راقبت رودينة وهى تنتقل بين أغراض المطبخ، تنثر الملح والكمون وتقلب الخضار وتخلط السلطات وتتذوق الشوربة قبل أن تضع داخلها لسان العصفور، ثم غمست لقمة فى الملوخية بعد أن دلقت الطشة داخلها وكانت قطع الدجاجة تبقبق داخل الزيت. "افتح الشباك علشان الريحه يا آدم" قلت. "لكن الجو برد!! " صرخت رودينة. "افتحه يهوى الشقه دقيقتين وبعد كده ابقا اقفلة."
وكنت اراقب رودينة بدقه متتبع ردود أفعالها وملامح وجهها طريقة الكلام، اى شيء يخبرنى ان كانت تلقت رسالة علاء من عدمه. لقد بدا لى غريب ومستبعد ان تكون رسالة الفراق وصلت إلى رودينة وتكون هذة ردة فعله. نهضت فتحت الشرفة والنافذة، تسربت الرائحة نحو الشارع. وقفت دقيقة في الشرفة، يدي على الهاتف تتحرك بغضب، طلبت من علاء يبعت رسالة لرودينة. ليه تأخر؟ ليه يسيب البنت على عماها كده؟
دى خيانة وقلة ذوق. المفروض يمتلك الشجاعة ويقلها الحقيقة. يقلها انا مش عايزك ولقيت واحدة غيرك وحبيتها او لقيت مصلحتي معاها، واننا مش لبعض يا رودينة وانك هتكملي طريقك لوحدك. تنهدت ووقفت دقيقة احاول تخيل الموقف بعد ما ابعت الرسالة لعلاء، ثم يقوم علاء بتبليغ رودينة الخبر، تخيلته الان، قبل أن نتناول طعامنا، وكيف ان الأطباق ستسحق على الأرض ويملاء الصراخ الشقة.
فاجأني الهاتف بوميض غريب، فشل ارسال الرسالة. بصيت على الرقم لاتأكد، كان رقم علاء، ثم اعدت الإرسال، لم يستدل على الرقم. اتصلت بعلاء وكان هاتفه مغلق او غير موجود بالخدمة. "ايه اللخبطة دي بقا؟ هو علاء اختار يعمل الندالة معايا انا كمان، يختفي ويجبرني ابلغ رودينة الخبر، ابلغها بقراره؟ حسيت بلخبطة غريبة، يبقى اكيد رودينة متعرفش حاجة علشان كده بتتصرف على طبيعتها. وفكرت طيب لو تليفون علاء فضل مغلق هسيب رودينة على عماها كده؟
علاء اكيد هيفتح التليفون بكرة او بعده على أقصى تقدير. "رودينة؟ مش دي بنت عمك؟ " قلت وانا بركز في واحدة ماشية في الشارع. "وقفت رودينة جنبي، اعتقد هي يا ادم." "ايه إلى ممشيها وحدها في الشارع في وقت متأخر كده؟ وفيه شوية عيال صيع بيقفو على الناصية؟ " همست. "معرفش" قالت رودينة وهي بتفكر. "هو عمك ساكن قرب من هنا؟ "لا يا ادم مش هنا خالص، اصل دي تاني مرة نشوفها هنا مش غريبة دي؟ بكرة هبقى اكلمها واعرف منها كان فيه ايه."
