تحميل رواية «أقبلني كما أنا» PDF
بقلم فاطمة الزهراء
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خرج شاب من بيته المتواضع ليبدأ عمله في ورشة إصلاح السيارات. شق طريقه بعزم ليلمح أربعة كلاب جالسين حول شيء ما. ألقى عليهم نظرة بدون اكتراث معتقداً بأنهم يحمون جرائهم الصغيرة، ثم أدار رأسه بعدم تصديق عندما سمع همسات طفل رضيع يصرخ. رمش ذلك الشاب واقترب من الكلاب التي نهضت وبدأت بالنباح عليه كأنها تحمي الصغير منه. ارتد للخلف قليلاً ليرى طفل عاري معلق بالحبل السري خاصته وظاهر على صدره حرق نار. اقترب منه ورهب بيده لكي تبتعد الكلاب. لم يجد منفعة منها سوى النباح عليه. لمح عصا على الأرض، التقطها ثم حركها...
رواية أقبلني كما أنا الفصل الأول 1 - بقلم فاطمة الزهراء
خرج شاب من بيته المتواضع ليبدأ عمله في ورشة إصلاح السيارات.
شق طريقه بعزم ليلمح أربعة كلاب جالسين حول شيء ما.
ألقى عليهم نظرة بدون اكتراث معتقداً بأنهم يحمون جرائهم الصغيرة، ثم أدار رأسه بعدم تصديق عندما سمع همسات طفل رضيع يصرخ.
رمش ذلك الشاب واقترب من الكلاب التي نهضت وبدأت بالنباح عليه كأنها تحمي الصغير منه.
ارتد للخلف قليلاً ليرى طفل عاري معلق بالحبل السري خاصته وظاهر على صدره حرق نار.
اقترب منه ورهب بيده لكي تبتعد الكلاب.
لم يجد منفعة منها سوى النباح عليه.
لمح عصا على الأرض، التقطها ثم حركها في وجه الكلاب لتبتعد عنه.
جثى على ركبتيه وحمل الصغير الذي يصرخ ويتلوى.
تمتم بتعجب ممزوج بتساؤل: يا ستار يا رب.. ده لسه حتة لحمة حمرا.. فين أبوه وأمه؟ وازاي هان عليهم يسيبوه كده.. أكيد ابن حرام.
نهض وهو ممسك بحذر الطفل وتابع تحديث نفسه: سبحان الله الكلاب أحن عليه من أبوه وأمه.. عملوا عملتهم وهربوا وقتلوك.. والكلاب اللي رجعتك للحياة بأمر من ربنا.. مسكين يا بني هتعيش بذنب مش ذنبك لأخر العمر.
هز رأسه كأنه يوقظ نفسه بتفكير: أنا لازم الأول أخده المستشفى لاحسن يموت وبعدين أبلغ الشرطة.
للتو أخذ الشاب باله بشيء يلمع على الأرض ليردف بفضول أكبر: إيه ده؟
في مدينة الإسكندرية، بداخل استوديوهات تصوير البرامج التلفزيونية، هناك مقدمة برامج تحاور الضيف.
ليصدح صوت المذيعة بابتسامة وهي تستأنف الحديث: ورجعنا من الفاصل اعزائي المشاهدين مع ضيفتنا اللي منورة المكان مكية سند.. نكمل كلامنا قبل الفاصل كنت عاوزة أقولك إزاي أهلك كانوا بيتصرفوا لما كنتي تشكيلهم على حالات التنمر اللي مريتي بيها بخصوص الوحمة.
ابتسمت "مكية" وأردفت بصوت ممتن: ماما وبابا وإخواتي وصحبتي الداعم النفسي ليا.. عمرهم ما حسسوني إن ناقصة عن البنات بالعكس ديما بيدعموني بكلامهم.. ربنا يحفظهم ليا أنا من غيرهم ولا حاجة.
تابعت المذيعة الحديث بهدوء: في نهاية البرنامج هطلب منك نصيحة تقوليها للناس اللي مش قابلين نفسهم.
استنشقت "مكية" دفعة من الهواء وأجابتها بنبرة صادقة: كل اللي أقدر أقوله إنك تحب نفسك زي ما هي.
هزت المذيعة رأسها وقالت بأسف: طب المخرج بيقولي إن وقت البرنامج خلص.
بحب أشكرك يا مكية.. وحابة أقولك إنك جميلة أوي وفرحانة إني عملت معاكي حلقة من البرنامج.
بادلتهما مكية ابتسامة هادئة.
لتتابع المذيعة الختام بابتسامتها الجميلة: وهنا وصلنا لختام الحلقة اعزائي المشاهدين أتمنى تكون الحلقة عجبتكم وخفيفة على قلبكم.. دمتم في خير.
إلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج نجوم السوشيال ميديا.
بعد التأكد من قطع البث المباشر، نهضت مكية وحاولت خلع المايكروفون وعاونتها فتاة.
تابعت مكية الحديث لرفيقتها التي كانت جالسة خلف الكواليس: يلا يا تسنيم.
اقتربت منها وهي تقول بفرحة عارمة: كنتي زي القمر يا مكية وانتي بتتكلمي.. ريهام سعيد يا ناس.
همهمت المذيعة بلهجة تقريرية: تشرفت بيكم.
أخرجت مكية من حقيبتها هاتفها الخلوي واقتربت من المذيعة وهي تستأذنها: ممكن آخد معاكي صورة سيلفي.. عشان أنزلها على ستوري على الانستجرام.
أومأت رأسها بموافقة وتم التقاط صورة بجانبها.
ثم استأذنت الفتاتان وخرجوا ليذهبوا إلى أحد الكافيهات الباهظة.
أردفت تسنيم الكلام بنبرة منزعجة: انتي هتقضيها خروج وكافيهات من يوم ما جينا الإسكندرية.
ردت مكية عليها بنبرة فرح: بابا أصر إننا نعزل من القاهرة عشان الفانز اللي عرفوا عنوان البيت.. حتى الجامعة اتنقلت منها.
عضت تسنيم على شفتيها بغيظ: تصدقي أنا غلطانة إني اتحايلت على أبويا وأمي عشان أسكن عند عمي وكل ده بسببك.. قلت صحبتي مقدرش أعيش من غيرها.
ألقت مكية قبلة في الهواء لرفيقتها وهي تقول: عشان أنا مكية سند.. أم وحمة.
رمشت تسنيم عدة مرات وتابعت بحنق: آه لو الناس تعرف إنك بتكذبي عليهم وإنك أكتر واحدة بتكرهي الوحمة اللي في وشك.. هتطلعي ترند.
تنهدت مكية بصوت عالٍ وأردفت بابتسامة مصطنعة: وعمري ما هحبها يا تسنيم دي مشوهة وشي.. أنا بقول إني بحبها وبدعم الناس اللي عندهم إعاقة أو تشوه عشان يكون عندي فلورز كتير.
أكملت تسنيم الحديث بعتاب وهي تهندم حجابها: كان ممكن تلمي أكتر منهم لو ما قلعتيش الحجاب.. انتي بتكذبي على نفسك يا مكية.. انتي بتحبي الشهرة بس بتكسبيها بالغلط.. من يوم ما قلعتي الحجاب ومكية اللي أعرفها اتغيرت ١٨٠ درجة.. حبيتي الشهرة أكتر من أي حد.. حياتك كلها على النت.
جزت مكية على أسنانها وأردفت بضيق والعبرات في مقلتيها: لو سمحتي يا تسنيم بلاش نتكلم في حاجات بتعصبني.. مش هتكوني انتي واللي في البيت عليا.
انتبهت لها ثم سألتها بتوجس: طب أهدي انتي بتعيطي ليه؟ هما لسة بيتخانقوا معاكي؟
هزت رأسها بحزن لتتابع حديثها وهي تجفف عبراتها: أختي ديما بتعاير فيا وتقولي كلام كفيل إني أكره شكلي بسببه.
ربتت تسنيم على كف رفيقتها وأستطردت بعزم وهي تغير موضوع الحديث: انتي بتاخدي على كلام مودة؟ دي لسة عيلة وبتهزر معاكي.. أقولك يلا نروح.
أومأت مكية رأسها لصديقتها ونهضت ثم جففت عبراتها وغادروا المقهى متوجهين للمنزل.
"مكية أشرف سند" فتاة في الثانية والعشرين من عمرها تدرس في كلية التمريض.
ومن لا يعرف مكية الفتاة الملقبة بـ"أم وحمة" تلك الوحمة السوداء المنقوشة أسفل عينها، مشهورة على مواقع التواصل الاجتماعي بنشر فيديوهات لها ووعظ الناس بتقبل أنفسهم كما هي.
هذه النصيحة الدائمة تقولها ولكن لا تعمل بها، فإنها أشد كرهًا للوحمة.
الكثير من الشباب تعاطف معها وأحبها.
كانت تعيش هي وعائلتها في القاهرة ولكن بعض من المعجبين علموا بمنزلها فكانوا كل يوم وكل وقت يأتون لكي يروها مما أغضب والدها فقرر بالذهاب إلى محافظة الإسكندرية.
بمكان آخر، ترجل شاب من سيارته وبدأ بطرق الباب بعصبية لتفتح له سيدة وقورة والحزن مخيم على وجهها.
أردف الشاب بعصبية: قاعد في أوضته؟
لم ينتظر منها رد وأسرع في خطواته لتمسك بمعصمه وهي تقول بحزن: استنى بس يا سيف.
نظر لها بعتاب وأردف بضيق: استنى إيه أكتر من كده.. لما يضربك؟ ولا لما يطردك من البيت؟
خرج شاب آخر من الغرفة ورمق أخاه بمقت وأردف باستفزاز: عيب عليك.. أنا مش ابن حرام عشان أرمي أمي في الشارع.
نهرته ميسرة بغضب: عيب كده يا يوسف.. إنت بتكلم أخوك الكبير.
ليهقه يوسف بعلو صوته: أخويا؟.. لأ ده مش أخويا.
اقترب سيف منه ثم سأله بجدية: أنت بتلمح بإيه.. عاوز تقول حاجة محشورة في زورك؟
أومأ يوسف رأسه وتحدث بفظاظة: بلمح إنك مش أخويا.. ولا هتكون أخويا.. أبويا الله يرحمه وأمي اتبنوك من الملجأ.. وكسبوا فيك ثواب.
تفت ميسرة بحدة عالية: احترم نفسك يا يوسف مش كل ما سيف يجي تمشيه مكسور الخاطر.. طب حتى اسأل على ابنه.
تنهد سيف وأردف بهدوء مصطنع: طب وبعد ما ا'تبنوني ورحموني من مرمطة الملاجئ.. إنت زعلان ليه.. مستكتر على أبوك وأمك إنهم ياخدوا ثواب؟
صرخ يوسف بغطرسة: مستكتر عليك الفلوس اللي ورثتها من أبويا..
قاطعه سيف في الحديث بعصبية: أنا ما ورثتش حاجة.. بابا عكاشة وماما ميسرة تكفلوا بيا بس.. أنا ماتكتبتش على اسمهم أنا مكتوب باسم أبويا وأمي الحقيقيين اللي ماتوا.. ومانكرش إني حبيتهم أكتر من أبويا وأمي لأنهم هما اللي ربوني وكبروني لغاية ما بقيت دكتور واقف قصادك وهيفضلوا أهلي.
لم يكترث يوسف بحديثه ليدلف لداخل غرفته ويغلق الباب خلفه بعصبية.
التفت سيف لوالدته المنهارة من البكاء وقبل يدها ثم جفف عبراتها وقال بصوت حانٍ: هتفضلي أمي.. الأم مش باللي تحمل وتولد.. الأم باللي تربي.. أنا قولتلك تعالي عيشي معايا أنا وسوزان بس انتي اللي رافضة.
ربتت بأصابعها على وجهه وقال بتنهيدة: ماقدرش يابني أسيب يوسف لوحده.. هو صحيح تاعبني بس أنا وراه لحد ما حاله يتصلح ويتجوز زيك.
أومأ رأسه بفتور وتابع بنبرة جدية: أنا همشي يا ماما ورايا شغل كتير.. لو يوسف ضايقك ياريت تكلميني.
ثم فتح الباب وخرج وأغلقه خلفه بهدوء.
تابعت أعين ميسرة ابنها وهو يبتعد بسيارته ثم دلفت تصيح بغضب: انت يا زفت يا يوسف.. لسة ما خلصتش كلامي.
سيف صبري طبيب بشري في الثامنة والعشرين من عمره.
تكفلت به ميسرة وزوجها عكاشة من دار الأيتام.
تزوج من فتاة أحبها وأنجب منها طفل.
أجتهد حتى أصبح طبيب.
لم يحمل اسم عكاشة ولكنه أخذ اللقب ليصبح معروف بسيف الأديب.
وصلت مكية إلى العمارة التي تسكن بها.
سارت للداخل ثم دلفت للمصعد.
ظلت تنظر في انعكاس المرآة على شكلها ووحمتها.
تذكرت قول شقيقتها في الصباح: شكلك وحش أوي يا مكية الناس هتتخض منك على أول الصبح ذنبهم إيه تقلقي يومهم من أوله.
أعطت ظهرها للمرآة وجلست على الأرض مسندة ظهرها للحائط بحزن وضمت ركبتيها وتركت لنفسها العنان بالبكاء.
دلف شاب للمصعد ممسك باقات زهور كثيرة وجميلة.
لم يكترث بها وأراح القليل من الباقات بجانبه على الأرض.
سمع شهقات بكائها.
خلع سترته الجينز وألقاها برفق فوقها ثم ضغط على الزر.
أبعدت مكية السترة بفضول لتتفاجأ به.
وقفت بسرعة وحدقته بضيق خفيف وقالت بحدة قليلة: نعم!! عاوز إيه أنت كمان.. آه انت عاوز تتصور معايا عشان تتفشخر قدام أصحابك ولا أقولك تحب أوقعلك بالمرة على خدك.. ده أنا عزلت من القاهرة من غير ما أقول لحد عرفت إزاي إني جيت الإسكندرية بالسرعة دي؟ من إمتى وأنت بتراقبني؟ سيبوني في حالي يا ناس أنا مش غريبة أنا زيي زيكم.
رمش بكلتا عينيه بدهشة ثم قال بنبرة متعجبة باردة: شششششش.. ابلعي ريقك.
