد السلام رسلان بالمعاش حاليًا، كان مساعد وزير الداخلية قبل خروجه على المعاش، ووالدتي سهام العشري مستشارة للشؤون القانونية بهيئة قضايا الدولة. عندي اتنين إخوات أصغر مني، بنوتة اسمها مكة رسلان طالبة في كلية فنون تطبيقية سنة أولى، واخ ولد في ثانوية عسكرية اسمه جاسر. عندي شقة في عمارات الظباط وجاهز للجواز في أي وقت، وأتمنى موافقة بنت حضرتك.
ابتسم هشام وشاهيناز على طريقة سرده لتفاصيل حياته والمعلومات الخاصة بها. هشام: واضح إنك مستعجل أوي يا سيادة الرائد. ونسيت إن الموضوع كله يخص شادن لوحدها. وزي ما أنت شفت بنفسك أنا ربيتها إنها شخصية مستقلة وهي صاحبة القرار، ورأينا هيكون مساند لقرارها مهما كان. مؤيد: أنا متفهم طبعًا لكلام حضرتك ومستني رأيها بفارغ الصبر. ثم أخرج من حافظة جيبه كارت مدون عليه تليفوناته الخاصة وقدمه لهشام، ثم قام بجسده مستأذنًا للانصراف.
هشام وهو يقوم بمصافحته: شرفتنا ونورتنا، وإن شاء الله هفاتحها في الموضوع وأبلغ حضرتك. مؤيد: في انتظار تليفون حضرتك. وقبل أن يتحرك خطوة من مكانه، كان هذا الصوت الثائر من بداية عهده معه أمس كفيلًا بإيقافه وإيقاف والديها متحجرين. شادن بانفعال: أنت أكيد مش طبيعي. بتهزر صح؟ سمعني كده الأفيه اللي أنت تاعب نفسك وجاي تقوله. عاوز تتجوزني؟ هههههههه. لا بجد ضحكتني. أنت عارف أنت عملت فيا إيه امبارح؟
أنت حبستني في أوضة مرعبة لوحدي في مكان أول مرة أشوفه، وكل اللي أعرفه عنه إن قبلي كتير ماتوا فيه واتعرضوا للتعذيب على إيدك أو إيد غيرك. وانهاردة جاي تتجوزني؟ لا بجد ضحكتني. وحضرتك يا بابي، بعد ما عرفت إنه السبب لسه مكمل معاه؟ لا ومامي، نسيت حالتي ورعبي، وزي كل أم مصرية أصيلة ما صدقت عريس من جهة أمنية وبدأتِ تسأليه عن سنه وحاله. كانت شادن تتحدث وهي تبكي تارة وتضحك أخرى.
ثم أكملت: تعرفوا إني واقفة من أول مامامي كانت خايفة لحد ما عرفت سبب تشريفك وهدت وبدأت تتكلم بمنتهى الـ... مؤيد محاولًا الدفاع عن نفسه: آنسة شادن، والله العظيم أنا حميتك. لو كان حد غيري كان هينفذ شغله وبس. شادن صارخة لإسكاـته: لا لا ماتقوليش الكلام ده! أنت اللي حبستني قاصد بدليل إنك مشيت زملائي. مؤيد بعصبية: أنتِ اللي استفزيتيني وكنتِ عاملة مية راجل في بعض.
شادن: أيوة كده اعترف إنك قصدت تكسر نفسي عشان اتحديتك. ودلوقتي جاي تكمل عشان لو ما وافقتش تحبسني تاني؟ مؤيد: لا طبعًا. ثم نظر لها نظرة تحدي وكأنه يقول لها: أنتِ لي. ثم وجه حديثه لوالده. مؤيد: أنا هستأذن دلوقتي وهستنى تليفون حضرتك بعد ما تكون هديته. هشام محاولًا رفع الحرج عنه: زي ما أنت شايف هي لسه نفسيتها تعبانة. سيبها تهدى شوية ونتكلم تاني. خرج مؤيد مسرعًا، منهيًا للحوار بالوقت الحالي، ولكن لن ينهيه نهائيًا.
ماذا سيكون قرار شادن؟ وهل من جديد سيقلب الأوضاع؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!