كانت لازالت الفتاة واقفة عند الباب شاردة الذهن تودع روحها الطيبة. وأنا أنظر لها، وكنت أرى كل كلماتها في تفاصيل وجهها البريء. وكنت أسمع همسها، وكان قلبي يتقطع من الألم. وكم كنت أتمنى أن أقول لها: "أعاهدك بالله بأني لن أمس شعرة من رأسك". وفعلاً أردت ذلك، أردت أن أخبرها بأنها في أمان معي. أردت أن أطلب منها الدخول طيبة، وأوعدها بالخروج طيبة كما دخلت. ولكن قبل أن أنطق كلماتي، كانت الفتاة قد دخلت الغرفة وهي تمسح دمعتها.
وضعت حقيبتها على الفراش، ونظرت إلي بنظرات مكسورة قائلة: "حسناً، أنت أوفيت بوعدك وأنا أيضاً أوفي بوعدي، ولكن لدي طلبين." "ما هما؟ قالت الفتاة بحزن: "أولاً، بعد تعمل لي انت تريد وأعطيني النقود ولا تغشني، لأني محتاجة إليها." "ثانياً، أنا ما زلت عذراء وهذه أول مرة لي، أتمنى أن لا تتعامل معي بعنف ولا تأذيني." وبدأت الفتاة تبكي بحرارة. فشعرت وكأن الدنيا أسودت في عيناي، وشعرت بألم لم أشعر به من قبل. اقتربت منها قائلاً: "…."
وقبل أن أنطق، قالت بصوت ممزوج بالبكاء: "لا تخف، أنا لا أعمل هكذا لكي تحس بالشفقة وتتركني. إفعل ما يحلو لك، والله أنا أعمل هكذا غصب عني." اقتربت منها وقلت: "حسناً، انظر في عيني." فنظرت إلي بعيون دامعة. فقلت: "هل رأيتي الشر في وجهي؟ قالت وهي تمسح دموعها: "لا." قلت: "أنا ممكن أفعل لك الكثير، أفقدك أغلى حاجة عندك؟ قالت: "لا أعرف."
قلت: "خلاص، اهدئي واجلسي أولاً. أنا سوف أعد القهوة ثم نتكلم. أنا صحيح أوفيت بوعدي، لكنك لم توفي بوعدك بعد." نظرت إلي الفتاة بدهشة قائلة: "أنا بجانبك، اعمل لي انت تريد." قلت لها: "ليس هذا ما كان وعدك لي." قالت بدهشة: "أنا وعدتك أني سوف أفعل كل حاجة انت تطلبها." قلت لها: "لا، أنتي وعدتني أنك تحكي لي كل حاجة، وأنا أريد أعرف كل حاجة." قالت الفتاة: "حسناً، موافقة."
قلت لها: "خدي راحتك، مسافة أعدد القهوة، واطمئني، أنا لن أؤذيك، لا تخافي مني." خرجت من الغرفة وأنا أفكر في أمر تلك الفتاة، وذهبت إلى المطبخ لإعداد القهوة. وكنت أتساءل في نفسي: كيف كان سيكون مصير هذه الفتاة إذا قابلت شخصاً غيري؟ شخصاً لم يفهم حواجزها. شخصاً لم يرى فيها سوى أنوثتها. شخصاً لم ينظر لطيبتها. شخصاً لم يهمه سوى لحظات من المتعة. ثم حمدت الله بأنها لازالت عذراء ولم تفعل شيئاً. وقررت إنقاذها مهما كلفني الأمر.
أعددت القهوة، ثم عدت إلى الغرفة، فوجدت الفتاة تغط في نوم عميق. فلم أشأ إيقاظها، فتركتها ترتاح. فأخذت ملاءة وغطيتها بها، لقد كان جزء من جسدها مكشوفاً. ثم جلست على المقعد أتناول قهوتي. وبالرغم من أني شعرت بالحزن لحالها، ولكني كنت سعيداً لأنني عدت إليها أساعدها. فهي الآن بأمان، وأنا سأساعدها ولن أتركها تسير في ذلك الطريق. ولا زلت شارداً بأفكاري حتى أخرجني من شرودي صوت الهاتف. فأخرجته من جيبي، وكان المتصل شقيقي.
"يإلهي، لقد نسيت تأخر الوقت ولم أتصل به. ماذا أقول له الآن؟ بما سأخبره؟ "هل أترك الفتاة هنا لوحدها وأعود إلى المنزل؟ "كنت أنتظرك، لماذا لا تخبرني ولم تتصل بي؟ "كنت أريد أن أتصل بك، لكن مع أن تحدث مع صديقي نسيت." "هل سوف تبيت عنده؟ "نعم." "قال: في الصباح نتقابل." "قلت: نعم." أغلقت الهاتف ووضعته على المنضدة. فشعرت براحة كبيرة، أخيراً تخلصت من مخاوفي تجاه شقيقي.
إنما الآن قلقي على هذه الفتاة المجهولة، فأنا لا أعلم ما قصتها ولا أعلم إلى أين ستذهب. جلست قليلاً أفكر فيما حدث، ثم غالبني النعاس، فنمت. فتحت عيناي ببطء، فنظرت إلى الساعة، فكانت تشير إلى السادسة صباحاً. فانتفضت مفزوعاً، فنظرت إلى الفراش، لأتفاجأ بالفتاة قد اختفت. فبدأت أشعر بالقلق، ونهضت متكاسلاً وأنا أتساءل: "إلى أين ذهبت يا إلهي؟ هل غادرت المنزل؟
فجلت ببصري في الغرفة، فوجدت حقيبتها على الفراش، فحمدت الله فعلمت بأنها لازالت بالمنزل. ربما تكون قد ذهبت إلى الحمام. فخرجت من الغرفة، فسمعت صوتاً في الغرفة الأخرى، فذهبت لأرى، فأدهشني حقاً ما رأيت وما سمعت. وجدتها تجلس على المصلاة وبيدها مصحف صغير. فكانت ترتل القرآن بصوت تخشع له القلوب، وتعشقه الآذان، وتطمئن له الروح. فدخلت الغرفة وجلست على أحد الكراسي دون أن تشعر بي، لأستمع لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!