استكانت مكية قليلاً ثم تابعت بنبرة هادئة نسبياً بعد أن رأت الزهور بجانبه: برضه أنا عاوزة أعرف أنت عاوز مني إيه.. يا أستاذ سيبني في حالي.. بصراحة اليومين دول أنا مودي زفت ومش عاوزة أقابل حد.. اتفضل امشي عشان ما تعملش لنفسك مشاكل انت مش قدها.
هدر بها بعصبية قليلة جعلها ترتجف: وأنا هعوز منك إيه؟.. أنا ما أعرفش اسمك.
اعتقدت بأنه يريد تحقيرها.
تشنجت قسمات وجهها بغضب من فظاظته لتصدر صوت من بين شفتيها بصدمة قبل أن تقول: ماتعرفش اسمي؟!!.. انت عاوز تفهمني إنك ماتعرفنيش؟
أومأ رأسه وقال لها بنبرة فظة: لازم أعرفك يعني.
مقتنعة مكية اقتناع تام بأنه يريد السخرية منها بسبب لهجتها القوية معه في الأول.
وضعت إبهامها وسبابتها عند مفترق عينيها ونطقت بتذكر ممزوج بسخرية: مين ما يعرفش مكية سند.. أمال الورد اللي انت جايبه ده مش عشان أبتسم في وشك؟
رمقه بدهشة كبيرة من هذه الفتاة الحمقاء التي تعطله فأردف بتعجب: ورد إيه يا آنسة اللي عشانك!! انتي عاملة الفيلم ده كله عشان تاخدي وردة؟
فتحت فمها بصدمة وقالت بدون تصديق: هو الورد ده انت مش جايبه ليا؟
عض على شفتيه بنفاذ صبر وهتف بها بتأكيد: انتي هترمي بلاكي عليا.. أنا ما أعرفكيش عشان أجيبلك ورد.. انتي فاكرة نفسك خطيبتي؟
أكدت مكية قولها بتحدي: أمال أنت طالع فوق فين؟ وآآ.. استنى هنا أنا بكلمك.
فتح باب المصعد ليخرج منه بعد أن لملم الزهور.
أحتقن وجهها بغضب ثم لحقت به وهي تصيح: خد هنا انت رايح فين؟ .. انت كمان عرفت الشقة بتاعتي أنا مش بكلمك.
اقترب الشاب من الشقة المجاورة لشقتها لتتوقف مكية بحرج شديد وهي تراه يخرج مفتاحه من جيب بنطاله: آه انت ساكن هنا.. أصل أنا بقالي أسبوع في العمارة دي وما شوفتش حد بيدخل في الشقة دي.. افتكرت غيري أنا وأهلي بس اللي ساكنين في الدور السابع.. أنا جارتك الجديدة ساكنة في الشقة دي.
نظر لها مطولاً ولم يتحدث.
فتابعت مكية بنبرة حرج: بص أنا آسفة على قلة ذوقي.. بس انت عصبتني لما قولتلي إنك ما تعرفنيش.. أنا عارفة إنك بتهزر.
استمر بالتحديق بها فعاودت القول مرة أخرى ولوحت بكفها أمام عينيه: هالو أنت معايا.. بقولك أنا مكية سند أكيد غني عن التعريف انتي عارفني طبعاً.
أجابها بنبرة برود: مين انتي عشان أعرفك؟
خجلت من نبرته الفظة فقالت بضيق وهي تعبث بخصلات شعرها: انت مصمم إنك تزعلني.. طيب هعرفك على نفسي وأمري لله.. أنا مشهورة.. انت ما بتبصليش كده ليه؟
أردف الشاب بنبرة مستفزة وهو يفتح الباب: أنتي ممثلة؟
هزت مكية رأسها بنفي فتابع سؤاله بتهكم: طب مغنية؟
مجدداً هزت رأسها بالنفي.
لوى فمه بحنق ثم سألها مرة أخيرة: يبقا مذيعة؟
مثل المرة الأولى والثانية فعلتها مكية.
فقرب وجهه منها لتتراجع هي للخلف وأردف بسخرية: ولما انتي مش ممثلة ولا مغنية ولا حتى مذيعة.. بتقولي على نفسك مشهورة إزاي؟
فردت جسدها ورفعت يدها للأعلى وقالت بفخر: أنا مشهورة على السوشيال ميديا..
رمقها مطولاً ثم استطرد ببرود: عاوز أدخل جوا.. ابعدي.
تراجعت للخلف قليلاً ثم حمل باقته العطرة للداخل.
وقبل أن يغلق الباب أمسك زهرة مع بعض ومد يده بها: أنا عارف إنك عاملة الليلة ده كلها عشان تاخدي وردة.. اتفضلي.. اسمها زهرة القرنفل بترمز للكبرياء مش اتذل للناس عشان آخد ورد.. امسكي.
أخذتها منه وهي مغيبة عن الواقع من حديثه.
أغلق الشاب الباب خلفه.
لتهتف بغضب خفيض ممزوج بحرج: مين الواد ده.. وليه شايف نفسه عليا.. عشان عيونه ملونة... بس إزاي ما يعرفنيش.. ده أنا مكية سند.. وايه ده كمان الجاكت بتاعه.
دلف لشقتها هي الأخرى ومازالت تحدث نفسها لتوقفها هالة والدتها بعصبية: انتي بتكلمي نفسك يا مكية.
اقتربت من والدتها وأردفت بعدم تصديق: ماما.. هو إزاي ما يعرفنيش.
جلست هالة على المقعد بتعجب: مين ده؟ وجاكيت مين ده؟
أكملت مكية الحديث بضيق: اللي ساكن قصادنا.. أنا مافيش حد في مصر ما يعرفنيش.
صرخت والدتها بنفاذ صبر: يووووووه.. بطلي غرورك ده.. فاكرة نفسك مين غادة عبد الرازق.. وبعدين انتي اتأخرتي ليه؟ .. البرنامج خلص من ساعتين وأكتر.. مكية يا حبيبتي بلاش تلعبي في عداد عمرك.. أبوكي مستني غلطة من يوم ما قلعتي الحجاب.
جزت على أسنانها بغضب: خلاص يا ماما انتي محسساني إني قلعته امبارح ده من تلات سنين.
هزت رأسها بنفي: لأ مش خلاص.. أخواتك البنات اللي أصغر منك محجبين وأنتي الكبيرة قلعتيه وكل ده عشان الزفت النت.. انتي بتأجري بالوحمة اللي في وشك.
أردفت مكية بنبرة حزينة: هو أنا كنت بشحت بيها.. ده أنا بقول للناس إني بحبها.
هدأت هالة عندما رأت ابنتها حزينة فتحدثت بتفهم: يا حبيبتي.. أنتي جميلة بالوحمة.. اعملي باللي بتقوليه على النت.. حبي نفسك وأحمدي ربك انتي أحسن من ناس تانية بكتير.. روحي غيري هدومك وأنا هحضر الغدا عشان ناكل كلنا.. وأتصرفي في الجاكيت ده لصاحبه.
دلف مكية لغرفته ثم ألقت الجاكيت على السرير وقالت بحنق: اسمه إيه ده؟
يحيى عاصم القاضي شاب في الثامنة والعشرين من عمره صاحب العيون الرمادية.
ابن عاصم القاضي الذي يمتلك مزارع للفواكه والخضراوات.
بينما هو لديه مشتل للورد المكان المفضل له.
يحيى شاب عاشق للعلم أكمل دراسته العليا للتنمية وافتتح مركز لتعليم التنمية البشرية.
توفيت والدته وأخيه الصغير أثر حادث مؤسف فأعتنى به والده.
بالشقة المجاورة ألقى يحيى بثقله على الأريكة ليسمع صوت والده عاصم بالداخل: انت جيت يا يحيى.
رد عليه بنبرة دهشة: بابا انت هنا من إمتى؟
خرج والده من المطبخ وهو ممسك بصنية عليها قالب من الكعكة عليها شمعتين برقم ٢٨ مشتعلتين.
أقترب عاصم منه وقال بفرحة عارمة: كل سنة وأنت طيب يا يحيى.. النهاردة عيد ميلادك.. كملت الثمانية وعشرين سنة.
تغيرت قسمات وجه يحيى ليتحدث بهدوء: بابا أنا مش يحيى.. أنا بدر الدين.. يحيى مات.. لية مش مقتنع بكده.
رواية أقبلني كما أنا الفصل الثاني 2 - بقلم فاطمة الزهراء
أختفت ابتسامة عاصم، فتابع يحيى الحديث بتنهيدة طويلة:
"بدر اللي هو أنا عيد ميلادي بعد شهرين.. يحيى اللي عيده ميلاده النهاردة."
مات، وضع عاصم الكعكة على الطاولة وجلس على الأريكة، ثم أمسك بيد ابنه وأجلسه بجواره وهو يقول بجمود:
"لأ.. أنت يحيى وبدر الدين اللي مات.. وده مش الموضوع اللي جاي أتكلم معاك فيه.. أنا عاوز أعرف أنت بقالك كام يوم مش بتبات في الڤيلا.. ليه؟"
زفر يحيى دفعة من الهواء وهو يتابع بنبرة ضيق:
"عشان عمي لطفي.. أنا مش ناقص صداع منه."
أردف عاصم بجدية:
"أنت عاوز تسيب أملاكك للطفي.. الڤيلا والمزارع كلها انت اللي هتورثها بعد موتي.. ولطفي ماهيطولش مليم أحمر.. أنا سايبه هو ومراته وبنته يعيشوا معانا بمزاجي."
تحولت نبرة عاصم للعزم وهو ينهض:
"يلا هنمشي من هنا."
عقد يحيى حاجبيه بدهشة:
"فين؟!"
"بس أنا لسة جاي من المزرعة الكبيرة وجعان."
كاد يقطع عاصم بحدة:
"هناكل في الڤيلا.. مش هسمح للطفي أنه يتهنى بفلوسي.. يلا يا يحيى وبلاش رفض."
جز على أسنانه وهو ينهض بضيق شديد، وقبل أن يتفوه بحرف تابع عاصم الحديث بجدية:
"وأعمل حسابك من النهاردة هتبات في الڤيلا.. عشان خاطري."
أومأ يحيى رأسه بدون اكتراث:
"حاضر يا بابا.. يلا بينا."
ثم تقدم بضع خطوات، ولكن والده أوقفه:
"مش هتطفي الشمع؟"
ألتفت برأسه وقال بابتسامة صفراء:
"ما أنا قولتلك أنا بدر الدين مش يحيى."
نفث عاصم هواء من فمه ليطفأ الشموع وتحدث بلامبالاة:
"كل سنة وانت طيب يا يحيى."
ثم دلف بها للمطبخ ووضعها بالثلاجة وخرج مع ابنه ليتوجه إلى الڤيلا التي يسكن بها يحيى برفقة والده وعمه.
ترجل يحيى هو وعاصم من السيارة عند وصوله إلى الڤيلا، ومن ثم دلفوا للداخل. كان لطفي هو وزوجته كوثر وابنتهم رواء جالسين على السفرة يتناولون الغداء.
أمتعض وجه لطفي عند رؤية يحيى، فقال بسخرية:
"شرفت يا يحيى.. بقالك كام يوم ماظهرتش."
جلس عاصم في مقدمة السفرة وبجانبه على اليمين ابنه، الذي قال ببرود ممزوج باستفزاز:
"مشغول يا عمي.. مش ملاحق على المزارع ولا على السنتر."
أبتسم عاصم على رد ابنه، فتابع هو الحديث:
"ربنا معاك يا بني.. كل التعب ده هيروح ليك في الآخر بعد ما أموت."
أغتاظ لطفي من تلك الجملة، لينهض بغضب ثم تمتم لهم:
"أنا شبعت."
توترت كوثر قليلاً لتستأذن تذهب لزوجها، نهض عاصم أيضاً وهو يقول:
"أنا كمان شبعت."
ألتفت يحيى رأسه لوالده الذي دلف لمكتبه، ثم نظر لعمه فقال بنبرة تعجب:
"هما مالهم؟"
أقتربت رواء وجلست بجواره ثم أردفت بفضول:
"يحيى.. هو انت ماشوفتش فارس النهاردة؟"
أرتشف بضع قطرات من الماء ثم تحدث بخبث:
"ليه؟ وحشك؟!"
أومأت رأسها بلهفة ثم تداركت نفسها وأردفت بتعليم:
"لأ طبعاً.. إيه اللي أنت بتقوله ده.. أنا بسألك عليه عشان يعني ابن عمتي مش أكتر."
في ذلك الوقت سمع كل من يحيى ورواء طرقًا على الباب، لتأتي الخادمة وتفتح الباب. دلف شاب، بدا عليه التعب ويتفوه بألم:
"يا ساتر يا رب على ده شغل."
سمع صوت يحيى بلؤم:
"تعالى يا فارس."
أقترب منهم، وبدون سابق إنذار جلس على السفرة ليأكل، مما جعل رواء تغضب في نبرتها:
"فارس.."
رد عليها وهو يمضغ الطعام:
"جعان يا رواء."
أردف يحيى بجدية:
"عملت إيه في طلبية المانجا؟"
"عليها."
رد فارس بارتياح:
"سلمتها.. بقولك إيه يا ابن خالي.. بخصوص الدكتور اللي عامل زي الشوكة في الزور ده.. قدم بلاغ فينا إننا بنستخدم مواد مسرطنة في الزرع."
لوى يحيى فمه بضيق واضح ثم قال بنفاذ صبر:
"هو لسة مش ناوي يجيبها لبره؟"
أومأ فارس رأسه وتابع بنبرة صريحة:
"أنا جبتلك قراره.. اسمه سيف الأديب.. دكتور بشري."
أستطرد يحيى بعدم فهم ثم حك ذقنه:
"إزاي دكتور بشري؟.. وبيفهم في الزرع؟ وإحنا من إمتى بنشغل دكاترة أصلاً في المزارع؟"
أجابها بنبرة تفهم:
"يا ابني اصبر هقولك كل حاجة.. هي مراته باشمهندسة زراعية وبتشتغل عندنا.. وهي اللي بتقولوا كل حاجة.. وطبعاً الباشا عمل فيها ظابط وعاوز يخرب علينا."
جز يحيى على أسنانه بضيق ثم قال بوعيد:
"هيخرب على نفسه مش علينا.. إحنا مبنتاجرش بأرواح الناس ولا بنستخدم مواد كيماوية في الزرع.. اسم مراته إيه؟"
أستأنف فارس بجدية:
"سوزان."
