حينما سمعت صوت رودينة أدرت جسدي ناحيتها، كانت للتو وضعت قدمها على السرير وانسل جسدها النحيل إلى جواري. همست رودينة، أنا كمان بردانة!! قلت بنبرة لا تخلو من خبث، بردانة بس؟ حركت رودينة يدها كأنها تؤدي قسم جاسوسة، بص لي في دماغك يا دومي لا محل له من الإعراب، أنا بردانة ومحتاجة ونس. ثم أردفت رودينة، أن تنام في الشتاء بمفردك على السرير يشبه أن تلقي بنفسك أمام القطار وأنت تأمل ألا يستحقك. قلت، صفي لي القطار والطريق؟
بجدية همست رودينة، ماذا تعني؟ قلت، طريق القطار؟ هل كان الوقت ليل؟ أكان هناك ضباب ومحطة قديمة؟ وماذا عن الحشائش التي تنمو بجوار القضبان الحديدية؟ وإن كان القطار المتعرج يشق الحقول الخضراء كأفعى. ثم قلت وأنا أدير ظهري تجاه رودينة، على فكرة مفيش فرق! ساد صمت طويل ربما عشرة دقائق، كنت أسمع فيها أنفاسي حتى قطعته رودينة، تقصد إيه بمفيش فرق؟ قلت، ياه كل ده بتفكري؟ قالت رودينة بضحك، معلش خدني على قد عقلي.
ماشي، بصي يا ستي، البرد سيظل برد طالما الجسد لا يشعر بدفء الجسد الآخر. همست رودينة، مش فاهمة لكن حاسة إن الموضوع خطير. كبري دماغك يا رودينة، أنا هنام. وأنا هناك كمان يا أدم. بعد شويه، على فكرة كلامك عن الطريق والقطار كان جميل حبيته. همست، شكراً، لكن الحب وحده لا يجلب الدفء. شدت رودينة البطانية وحاصرت نفسها داخلها، ساعدها وزنها النحيل أن تفعل ذلك، ثم بعد دقائق غرقت في النوم.
روحت أسمع أنفاسها وهي تعلو وتهبط ببطء، يؤلمني أنها لا تعرف ما ينتظرها، ما سيحدث لها من علاء ومنى. عندما تشعر بالضياع ولا تجد أمامها طريق يمكن أن تسلكه، وحين تتمنى أن تعود هذه الليالي ولو حتى مرة واحدة، إن ما يحدث في حياتنا لا يتكرر أبداً مهما حاولنا. قلت، أحلام سعيدة رودينتي. همست رودينة، وأنت كمان يا أدم. افتكرتك نمتي. وأنام إزاي وأنت عمال تتحرك جنبي؟ والله افتكرتك نمتي بجد. وأنا مش بهزر، مش هعرف أنام وأنت بتتحرك.
أسيب غرفتي يعني عشان تعرفي تنامي؟ وتسيبها ليه، ما أنا كل ليلة بدخل أنام وبتكون هادي وساكن؟ لأنك بتدخلي وأنا نايم، مش بكون حاسس بوجودك جنبي كده وأنا صاحي؟ خلاص يا سيدي هخرج وهرجع بعد ما تنام. لا خليكي، هنام من غير حركة. ماشي، همست رودينة وهي تتثاءب، تصبح على خير. وأنت من أهله. ومضى على الوقت بطعم البرقوق والكرز والتفاح، وانتحلت صفة السارق المتلصص بجدارة، ولم أتمكن من إجبار نفسي على النوم، لكني أجبرتها على السكون.
سمحت لها بالتخيل. وردتني رسالة من علاء بعد يومين، رسالة طويلة، أدم أنا حاسس إني مش هقدر أرجع مصر تاني ومقدر حجم الورطة اللي حطيتك فيها، لكن يا سيدي الأمر في النهاية، واحذر، رودينة كانت أمانة عندك لوقت رجوعي وكنت طالق دلوقتي تقدر تطلقها في أي وقت لأن القصة انتهت. سامحني يا صاحبي ويا ريت تبلغ رودينة اعتذاري. طلعت في البلكونة وقفتلت الباب، كلمت علاء بغضب، وضحتله إني مش هكون مسؤول عن كيف ينهي علاقته.
كلم أنت رودينة وبلغها بنفسك. قال علاء ببرود، حاضر يا أدم، حاضر. طلقها؟ ولا البنت عجبتك؟ كنت على وشك الصراخ، لكني وجدت سؤاله منطقي ويستحق التفكير. قلت، خليك في حالك يا علاء وكفاية اللي حصلي من وراك. أنا عملت بأصلي. طيب أنت زعلان ليه يا أدم؟ مش ده اللي أنت كنت عايزه؟ طلقها وأنا هكلمها وأقولها قراري. قلت، علاء أنا هخرج دلوقتي ومش هرجع غير لما تبعتلي رسالة تقولي إنك قلت لرودينة كل حاجة بصراحة.
طلعت من الشقة كأنني هارب، مجرم مطارد من الحشرات والصراصير، اتلفت في وجوه الناس وأعبر بلاعات الشارع بسخرية، ساعدت امرأة عجوز على عبور الشارع وركلت كلب ركض خلفي وابتسمت لطالبة مدارس، كانت المسافات داخلي متباينة وكنت لست أنام. مضى أغلب النهار وأنا أنتظر علاء أفندي، وبعد أن وصلتني رسالته بت أكثر توتراً ورهبة. كيف سأواجه رودينة؟ ماذا سأفعل؟ كيف سأواسيها وكيف سأنظر إلى وجهها الشاحب؟
واتساءل إن كانت ستطلب مني الطلاق. أحب هذه الفكرة على الأقل ستوفر علي الإحراج. طرقت باب الشقة، لم أتلقى أي رد، فتحت الباب ودخلت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!