كانت فرح في سيارة الأجرة تبكي وتفكر فيما فعله مازن. وصلت أمام بيتها. فرح: استنى يا أخي هنا، حأطلع أجيب لك أجرتك وأرجع على طول. السائق: ماشي، بس بسرعة. دقت باب بيتها لتفتح فاطمة الباب مصدومة. فاطمة: فرح! انت لسه عايشة؟ فرح: أيوا يا ماما. ركضت إليها والدتها وهي تحتضنها وتقبلها. فاطمة بفرحة: أنا مش مصدقة عيني يا حبيبتي، إزاي دا حصل؟ لكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها حين رأت ثيابها الممزقة. فاطمة: مال لبسك عامل كدا؟
فرح بحزن: أحكيلك بعدين... ماما، أنا عايزة فلوس أحاسب التاكسي، مش عندي قرش. فاطمة: طب ادخلي يا حبيبتي ارتاحي، أنا حأحاسبه وأرجع لك. دخلت فرح إلى البيت وأخذت تتأمل كل زاوية فيه وتتذكر معها ألمها وحزنها، كل تفاصيل حياتها. ثم اتجهت إلى غرفتها وهي ترى فيها ضرب عمها لها. قاطع تفكيرها دخول والدتها إليها وهي تركض لتعانقها من جديد، غير مصدقة أنها فعلاً لازالت على قيد الحياة. فاطمة: فرح يا حبيبتي، الحمد لله على سلامتك.
فرح: الله يسلمك يا ماما. فاطمة: قولي لي يا فرح، انت إزاي طلعتي عايشة؟ مصطفى قالي إنه البيت احترق وعمك اعترف إنه قتلك. فرح بحزن وعينها تمتلئ دموعاً: حأحكيلك كل حاجة، بس عايزة أرتاح يا حبيبتي، أنا تعبانة أوي... وجوعانة كمان، اعملي لي أكلة حلوة، وحشني نفسك في الأكل. فاطمة: من عيني يا نور عيني. قبلتها وخرجت لتحضر لها الأكل الذي تحبه. وبقيت فرح في الغرفة تأنب ضميرها لذهابها إلى مازن.
لكن فجأة تذكرت صورة قد لمحتها على طاولة اصطدمت بها أثناء هروبها من مازن، لِتجلس بسرعة. "أيوا، كان هو." ليقاطع تفكيرها دقات على الباب. فتحت أمها لتسمع مصطفى. مصطفى: إزيك يا خالتي، عاملة إيه؟ فاطمة: أهلاً يا ابني، أنا الحمد لله، وانت إزيك وحنين، إن شاء الله بقت أحسن؟ مصطفى بحزن: بكرة عندها عملية، وعايزين نتلم كلنا حوليها. وجيلك علشان تيجي بكرة المشفى. خرجت فرح من غرفتها. فرح: إزيك يا مصطفى؟ مصطفى بصدمة: فرح!
انت لسه عايشة؟ فرح: أيوا، مش فرحان ولا إيه؟ أخذ مصطفى يمسح كلتا عينيه ثم ينظر إليها وهو يوجه كلامه لفاطمة. مصطفى: يا خالتي، انت كمان شايفة فرح زيي، ولا أنا بيتهيأ لي؟ فاطمة بضحك: أيوا يا ابني، أنا كمان مش مصدقة، طلعت عايشة. ركض إليها مصطفى واحتضنها وهو يقول: إزاي دا حصل؟ أنا شفت النار بعيني. فرح: طب ابعد كدا، عيييب... وقدام أمي يا ابن الهبلة. ابتعد مصطفى: أنا... أنا آسف، بس مش مصدق إني شايفك قدامي.
فرح بابتسامة: لا صدق يا خويا. أخبار حنين إيه؟ مصطفى بحزن: حنين عندها عملية بكرة علشان نستأصل الورم، وخايف عليها الصراحة. فرح: متخافش، هي قوية وحتكون كويسة. مصطفى: إن شاء الله... بس قولي لي يا فرح، انت إزاي طلعتي عايشة؟ فرح: ماشي، حأقولك، بس عايزة ست الحبايب تعمل لنا قهوة. فاطمة: من عيني يا قلبي. حكت فرح لمصطفى كل ما حدث، من اتصالها به إلى هروبها حتى عودتها، وكذلك ما حدث لها في بيت مازن.
استغلت انشغال أمها في تحضير القهوة لكي لا تسمعها. مصطفى: أنا مش عارف أقولك إيه الصراحة. فرح: أنا عارفة إني غبية... تصدق افتكرت كلامك وأنت بتقولي إنه عايز يعدي بي يومين... وكان معاك حق. كان مصطفى سيتحدث، لكن قاطعه دخول فاطمة. فاطمة: القهوة أهي، اشربوا وأنتم بتتكلموا، يلا. شرب مصطفى رشفة ثم وقف. فاطمة: انت رايح فين؟ حتتغدى معانا؟
مصطفى: أنا آسف، بس لازم أكون جنب حنين. وأنت يا فرح، ممكن تيجي بكرة لحنين قبل ما تدخل العملية؟ فرح: طبعاً حاجي، دي عايزة... سؤال. مصطفى: تمام... وغمزة، ونكمل كلامنا بكرة. فرح بابتسامة: حاضر. في صباح اليوم التالي، كان الكل مجتمعاً أمام غرفة في المستشفى تتجهز فيها حنين لدخول العملية. دخلت فرح إليها بعد أن سلمت على كل من كان بانتظارها في الخارج.