هز يحيى رأسه بحيرة وحدث نفسه:
"طب إيه غرضها من إنها تقول حاجة مش موجودة؟.. ممكن يكون حد باعتها عشان تشوه سمعتنا؟.. بس مين؟"
أيده فارس وقال بتأكيد:
"ولاد الحرام كتير.. وخصوصاً إحنا معروفين بالجودة."
نهض يحيى وأردف بهمس لنفسه:
"سيف الأديب وسوزان."
تطلع فارس لابن خاله وهو يصعد للطابق الثاني، ثم همس لرواء بفرحة:
"وحشتيني."
حدقته بغيظ ثم أردفت بتهكم:
"هو أنا على بالك أصلاً."
أبتسم لها ليكمل حديثه بأسف:
"غصب عني.. الشغل نازل على دماغي أنا ويحيى."
لتبتسم رغماً عنها، فهمست:
"خلاص سامحتك."
رد عليها وهو يقول بتمني:
"نفسي خالي يقولي على سبب رفضه ليا لما اتقدمتلك من سنتين."
أجابته رواء بصدق:
"بابا اتحجج بأنك هتشغلني عن الجامعة.. بس أنا دلوقتي في آخر سنة.. مش انت هتتقدملي تاني؟"
رد عليها بمزاح وهو يعبث بالملعقة:
"تاني وتالت وعاشر.. بس هو يوافق."
صدح صوت لطفي بعصبية بعد أن خرج من غرفته:
"فارس.. أنت جيت ليه؟"
أمتعض وجهه ثم أجاب خاله بهدوء مصطنع:
"عشان أقول ليحيى إني سلمت الطلبية يا خالي."
أقترب منه وتابع بنبرة غطرسة:
"هي توحيدة مش بتأكلك عشان تيجي تاكل في بيت الناس؟"
شهقت رواء من حديث والدها الفظ، ليحاول فارس أن يخفي إحراجه بقول:
"بيت الناس ده يبقى بيت خالي عاصم يا خالي."
أستطردت رواء الحديث بحرج:
"مش كده يا بابا.. بالهنا والـ.."
لم تكمل جملتها عند صراخ لطفي بغضب:
"اخرسي انتي.. هتردي عليا؟"
خرج عاصم من مكتبه على أثر ذلك الصياح، فقال بحدة لأخيه:
"إيه اللي حصل لكل الزعيق ده؟"
هدأت نبرة لطفي وهي يقول بخبث دفين:
"يا عاصم يا أخويا.. أنا بزعق على بجاحة فارس."
قاطع عاصم الحديث بصوت عالٍ نسبياً:
"بجاحة فارس؟ كل ده عشان قال بيت عاصم.. طب هو قال حاجة غلط؟.. فارس مش ابن أختي الصغيرة بس.. غلاوته عندي في مقام يحيى.. ولآخر مرة هقولهالك يا لطفي.. فارس يدخل ويخرج براحته.. ده بيته."
ثم نظر لابن أخته ودفعه لكي يتقدم للأمام وهو يقول بجدية:
"اطلع فوق في أوضتك يا فارس."
رفض فارس وهو يقول بنفي:
"مش لازم يا خالي.. أنا كنت جاي عشـ.."
أستمر عاصم بدفع فارس وهو يردد بحدة:
"بقولك اطلع فوق."
تنهد فارس وأطاع أمر خاله الكبير، ثم رمق خاله لطفي باستفزاز قبل أن يصعد السلم. أحتقنت الدماء بلطفي، ثم أبتسم باصطناع وصاح بتنهيدة:
"أنا خارج برا.. عندي مشوار مهم."
بمجرد خروجه من الڤيلا، أغلق الباب بعصبية وتوجه لمكان عزم عليه.
دلف فارس إلى الغرفة التي يأتي إليها بين الحين والآخر، ثم تمدد على الفراش ونظر للسقف بشرود.
فارس هاشم محمد، في السابعة والعشرون من عمره، ابن توحيدة شقيقة عاصم ولطفي. توفي زوجها ولم تنجب سوى ابنها الذي يعشق رواء. حاول مراراً وتكراراً خطبتها، ولكن خاله لطفي دائماً يرفض.
بمنزل "سيف الأديب".
دلف إلى الداخل وهو يبحث عن زوجته، هتف بعصبية:
"سوزان.. يا سوزان.. انتي فين؟"
خرجت من الغرفة بقلق لتردد:
"في إيه يا سيف؟"
أمسك سيف بكف يدها وجلسوا على الأريكة، ثم مد يده الأخرى بملف ما ليتحدث بنبرة تأكيد:
"كلامك صح.. العينات اللي بعتناها للمعمل طلعت مسرطنة."
أتسعت مقلتيها في صدمة لتتابع بتوتر في نبرتها:
"طب وهنعمل إيه؟"
أراح ظهره على المسند وقال بجدية:
"مافيش حل غير إني أروح أتكلم مع مدير المزرعة.. عاصم القاضي."
أردفت سوزان بتلقائية:
"الكلام دلوقتي مش مع باشمهندس عاصم.. هو مابيجيش كتير.. الشغل على ابنه يحيى وابن أخته فارس."
أومأ رأسه بسرعة ليقول بتفكير:
"خلاص.. هبقى أروح لواحد منهم.. انتي بقى خلي عيونك مفتحة عشان دي أرواح ناس."
غمغمت سوزان بنعم، ثم قامت لتعد له الطعام، بينما هو دلف إلى غرفة طفله النائم ذو العامين، فقبله وشرد قليلاً في ماضيها.
*استرجاع الماضي*
كان الصغير سيف ذو الحادية عشر عاماً في دار الأيتام بعد أن توفي والديه. كذلك ذهب عكاشة وميسرة لتبني طفل لعدم قدرتهم على الإنجاب بعد يوسف ذو الستة أعوام. تم الاتفاق مع مديرة الدار وهي "علوية فتحي" ليأتي اليوم الذي سيغادر فيه. لم يرغب في ترك رفاقه، لتجاريه ميسرة بابتسامة:
"أنا هجبلك لعب كتير ومش هضربك."
صرخ سيف ببكاء:
"لأ.. أنا عاوز أقعد مع صاحبي."
أردفت علوية بغضب:
"انت مابتسمعش الكلام ليه؟"
عاتبتها ميسرة بهدوء:
"لو سمحتي براحة.. ده عيل صغير... انت مش نفسك يكون ليك أوضة تنام فيها لوحدك وفيها لعب كتيرة.. تعالى يا حبيبي."
بعد رفض وبكاء سيف، تم إقناعه من قبل ميسرة وعكاشة، وها هو الآن استقل السيارة برفقتهم وظل ينظر من الزجاج والعبرات تنهمر على وجنتيه. الشيء الوحيد الذي أخذه هي صورة تجمعه مع رفيقه. مرت الأيام وكبر سيف في جو من العائلة، فقد أحبه عكاشة وزوجته ميسرة، عدا يوسف الذي يبغضه. تزوج سيف من فتاة أحبها وهو في عمر الخامسة والعشرين، وساعده عكاشة قبل وفاته. ولم يبق لسيف ذكريات من دار الأيتام سوى الصورة الذي قام بتكبيرها وعلقها على حائط غرفة ابنه.
*عودة للحاضر*
أفاق سيف من ذكرياته ليقف، قابله الصورة وهمس بحنين مختلط بشوق:
"وحشتني أوي."
دلف سوزان خلفه، ثم احتضنته خلف ظهره وهمست بعشق:
"حبيبي سرحان في إيه؟"
تنهد سيف بصوت مسموع ليقول بسعادة:
"فرحان إن ربنا رزقني بأهل وزوجة زيك.. وإنك قبلتيني وأنا يتيم ماليش أهل."
قبلت سوزان زوجها وردت عليه بفرحة:
"أنا أهلك يا سيف.. وربنا ما يفرقنا عن بعض.. وابننا يكبر وسطنا يارب."
ألتفت إليها، ثم قبل رأسها وسحبها لخارج غرفة الطفل النائم.
في شقة "أشرف سند".
أستعدت مكية للخروج بعد أن وضعت اللمسات الأخيرة من المكياج وصففت شعرها، لتدخل أختها الصغيرة مودة صاحبة السادسة عشر عاماً. فتحت خزانة ملابس مكية ونبشت بها حتى أخذت طرحة.
وقبل أن تذهب صاحت مكية بضجر:
"استني هنا.. انتي واخدة الطرحة دي على فين؟"
ألتفت لها مودة، ثم وضعت الطرحة على رأسها وأجابتها وهي تنظر للمرآة:
"كلها كام يوم والمدارس هتفتح.. والطرحة دي لايقة على طقم."
أردفت مكية ببرود:
"المفروض تستأذني مني.. جايز أرفض."
فمّت مودة فمها لتهتف بسخرية:
"وترفضي ليه؟.. انتي قلعتي الحجاب.. الكلام ده كنتي قولتيه لما كنتي محجبة مش دلوقتي."
دلف الشقيقة الثالثة مريم صاحبة الثمانية عشر ربيعاً ووالدتها هالة. تساءلت مريم:
"إيه الصوت العالي ده؟"
لتتابع مودة الحديث بسخرية:
"رافضة آخد طرحتها."
جلست مريم على الفراش وأستأنفت كلامها بتفكير:
"طب وانتي زعلانة ليه يا مكية.. أنا أصلاً بفكر آخد طرحك كلها.. انتي آآ.."
صاحت مكية بغضب:
"أنا حرة يا ناس.. طرحي مش هديها لحد."
مقتهم هالة بغضب وهي تبادر في الكلام:
"جرا إيه يا بت.. من ليها.. ناقص تضربوا بعض قدامي.. فيها إيه يا مكية إنها تاخد طرحتك.. بطلي أنانيتك."
أسرعت مودة في استفزاز شقيقتها:
"أنا مش عارفة هي متكبرة على إيه.. بالوحمة اللي في وشها دي."
مقت هالة ابنتها الصغيرة بغضب، لتخرج من الغرفة بضيق. تابعت هالة الحديث بملل:
"لسة مصممة إنك تروحي الكورس ده؟"
أومأت مكية رأسها بسعادة:
"ده كورس تنمية بشرية لتعليم الثقة بالنفس."
أغمضت هالة كلتا عينيها بعدم حيلة، ثم سألتها بهدوء:
"وانتي يا مكية ناقصة ثقة بالنفس.. يا بنتي بلاش لف ودوران.. أبوكي صابر عليكي عشان آخر سنة ليكي في الجامعة."
عبس وجه مكية بغضب:
"ليه يعني هتحبسوني في البيت.. أنا بعد ما أتخرج هشتغل وهجمع فلوس عشان أعمل عملية التجميل وأشيل الوحمة."
أكملت هالة حديث ابنتها بجدية:
"ولما تشيليها هتقولي إيه للناس اللي بيدعموكي.. هيكون رد فعلهم إيه لما يعرفوا إنك كدابة؟"
فركت مكية في رأسها بحيرة كي تجد إجابة، ولكن لم تجد، فنطقت بحيرة:
"آآ.. ماعرفش.. بس هبقى أفكر في كدبة.. أنا دلوقتي هروح الكورس عشان أتعلم كلمتين وأبقى أقولهم على النت عشان الناس تحبني أكتر.. ومش هتتأخر.. الساعة تمانية هكون هنا."
علمت هالة بأن الحديث مع ابنتها دون جدوى، ثم قالت بجدية:
"ربنا يكفيكي شر نفسك يا مكية.. أكتر حاجة خايفة عليكي منها.. هي نفسك."
أبتسمت لوالدتها باصطناع، ثم خرجت من العمارة لتتوجه لذلك السنتر. عند دخولها، استمعت لهمسات الشباب، حتى جلست على مقعد بجانب فتاة. سمعت شاب يهمس لرفيقه:
"ياريتني كنت الكرسي.. أم وحمة يا عسل."
أبتسمت مكية، لتقول لها الفتاة الجالسة بجوارها:
"انتي شخصية متواضعة جداً وأحلى حاجة فيكي إنك راضية بحالك.. انتي شخصية نادرة.. أغلبية الناس رافضين شكلهم.. لكن انتي عكسهم."
أبتسمت مكية، ثم تحدثت معها في أمور عامة.
وصل يحيى بالسنتر الخاص به، جلس على أحد المقاعد والنخبة الذين يعملون في السنتر لم يعبأ بأحد، وبدأ في قراءة كتاب. لتتحدث فتاة بهدوء:
"حضرتك بقالنا أكتر من سنتين بنشتغل هنا وعمرنا ما اتكلمنا.. أنت تعرف اسمي الأول؟"
نظر لها يحيى ولم يعرف بماذا يقول لها، فتحدث شاب آخر بجدية:
"طب تعرف اسمي؟"
"أنا."
لتقول فتاة أخرى بنبرة مرح:
"وأنا."
أنهض يحيى من مجلسه، ثم أردف بنبرة سريعة ممزوجة بشرود كأنه يتهرب منهم:
"آآ.. أنا لازم أدخل القاعة عشان المحاضرة."
دلف إلى إحدى القاعات حيث الشباب مجتمعين لأخذ محاضرة عن التنمية البشرية.
حدقت مكية بمقلتيها بعدم تصديق، لتهمس لنفسها:
"مش معقول.. الواد الملون هو الدكتور.. نهار أسود."
ثم أرخت جسدها حتى لا يشاهدها، وهي تهمس:
"أكيد مش شايفني."
لتأتي أعينها بأعينه الرمادية، فأسرعت بخفض بصرها. نطق يحيى بجدية:
"للشباب اللي أول مرة تاخد عندي.. هعرفكم بنفسي.. أنا الدكتور يحيى القاضي.. أخصائي تنمية بشرية.. قبل ما ندرس تنمية بشرية.. يعني إيه تنمية بشرية؟.. بالبلدي كده يعني إن الإنسان يكتشف نفسه وقدراته ويطورها عشان حياته تكون للأحسن ويكون واثق من نفسه."
ألقى على مكية نظرة غامضة ليكمل حديثه:
"المحاضرة النهاردة هتكون عن الإفراط بالثقة بالنفس.. كل حاجة لما بتزيد عن حدها بتتقلب ضدها.. زي الثقة بالنفس بتتقلب بغرور.. هقولكم حكاية.. في اليونان القديمة كانت فيه أسطورة بتقول إن واحد اسمه نرسيسوس كان شايف نفسه أوي وإن مافيش حد في جماله.. كان مغرور لدرجة فظيعة.. قبل اختراع المرايا كان كل يوم يروح عند البحيرة ويبص على انعكاس نفسه في المية لحد ما وقع وغرق ومات.. وروحه اتحولت لوردة النرجس.. وهنا بقى ظهر مصطلح النرجسية ومريض النرجسية بيتصف بالغرور والتكبر والأنانية."
