وجدتها تجلس على المصلاة وبيدها مصحف صغير. كانت ترتل القرآن بصوت تخشع له القلوب وتعشقه الآذان وتطمئن له الروح. دخلت الغرفة وجلست على أحد الكراسي دون أن تشعر بي لأستمع لها. وبعد نصف ساعة ختمت قولها بـ "صدق الله العظيم". ثم قبلت المصحف ونهضت لتتفاجأ بي جالساً على أحد المقاعد خلفها. فكادت أن تصرخ ثم ابتسمت ابتسامة تشرح القلب وخاطبتني قائلة: "صباح الخير، كيف أصبحت؟ قلت: "صباح النور." قلت لها: "بخير الحمد لله.. وانتي؟
ردت بابتسامة شكر وامتنان: "في أحسن حال على الإطلاق. أحمد الله وأشكره كتير وأشكرك أنت أيضاً على ما فعلته معي." قلت لها: "الشكر لله وحده." قاطعتني قائلة: "أنت صليت؟ قلت لها: "لا ليس بعد. أول ما استيقظت كنت أبحث عنك وعندما وجدتك هنا أحببت أن أسمع لك. أصلي ما صحيت." قالت: "أنا آسفة لأنك فوتت الصبح بسببي وتركتك تسهر والنوم على الكرسي." خرجت لكي أصلي. بينما دخلت الفتاة إلى المطبخ.
وبعد انتهيت من الصلاة عدت إلى الغرفة فوجدت الفتاة جالسة على المقعد وقد قامت بإعداد الشاي. فجلسنا لنتناول الشاي. سألت قائلاً: "ما هو اسمك؟ ردت قائلة: "أنا اسمي إحسان." قلت: "يا إحسان من أين أهلك؟ هل من هنا أو من الريف؟ صمتت لبرهة ثم ردت بصوت حزين: "أنا يتيمة. أمي توفيت وأنا عندي خمسة عشر سنة ووالدي توفي قبل ستة شهور من الآن." شعرت بالحزن لأمرها ثم قلت: "ربنا يرحمهم ويجعل مثواهم الجنة. أين تسكنين حالياً؟
إحسان بصوت مكسور: "أنا كنت أسكن مع زميلاتي في الكلية في شقة خاصة، لكن لأسباب تركت الشقة. وقبلها كنت أسكن مع زوجة أبي، هي طردتني من البيت. يعني حالياً ليس عندي مكان أذهب إليه. أنا لي يومين كنت أنام في زاوية للصلاة في الشجرة." تأثرت بقصتها جداً ثم قلت: "حسناً يا إحسان، أنا أريد أسمع قصتك للأخير لكن الزمن ضيق وأنا لازم أذهب إلى الشغل وهذه السيارة ليست لي، لازم أسلمها لصاحبها. يمكنك أن تنتظريني هنا، سوف أعود."
قالت بصوت مكسور: "حسناً، إذا لم أكن أتسبب لك في مشكلة فأنا ليست لدي أي مشكلة." قلت: "لا تخافي ليست هناك أي مشكلة. سوف أذهب الآن وإن احتجتي شيء في المطبخ والثلاجة، وإن احتجتي شيء من الخارج أترك لك هذا الهاتف الصغير يمكنك أن تتصل بي." قالت: "حسناً، سوف أنتظرك. في أمان الله." خرجت من المنزل وركبت السيارة ثم انطلقت وأنا أتساءل في نفسي: "ياترى ما قصتك يا إحسان؟ ولماذا قامت زوجة والدك بطردك من البيت؟
وكيف يمكنني مساعدتك وأين ستقيمين؟ ثم ماذا سأقول لأخي؟ بالطبع لا يمكنني إبقائها في منزل عمي لوحدها ولا يمكنني البقاء معها. إذن ماذا سأفعل؟ الكثير من الأسئلة دارت برأسي ولم أعثر لها على إجابات تريحني. فأنصرفت عن التفكير في الأمر لحتى أسمع قصتها أولاً، ثم بعد ذلك سأقرر ماذا أفعل. وصلت إلى المنطقة الصناعية فوجدت أخي قد حضر قبلي وكان ينتظرني. فقال لي: "لماذا تأخرت؟
قلت: "عندما ذهبت مع صديقي إلى منزله كان والده مريض، ذهبنا به إلى المستشفى وهو في حالة خطيرة." قال لي: "حسناً، خذ هذا المبلغ عد إلى صديقك يمكنك أن تبقى معه وتطمئن على والده." غادرت الورشة، ذهبت إلى موقف المواصلات فركبت المواصلات وعدت إلى منطقة حيث منزل عمي. وكنت أشعر بالذنب لأنني كذبت على أخي، ليس مرة واحدة بل اثنان، ولكنني كنت مجبراً. فلن أستطيع إخباره بالحقيقة. فعدت إلى المنزل وجدت إحسان تقوم بإعداد وجبة الإفطار.
جلست لتناولها برفقتها التي بدأت تشعر بالأمان وشيئاً من السعادة وبدأت ملامحها الجميلة تبان. غير أن هناك بعض التقاسيم الحزن القاسية التي تظهر على وجهها الذي يشع نوراً كالبدر. فأطلت النظر في وجه إحسان فرأيت حزناً وآلاماً كثيرة. فعلمت بأنها قد عانت الكثير من الظلم ولكنها كانت تحاول إخفاء حزنها خلف تلك الابتسامة البريئة. وأخيراً بعد أن انتهينا من تناول الإفطار فسألتها قائلاً: "هيا يا إحسان، ممكن تحكي لي حكايتك؟
فتغيرت ملامحها وكأنها كانت تحاول الهروب من ماضيها، وكأن سؤالي هذا بمثابة الريح التي قلبت صفحات كتاب ماضيها المؤلم. ولكنها ابتسمت ابتسامة باهتة ثم ردت بحزن: "والله يا محمد لا أعرف ماذا سأحكي لك ومن أين سوف أبدأ، لكن سوف أحكي لك كما وعدتك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!