وصلت إحسان إلى منزل صديقتها سمر، فاستقبلتها هي وأسرتها بحفاوة رغم أنهم لا يعرفونها. إنها المرة الأولى التي تزورهم بالمنزل، ولكنها صديقة لابنتهم سمر.
بعد الاستقبال والترحاب، جلسوا لتناول وجبة العشاء. ولكن إحسان لم تكن لديها رغبة بالطعام رغم أنها جائعة ولم تذق شيئًا منذ الصباح. كان المها وحزنها أشد من الجوع. كانت تشعر بغصة في حلقها وترغب في كتف حنين لتتكئ عليها لتفرغ مابداخلها من هم وغم. كانت ترغب في البكاء بشدة، كانت تحتاج إلى روح تألفها لترتمي في أحضانها وتبوح لها بكل ما في داخلها من ألم وحزن. ولكن للأسف، تلك الأرواح المألوفة لم تعد في عالمها القاسي هذا، لقد فارقتها وودعتها دون رجعة.
كانت إحسان تتمنى أن تذهب إليهما لتخبرهما بظلم الحياة الذي تعرضت له، ولكنها كانت تعلم جيدًا بأن هذا مستحيل. بعد إصرار من والدة سمر، تناولت إحسان القليل من الطعام مجبرة، ثم صعدت إلى غرفة سمر. جلست سمر مع صديقتها إحسان التي كانت عيناها لا تكفان عن الدمع، وبدأت وكأنها أكبر من عمرها بسنوات، ووجهها شاحب وعيناها قد احمرت من البكاء المتواصل.
فسألتها سمر عن ما حدث، ولكنها كانت تجهش بالبكاء كلما حاولت أن تتكلم. فحاولت سمر مؤاساتها وتخفيف أحزانها، فطلبت منها أن تتوضأ وتصلي ركعتين ثم تتلو بعض الآيات القرآنية، فلا شيء يطمئن النفس ككلام الله عز وجل. وبالفعل فعلت إحسان ذلك وشعرت براحة كبيرة. وبعدها استطاعت أن تخبر صديقتها سمر بكل ما حدث. استغربت سمر مما حدث ولم تستطع أن تصدق الأمر، وشعرت بالحزن لما حدث مع صديقتها. ثم وعدتها بأنهـا سوف تساعدها ولن تتركها وحيدة.
ولكن إحسان كانت إنسانة حساسة جدًا، فهي لا تريد أن تكون عالة على أحد. لذا طلبت من سمر أن تساعدها في البحث عن شقة بسعر معقول، ثم العثور على عمل بدوام جزئي حتى تستطيع أن تصرف على نفسها وتكمل دراستها. مرت تلك الليلة طويلة، خانقة، مظلمة، بائسة، حزينة، كئيبة، تحمل كل الألم والحزن على إحسان التي لم تذق طعم النوم طوال الليل، بل كانت تئن في حزن. لقد اشتاقت إلى والدها ووالدتها.
ومرت ذكريات حياتها أمامها وكأنها شريط فيلم. فكانت تبتسم لموقف مضحك وتشعر بالحزن من موقف محزن، وتبتسم بحزن لوقت جميل. ولا زالت على تلك الحالة حتى أشرقت الشمس معلنة عن بداية يوم جديد يحمل الأمل الجديد والتفاؤل لكل الناس، عدا إحسان التي حذفت كلمة تفاؤل وأمل وحلم من قاموس حياتها تمامًا.
أشعة الشمس الذهبية تتسلل من خلف الستائر البيضاء إلى داخل الغرفة، فشعرت سمر بحرارة الشمس ونهضت من فراشها متكاسلة، لتجد إحسان جالسة على مقعدها الذي لم تفارقه منذ البارحة في حزن عميق، وقد تغيرت ملامح وجهها تمام، فبدأت أكبر من عمرها بأعوام. لقد ذبلت تلك الزهرة اليانعة وتساقطت أوراقها منذ أن غادر ساقيها هذه الفانية. فحاولت أن تكون قوية، كافحت وجاهدت، ولكن الظلم الذي لحق بها كان أقوى منها، فكسرها وبعثر حياتها.
سمر تنهض مفزوعة: وقالت لم تنامي. إحسان بحزن عميق: لا يا سمر، لم يأتيني النوم. اقتربت سمر لتضمها على صدرها بحنان: يا حبيبتي يا إحسان، الله يبعد عنكِ الأحزان. لا تخافي، إن شاء الله كل الأمور سوف تضبط. يجب أن يبقى إيمانك بالله كبير. إحسان: ونعم بالله… سمر: حسنًا، هيا انهضي واغسلي وجهك وتعالي نفطر، ثم سوف نذهب إلى الكلية ونلتقي بصديقتي التي سوف تبحث عن الشقة. وبالنسبة للعمل، إن شاء الله نلقاه أيضًا. إحسان:
الله لا يحرمني منكِ يا سمر، لولاكِ أنتِ فلم أكن أعرف ماذا أفعل أو أين سأذهب. نهضت سمر لتتهيأ للصلاة، بينما دخلت إحسان إلى الحمام. نظرت إلى الساعة فوجدتها قد تجاوزت الثانية. فقلت لإحسان: نحن لازم نذهب إلى البيت لكي ترتاحي قليلاً، وبعد ذلك تكمل لي قصتك. إحسان: حاضر.
عدت برفقة إحسان إلى منزل خالتي بعد أن ذهبنا إلى السوق وقمت بشراء ثياب جديدة وبعض اللوازم الخاصة لإحسان، التي بدأت تشعر بتحسن. وكنت أرى نظرات الامتنان والعرفان في عينيها، ولكني كنت دائمًا أخبرها بأني لم أعد غريبًا لها لكي تشكرني على شيء، فحقا لقد كنت أعتبرها أختًا.
لنوصلها إلى المنزل فوجدت خالتي وبناتها قد قمن بإعداد وجبة الغداء. جلسنا جميعًا لتناول الغداء، ومن ثم دارت أكواب الشاي، وبعدها جلست أتحدث مع إحسان قليلاً بمفردنا. قلت: حسنًا يا إحسان، هل صديقتك سمر حاليًا موجودة. إحسان بحزن: نعم موجودة. قلت: هل تقابلتي معها اليوم في الكلية…؟ إحسان:
نعـم، وكانت سعيدة عندما رأتني لاني كنت اختفيت منها فجأة وهاتفي كان مقفول. وطبعًا حكيت لها كل ما حصل، وكانت تريد أن تتعرف عليك، لكن عندما خرجنا أتى والدها وذهبت معه. وقالت لي سوف تقابلك مرة أخرى. قلت: ليس عندك أصدقاء آخرين.؟ إحسان:
لا، ولكن أعرف فتيات كثيرات، لكن هي صديقتي الوحيدة. وكانت في وحدة اسمها إسراء، لكن علاقتي بها انتهت، إنها هي السبب في كل ما حصل معي فيما بعد. لكن يا محمد، أنا أريد أسألك سؤال، لكن لا تغضب مني وأتمنى أن تجيب بصراحة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!