أستمر يحيى بالشرح، مما جعل مكية تغضب، لتحدث نفسها:
"ده بيلقح عليا.. أنا جاية عشان آخد كورس ثقة بالنفس مش عشان يقطم فيا وهو فاكر نفسه دكتور نفسي."
شعرت مكية بالملل، حتى أنها لم تكتراث بشرح. لا إرادياً تثاءبت. رمقها يحيى بجمود وهو يكمل شرحه.
بعد انتهاء المحاضرة الأولى، خرج الشباب وهم يحدثون بعضهم، عدا مكية التي انتظرت الجميع لكي يرحلوا. هندمت خصلات شعرها وأسرعت إليه قبل أن يرحل، وقالت بابتسامة مصطنعة:
"يا دكتور."
نظر لها، فأكملت مكية الكلام بنفس نبرتها:
"أنا ماصدقتش إن حضرتك جاري.. أنا فرحانة جدا."
أدخل كفيه في جيب بنطاله وهو يردد بجدية:
"فرحانة؟"
هتفت مكية بسعادة مصطنعة:
"جداااا يا دكتور... آآ.. يعني بخصوص اللي حصل في الصبح فأنا آسفة يعني.. كنت لسة جاية من اللوكيشن.. أصل كنت ضيفة في برنامج نجوم من السوشيال ميديا و آآ يعني كنت متلخبطة شوية."
ثم أصدرت ضحكة خفيفة مصطنعة، ليقول بعدم اكتراث:
"انتي عاوزة إيه؟"
أرجعت مكية خصلة من شعرها خلف أذنها وتابعت بنفس النبرة المصطنعة:
"آآ.. بخصوص الواجب اللي حضرتك طلبته منا كتير جدااا وهياخد ورق أكتر للكتابة."
نظر في أعينها وأردف بلامبالاة:
"اتكلمي دغري."
تحولت نبرة مكية للجدية:
"أنا هكون مشغولة بالتصوير على النت فمش هقدر أكتب المقالات دي كلها.. يعني لو تساعدني."
لم يرد يحيى عليها وأكمل طريقه، لتقف أمامه وهي تقول برجاء:
"اعمل معروف ليا.. أنا عارفة إنك بتقول عليا مغرورة.. ساعدني المرة دي عشان أساعد حضرتك في أيام تانية كتير."
أخفض رأسه إليها واستمر بالتقدم إليها وهي ترجع للخلف حتى التصقت بالبنش، ليقول بتأكيد:
"لو ساعدتك مرة واتنين وتلاتة وعشرة هتطلبي إني أساعدك تاني وتالت ورابع وعاشر.. مش هتزهقي."
أبعدت مكية رأسها للخلف قليلاً عندما قرب رأسه إليها، فتحدثت بتوتر:
"وفيها إيه لما تساعدني.. ده أنا.. إيه ده.. استنى."
لم يستمع لحديثها، بل انصرف وغادر المكان، لتحدث نفسها بتعجب:
"هو ليه بيكلمني كده.. هو أكيد مابتابعش حاجة على النت؟"
وصل لطفي إلى مكان ما حيث رفيقه الذي كان ينتظره. لاحظ عبوس وجه لطفي، ليردف بتأكيد:
"أكيد اتخانقت مع أخوك."
جلس بجواره وقال بغضب:
"ومش هبطل خناق يا شيبوب غير لما فلوسه آخدها."
أقترب شيبوب منه وتكلم بحيرة:
"انت هتقتل عاصم؟"
تفوه به بعصبية واضحة:
"لأ طبعاً.. أنا لو قتلت عاصم.. يحيى ابنه هيقش كل حاجة."
رمش شيبوب بعينيه وتابع بقلق:
"قصدك إنك هتقتل يحيى.. من دلوقتي بقولك أنا بعيد عن الموضوع ده.. كفاية اللي حصل زمان."
أغتاظ لطفي من خوف رفيقه، فصاح بحدة:
"انت اللي غبي مابتفهمش.. من ١٣ سنة لما اتفقت معاك عشان تقتل مرات عاصم وأولاده."
رواية أقبلني كما أنا الفصل الثالث 3 - بقلم فاطمة الزهراء
شيبوب جز على أسنانه من حديث لطفي اللازع فنطق بحدة:
وأنا عملت اللي قولتلي عليه وأجرت بلطجية وسافروا ليهم بس أعمل إيه في حظك.. الراجل قتل مراته وابنه الصغير لكن يحيى عاش عمره شقي.. أنا مالي بقا.. انت ناوي على إيه؟
نفث لطفي سيجارته وأردف بشر جلي:
عاوز أقتل يحيى عشان آخد فلوس عاصم كله.
نهض شيبوب من مجلسه ليقول بتوتر:
أنا ماقدرش أقتل تاني.. لو عاصم شم خبر هنروح كلنا في سكة اللي يروح ما يرجعش.. ويحيى مش سهل عشان نخطط لقتله.. شوف حد تاني.
أمسك لطفي بمعصم شيبوب ليجلسه عنوة ثم تابع حديثه بخبث:
اقعد يا شيبوب أنت دلوقتي عجزت مش هتقدر على القتل.. أنا اللي هطلبه إنك تأجر لي واحد ولا اتنين كفاءة والباقي عليا وماتخافش حقك محفوظ.
حدق شيبوب بريبة فاستطرد بنبرة خائفة يغلفها الجمود المصطنع:
وأفرض اللي أجرتهم ما عرفوا..
أسرع لطفي بالرد بتأكيد:
ما فرضش.. أنا واثق فيك وفي رجالتك.. تخيل كده من 13 سنة لما سافرت لندن وحرقت بيتهم لحد دلوقتي حد عرف إني أنا اللي وزيتك.. ده حتى يحيى اللي عاش ما يعرفش ولا شافك خايف من إيه تاني؟
بادر شيبوب بالسؤال بلهفة:
طب ويحيى إزاي يتقتل.. ده عاوز خطة ما تخرش المية.
ارتشف لطفي كوبًا من الشاي وتابع بفرحة:
هقولك كل حاجة عن يحيى من أول ما يخرج من الڤيلا لحد أما يرجع.. حياة يحيى في 3 أماكن ما لهمش رابع.
فأخذ يعد بأصابع يده بتأكيد:
أول مكان المزرعة الشغل اللي بأمر أبوه والتاني السنتر الشغل اللي هو اختاره، وآخر حاجة مشتل الورد وده المكان المحبب لقلب يحيى ديما موجود فيه، هبقى أقولك على عنوان كل مكان.
تنهد شيبوب بصوت عالٍ ليتحدث بتفكير:
طيب بعد ما أجرت اللي هيقتله.. هيقتله إزاي؟! .. حادثة ممكن؟
رمقه بسخط قبل أن يردف بضيق:
بقولك إيه يا شيبوب.. شغل دماغك.. حادثة إيه اللي بتقول عليها دي وافرض عاش زي المرة اللي فاتت.. أنت تخطفه وبعد كده تخلص عليه.
أومأ شيبوب رأسه بموافقة فتابع لطفي حديثه بخبث:
كده تعجبني.. هقولك كل حاجة بخصوصه.
ثم التفت برأسه وهمس محدثًا نفسه بوعيد:
كان ممكن أسيبك عايش يا يحيى لو طلبت إيد بنتي.
***
وصلت مكية أسفل العمارة التي تسكن بها قبل أن تدخل لشقتها ألقت نظرة سريعة على شقة يحيى بغضب ثم همست:
من حظك الحلو إني أكون طالبة عندك ومن حظي الوحش إنك تكون دكتوري.. بس أنا ما فيش حد ما يعرفنيش أو يتجرأ إنه يكلمني بطريقتك دي.
أدارت رأسها وقامت بفتح الباب ودلفت بالداخل لتجد والدها أشرف جالس مع والدتها وشقيقاتها. أقتربت منهم ثم أسرع أشرف في الحديث:
آخرتها إيه يا مكية؟ في السهر؟
جلست مكية بجوار شقيقتها وأردفت بجدية:
أنا كنت في كورس تنمية بشرية يا بابا مش بعمل حاجة غلط.
امتص أشرف غضبه ثم رد عليها بهدوء مصطنع:
كمان أسبوع والجامعة هتفتح.
نهضت مكية من مجلسها وقالت بضيق خفيف:
من فضلك يا بابا أنا جاية تعبانة ومحتاجة أنام.. أنا اتعشيت برا تصبحوا على خير.
ثم دلفت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها. أغتاظ أشرف من لهجة ابنته ليصيح بزوجته بحدة:
هي بتتكلم كده ليه.. هي فاكرة عشان مش هاين عليا أزعلها إني كده ما أقدرش أحكمها.
هدأته هالة في حديثها وحاولت أن تصطنع المرح:
بتتدلع عليك.. دي بت هبلة وما تعرفش إيه اللي بتقوله.. تلاقيها جاية تعبانة.
نهض أشرف بغضب وتوجه لغرفته وهو يتمتم ببعض الكلمات المبهمة على ابنته ثم رمقت هالة ابنتيها لتحدثهم بتعلثم:
آآ.. قوموا يا بنات شوفوا مكية ماله.
تلحق بزوجها وتتوجه الفتاتان إلى غرفة مكية. عند فتح الباب وجدوا مكية جالسة على مقعد مكتبها. وعند رؤيتهن توقفت لتهتف بحنق:
في إيه؟ وإزاي تدخلوا من غير ما تستأذنوا.. هو الباب معمول ليه؟
أغلقت مريم الباب خلفها ثم سألتها بفضول:
إنتي بتعملي إيه؟
حدثتها مكية بفخر وهي تأخذ هاتفها المثبت في الفلاش المستدير:
هطلع لايف.
تمتمت مودة على وجنتيها بنفاذ صبر:
دلوقتي؟
عبثت مكية بهاتفها لتجيبها بابتسامة:
مش هطول ربع ساعة.
لتلتعض شفتيها وتقول بجدية:
إيه اللهجة اللي كلمتي بيها بابا من شوية دي؟
مطت مكية شفتيها لتقول بلامبالاة:
سوري سوري.
جلست مريم أمامها على المكتب وقالت بضيق ممزوج بتريث:
إيه رأيك يا مكية تصفي ذهنك شوية من السوشيال ميديا وترجعي زي زمان؟
رفعت مكية حاجبها فأردفت بسخط:
إنتي مجنونة إزاي أبعد عن النت ده أموت فيه.. طب والفانز بتاعي ما يقدرش يعيشوا من غير بوستاتي اللي بديهم طاقة إيجابية.. بقولك إيه يا مريم بلاش انتي ومودة الغيرة والحقد اللي هتطق من عنيكم عشان أنا مشهورة.
امتعض وجه مودة وأردفت قبل أن تخرج من الغرفة:
أنا أغار منك؟.. إيه اللي فيكي مش فيا ده انتي على الأقل الوحمة اللي في وشك هتوقف حالك ومحدش هيجوزك.
لترد عليها وأستمرت بالنظر لأختها الصغيرة مريم التي قالت بجدية:
هي فعلاً الغيرة موجودة بين الأخوات ممكن أغار منك عشان جبتي أعلى مني في الدرجات أو عشان طقم ليكي حلو.. لكن الحقد كبيرة إنك تقوليهالي.. أنا عمري ما أكره لك الخير.. بس الظاهر الكدب اللي بتقوليه للناس أثر عليكي الناس اللي بتقولي عليها فانزك وبيحبوكي.. كل ده كدب.. هما بيتعاطفوا معاكي على الوحمة اللي في وشك مش أكتر.
أنهت كلماتها وخرجت صافقة الباب خلفها بهدوء. لتقترب مكية من التسريحة وتنظر للمرآة على نفسها. حركت أصابع يدها على الوحمة التي أسفل عينيها بحزن عندما تذكرت ما مر بها من طفولتها.
***
*استرجاع للماضي*
ترجلت مكية من سيارة والدها بمفردها لتذهب لدراستها في الصف الأول بخجل ثم جلست على حجر فهي لا تعرف أحد. رأت الفتيان والفتيات يلعبون سويا كانت تنظر لهم بابتسامة.
أقتربت كرة أحد الأطفال منها عفوياً أمسكتها وقربتها له بعد أن أخذها لاحظ بالوحمة ليقول بفضول:
إيه اللي في وشك ده؟
تحدثت مكية بإحراج وهي تضع أصابعها كي تخفيها:
وحمة.
ترك الطفل الكرة تقع على الأرض وظل ينظر لها بفضول أكبر ممزوج باشمئزاز في حين أردف بنبرة طفولية:
يعني إيه وحمة؟.. دي فيها شعر .. هي ليه كده؟
أدارت وجهها للجانب الآخر ولم ترد عليه فصاح الطفل لأصحابه كي يأتوا إليه وأشار لهم على مكية.
حاولت مكية الابتعاد عنهم ولكنهم حاولوا رؤية الوحمة بفضول طفولي لم تلتفت لهم. بعد محاولتها البائسة بعدم الجلوس معهم توجهت لفصلها.
جلست في مكانها المعتاد الوحيد والاطفال مستمرون بالتحديق بها. قطع ذلك دخول المعلمة التي بدأت بالشرح. طلبت المعلمة من الطلاب بعض الإجابات لترفع يدها مكية وقبل أن تجيب على السؤال سمعت صوت طفلة تحدث رفيقتها بتقزز:
يع.. الحمد لله شكلي أحلى منه.
لم ترد عليها مكية ورفعت رأسها للمعلمة التي اعتقدت بأن ذلك ليس بأمر طبيعي فقالت بجدية:
إيه اللي في وشك ده يا حبيبتي هو في حد ضربك!
ضحكت الأطفال التي بالفصل فقالت فتاة أخرى بشماتة:
دي وحمة يا مس .. أصلاً محدش يقدر يلعب معاها عشان ممكن تتحول زي الغوريلا.
رمقتها المدرسة بغضب قبل أن تستطرد:
عيب كده.. أنا بكلمها هي ما وجهتش ليكي سؤال.. اعتذري لزميلتك حالاً.
نطقت مكية بصوت حزين وعبراتها تتساقط على وجنتيها:
أنا مش غوريلا.. أنا اسمي مكية.
