برقت عين رودينة التي تشبه الخوخة وهمست: "شيل إيدك بسرعة يا أدم وإلا مش هتلاقيها." سحبت يدي ببطء وأنا أغَمغم: "إنت قاسية." "ارجع مكانك يا أدم، سيبني أخلص، أرجوك." همست بضيق. "حاضر." حركت قدمي خطوة واحدة وسمعت: "استنى عندك." صرخت رودينة بصوت رفيع: "ناولني الطبق ده."
وكانت واقفة على صوابع رجليها منتصبة لأخر حد، مثل لوحة لجيوفاني. يدها ممدودة ناحيت الرف، ورغبت أن أحتفظ بتلك الصورة في عقلي أطول مدة ممكنة، فقد كانت لحظة مذهلة. هذا الجسد الهائل يستحق أن يخلد في بوتقة قلبي. "مالك مبلم ليه؟ " سألت رودينة وقد سأها تأخري. "مفيش حاجة." قلت، وكان في داخلي كل شيء يتحرك، حتى أنفاسي كانت متسارعة، ولم أرغب في شيء سوى احتضانها. لاحظت رودينة شرودي: "خلاص يا أدم، روح إنت، أنا هتصرف."
تركت مكاني، كنت حقاً راغباً في الهرب، فلم أجادلها. جرت رودينة مقعداً إلى المطبخ وصعدت فوقه، كانت مستأه. وسمعت صوتها الأليم: "مش عارفة ليه بيعملوا الارفف مرتفعة كده أوى، يعني هيحصل إيه لو بقيت واطية؟ تناولت طبق وبعد تفكير أخذت طبق تاني. نزلت قدم واحدة، تحرك المقعد تحتها، اختل توازنها، وسمعت ارتطامها بالبلاط. "دو دوم." "رجلي آه." صرخت رودينة. كانت رجلها التوت تحت جسمها. جريت عليها بخوف وفزع حقيقي، ساعدتها تقف.
"إنت قادرة تمشي؟ قالت: "أيوه." لكن أول ما حركت رجلها صرخت من الوجع. "شلتها بين إيديا ودخلتها غرفتها وسبتها تنام على السرير." "أطلب لك الدكتور؟ "لا." قالت. "يبقى هنروح المستشفى؟ "لأ." "هات لي شوية ميه سخنين هدلك رجلي وهتبقى كويسة."
سحبت إناءً ملأته مياه ساخنة وأحضرت فوطة، سبتها جنبها. لاحظت خجلها مني، فغادرت الغرفة وقفلت الباب. كلمت العشاء وجبته ليها في غرفتها، كانت حالتها أحسن شوية. سبتها تاكل وطلعت فتشت في الصالة عن مسكن ودهان مضاد للتورم، كنت أحتفظ بيهم لأنني ألعب كرة قدم وأتعرض لإصابات كثيرة. "اتفضل عشاءك." همست من باب الغرفة. "الحمد لله." قالت. "طيب خدي المسكن ده وادهني رجلك وهتبقى كويسة، ولا أدهنهالك أنا؟ نظرت رودينة بغضب ناحيتي:
"هات الدهان؟ "اتفضلي." "اطلع بره واقفل الباب." "ماشي." قلت. احتاجت رودينة يومين عشان تقدر تمشي، يومين قعدتهم معاها في الشقة. ولما مشيت مشيت بترنح زي السكرانة. "همست: أجيب لك عكاز؟ "بعد الشر عليه يا أخويا، تف من بقك." ومشت تتعكص ملتوية مثل دودة حقل حتى وصلت الكنبة وقعدت وهي بتلهث. "كتر خيرك، مشوار طويل." قلت. لزمت رودينة بقها: "حقك تسخر مني، ما إنت مش شاعر بالألم اللي فيه."
ابتعلت ريقي، كنت حريص على كتم مشاعري، فتلك المشاعر مهما كان صدقها مشاعر مسروقة لإنسان ليس من حقك. والبوح بها لن يخلف سوى متاعب وقلب متصدع. "بجد يا رودينة، أنزل أجيب دكتور؟ "أنا زي الفل يا أدم، أنا حتى بفكر أنزل أتمشى شوية." كنت عارف إنها بتمزح، لكن الفكرة عجبتني. "قلت: إيه رأيك ننزل نتمشى فعلاً؟ صمتت رودينة: "والناس تشوفنا مع بعض؟ " همست بنبرة اتهامية. جرحتني الكلمة. قلت:
"على فكرة إنت مراتي قدام الناس، ما فيهاش حاجة لو خرجنا تمشينا شوية." وكنت زعلان من كلامه، فصمت. بعد دقيقة همست رودينة: "يلا بينا، هغير هدومي وننزل." نزلنا الشارع اللي كان خالي وكان الجو لطيف. رودينة كانت ماشية ببطء وكان دراعها في إيدي. عبرتنا سيارة مسرعة، وبعد مائة متر ظهر شبح بنتين ماشيين ناحيتنا. أول ما قربوا منا، واحدة فيهم همست: "رودينة؟ وبعد ثواني اختلطت الأحضان ببعضها، وباركت لها على الجواز. وبصت عليه:
"ده جوزك صح؟ "أيوه، جوزي." خرجت من البنت ابتسامة. "رودينة قالت: هند بنت عمتي." "أهلاً وسهلاً." قلت. سألت رودينة: "هند إيه اللي جابك هنا؟ "إنها في مشوار." قالت، وبصت ناحيتي تاني وابتسمت ابتسامة صفراء. أخدت خطوتين بعيد عنهم لحد ما خلصوا كلام. ومشينا، وسمعت ضحكة هند بنت عمها وهي بتهمس للبنت اللي معاها: "ده جوز رودينة اللي لسه مدخلش بيها لحد دلوقتي." سمعت الكلمة كويس، ورودينة سمعتها. تغير مزاجي تماماً. "رودينة
قالت: يلا نروح يا أدم، أنا تعبت." ومكنش عندي رغبة أكمل مشي ولا حتى أروح. حماتي بتبخ سمها في حياتي، لكن وصلت بيها تطلع أسرار بيتي وتفضحني؟ مش بعيد بكرة وأنا ماشي ألاقي الناس بتشاور علي. وصلت رودينة الشقة وقلتلها: "أنا خارج أقعد بره شوية." كنت عايز أهرب من الشقة، من رودينة وكل حاجة بتربطني بيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!