كانت الصدمة واضحة على وجه فرح، فحنين قد سقط كل شعرها وأصبحت لها ملامح توحي بمرضها بسرطان. حنين: ادخلي يا فرح، أنا مش مصدقة، انت فعلاً طلعتي عايشة... مصطفى لما قالي ما صدقتش والله. فرح وهي تحبس دموعها وترُكض لتحتضنها: إزيك يا حنونة؟ حنين بدموع: انت شايفة يا فرح... أنا خايفة أوي. فرح: هشششش، انت بتعيطي ليه؟ انت حتخرجي زي القردة. دلف مصطفى الغرفة في هذه اللحظة ليقول: مين القردة يا بنت؟ اتكلمي عدل مع مراتي.
فرح بغمزة لحنين: ما نقصدش يا خويا. مصطفى وهو يضم حنين إليه: ما تعيطيش يا حبيبتي، انت حتبقي كويسة. حنين: إن شاء الله، بس لو حصلي حاجة... فرح قاطعة حديثها: اسكتي يا بنت، انت حتطلعي أحسن من الأول... وتخفي... وقولي فرح قالت، ثم قالت بمزاح: وبعدين خديني مثال، أنا اهو خرجت من النار وكنت لوحدي... وأنا قاعدة قدامك اهو، قط بسبع أرواح، زي ما أنا فللللللة ههه. حنين بابتسامة: أنا نفسي أكون زيك، بس مش عارفة.
فرح: لا، انت لسه عليكي دين عايزة تسيبيني وتمشي. حنين باستغراب: دين؟ فرح بحزن طفولي: أيوا، مش أنا اتخانقت مع المز اللي اسمه مازن؟ ثم أكملت بصوت عالي نوعاً ما: أنا في دماغي خطة علشان أصالحُه، ولازم تساعدوني فيها... ولا إيه؟ مصطفى: ماشي... بس اطلعي برا دلوقتي، مش وقته... أنا عايز أستفرد بمراتي. فرح بمزاح: أيوا، أنا نسيت، يخرب بيتِك، أنت ما علمتنيش حاجة. قالتها وهي تغمز لحنين وتشير إلى مصطفى. مصطفى باستغراب: تعلمك إيه؟
فرح وهي تغادر الغرفة: مالكش دعوة، يلا، حأخليكم لوحدكم شوية، وخفّي على الولد شوية بقاااا... ثم التفتت لتخاطب حنين: أنا مش حروح، حسناكِ لما تطلعي من العملية، وأقولك... أنا قلت لك يا حنين، حتبقي كويسة... يلا، السلام عليكوووو. مصطفى: وعليكم السلام... بس اقفل الباب وراك يا جعفر. فرح بصدمة: مين جعفر دا؟ يخربيتك. وانقضت عليها فرح تعضُّه من يده وهو يصرخ تحت ضحكات حنين. ليدخل مازن الغرفة ويجدهم في ذلك المنظر.
اعتدلت فرح وهي تنظر إلى الأرض وتدير وجهها وتعض شفاهها. مازن بحزن: أنا آسف... بس حنين لازم تدخل العملية دلوقتي. دخلت ممرضة وسحبت سرير حنين ومصطفى يتبعها ممسكاً بيدها. وما أن خرجا حتى انهارت فرح وهي تجلس على الأرض وتبكي بشدة. فكُل تلك القوة التي أظهرتها قد كانت تمثلها فقط لمواساة حنين. لم تتوقع أبداً أن تكون بتلك الحالة، خافت عليها حقاً. ما أخافها أكثر أن يكون هذا آخر لقاء بينهما.