جلست على المقعد ثم وضعت رأسها بين كفيها وأستمرت في البكاء. أشفقت المعلمة عليها لتقترب منها وتربت على رأسها فبادرت بالحديث:
إنتي فعلاً مش غوريلا يا مكية انتي جميلة أوي.. قومي بقا عشان انتي هتكوني المساعدة بتاعتي النهاردة.
رفعت رأسها وجففت عبراتها لا إرادياً ابتسمت كطفلة. نجحت المعلمة بإسعادها ليكملوا الدرس.
بعد الانتهاء من اليوم الدراسي انتظرت مكية والدها كي يأتي ويأخذها. تفاجأت بمجموعة من الفتيات يشاورون عليها ويتهامسون مما جعلها تغضب وتدير ظهرها ولم تعيرهم أي انتباه ولكن الصوت العالي زاد وهم يدندنون:
أمنا الغولة.. شكلها وحش أوي.
***
*عودة للحاضر*
أفاقت مكية من شرودها بحزن فدائماً كانت تعاني من التنمر على شيء ليس لها يد بخلقه. تنهدت بصوت منفطر:
أنا وحشة.
لترمى بجسدها على الفراش محاولة إشغال تفكيرها بشيء آخر. شردت بيحيى الذي لم يظهر أي دهشة عند رؤيته إياها كأن الوحمة ليست موجودة. باتت في التفكير فيه حتى غفت لليوم الآخر.
***
في صباح ڤيلا (عاصم القاضي).
أسرع يحيى للذهاب للمزرعة بعد أن هاتفه فارس بأمر طارئ. استقل سيارته وتوجه إليها بسرعة. ترجل منها وأغلق باب سيارته بعصبية ودلف للداخل ليلمح فارس يلوح له. أسرع في خطواته هز رأسه وقال بعصبية:
هو فين؟.. وازاي تسيبه يدخل؟
رد عليه فارس بضيق:
يعني أعمل إيه يا يحيى.. أنا اتفاجأت بيه في المكتب بتاعي.
خرج سيف من مكتب فارس ثم ألقى نظرة تعجب على يحيى ولكنه تدارك نفسه وقال بلهجة تقريرية:
الموضوع ما يتحلش كده يا باشمهندس.
تفوه به يحيى بغضب:
موضوع إيه اللي ما يتحلش كده؟.. أنت جاي انت ومراتك تطلعوا سمعة على المزرعة.. ما فيش مواد مسرطنة إحنا بنستخدمها.
ألقى سيف بملف على صدر يحيى وأردف بغضب:
الملف ده بيأكد إنكم بتستخدموا مواد مسرطنة وبتاجروا بأرواح الناس.
اتسعت حدقتا يحيى بغضب فأقترب من سيف ولكن فارس وقف كعازل ليقول بهدوء:
يا جماعة اهدوا انتوا مش عيال صغيرة.
صاح يحيى بغضب جلي:
ابعد يا فارس.
ثم حدث سيف بنفس النبرة الغاضبة:
أنت جاي تبجح في الراجل اللي مراتك بتشتغل عنده؟
هتف سيف بحدة واضحة:
هي اللي اكتشفت الشغل البطال بتاعكم وأنا مش هسكت على المهزلة دي.
دفع يحيى فارس بعيداً عنه ليقترب من سيف ويقول بوعيد:
ولا هتقدر تعمل حاجة لا انت ولا مراتك.. ودلوقتي اخرج برا انت والهانم لأنها مرفودة.
أنهى يحيى جملته وأستمر بدفع سيف للخروج ليقف سيف فجأة ثم يمسك بيد يحيى بغضب:
مش دي الحاجة اللي هتخلينا نسكت وهخرب بيتك عشان تعرف آخرة الشغل البطال.
لكم يحيى سيف بعنف بعد الكلام الذي قذفه عليه. أردف فارس موبخاً يحيى:
إيه يا يحيى ده؟! الدكتور ضيف وما يصحش.. آآمر.
صفع سيف فوق ذقنه ليبادل يحيى بلكمة شرسة، فأحتد العراك بينهم وطرحا أرضاً وفارس يحاول تخليصهم. لم يخلصهم سوى العمال التي تجمعت وأبعدتهم. جلجلت نبرة في صوت يحيى:
أنا بديك فرصة إنك تخرج برا المزرعة على رجلك انت ومراتك.
علمت سوزان بالنزاع فركضت لزوجها وأرتمت بحضنه وهي تصيح بقلق:
إنت كويس يا سيف؟
أومأ برأسه ثم أمسك كف يدها ليغادر حامل في قلبه وعيد ليحيى حتى وصل أمام سيارته استقلها. صدح صوت سوزان بتوتر:
إنتو ضربتوا بعض؟ .. طب إنت كويس؟
أدار سيف سيارته ورد عليها بحدة:
الباشا أنكر كل حاجة.
سحبت سوزان من علبة المناديل وقامت بوضعها أسفل فمه لتجفف دمائه والحزن والقلق مرسوم على وجهها. مسد على وجنتها بهدوء وعاود حديثه دون اكتراث:
أنا كويس يا سوزان.. أنا هوصلك البيت وبعدين هروح للمستشفى.
***
وضع فارس بعض من الثلج على ذقن يحيى بملل:
فاكرين نفسكم عيال في حضانة.
أشاح وجهه هامساً لنفسه بحيرة:
إيه الغرض في إنه يطلع سمعة وحشة على المزرعة.
أجابه فارس بتفكير ثم واصل تكميد جرح يحيى:
قصدك مين اللي ليه غرض في إن سمعة المزرعة تبوظ؟
حدق يحيى بفارس لينطقا بصوت واحد مغلف بالتأكيد:
لطفي.
***
بعد مرور وقت من البحث حتى يجدوا دليل على لطفي تم تأثيمه بعد أن اعترف عليه بعض من العمال. صاح فارس بحيرة:
أنا عاوز أعرف إنت ليه ما سلمتش العيال للشرطة؟
وضع يحيى كف يده على كتف فارس وقال بنبرة جدية:
مش دلوقتي يا فارس.. إحنا دلوقتي هنشغلهم لصالحنا وهنمنع المواد اللي بتدخل دي المزرعة.. المهم أبويا ما يعرفش حاجة.
أومأ فارس وأكتفى بإيماءة رأسه ثم قال بضيق:
تخيل بعد الخناق اللي حصل بينك وبين الدكتور ومراته يطلع هما اللي معاهم حق.
نظر يحيى في ساعته وأستطرد بحنق:
وأنا كنت أعرف منين إن لطفي حاشر منخيره في الموضوع.
تحولت نبرة يحيى للجدية عندما سأله:
إنت قولتلي اسمه سيف مين؟
أردف فارس بتلقائية:
سيف الأديب.
صاح يحيى بتساؤل أكبر:
أيوه يعني اسم أبوه إيه؟
مط شفتيه يجاهد بتذكر شيء عنه:
آآ.. معرفش يا يحيى.
***
بعد فترة من الوقت استعدت مكية للذهاب إلى السنتر وعندما وصلت اصطنعت التواضع وجلست منصتة الحديث عليها بأستمتاع. جاء يحيى وكدمات مرسومة على وجهه تعجب الشباب ولكن لم يجرأ أحد على الحديث وبدأ في الشرح بطريقة خلابة جعل الشباب يقبلون على حب الحياة واستغلالها للأفضل. بعد الانتهاء أمر بإحضار المطلوب كان هو مرتدي نظارته الطبية وكل شاب وفتاة يقتربون منه ويضعون الورق على الطاولة. انتظرت مكية الجميع من تسليم الملف.
نهضت وهي تسير بثقة والشباب تهمس خلفها لتبتسم أكثر. قامت بوضع الملف فوق الملفات الأخرى وقبل أن تعود ترك يحيى الملف الذي يقرأه. وأمسك بالملف خاصتها ليفتحه ويلقي نظرة سريعة عليه ثم قال بصوت هادئ:
آنسة مكية سند.
التفتت إليه بابتسامة ورددت بثقة:
نعم يا دكتور.
رفع نظره إليها وأردف بجدية:
شكل اهتمامك بالنت والشهرة أثر على اهتمامك بالتعليم.. إنتي غاشة الكلام ده.
ابتسمت الفتيات بشماتة وتهمسوا عليها ثم قامت فتاة بتصوير الموقف لتسرع هي بالرد:
لأ يا دكتور.. أنا ما بحبش الغش وكل حاجة بمجهود.
يرفع حاجبه ثم بدأ بالحديث وهو يقلب الصفحات:
الكلام ده من كتاب قوة التحكم في الذات للدكتور إبراهيم الفقي ربنا يرحمه.
ليخلع نظارته ويكمل حديثه بتحدي:
إنتي مش بس غشاشة لأ وكمان كدابة.
جزت على أسنانها بغيظ وزفرت بإحراج. تابع يحيى كلامه:
اتفضلوا امشوا يا شباب إحنا خلصنا النهاردة.
أمسك هو بالأوراق وخرج أمامهم. ظلت مكية جالسة بمفردها لأول مرة بعد شهرتها يتم إحراجها أمام الملأ.
***
استعد يحيى للخروج من السنتر ولكنه سمع همس فتيات شامتات بمكية لتقول الأولى:
أنا صورت كل حاجة.. إيه رأيكم يا بنات أنزلوا على النت.
أيدتها صديقتها الأخرى بشماتة:
إنتي بتاخدي أذننا يلا بسرعة شيريه على النت خلي الكل يشوف فضيحتها.
كان يحيى ينصت إليهم ثم التفت وأقترب من الفتاة الممسكة بالهاتف ليأخذه منها ويقول بجمود:
عيب يا آنسة إنك تصوري حد بدون إذنك.. فأنا هضطر أحذف الفيديو.
ليعيد الهاتف إليها مجدداً قائلاً بنبرة تحذير:
مفهوم كلامي؟
أومأت الفتيات رؤسهن وغادرن أمام أعينه. فأكمل هو أيضاً طريقه. خرجت مكية من القاعة بضيق شديد من يحيى وكانت ستتوجه للذهاب لولا رؤية اثنين من الشباب ملثمين يكتفون يحيى ويجبرونه على الدخول بسيارة غير سيارته. فأقترب الثالث منهم وقرب قطعة قماشة على أنفه ليفقد وعيه على الفور. صاحت مكية بهلع وهي تقترب منهم:
إنتو بتعملوا إيه؟.. يا ناااااااس ألحقونا حرامية.
تشبثت بمعصم يحيى الفاقد للوعي وأستمرت بالصياح. حاول شاب أبعادها ولكن صاحت به بحدة:
ألحقونا يا ناااااااااااس حراااااامية يا ناااااااس.
شعر الشاب بأن أمرهم سيكشف فأمسكها وقام بوضع تلك القماشة على أنفها وأدخلها السيارة وقال بحزم:
إنتو لسه هتنحوا.. دخلوه هو كمان جمبها.
أطاعوا أمره ليقوموا بإدخال يحيى الفاقد للوعي بالسيارة بجانب مكية وأنطلقت السيارة مبتعدة.
رواية أقبلني كما أنا الفصل الرابع 4 - بقلم فاطمة الزهراء
في منزل (سيف الأديب)
أخبرته زوجته بقدوم والدته، وهى حزينة. أنبأها بأنه سيأتي إليها ما إن ينهي عمله.
مدت سوزان يدها بكوب من الشاي ثم قالت بهدوء:
"اتفضلي يا ماما، اشربي الشاي.. سيف زمانه في الطريق."
ألتقطته ميسرة وتنهدت بصوت حزين:
"معلش يا سوزان، ديما بدوشك انتي وسيف بمشاكل يوسف."
لفت سوزان ذراعها حول خصر ميسرة بحنية مفعمة بالحب فأردفت:
"ماتقوليش كده يا ماما، ده انتي في نفس غلاوة امي والله.. يوسف لسة صغير وطايش.. مسير الأيام تعدله."
أرتشفت ميسرة بضع قطرات من الشاي وأستنشقت دفعة من الهواء ثم زفرتهما بحزن:
"زمان وانا في سنك خلفت يوسف، وبعدها بسنة حصل ورم في الرحم وأستأصالوه.. زعلت على ابني وخفت عليه لما نكبر ايه اللي هيحصل لما نموت ونسيبه لوحده.
جات فكرة في دماغي اني اتبنى طفل اكبر منه وحصل لما روحت الملجأ حاجة كده من عند ربنا قالتلي أختاري سيف وكنت ليه انا وعكاشة الام والاب اللي أتحرم منهم.. لكن يوسف أتلم على العيال الوحشة وقدروا يقنعوا ان سيف أكل ورثه رغم ان سيف مكتوب في شهادة الميلاد بأسم سيف صبري، عارف أسم أبوه الحقيقي مش عكاشة.. انا حبيت سيف أكتر من ابني."
رد عليها سيف بصدق:
"وانا حبيتك أكتر من امي."
ألتفت لمصدر الصوت لتراه يأتي إليها ويقبل يدها. مسدت على خصلات شعره وعاودت الحديث:
"يوسف سافر لشرم مع أصحابه الصيع وأتخانق معايا فأنا قولت اليومين اللي هيقعدهم أقعد معاك انت وسوزان."
نهضت سوزان وأردفت بعزم:
"أنا هحضر العشا."
تكلمت ميسرة بسرعة:
"انا هساعدك يا بنت."
كادت أن تنهض ولكن أوقفتها سوزان بأعتراض:
"عشان سيف يعلقني في السقف."
نهضت ميسرة من مجلسها وقالت مبتسمة:
"طب انا هروح أقعد شوية في أوضة بيبي."
أختفت ميسرة عن أعينهم، دلفت سوزان للمطبخ في حين أحضر سيف ثيابه وتوجه إلى الحمام. خلع ثيابه ونظر لنفسه في المرآة على كدمات وجهه. نفخ بضيق ثم بادر بالأستحمام.
...
بمكان ما مظلم نسبياً.
مدد يحيى على مرتبة بدون سرير ليست مهندمة. تململ ببطء حتى أعتدل ثم فرك في جبهته بتعب. واصل فتح وأغلاق عينيه ليتفاجأ بمكية فاقدة للوعي وممدة على كنبة خشبية متهالكة. عبس بوجهه بحيرة أكبر فقال بصوت متحشرج:
"هو أنا بحلم؟ ايه اللي جابها هنا؟ وانا فين؟ ومين الناس اللي جابتنا هنا؟ وليه؟"
أدخل يديه بجيبه ليخرج هاتفه ولكن لم يجده لينقب بعينيه على الأرضية. أيضاً لم يجد شيء فزفر بضيق:
"ولاد الحرامية سرقوا موبايلي ومحفظتي.. طب البت دي ايه اللي جابها."
