في كلية صيدلة... كانت هند ولوسيندا خرجتا من الامتحان النهائي وهما سعيدتان لأن الامتحان كان سهلاً. هند بفرحة عارمة: الله يا لوسي... الامتحان سهل سيولة ههههه... مش مصدقة إننا خلصنا وأخيراً هنشتغل يااااه... ههه... بجد مش مصدقة. *وأكملت باستغراب: انتي مبتردّيش ليه يا بنتي؟ لوسيندا بشرود: شكلي هنقص نص درجة... عندي غلطة صغيرة. نظرت لها هند بعينين متسعتين ثم ظلت تتلفت حولها. أفاقت لوسيندا من شرودها على تلفت هند العشوائي ثم
نظرت لها باستغراب وقالت: انتي بتدوري على إيه يا هند؟ هند وما زالت تتلفت حولها للبحث عن شيء: بدور على حاجة أضربك بيها يا لوسي. ظلت لوسيندا على نفس الوضع ولم تتحرك انش واحد، حتى اتسعت عيناها بعد ما استوعبت ووجدت هند تمسك صخرة صغيرة وتتجه نحوها. سرعان ما جرت لوسيندا في الشارع وهند وراءها تجري وهي تمسك قطعة الصخرة في يديها وتصرخ بعصبية وجنون ولوسيندا تضحك. هند بصراخ جنوني وهي ممسكة بالصخرة الصغيرة: تعالي هنا يا حيوانة...
يا دماغ جزمة مكانها شبشب... يا بنت المجنونة عااااا... تعالي هنااااا... والله لأقتلك... يعني أنا يا بت الجزمة عمالة أتضحك وفرحانة وإنتي سرحانة وزعلانة على نص درجة يا آخرة صبري... عااااا... والله لأضربك... اصبري كده... بصي بس... عااااا... لوسيندا بضحك صاخب ملء المكان وجعل الأنظار تتجه لهم: هههههههه... أهدي بس يابت المجنونة... هتفضحينا... هههههه... أهدي يا شويش هند... ههههه... يابنت الحلال هفهمك... ههههههه.
هند بعصبية وغضب وصراخ: هتفهميني إيه يا صابونة من غير ريحة إنتي... عااااا... يا سرير من غير مرايا... عااااا... أهدي عليا بس والله لأقتلك... وظلوا على هذا الحال إلا أن حدث أمر جعل حياة أربعة من الأشخاص تنقلب فوق على عقب. في نفس التوقيت كان في نفس المكان مراد وأخوه أنس الذي يصغره بثلاث سنوات. كانوا يتمشون ومراد ببروده المعتاد والذي أصبح عادياً لدى الجميع.
وأنس يمشي معه ويحاول أن يخرجه مما هو فيه منذ سنوات وهو يحاول لكي يجعل أخاه يضحك ولو لمرة. مراد ببرود وغضب طفيف: ما خلاص بقى يا أنس قلت هفضل كده ومش هتغير... أيوا وهفضل حابس نفسي كده حياتي المقفولة اللي ما فيهاش ولا حاجة تبسطني ولا حتى تفرحني غير الشغل وبس... *وأكمل بتمني: لحد ما ربنا ياخد أمانته. أنس بحدة: لو سمعتك بتقول على نفسك كده تاني... بجد هنزعل من بعضنا جامد... مراد أنا مليش غيرك في الدنيا دي...
آه أنا معايا أبونا وأمنا وربنا يخليهم لينا... بس إنت اللي مربيني يا مراد... إنت أبويا وأخويا وابني كمان وعيلتي وأهلي... إنت تؤامي... آه إنت أكبر مني بتلات سنين... بس أنا بعتبرك تؤامي. ابتسم له مراد ابتسامة صغيرة جداً مختلطة ببعض البرود: ربنا يخليك ليا يا... يا ابني. ابتسم له أنس ثم قال بعد لحظات: آه... بقولك عربيتك أنا ودّيتها للصيانة عشان تتصلح... وبلاشها بقى عشان كل مرة بتعطل منك كده... وهات واحدة جديدة...
هنيالك يا عم رايح تجيب عربية جديدة. لم يكمل حديثه إلا أن قاطعه ارتطام فتاة كانت تجري بملابس محتشمة ووجه دائري جميل وطفولي جداً، أنفها الصغير وشفاها التي من يراها يقسم أنهم صنعوا من الكرز الأحمر الممتلئ، وعيناها البسيطة مع رموشها ليست كثيفة لكن بها شيء مميز تجعلك تريد النظر إليهم طوال الوقت، وعيناها ذات اللون الفيروزي الجميل مثل لون عيون القطط. ووجهها ذات الملامح الشرقية مع بشرتها القمحية الجميلة.
