توفي والد إحسان والسبب هي زوجته منار. قتلته وبدأت تصرخ في سرور وكأنها تنادي إلى الجيران وتصيح فيهم: "تعالوا لتاخدوه من هنا". لم يصحُ ضميرها من غفوته ولم يرتعد قلبها ولم تشعر بالندم لفعلتها الشنيعة. اجتمع الجيران وبدأ الصياح والبكاء. وبعد ذلك، ثمة تفاصيل كالغسل وصلاة الجنازة والتشييع ثم الدفن. عاد الجميع إلى منازلهم.
كل هذا قد حدث ولم تخرج إحسان من غرفتها، ولم تستمع لنداءت النساء لها. لقد كانت في حزن عميق. سندها الوحيد في الدنيا قد فارقها. أحست وكأن روحها قد فارقتها معه. لم تعد ترغب بالحياة، فهي تعلم كيف ستكون الحياة من بعد والدها. هي تعلم القسوة والعذاب الذي ينتظرها، وتعلم أيضًا كيف ستكون النهاية. قررت أن تهرب. قررت أن تغادر في صمت هي الأخرى لتلحق بوالديها. ولكن هناك شيئًا استوقفها: "مهلاً، مالذي تنوين فعله؟
كيف يمكنك التفكير في الأمور؟ لازال لديك عمل لم يكتمل. كيف ستغادرين دون إكمال عملك العالق؟ كيف ستهربين وتدعين قاتلة والدك تفلت دون عقاب؟ كيف ستتركينها لتتهنئ بثروة والدك؟ لا، لا، هذا لا يهم. فالمال والثروة لم تعد مهمة. إنما الانتقام والثأر والعقاب. يجب أن تعاقب منار على فعلتها هذه. يجب أن تزور الجحيم. نعم، إنه ينتظرها هناك، ولكن يجب أن تزوره هنا أيضًا.
وبعد صراع في داخلها، أخيرًا حسمت إحسان أمرها. قررت الانتقام. قررت إكمال ما تبقى من عمل عالق. شعرت بقوة عظيمة تدفعها للأمام، نعم، إنها قوة الانتقام. بدأت إحسان تتغير سريعًا. بدأت تتنازل عن كل صفاتها الطيبة وبدأت تمتلك صفات جديدة: الهدوء، البرود، العقل الشيطاني، التمهل، التفكير السليم، تحديد نقاط ضعف الفريسة، استجماع السم، شحذ الألسنة السامة. نعم، إنها صفات الأفاعي السامة.
"يجب أن أصبح أفعى. يجب أن أكون كذلك. أجل، إنها الفرصة الوحيدة. يجب أن أقتنمها. فهي الآن قوية ولا تخشى شيئًا. ما رأته وما سمعته وما عاشته قد جعلها قوية جدًا." فحزمت أمرها واتخذت قرارها وقررت أن لن تذرف دمعة واحدة إلا بعد الانتقام لمقتل والدها. فنهضت من الفراش وفتحت دولابها واختارت فستانها الأحمر، فارتدته ووضعت مكياج خفيف. ثم حملت حقيبتها بعد أن وضعت بعض العطر الصارخ.
نزلت إحسان من السلم وهي تسير بكبرياء في كامل زينتها وكأنها ذاهبة لموكب زفاف. وكأن الصياح عبارة زغاريد فرح، وكأن دموع المساء دموع فرح، وكأن الحزن الذي يخيم على المنزل سعادة وسرور. نزلت إلى فناء المنزل في كامل حلتها، وكانت ترتدي نظارة شمسية سوداء في وسط دهشة ونظرات النساء اللاتي بدأن يتهامسن فيما بينهن. فتاة توفي والدها قبل بضع ساعات وهي تخرج الآن في كامل زينتها وكأن مأتم والدها كان حفل زفاف.
خرجت إحسان من المنزل. ونظرت إليها النساء بنظرات الاستهجان والاستنكار، ولكنها لم تلقِ لهن بالًا. بل واصلت طريقها حتى خارج المنزل. بدأت الثرثرة والشائعات وسط النساء. البعض قلن: "مسكينة إحسان، قد فقدت صوابها ولم تتحمل وفاة والدها." والبعض قلن: "إحسان فتاة حقيرة وعاقة، فلم يهمها موت والدها بل تزينت وذهبت لمقابلة حبيبها. الآن رقيبها الوحيد قد فارق الحياة، فأصبحت بلا رقيب، والآن ستفعل ما يحلو لها."
والبعض قلن: "ربما كانت تنتظر موت والدها لتعيش حياة الفجور التي حلمت بها." وكثر القيل والقال واختلط الحابل بالنابل، ولكن لا أحد يعلم الحقيقة. لا أحد يعلم بأن إحسان قد فعلت ذلك لتهرب من حزنها. لقد فعلت ذلك لتشعر بالقوة. لقد حاولت إخفاء حزنها خلف ذلك الفستان الزاهي اللون، وأخفت دموعها خلف تلك النظارات السوداء، وحاولت تخرج من دوامة الحزن والقهر والظلم. وكان هذا أسلوبها.
ولكل شخص أسلوبه في التهرب من همومه ومشاكله. فمنا من يتهرب بالابتسامة على طول، ومنا من يتهرب بالنوم المتواصل، ومنا من يتهرب بالحقد على الآخرين، ومنا من يتهرب بالاسراف في الأكل. ويبقى حزن واحد والهروب واحد فقط. تختلف الطريقة من شخص لآخر. تبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!