أتكأ على الحائط ليقف وأقترب منها. نظر لهيئتها ثم هز كتفها كي تستيقظ ولم يسمع منها أي رد فتكلم بضيق وزاد حركة يده بالهز:
"لأ أصحي انتي مش نايمة في بيتكم.. أحنا مخطوفين.. أصحي."
فتحت مكية جفنيها وأغلقتهم مجدداً. حاولت ان تتحدث بصعوبة:
"انتو واخدينه على فين؟"
أنتبه إليها في حديثها فحثها على الكلام:
"مين ده؟"
أجابته بصوت نائم مليء بالتلقائية:
"الملون."
زادت حيرة يحيى فردد كلمتها بدهشة:
"ملون؟!"
فركت في حدقتيها بألم ثم تثائبت لترد عليه بإيماءة خفيفة:
"الدكتور الملون."
تيقن بإنها تلقي عيله الحديث فأردف بسخط وضرب بأصابعه على صدغها:
"فوقي كده ناس مين اللي جابتنا هنا؟"
دلكت بأصابع يدها ثم قالت بجدية:
"آآ.. انا.. انا كنت همشي من السنتر لقيت راجلين ماسكينك والتالت قرب قماشة فيها منوم على وشك.. روحت انا صرخت وعليت صوتي بس عملوا معايا نفس اللي عملوا معاك.. هما مين الناس دي؟ وليه خطفتنا.. انا أهلي زمانهم قلقانين عليا."
أخفضت بصرها لتبحث على حقيبتها ولكن لم تجدها لتبدأ في الصراخ والعويل:
"نهار أسود هما مين دولا؟ وليه خطفوك وهيعملوا فينا أيه؟.. زمان أهلي قلقانين عليا."
سمع كل من يحيى ومكية صوت فتح القفل ليدلف الثلاث رجال ولكن بدون أقنعة تغطي وجوههم. أحتمت مكية خلف يحيى الذي تحدث بغضب:
"انتو مين؟ وعاوزين ايه؟"
أجابه الرجل الذي في الأوسط بنبرة شيطانية:
"والله الليلة دي كلها عشانك انت.. لكن البت اللي وراك هى اللي شبطت فيك.. بصراحة قولت زيادة الخير خيرين أخدها ونتسلى بيها."
أرتجفت مكية وشددت بالامساك بقميص يحيى. صاح شاب آخر بفرحة عارمة:
"مش دي مكية سند ام وحمة.. ياااااه.. انا كده هدخل فيها التاريخ."
رد عليه الشاب الأول بلؤم شديد:
"تدخل فيها ولا لا مش فارقة انا الاول."
أردف يحيى ببرود:
"انت بتقول ان الليلة دي كلها عشاني.. وانا موافق اعمل فيا اللي عاوز تعمله بس أبعد عنها عشان انا مش هسكت."
أقترب الشاب منه بسخرية وأستأنف كلامه:
"شكلك طمعان فيها لوحدك.. طب ايه رأيك لو قولتلك اني هقرب منها وهغتصبها قدامك."
لكمة يحيى بأنفه بعنف مبالغ فيه لينحني الشاب على أثرها. أكمل عليه بركله ولكن الشابان تزايدا عليه بالضرب والركل، فأقترب الأول من مكية وأمسكها بمعصمها. بدأت بالصراخ:
"أبعد عني.. الحقني يا يحيى الحقني."
سدد يحيى لكمات لشاب وألقى بثقله على الشاب الأخر ولمح بحجر على الأرض ألتقطته بسىعة وصوبه بوجه الشاب. قبل أن يبتعد الممسك بمكية. أسرع يحيى بالأمساك بمعصمها الأخر ومال عليها لتقع على الأرض وهو فوقها يحميها بجسده. نهض الشابان وبدأوا بضربه والثالث يحاول أخذ مكية ولكننه ممسك بثيابها بقوة لا يريد تركها. صرخ الشاب بعصبية:
"انت فاكر كدة انك هتقدر تمنعني أنا بس هسيبك وبكره هجيلك."
ثم قام بركله قبل أن يخرج من الغرفة. لحق به الشابان وقام احدهم بغلق الباب. صاح بهم الكبير بحدة:
"بقوا واحد يقدر عليكم.. مش قادرين تاخدوا البت منه."
أردف أخر بتريث ممزوج بألم:
"البت مشهورة تفتكر ايه اللي هيحصلنا لو أغتصبتها وماتت فيها.. سين وجيم وموال طويل.. بص انت كلم الباشا وشوف هيقولك ايه."
...
توجع يحيى من الضرب الذي ناله فأبتعد عن مكية بألم أصدر أنات:
"آآآه.. انتي كويسة مافيش حاجة حصلتلك.. آآآه."
هزت رأسها بهلع ثم نهضت من على الأرضية. حاولت مساعدته في النهوض فلفت يديها فوق خصره وجاهدت برفعه ليتكأ على الحائط. هتفت بفزع:
"أنت كويس؟.. بوك بينزف."
لم تجد شيء سوى كم ثيابها لتجفف فمه من الدماء السائلة. أشاح وجهه للجانب المخالف ثم قال بجمود:
"متقلقيش انا هرجعك لأهلك."
كفكفت عبراتها وقالت بحزن مختلط بالنحيب:
"زمانهم قلقانين عليا.. يا ترى عاملين ايه دلوقتي."
...
بداخل منزل (أشرف سند)
زاد قلق الجميع بتأخر مكية لكل ذلك الوقت. والقشة التي قسمت ظهر البعير بأن تسنيم لا تذهب لذلم الكورس. صاح أشرف بقلق ممزوج بحدة:
"الساعة ١١ ونص وموبايلها مقفول اكيد حصلتلها حاجة.. انا مش هفضل قاعد.. محدش يعرف عنوان السنتر ايه."
تكلمت هالة بهلع كبير ويديها على رأسها:
"معرفش كل اللي أعرفه انه كورس تنمية بشرية.. حتى تسنيم ماتعرفش عنوانه."
فتح أشرف الباب وقال بعزم:
"أنا خارج."
أغلق خلفه الباب بعنف وسارعت مودة بالنظر في البلكونة. لطمت هالة بفزع:
"البت أتخطفت.. راحت."
منير بت مريم على رأسها ودعت الله ان تأتي شقيقتها بسلام وأمان.
...
بڤيلا (عاصم القاضي)
تسرب لطفي للحديقة ثم بحث بعينيه كي يتأكد بعد وجود أحد. فصاح في الهاتف بغضب:
"هو شيبوب مأجر شوية عيال.. يعني ايه تخطفوا بت معاه.. وكمان تكون مشهورة.. أسمع يا حيوان انت اياك تقرب منها ولا تعملها حاجة انا مش ناقص.. لما افكر هتصرف مع يحيى والبت اللي معاه ازاي... أوعوا يهربوا."
ثم أغلق الهاتف بوجهه وحدث نفسه بخوف ممزوج بتوتر:
"طيب يا شيبوب مأجرلي عيال متخلفة."
...
عند الغرفة المظلمة التي بها يحيى ومكية لم تمل عن النحيب والعويل. شعر يحيى بالغضب فهو لا يعرف من الذي فعل ذلك وحضور مكية معه زاد من حتمية صعوبة هروبه على عكس مفرده. فرد ذراعه وقرب أصبعه ليجفف عبراتها. رمقته بحزن ممزوج باستغراب. فتابع كلامه بشرود:
"ده اللي في أيدي أعمله.. انا حاسس بعجز ... انا عارف اني اللي هقولوا مالهوش دليل.. بس انا هرجعك لأهلك."
نطقت بصوت متقطع:
"كل ده حصل بسببك وبسب قلبي الطيب رغم انك كنت مهزأني قدام الكل."
ألقى عليها نظرة تهكم ثم قال بسخرية:
"قلبك الطيب؟ حاسبي بس جناحك دخل في عيني يا ملاك نازل من السما."
ثم صاح بها لتكف عن البكاء:
"ماتبطلي عياط.. مش هيحل حاجة."
وضعت كفيها على وجنتها والعبرات تتدحرج من مقلتيها ثم حدثت نفسها بصوت عالي:
"ممكن كل ده بيحصلي عشان قلعت الحجاب."
لوى يحيى فمه فتابع بعدم فهم:
"قلعتي الحجاب؟!"
أومأت رأسها وعاودت تجفيف عبراتها بكم ثيابها قبل ان تقول بحزن:
"ايوة انا من ٣ سنين كنت محجبة بس قلعته غصب أبويا وأمي.. وعشان مش مقتنعة بيه.. هو انا حتى لو قلعت الحجاب ممكن أدخل الجنة؟"
أردف يحيى بتلقائية ممزوج بصوت فاتر:
"جنة دي السمنة اللي بتطبخ بيها أمك."
مقته بصدمة ونظراتها المستغربة على جملته:
"نعم؟!"
وضع كف يده على ذقنه ونطق ببرود مستفز مغيرا لموضوعها:
"مافيش غيره اللي يعمل كده."
زادت حيرتها فسألته باستفهام أكبر:
"مين؟"
نظر في مقلتيها وأجاب السؤال بتأكيد:
"عمي."
أستطردت بفضول كبير:
"يعني عمك اللي خطفنا.. بس ليه؟ في حد يكره أبن أخوه.. طب أنت باباك ومامتك اكيد قلقانين عليك."
هز رأسه بنفي وقال بجدية مطلقة ممزوجة بسخرية:
"أمي متوفية وأبويا مش هيحس بيا غير بكرة عشان اوقات ببات عنده وأوقات ببات في الشقة اللي جمب شقتي.
يفكر اني بايت فيها.. وبكرة فارس هيروح المزرعة مش هيلاقيني هيتصل عليا مش هرد عليه هيقلق هيجي لأبويا هيروح أبويا يقولوا اكيد في الشقة بتاعته هيروحوا الشقة بتاعتي مش هيلاقوني فيها.
هيبتدوا يقلقوا عليا... يعني مثلا في حدود الساعة أتنين الضهر هيبتدي القلق.. يااااه ده انا لو مت مش هيحسوا بيا."
أبتسمت مكية على حديثه. لم تتحدث مع أحد مطلقا بخصوص حجابها التي تركته وكانت ترفض من يحاورها فيه لا تعلم لماذا بالأخص أخبرته هو، كذلك يحيى للمرة الأولى التي يتحدث مع شخص لا يعلم عنه شيء سوى انها طالبة بالسنتر. تبادلوا بعض الأحاديث حتى غلبهم النوم.
...
هب يحيى من مجلسه أثر غلق الباب بعنف فرك عينيه بضجر ثم ألقى نظرة على مكية الجالسة في زاوية الغرفة بتوتر. مال الشاب قليلاً ليضع صنية طعام وتحدث بسخرية:
"فطار أهو.. مش حارمكم من حاجة ولا فندق خمس نجوم."
ما إن وضعها على الأرض خرج مجدداً. أردف يحيى بصوت متحشرج:
"انتي مانمتيش؟"
أقتربت منه ثم هزت رأسها بتعب وعبراتها تنساب تلقائيا على وجنتها:
"ماقدرتش انام وابويا وامي قلقانين عليا وسهرانين.. هما هيعملوا فينا ايه."
ألتقط شطيرة ومد يده لها قائلاً بصوت جاد:
"ماهيعملوش حاجة.. عشان انتي جاية بالغلط معايا."
لم تأخذها منه وقالت برفض محاولة اكمال سؤالها:
"انا عاوزة أروح لأهلي."
نظرت مكية في السقف وأردفت بحزن:
"ياترى عاملين ايه؟"
...
عند شقة (أشرف سند)
دلف لشقته بسرعة بعدما ردد بهلع:
"هاا.. مكية جات؟"
كانت هالة جالسة على المقعد وأبنتيها ملتفين حولها يواسونها. نهضت هالة وقالت بحزن:
"عملت ايه؟ لقيتها ولا لأ؟"
خيم الحزن على ملامحه كأنه كان يريد ان يخفق تأكيده بعد وجودها. أجابها بقلق:
"دورت في المستشفيات والأقسام ومالقتهاش.. كنت عاوز اعمل محضر رفضوا وقالوا لما تكمل يومين مش موجودة."
بدأت باللطم على وجنتيها ثم صرخت ببكاء:
"يعني ايه؟.. مكية راحت مني؟"
أكمل أشرف حديثه لمريم بيأس:
"يا بنتي محدش يعرف أسماء لأصحابها ممكن باتت عندها."
هزت مريم رأسها ثم قالت ببكاء:
"ماعرفش غير تسنيم هى اللي جات معاها هنا.. وماتعرفش عنها حاجة."
...
في مزرعة (عاصم القاضي)
وصل فارس كعادته توجه الي مكتب أبن خاله فطرق على الباب ودخل. أعتقد بأن يحيى موجود بداخلها ولكن لم يجده. عبس بوجهه فالمرة الأولى التي يتأخر بها عن المجيء. أخرج هاتفه من جيبه ليتصل عليه ولكن أتاه الرد بأنه مغلق. رفع حاجبه بدهشة كبيرة:
"قافل موبايله!!!!"
"طب لو مش هيجي كان المفروض قالي."
خرج من المكتب وتابع حديثه لنفسه:
"بس ازاي مايجيش.. ده منبه عليا عشان موضوع خالي لطفي. اكيد راحت عليه نومة.. أنا هستنى شوية وبعدين أكلمه تاني."
...
في (ڤيلا عاصم القاضي)
تسرب لطفي ليتحدث في هاتفه خارج الڤيلا ثم صاح بحدة:
"أسمع يا شيبوب البت اللي رجالتك خطفوها يرجعوها تاني.... أيوة زي مابقولك ماتفضلش تسأل كتير...... المهم يحيى بس اللي يفضل وخف كلام معايا."
ثم أغلق الهاتف وأدار جسده ليتفاجأ بفارس يدخل الڤيلا. توتر قليلا بعدما رآه يقترب منه ليقول بتعلثم:
"فارس.. أنت ماروحتش المزرعة النهاردة."
أستطرد فارس بتلقائية:
"أنا جاي أسأل على يحيى ماجاش من أول الصبح.. هو تعبان؟"
مط شفتيه بابتسامة وأصطنع عدم المعرفة:
"هو يحيى مارحش الشغل؟.. غريبة دي اول مرة تحصل؟.. تعالى ادخل جوا يمكن عاصم يعرف حاجة."