وخدودها المكتنزتان ذات اللون البرتقالي الجميل تجعلك تريد أن تمتصهم. كل هذا في تفكير أنس. وفاق من شروده على صوتها الرقيق وهي تعتذر له لكي يتركها لأنه لحقها قبل أن تقع. أنس عندما فاق من سرحانه: هااا... في حاجة؟ لوسيندا بخجل وخفوت: ممكن تسيبني عشان إحنا في الشارع... وبقالنا ساعة بننده على حضرتك عشان تسيبني. تنحنح أنس عندما تركها وهو ينظر لها وهي تعدل من ملابسها: احم... احم... أنا اااااسف بس... قاطعته هي:
لا لا أنا اللي آسفة بجد... وشكراً لحضرتك إنك لحقتني قبل ما أقع... لم تكمل جملتها عندما وجدت هند تأتي وهي ما زالت تصرخ بجنون: يا بنت المجنونة عااااا... أنا... لم تكمل جملتها عندما وجدت هذين الضخمين ذو الهيبة والوقار ينظرون إليها بذهول. فتنحنحت وقالت بحرج وخفوت: أنا آسفة لحضرتكوا... يلا يا لوسيندا. ومشوا سوياً ولوسيندا مشت معها وهي صامتة.
أما عن هذين الأخين ظلوا ينظرون ويتذكرون ذات الفتاة التي بعيونها الفيروزي وبشرتها القمحية. هايهات القدر يفعل ما يشاء بنا، فهذان الأخان وقعا في حب فتاة واحدة، ياسخرية القدر. لكن... من سيفوز بها ومن سيدهس على قلبه من أجل أخاه ومن ستختار هي؟ وهذه المسكينة ذات العيون السوداء وقعت في حب الذي أحب أختها. حقاً لا لسخرية القدر. قلوبنا ليست بأيدينا. (إن كنتم على علم بالغيب لكانتم اخترتم الواقع) ***
وصلا أنس ومراد لقصرهم ذو الذوق العصري الجميل. دخلا إلى بهو القصر وكل واحد في تفكيره فتاة واحدة فقط وشارد بها. لم يسمعا صوت والديهما إنما اتجه كل واحد لجناحه الخاص. وهنا كانا يجلسان والد ووالدة مراد وانس. تجلس سيدة على كرسي وثير ملئ بالوسادات لكي ترتاح عليها سيدة في عمر الـ ٥٥ يظهر عليها الطيبة وهي فعلاً طيبة القلب وحنونة عطوفة تحب أولادها كثيراً وتفعل من أجلهم المستحيل.
ورغم سنها هذا إلا أنها لازالت بجمالها الرائع ومن يراها يقسم أنها في منتصف العقد الثلاثين. ورجل في الستين من عمره صبور وعطوف وحنون جداً مع زوجته فقط. يظهر عليه الصرامة والجد ولكن وراء كل هذا شخصية مرحة وطيب القلب. إيناس باستغراب: هم مالهم عيالك يا مصطفى؟ نظر إليها ثم قال بملل: شكله أنس اتعدى من أخوه... كان واحد يا رب بقوا اتنين... سلمت أمري ليك يا رب... واحد تلاجة مبيحسش بارد... والتاني شكله اتعدى... بركاتك يا مراد...
سلمت أمري ليك يا رب من دي تربية تعبت فيها سنين عمري. قطع كلامه عندما وجد زوجته تضحك بخفوت على شكله وطريقة كلامه المضحكة. ثم نظر لها بهيام وعشق كل يوم يزيد عن الذي قبله. ثم استغل ضحكها وعدم شعورها به عندما اقترب منها وحملها على ذراعيه. شهقت بخجل وحياء، لكنه كتم شهقتها بقبلة حانية. ظلت تحاول أن تبتعد عنه لكنه عض شفتيها السفلية وجدها تئن ثم تحولت قبلته من جنون وعشق لهدوء وهوس.
ابتعد عنها بعد وقت عندما وجدها تهمهم طالبة الهواء. ابتعد وهو يهمهم يتلذذ ويتابع ردود فعلها. هو يعرف تمام العلم أنها ستوبخه على ما فعله. إيناس بعصبية وجنون: إنت مجنون يا مصطفى احترم سنك بقى... إنت مش مقتنع إنك كبرت خلاص وعندك رجالة بشنب احترمني حتى يا أخي. ظل مصطفى يتابع عصبيتها اللذيذة وهو يريد أن يأكلها ثم قال بعد أن انتهت من توبيخه: كبرت إيه بس يا... يا إيناسِ... ده أنا أهد جبال بقوتي دي. ثم أكمل بغمزة وقاحة:
إنتي لو عايزاني أجيبلك عيل كمان ولا بنت دلوقتي... تعالي يا حياتي نطلع عيشنا فوق... بس بقولك البسي الحتة الحمرا هتبقى عليكي ناااار. ظلت إيناس تتسع عيناها مع كل كلمة من هذا الوقح وعند آخر كلمة ظلت تضربه على ظهره بقبضتها الصغيرة التي بالنسبة له وتعضه من كتفه ثم قالت بصراخ وخجل: عااااا... اسكت يا قليل الأدب يا سافل يا منحط ياللي مشفتش خمس دقائق تربية على بعض... يا يا يا أقول إيه تاني وإنت فيك كل العبر.