"رودينة؟ " ولفيت وشي ناحيتها. "هو انتي كلمتي بنت عمك عاتبتيها بعد الموقف اللي حصل منها؟ "تقصد الكلام اللي قلته واحنا ماشيين مع بعضينا؟ "ايوة." "الصراحة لا يا ادم مجتش فرصة." اها، وشعرت داخلي بضيق، كنت اتمنى لو كانت رودينة دافعت عني خاصه وانها تعرف انني بريء، وانني كنت أفعل كل ذلك من أجلها. وغمرني إحباط كبير، ألا تنطبق مقولة ان تعمل معروف في غير أهله على رودينة؟ أم انني استبق الأمور وأحملها أكثر من طاقتها؟
لقد كنت بالنسبة لها مجرد بديل مقبول، انها لم تفكر في ابدا بطريقة أخرى. ثم لاحظت ابتسامتها ويدها الممدودة نحوي التي تجذبني نحو الطاولة. وقلت في سري ما الذي تغير؟ جلسنا على الطاولة ولم أشعر برغبة في تناول الطعام. وضعت لقمة في فمي وقلت، "رودينة انتي فكرتي ولو للحظة ان علاء ممكن مينزلش مصر تاني؟ تغيرت ملامح رودينة، كأنني طعنتها بخنجر. وهمست "لا." "لكن دا احتمال وارد يا رودينة لازم تحطيه في اعتبارك." "احطه في بالي ليه؟
" سألتني رودينة بنبرة حادة. "هو انت تعرف حاجة يا ادم؟ "لا." "طيب ليه الكلام دا بقا؟ صمت لحظة، اكتم أسراري داخلي. "لأن الإنسان لازم يجهز نفسه لكل الاحتمالات يا رودينة." "وانت مجهز نفسك لكل الاحتمالات يا ادم؟ "ازاي؟ " قلت بعدم فهم. "فرضا يعني، مجرد احتمال زي كلامك، لو علاء مش هينزل مصر، لو قرر يتخلى عني فكرتي هتعمل ايه؟ "الصراحة لا يا رودينة مفكرتش." "طيب انا بسألك اهو لو حصل هتعمل ايه؟
" وقضمت رودينة قطعة دجاج مقرمشة في فمها. "اتفاقنا كان واضح يا رودينة وانا مفكرتش في أي احتمال تاني." وقفت رودينة سابت الاكل ومشت. "ايه مش هتكملي اكلك؟ " قلت. "لا نفسي سدت، ابقى شيل الأطباق ونظف الطاولة، انا داخلة انام." "ليه مش هتنامي جنبي زي كل ليلة؟ " قلت بهزار. "لا، هنام في غرفتي، تصبح على خير." وانا ادخن سيجارة حاولت أن افكر في كلام رودينة، ماذا كانت تقصد؟ ما وراء كلامها؟
وهل حقاً قلبي بدأ يميل نحوي حتى في وجود علاء؟ أكان تغيرها في الكلام والمعاملة تلميح بقبولي ليس كبديل بل اقتراح محتمل، ثم ذهبت لابعد من ذلك، هل معقول ان قلبها بدأ يدق نحوي؟ وان كان ذلك حقيقي فهل سأمنحها فرصة ام أسد الباب في وجهها؟ وكان هاجس داخلي يتصاعد باستمرار، ام هل تراك انت معجب بها؟ انت من دق قلبك بحبها دون أن تدري؟ كان من الصعب تفسير الاضطرابات النفسية التي تدور داخلي، بين رفض وتردد غمرني غموض وغبش وارتباك.
نظفت الأطباق والطاولة، صنعت فنجان شاي وجلست امام التلفاز وانا متغطى ببطانية على الكنبة في يدي الريموت ابدل القنوات بلا اهتمام وشرود. سمعت بكاء رودينة، في البداية كان نحيب خافت، ثم تصاعد ليصبح صراخ مخنوق وضرب في الجدار. "انا لم أفعل أي شيء يستدعي ذلك." قلت. وكان باب غرفتها مغلق عندما طرقت الباب. "رودينة انتي كويسة؟ "ايوه كويسة يا ادم شوية صداع مش اكتر." "طيب عايزه حاجة؟ "لا متشكرة."
عدت مكاني تكورت على الكنبة ومددت جسدي نصف نومة على جانبي الأيمن امام التلفاز. انفتح باب غرفة رودينة، خرجت غسلت وجهها في الحمام، وقفت امام المرآة لحظة وسرحت شعرها. ثم بلا كلام رقدت امامي على الكنبة وغطت نفسها معي بالبطانية. كان ظهرها تجاهي وكان جسدها ملتصق بي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!