تبع فارس خطواته خلف خاله إلى ان دخلوا. كان عاصم جالس على المقعد يقرأ كتاب ما. أن رأى فارس تعجب في قوله:
"فارس؟ انت مش في المزرعة ليه؟ ولا يحيى باعتك تقولي حاجة؟"
على فارس بأن خلل حصل ليحيى فقال بجدية:
"لا يا خالي يحيى ماجاش المزرعة.. في الأول أفتكرت ان راحت عليه نومة بس بعدين أتأخر أوي وكان منبه عليا في موضوع كده هنخلصه سوا.. فقولت اجي أشوفه هن."
نهض عاصم وأردف بريبة:
"يحيى امبارح مانمش هنا.. أكيد في الشقة التانية.. رن عليه أعمل اي حاجة."
أجاب فارس بسرعة:
"قافل موبايله.. وروحت أشوفه في الشقة قعدت أخبط وأرن الجرس مافتحش كمان روحت المشتل بتاعه مش موجود."
تسلل القلق لعاصم ثم بلل شفتيه وقال بتوتر:
"آآ.. تعالى معايا يا فارس نشوفوا في شقته ممكن تكون النوبة جاتله؟؟؟"
رواية أقبلني كما أنا الفصل الخامس 5 - بقلم فاطمة الزهراء
أسرع فارس للخروج.
ترك عاصم الكتاب الذي يقرأه وتوجه للذهاب.
عند خروجه وجد فارس قد استقل سيارته.
تبعه وجلس بجواره وتوجهوا إلى العمارة فوراً.
خرج فارس على عجالة ليسمع صوت خاله يمد كفه بمفتاح ويقول بقلق:
خد المفتاح يا فارس بتاع الشقة اللي فوق.
التقطه منه وأسرعوا للدخول بالمصعد.
ضغط فارس على الأزرار وصعد بهم للطابق السادس.
تابع سيره بسرعة وقام بفتح الباب ودلف وهو يصيح باسمه:
يحيى.. يا يحيى.
دلف خلفه عاصم الذي بدأ في الصياح عليه ولكن لا يوجد رد.
بدأوا بالبحث عنه في الشقة كذلك لم يكن موجود.
صاح فارس بقلق أكبر:
مش موجود هنا.
بالشقة المجاورة سمع أشرف الجلبة التي بالخارج.
اعتقد بأن مكية وصلت ليخرج ويقول بلهفة:
مكية؟.. انتي جيتي؟
وجد أشرف باب الشقة المجاور مفتوح على مسرعيه.
سمع حديثهم بالداخل.
أردف فارس بتفكير ممزوج بقلق:
السنتر يا خالي.. انا نسيت أقولك اني ماروحتش هناك.
دلف أشرف وقال بأنتباه:
سنتر ايه؟
أقترب منه عاصم وسأله بقلق:
لو سمحت يا استاذ امبارح ماسمعتش خبط او زعيق في الشقة دي؟
هز رأسه بيأس بعدما عادت حالته للحزن:
ماعرفش.. بنتي مارجعتش من امبارح وبدور عليها.. معرفش حاجة .. انا سمعتكم بتقولوا سنتر وأنا بنتي اخر حاجة خرجت ليها السنتر ومارجعتش.
سأله فارس بأستفاهم:
سنتر ايه؟.. تنمية بشرية مثلا؟
هز أشرف رأسه بتأكيد وردد بسرعة:
أيوة.. تنمية بشرية.
رمق عاصم أبن أخته وقال بعزم ممزوج بقلق:
يلا على السنتر يا فارس.. وأنت يا أستاذ تعالى معانا.
خرج أشرف من الشقة وصاح على زوجته.
أغلق فارس باب الشقة المجاورة ودلفوا الثلاثة للمصعد.
وصلت سيارة فارس الي سنتر يحيى.
ترجل منها وخلفه خاله ووالد مكية.
رأى سيارة يحيى مكانها.
أقترب منها وقبل ان يتحدث لمح بميدالية المفاتيح أسفلها.
أنحى إليها وأخذها ثم نظر لوجه عاصم بقلق.
هتف عاصم بقلق:
يعني ممكن يحيى يكون اتخطف؟
رد عليه فارس بسرعة:
احنه ندخل جوا ونشوف كاميرا المراقبة.
لم ينتظر منهم رد وركض ليدلف.
لم يجد أحد.
صرخ بعلو صوته.
أخيراً فتاة خرجت له من احد الغرف.
رأت عاصم فقالت بابتسامة:
عاصم بيه يا اهلا وسهلا.. السنــ
قاطعها فارس بحدة:
بعد ما يحيى خلص الكورس راح فين؟
رمشت الفتاة بكلتا عينيها وقالت بتريث:
آآ.. دكتور يحيى بعد ما خلص مشى بس انا اتفاجأت ان عربيته موجودة فقولت ممكن أتمشى.
تابع حديثه بنفس النبرة الغاضبة:
شاشة كاميرات المراقبة فين؟
فردت ذراعه وأجابته بضيق:
الأوضة دي.
ابتعد عنها ودلف للغرفة ليجد شابان يلعبان على هواتفهم الذكية.
فصاح بهم:
انتو كده بتشتغلوا.
انتفض الشابان فترك كل شاب هاتفه.
أقترب عاصم منهم وقال بقلق:
انا عاوز أشوف امبارح الكاميرا صورت ايه.. بسرعة يلا.
أومأ شاب رأسه وقام بتشغيل الشاشة وأرجاعها للخلف بالزمن.
ليروا يحيى يقترب من سيارته وشابان ملثمين ممسكينه بأحكام.
ليأتي الثالث ويضع القماشة ويفقد للوعي.
عند ركض مكية إليه صاح اشرف بحدة:
دي مكية بنت.
رمق فارس العاملين بغضب ثم هتف بهم بعد ان قبض على ياقة واحد:
انتو ازاي جالكم قلب تناموا وشايفين اتنين بيتخطفوا.
أردف الشاب بخوف ويداه تحاول تخليص نفسه:
والله العظيم اول مرة أعرف ان الدكتور يحيى اتخطف انا مش مدي خوانة وماعرفش انه هيتخطف.
أبعده عاصم ونهر فارس بقلق:
مش وقت خناق يا فارس المهم دلوقتي .. يحيى مين اللي خطفه هو والبنت اللي معاه ازاي نخلصهم؟ وياترى عاملين ايه دلوقتي.
بالغرفة التي بها يحيى ومكية مر اليوم بدون أي كلمة.
كانت مكية جالسة على الأرض بوجه جامد لا تتحدث لا تبكي كأنها جماد.
تعجب يحيى من هيأتها وسكوتها المبالغ فيه فجلس بجوارها وقال بتساؤل:
في حاجة تعباكي؟
ضغطت على أسنانها وهزت رأسها بالنفي.
تنهد يحيى ثم قال بنبرة تأكيد:
انتي عاوزة تروحي الحمام؟
استدمعت العبرات من مقلتيها ونظرت له بخجل لتعاود النظر إلى الفراغ.
فتأكد بأنها تريد الذهاب.
نهض بحذر ثم بدأ بالطرق على الباب بعصبية وردد بحدة:
انتو ياللي برا.
حضر له شاب ونظر من فتحة الباب وأستأنف حديثه ببرود:
عاوز ايه؟
ألقى يحيى عليه نظرة ضيق وتابع بجمود:
عاوز أروح الحمام.
ضحك بصوت عالي وأردف بخبث:
أتصرف في الجردل اللي جمبك.
أخرج يديه من الفتحة ليقبض على رقبته بغضب:
افتح الباب لأخلص عليك.. مش انا اللي هروح الحمام.
حدج مكية بخبث وأومأ رأسه ثم قال بلؤم:
مش تقول للهانم المشهورة.
تركه يحيى يلفظ أنفاسه.
ثم قام بفتح الباب ليعود يحيى لمكية وهمس لها:
ماتخافيش مافيش حد هيعملك حاجة.
نهضت بكسرة في نظرتها وسارت مع يحيى.
كان في حمام بجانب الغرفة التي بها.
أستطاع التعرف على ذلك المكان وأنتظر مكية للدخول وأغلاق الباب.
فحدج الشاب ببرود وقال بخبث:
بتدخن يا نجم.
رفع حاجبه بحنق ورد عليه:
كمان عاوز سجاير.. ده انت كييف بقا ومش عاوز كمان بالمرة قزازة خمرة.
أمسك يحيى بمعصمه ثم دلف للغرفة القابع بها.
تعجب من يحيى وكان سيتكلم لولا صوت يحيى بلؤم:
ده يكون جميل عملته فيا ومش هنسهولك ابدا.
سأله بفضول أكبر:
لييييه؟ ناوي تعمل ايه.
ابتسم يحيى ثم استجوبه في سرور:
انت اسمك ايه؟
رد عليه بايجاز:
الطبال.
ربت على كتفه بخبث خفي:
ناوي أغتصبها قدامك وبعدين أعمل فيها اللي انت عاوز تعمله.
فتح الطبال فمه بصدمة كبيرة وقال بفرحة:
يا لئييييم انت امبارح كنت رافض حد يقرب منها عشان تستفرد بيها لوحدك.
هز يحيى رأسه بنفي وأكمل حديثه بسخط:
عشان استفر بـ بها انا وانت بس.. البت ام وحمة تقبل القسمة على اتنين .. قولت ايه بقا.
استعد للخروج من الغرفة عندما قال بسعادة:
ثواني وهجبلك القزايز.
في سنتر (يحيى القاضي)
أخبر فارس الشرطة لكي تتحرى في اكتشاف من خطفهما.
كان عاصم منهار على ابنه.
هدأه فارس:
ان شاء الله يا خالي هيرجع.. اهدى انت عشان صحتك.
صاح عاصم بقلق وخبط على فخذيه:
صـحتي؟ انا صحتي اني اشوف يحيى.. ده ابني اللي ماليش غيره.. خايف لاحسن يتقتل ويحصل امه واخوه وانا هموت فيها آآآه يا بني.
ثم نهض من مجلسه وقال بغضب وهو يتوجه الي الخارج:
انا من اول الصبح بدور عليه ودلوقتي الساعة ستة ونص بالليل ولسة محدش من اللي خاطفوه ماتكلمش معانا على فدية.. انا اللي هدور عليه.
أسرع فارس بالامساك به فأردف بيأس:
استنى يا خالي.. احنا مانعرفش الناس خطفته وراحت بيه فين؟
أبعد عاصم نفسه وقال بغضب:
ده ابني يا فارس وابن خالك واخوك وصاحبك ازاي نسيبه؟
لم يعد عاصم قادراً على كبت دموعه لتنهار كالشلالات على وجنته ليتحدث بحزن:
افرض النوبة جاتله هناك واغمى عليه الناس هتفتكر انه مات اقل حاجة هتعملها عشان تخفي جثته يا اما هتدفنه او هترميه في البحر وانا مش هستنى لكده ده ابني وحتة مني.
شدد على اخر جملة له بتمني:
مش هسيبوا يروح مني زي اللي راحوا.
دلف الطبال بزجاجتين من الخمر ثم انحنى ليضع واحدة على الأرض ويفتحها بالمفتاح الخاص بها.
تابع بخبث في قوله:
احلى قزازتين خمرة مشبرة أتفضل يا برنس.
التقطتها منه وقربها من فمه ليقول مجاريا له الحديث:
انت بتشتغل عند مين؟
رد عليه وكأن ذاكرته محت:
انا اللي مأجرني اسمه شيبوب.. اشرب واصطبح عشان انا اصطبح.
قرب يحيى الزجاجة أكثر على فمه وقبل ان يرتشف منها قام بتصويبها على رأس الطبال.
لينحني لها ووضع يده عليها.
أنهال عليه يحيى حتى افقده توازنه وأكمل عليه بعض اللكمات.
تأكد من فقدانه للوعي.
خرج من الغرفة وجد مكية منكشة بركن.
مد يده ليمسكها وركض بها وتابع قوله:
يلا هنمشي انا عارف الطريق.. دي المزرعة القديمة.
كان سيتوجه من الباب الأمامي ولكن لمح الشابان واقفان من الشباك المكسور.
على الفور رجع للخلف وسار بها على عدم توازن.
أردفت مكية بقلق:
براحة هقع.
التفت يحيى برأسه للخلف وكان سيفتح الباب الخلفي ولكن كان منغلق بأحكام.
تنهد بصوت مسموع كأنه يفكر بمخرج.
هلعت مكية وأحست بأنهم سيأتون فرددت بفزع:
ها.. هنعمل ايه انا خايفة لاحسن يلاقونا تاني.
لمح بالشباك ثم أقترب منه وأمسك بكرسي متهالك ليكسره عليه عدة مرات ثم حدث مكية بسرعة:
يلا بسرعة نطي.
أقترب منه وحاولت رفع جسدها بحذر فأسرع يحيى بحملها من خصرها ليضعها على حافة الشباك.
شهقت مكية وقالت بتوتر:
ايه ده ايه ده؟ انت ازاي تعمل كده؟
هتف بها بغضب وهو يدفعها برفق:
مش وقت اعمل ايه وماعملش ايه.. نطي.
قفزت من الشباك ليسرع هو الآخر بالقفز.
ثم عاود امساك كفها وأسرعوا بالركض.
دلف الشابان على اثر الصوت العالي من الخبط وعندما وجدوا رفيقهم مغشى عليه صاح الأول بغضب:
نهار اسود علينا احنا كده روحنا في ستين داهية.
ثم بحثوا حاولوا البحث عنهم ليجدوا الشباك مكسور.
خرجوا منه وبدأوا البحث عنهم.
خيم الظلام عليهم والضوء الذي كان منير هو القمر والنجوم.
ركضوا في وسط الأشجار ثم توقف يحيى فجأة وتكلم بسرعة:
اطلعي فوق الشجرة.
هتفت به بدهشة:
نعم؟
انحنى يحيى لحملها ويرفع ظهره ليقف.
شهقت مكية بهلع:
هقع.. هقع يالهوي.
صاح بها بحدة:
اطلعي انا ماسكك كويس مش هتقعي.. بسرعة قبل ماحد يعرف طريقنا.
أمسكت مكية بفرع شجرة وبمساعدة يحيى أستطاعت الجلوس بأمان.
بينما تسلق هو بمهارته وجلس بجوارها على غصن متين.
ثم حدثها بعصبية خفيفة:
ماسـمعش صوتك لحد أول الصبح.