اقترب منها مازن ليواسيها، لكنه سرعان ما ابتعد خوفاً من ردة فعلها. بكت حتى تورمت عيناها. لتخرج بعد أن هدأت قليلاً إلى الحديقة الموجودة في المستشفى. لمحت مصطفى يجلس على أحد الكراسي يضع رأسه بين كفيه. اقتربت منه وجلست بقربه. فرح: أنت بتعيط؟ مصطفى دون أن يرفع رأسه: لا... بس أنا خايف عليها جداً. فرح: ما كنتش متخيلة إنها تكون بالحالة دي الصراحة... وبعدين ماله إذا كنت بتعيط؟ بتخبي دموعك ليه؟
ما إن سمعها مصطفى حتى انفجر باكياً، كأنها أعطته الضوء الأخضر ليبكي أمامها. وهي أيضاً. فرح ببكاء: هي حتتحسن وحترجع لك، وحتشوف يا مصطفى، حنين مش حتسيبك. مصطفى: ......... وبعد دقائق مسح دموعه ورفع رأسه لينظر إليها. كان كل منهما يلتزم الصمت. وبعد فترة. فرح: بقيت أحسن؟ مصطفى: أيوا. فرح: أنا أول مرة أشوف راجل بيعط... وهو مش عيب يعني... بس دا أكبر دليل على حبك ليها. مصطفى بابتسامة حزينة: بجد؟
أومال لو شفت مازن لما عرف إنك متّي، عمل إيه؟ كنتي حتقولي إيه. التزمت فرح الصمت. مصطفى: بصي يا فرح، أنا مش حأقولك إنه اللي عمله مش غلط، بس اللي عملتيه أنت كان أكبر غلط. انت إزاي تروحي له البيت وهو لوحده؟ ما فيش بنت تعمل اللي انتي عملتيه. وبعدين انتي مرحتيش عند أمك الأول ليه؟ فرح ببكاء: أنا مش كدة على فكرة، أنت فاكرني إيه؟ طبعاً كنت حروح عند أمي، بس أنا رحت السجن الأول. مصطفى بغضب: انتي رحتي عند عمك؟
فرح: أيوا، كنت عايزاه يشوفني لسه عايشة، وكنت عايزة أقول له حاجات كتيرة مقدرتش أقولها قبل كدا. وأنا كلمته عن أهل مازن اللي خطفهم، وهو قالي إنه ما قتلش أبو مازن. علشان كدة رحت بيت مازن أقول له كلام عمي وإنه في حد تاني هو اللي قتل والده. مصطفى باستهزاء: وأنتي صدقتيه؟ فرح: هو حيكذب ليه يعني؟ وبعدين افتكرت كلام طنط حليمة كمان لما قالت لي إنها شافت مازن منهار، فقلت إنه هو كمان لازم يكون أول واحد يشوفني لسه عايشة.
مصطفى بسخرية: أكتر من أمك؟ فرح بحزن: أنا كنت زعلانة من أمي جداً... هي ما جات ليّ لما عملت عملية، ولا كانت بتسأل عني حتى... وحاجات ثانية انت مش عارفها. مصطفى: لا، أنا عارف كل حاجة. بعد كل اللي حصل، حكت لي أمي كل حاجة. بس عايز أقولك إنه اللي عمله مازن كان رد فعل متوقع. فرح بانفعال: أنت حتكون في صفهم؟ مصطفى: يا فرح، اسمعي، أنتِ عارفة إنه مازن مامته توفت. فرح بصدمة: بجد؟ والله ما كنت أعرف.
مصطفى: مازن كان فاكر إنك ميتة، يعني فقد حب عمره وكان منهار وكأنه الدنيا خلصت. وبعد ما بدأ يتحسن بعدها بشهرين توفت أمه. وأنت كمان عارفة إنه والده متوفي... لا ومش لاقي جثته كمان. يعني لما شافك كأنه الفراغ اللي في قلبه امتلى من جديد، وأنت كنت وحشاااه. يعني بصراحة... أنا لو كنت مكانه ما كنتش حأحاول أغتصبك... كنت حأعملها. فرح بخجل: أنت بتقول إيه؟ استنى، أنت قلت إيه؟ هو مازن مش لاقي جثة أبوه؟
مصطفى: يعني ما كنتيش عارفة دي كمان؟ فرح: هو قالي إنه ميت، بس ما قاليش إنه مش لاقي جثته. يبقى كدة اللي في دماغي مظبوط. مصطفى: هو إيه اللي في دماغك؟ فرح: أنتو إزاي عرفتوا بيت الخشب اللي كنت فيه؟ مصطفى: لأنه عمك كان خاطف مامت و أبو مازن في نفس المكان. فرح: يبقى أكيد هو... مصطفى: هو في إيه بالظبط؟
فرح: أنا حكيت لك على أيمن ابن طنط حليمة، هو كبير أوي، يكون في الخمسينات، وهو كمان مش ابنها، هي لقته مضروب على دماغه، والضربة دي سببت له فقدان ذاكرة. مصطفى: قصدك يمكن يكون أيمن دا هو أبو مازن؟ فرح بفرحة وهي تتذكر: أيوا... أنا أنا أصلاً شفت صورته وأنا طالعة من بيت مازن بجري، اتصدمت بكرسي كانت عليه صورة... أيوا، كانت صورة أيمن، يبقى أكيد هو أبوهم. مصطفى: لو كان كلامك صح، يبقى يا فرحته، بس لازم نتأكد.
فرح: أيوا، خليه يوريك صورة لأبوه، ولما تشوفه، أروح أنا وأنت عند أيمن، وإذا كان هو نقول له الحقيقة، وإذا مكانش هو نقول إننا جينا نزورهم. مصطفى: معقولة، بس نفكر فيها بعدين. أنا حاطلع عند حنين، قربت تخرج من العملية، وأنت كمان روحي له، ما تضيعيش مازن من بين إيديكي، دا حيكلني من الصبح عمال يبص علينا من الشباك. نظرت فرح إلى مازن فوجدته ينظر إليها. وبعد أن اقتنعت بكلام مصطفى: أيوا، استنى، خدني معاك. دقت فرح باب مكتب مازن.
مازن: أيوا، تفضل. فرح كانت تطل بوجهها فقط: أنا ممكن أدخل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!