ظل يضحك بصخب عليها وعلى كلماتها وحركاتها وحركة أرجلها العشوائية وهي تصرخ به أن ينزلها. ظل يضحك وهو يتابع طلوع السلم، حتى وصلا لغرفتهم ليعيد لها ويذكرها أيامهم ويعلمها فنون العشق والهوس من جديد. (وتسكت شهرزاد عن الكلام غير مباح. هههه) *** في جناح مراد. كان يتسطح على سريره ويضع ساعديه فوق عينيه شارد بتلك صاحبة العيون الفيروزي. لكن...
أخذ قراره وسيفاتح والديه في أمر الزواج مرة أخرى ويحدث ما يحدث وسيعرف من تلك الفتاة التي خطفت قلبه وستكون زوجته. لكن هل سيتزوجها أو لا. ثم بعد تفكير طال لدقائق سبح في نوم عميق. *** في جناح أنس. ظل طول الليل يجري عدة اتصالات حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل. حتى عرف من تلك الفتاة التي خطفت أنفاسه من النظرة الأولى. وقسم أنه بعد أسبوعين لا أكثر ستكون زوجته. وها هو... من سيكسب ذلك الرهان السري.
فتح الشرفة ثم جلس على أقرب كرسي وهو يتأمل الفراغ بابتسامة نصر: وأخيراً عرفتك إنتي مين ياللي خطفتي قلبي من أول نظرة... بكرة بالظبط هكون عندك ومتقدملك ومش هسيبك لغيري يا... يا لوسيندا. عندما ذكر اسمها ثم ياء الملكية، أكد لنفسه للمرة الألف أنها ستكون له مهما كلفه الأمر. ثم من التفكير نام مكانه في الشرفة. *** في صباح يوم جديد ملئ بالكثير من المتاعب والذي سيغير مجرى حياة أربعة أشخاص.
استيقظت هند على أشعة الشمس التي تلفح وجهها. لا يا سادة، قلنا صراخ وتوبيخ والدتها مثل كل يوم. سماح بعصبية: إنتي عارفة يا وش الفقر إنتي... لو مصحتيش هقوم أجيب مياه مغلية من على النار وأدلوقها عليكي أرتاح منك... إنتي فاهمة... ولا عشان خلاص خلصتي كليتك هتعدي على قفانا أكل وشرب ومصاريف كمان... أوووف. كانت هند مستيقظة بالفعل لكنها كانت تبكي ليس بالعين لا بل قلبها يبكي ألماً وحزناً على حالها.
وهي تتمنى من داخلها رجوع شخص تعتبره مثل أخاها. هند عندما فتحت عينيها بابتسامة مرتعشة: إيه يا ست الكل على الصبح كده؟ سماح بعصبية: إيه إنتي إحنا الضهر يا منيلة... قومي فزي طولك كده حضري لنا الفطار... أنا تعبانة ومش قادرة... وإنتي كلي في المطبخ... هو آخرك كده... خدامة. نظرت هند لها بحزن ودمعة خانتها نزلت من عينيها ثم قالت: حا. حاضر... يا ماما السلامة عليكي. ثم تركتها ودخلت الحمام لتستعد ليوم جديد به إهانات أهلها. ***
في قصر العامري. نزل مراد السلم وهو لأول مرة بعد سنين يبتسم بسعادة غامرة. ووجدهم يتحدثون بسعادة هم أيضاً. ففضوله قتله يريد أن يعرف لما كل هذه السعادة. اقترب منهم ثم قال: إيه الفرحة اللي ما بينكم دي متفرحوني معاكوااا؟ قالت إيناس بسعادة وفرحة أم: أخوك ناوي يتجوز يا مراد... أنا مبسوطة اوووي. لا يعرف لما شعر بشعور غريب جداً أو أنه الآن لا يريد معرفة شيء.
وقبل أن يقول شيء، قال أنس ما جعله ينصدم وأن دلّو ماء مثلج نزل فوق رأسه. أنس بسعادة كبيرة: مراااد... فاكر البنت اللي خبطت فيا امبارح... هي دي ناوي اتجوزها... عرفت كل حاجة عنها... دي خطفت قلب أنس العامري... والله مانا سيبها. ظل يتحدث أنس، ومراد في عالم آخر. هل يكسر قلب أخاه ويقول له وهو يعرف تمام العلم أن لو قال له أنه يحب تلك الفتاة سيتنازل عنها حتى لو بها روحه، لأنه يحب أخاه بصدق. أم يكسر قلب نفسه وينساها.
وهي الآن أصبحت بمثابة... هه... زوجة أخي. يا لسخرية القدر. أنه يفعل بنا الكثير والكثير. لكنه حسم أمره وسيجعل أخاه يأخذ ما يريده لأنه صغير ومثل ابنه. لا يوجد أب يفضل شيئاً عن ابنه. حسناً سيدهس قلبه. هيا مراد... الحياة لن تنعمك أبداً في يوم من الذي تريده. تباً تباً... لهذه الحياة. حسناً مراد عش لنفسك ثم لابنك ثم لعملك. لا شيء آخر لتعيش من أجله. لكن مراد... أنت لا تعلم ما يخبئه الله لك. إنه يحمل لك جوهرة.
يؤخر الله الجميل ليجعله أجمل. ولكن هل ستحافظ على تلك الجوهرة أم لا. أنت وقدرك يا مراد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!