سمع صوت احد الرجال بعنف:
اقلب الارض عليهم لاحسن لطفي وشيبوب يدفنونا بالحياة.
تلقائيا وضع يحيى كف يده على فم مكية كي لا تفزع.
عندما أطلق الرجل بمسدسه في الهواء انتفضت ولكن أيدي يحيى ثبتتها.
بعد مغادرة الرجال طريقهم همس لها بطمأنينة:
ششششش اول ما الدنيا تنور هنمشي بس استــحملي الساعات اللي جاية عشان صعبة.
بللت شفتاه بخوف وتحدثت وجسدها يرتعش:
انا خايفة اوي.
ضغط على كفها وتابع بتأكيد:
هترجعي بيتك.
دلف عاصم وخلفه فارس في ڤيلاته.
علمت توحيدة بما حدث فأتت على الفور.
كان الجميع يدعوا الله ان يجلب لهم يحيى بسلام والكل مرسوم القلق على وجههم عدا لطفي.
أقترب توحيدة من أخيها وسألته بحزن:
في اي اخبار عن يحيى.
هز رأسه بنفي ثم جلس وقال بيأس:
انا حاسس بنار في قلبي.. لو حصلتله حاجة هموت فيها.
أحتضنته توحيدة وأردفت ببكاء:
بعيد الشر عليك انت ويحيى.. اكيد الشرطة هتعرف مين اللي خطفوه.
جلس فارس على الأرض بشرود وهمس لنفسه:
دورنا في كل مكان وبرضو يحيى مش موجود.. ومش عارف مين اللي ليه ايد في أذيته؟ وليه؟
صدح صوت رنين هاتف لطفي لينتفض.
انتبه الكل له خاصتا عاصم الذي قال بسرعة:
مين؟ يا لطفي اكيد يحيى؟
سلبت الدماء من وجه لطفي ثم هز رأسه بحدة:
ده رقم واحد صاحبي دوشني كل شوية بيطمن علي يحيى.
ثم خرج من الڤيلا بتوتر ملحوظ.
لم يعبأ أحد بسؤاله فتحدثت رواء بتمني:
ربنا يرجعك بالسلامة يا يحيى.
بداخل شقة (أشرف سند)
أخبر زوجته بأمر مكية وخطفها من قبل ناس مجهولين الهوية.
لم تهدأ النار بقلبهم بل زادت.
لم يكن باليد حيلة سوى الدعاء لها وأن يعثر الشرطة بهم.
ايضاً لم ينم أحد أو يهدأ باله.
مرت الليلة بصعوبة بالغة كأنها سنوات طويلة على المنتظر.
لم يغفى كل من يحيى ومكية.
وقبل بزوغ الشمس بالكامل همس لها:
يلا دلوقتي هنمشي دلوقتي.
أومأت رأسها فتابع هو بحذر:
انا هنزل الأول.
بحرص شديد حاول النزول من الشجرة حتى وصل لأخر جزء وقام بالقفز.
تمدد يحيى على الأرض بتعب شديد ليسمع صوت مكية يستنجد به:
لو سمحت انا مش عارفة أنزل... آآ.
أومأ برأسه ونهض والدوار يأكل رأسه.
دنت مكية باقدامها مستعدة للقفز ولم تلاحظ بالغصن الذي بجانب بلوزتها.
وضع يحيى يديه على خصرها لينزلها من الشجر.
شعرت بشيء خشن تعلق بثيابها.
وعند دفع يحيى بها لتقف على الأرض صرخت بألم:
آآآه.. الغصن مسك بهدومي و.. آآ.
أدنت مكية برأسها لترى بلوزتها ممزقة خلف ظهرها.
عاودت النظر ليحيى بصدمة ثم عضت على شفتيها بقوة وحاولت أن تستر نفسها.
أدار يحيى وجه الجانب الأخر وتلقائيا فتح ازرار قميصه وخلعه ثم أعطاه لمكية وتحدث وهو موالي وجهه عنها:
خدي البسي ده.. بس بسرعة عشان نمشي.
أخذته منه ببكاء وأرتدته على عجالة.
نظر لها عند سماع جملتها بخفوت بين شهقاتها:
يلا.
نظر بوجهها ليمسكها من معصمها.
وقبل أن يتحركوا بضع خطوات وجدوا الطبال بوجهه والدماء جفت على رأسه وبعض الكدمات عليه.
وفي يده سكين كبيرة وتحدث بسخرية:
كده تمشي من غير ماتسلم علي.
دفع يحيى مكية بقوة ليختل توازنها وتقع على الأرض لكي يحميها منه.
ثم هتف بغضب:
يخربيت اهلك.. انتي عاملي زي كارلا مسعود اي مكان بروحه بلاقيك فيه.
هوش الطبال السكين فتراجع يحيى قليلا للخلف.
تقدم اليه وكان سيغرس السكين ولكن تفاداها يحيى بأمساك معصمه.
فدفع الطبال يحيى وبحركة سريعة بيده جرحه أسفل صدره.
تابع الطبال رمي نفسه على يحيى وكان يود بادخال السكين في قلبه ويحيى يدافع بصلابة ممسك بيده بقوة.
أسرعت مكية بالامساك بحجر ملقى على الأرض وأقترب من الطبال وبدأت تضربه على رأسه بحدة.
ولسانها يردد بحدة:
سيبوه.. سيبوه.
صرخ الطبال بآلم:
آآآي.. بقا انا حتة بت ماتسواش في سوق النسوان بصلة تعلم عليا.. طب تعاليلي يا بت الكلب وانا هخلص عليك.
لينهض من على يحيى وكان سيركض خلف مكية.
وقبل ان يتحرك كان يطرح أرضا بفعل يحيى.
نهض على عجالة وبدأ في ضرب الطبال ليقع تحت يحيى.
كال له اللكمات جما ليفقد وعيه.
أمسكت مكية بكتفه وصاحت بهلع:
انت بتنزف... ابوس ايدك يلا نمشي من هنا.
نهض يحيى بألم ولكن استمر الركض حتى وصل الأثنين للبوابة الخلفية وخرج منها.
تلفتت مكية لترى سيارة وقفت في منتصف الطريق تلوح بيديه.
رمش يحيى بعينيه بدهشة ممزوجة بألم:
دي مجنونة رسم.
زادت نبرته واقترب منها وكفه موضوعة على جرحه.
قبل ان يتحدث وقفت السيارة.
كان الشاب معتقدا بأن هناك شيء بسيط ليتفاجأ بمنظرهم المرهق والدماء التي تسيل من يحيى.
ايضا كدمات وجهه فصاح بقلق:
ايه اللي حصل؟ .. اركبوا.
استقل يحيى بجانب الشاب ومكية خلفهم.
ثم صاحت بقلق:
اطلع على أقرب مستشفى.
أومأ الشاب رأسه وأنطلق بسيارته.
أردف يحيى بتعب:
ممكن موبايلك.
أخرجه الشاب من التابلوه ومد يده ليحيى فأخذه وطلب رقم فارس.
(ڤيلا عاصم القاضي)
لم تغفى عين أحد وكأن القلق ينهش بهم.
انتبهت جميع الأذان عند سماع رنين هاتف فارس.
فتحه على عجالة وقال بسرعة:
ألو.
ثم صاح بقلق أكثر بعد سماع صوت ابن خاله:
يحيى انت فين؟؟؟.. وكويس ولا لأ.. رد بسرعة عشان نعرف نـ
لم يدع عاصم الفرصة ليسمع رد يحيى فأخذ الهاتف منه ووضعه على أذنه وردد بهلع:
انت فين يا يحيى؟ وعامل ايه؟ حد أذاك؟
ثم تحولت نبرة عاصم للقلق الأكبر:
مستشفى!! مستشفى ايه؟
هز رأسه بأنصات شديد ليستأنف بتأكيد:
حاضر يا ابني هجيلك.
أغلق الهاتف وأسرعت كوثر في قولها:
يحيى كويس؟
أومأ رأسه ثم نظر لفارس وقال بعزم:
يحيى في مستشفى (•••••) يلا بسرعة يا فارس نروحلوا.
أغمغمت توحيدة بسعادة مغلفة بالحمد:
اشكرك ياااارب.. انا هاجي معاكم.
رفض عاصم رفضاً قاطعاً:
هتروحي تعملي.. انا وفارس هنروح ونجيبوا.. هقولك على عنوان المستشفى في الطريق يلا.
خرج فارس وسيره أقرب للركض ليستقل السيارة وعاصم تبعه ثم أسرع في سواقتها.
وصل يحيى ومكية ثم ترجلوا من السيارة.
لم ينكر يحيى بالتعب الذي عاناه في اليومين السابقين عند دخولهم.
أوقفت مكية ممرض باهتياج:
دكتور بسرعة.. في واحد بيموت.
تلقى الممرض نظرة سريعة على يحيى فأشار بأصبعه وحدثها بجدية:
اتفضلي ادخلوا في الأوضة دي وثواني والدكتور هيجي.
أمسكت بمعصمه وسارت به حتى دلفت والشاب خلفهم.
جلس يحيى على المقعد ثم أسرع الشاب بالحديث بحرج:
آآ.. انا دلوقتي اطمنت عليكم هستأذنكم اني لازم امشي والله شغل.
آقاطعه يحيى بنبرة ممتنة:
أتفضل يا محمد.. انا كويس.. متشكر على جدعنتك.
رد عليه بخفوت ان اي شخص مكانه سيفعل ما فعله وغادر بهدوء.
فتحت مكية فمها لتتحدث بتوتر:
حاسس بحاجة بتوجعك؟
رفع كفه من فوق الجرح الذي على صدره ثم تنهد بصعوبة خفيفة وأجابها بسخرية:
مش كنت بموت من شوية.. الجرح سطحي اوي.. ماكنش محتاج مستشفى.
آآــــقطع عليه اكمال حديثه الممرض وهو ممسك بيده حقيبة وأردف بجدية:
أتفضل يا دكتور سيف.
اتسعت حدقتي يحيى عندما رأى سيف يدلف بالزي الطبي فتحدث الاثنان بصدمة وبصوت واحد:
انتبادلوا بعضهم نظرات دهشة ليتابع يحيى بعزم:
انا كويس مش محتاج مساـ
دلف عاصم في الغرفة وأعينه تبحث عن ابنه حتى وجده وأسرع باحتضانه وتقبيل رأسه:
عامل ايه يا يحيى وايه الجرح اللي في صدرك ده؟
أقترب فارس منه وأحتضنه هو الآخر بالحمد:
ما تعرفش مين اللي خطفك؟
صاح يحيى بنفاذ صبر:
يا جدعان انا كويس والله وده جرح بسيط يلا نمشي من هنا.
رمقه عاصم بغضب:
تمشي ازاي كده.. اتفضل يا دكتور غير للجرح.
ثم تحولت نظراته لمكية بهدوء:
وانتي يا بنتي ابوكي كان هيموت من القلق عليكي.. انتي كلمتيه؟
أومأت رأسها وقالت بخفوت:
أيوة كلمته وزمانه جاي.
تابع بجدية أقرب للغضب:
يلا يا دكتور حضرتك مستني ايه؟
حدج يحيى باستفزاز وأمره في قوله:
اقلع عشان أعرف أطهر الجرح.
حدق يحيى به لبرهة فهتف عاصم على مضض:
ما تقلع يا يحيى.
خلع قميصه على كره ليتفاجأ سيف بشيء جعله يسأله بفضول:
الحرق ده من أمتى.
صاح يحيى ببرود:
وانت مالك.. طهر الجرح بسرعة عشان أمشي.
عاتبه والده بخفوت:
ما تهدى يا يحيى انت متعصب ليه.
ثم أستأذن فارس عمه وخرج به من الغرفة ليسأله عاصم بحيرة:
مالك يا فارس عاوز تقول حاجة.
أومأ رأسه ليتكأ على الحائط بتساؤل أكبر:
الحرق اللى في صدر يحيى من ايه؟
جلس عاصم على المقعد الحديدي ونظر للأرض بحزن ثم رفع بصره لفارس وقال بعبوس:
لما البيت اتحرق.. فاطمة ومالك ماتوا محروقين عشان كانوا نايمين بس يحيى كان بيلعب برا ولما شاف النار والعة في البيت ماعرفش يعمل حاجة غير انه يدخل وحصلتله حروق.. والحرق اللي في صدره فضل ملازمه.
زفر فارس الهواء بحزن على ذلك الحادث المشين.
فتابع سؤاله بتريث أكبر:
طب النوبة اللي بتيجي ليحيى من ايه؟ من الحادثة إياها؟
رواية أقبلني كما أنا الفصل السادس 6 - بقلم فاطمة الزهراء
نظر عاصم لابن شقيقته وتابع بنبرة تفطر لها القلوب:
نوبة التشنج اللي بتيجي ليحيى بيكون سببها الأول الصرع.. والسبب لكده صدمة نفسية اتعرض ليها وهو يوم الحادثة لما شاف أمه وأخوه الصغير بيتحرقوا قدام عينيه.
زرف عاصم الدموع تلقائيا فمد أصبعه وجففها ليتابع بحزن:
ومن يومها ويحيى بيحلم بكوابيس وكل ما يفتكر اللي حصل جسمه يتشنج ويهلوس بالكلام لحد ما يغمى عليه.. زي ما بتشوفه يا فارس واحنا بنفوق فيه.. انا خايف لاحسن تضاعف عليه بس هو رافض يتعالج.. لما بيفوق مابيتذكرش اللي قاله او اللي عمله.
آخر مرة قالي أنا اسمي بدر بس أنا مادققتش على كلامه.
حاول يا فارس إنك تقنعه.
أومأ فارس برأسه ثم تنهد بحزن وواصل حديثه لخاله بتريث:
حاضر يا خالي هحاول معاه.. هي الحادثة كانت تقيلة عليه.
نظر عاصم بجانبه على الغرفة ليرى أشرف وزوجته يهرولون للدخول بعدم معرفة فأرشدهم فارس:
في الأوضة دي.
دلف هالة الأول وما إن رأت ابنتها ارتمت مكية في حضنها:
ماما.
قبلتها هالة وهي مستمرة بالبكاء فأقترب أشرف منهم وأيضاً احتضن ابنته بشوق جارف.
أردفت هالة بلهفة:
انتي كويسة يا حبيبتي؟ في حد عملك حاجة؟ وقميص مين ده اللي لبساه؟
جففت مكية عبرات والدتها وأشارت على يحيى بامتنان:
قميص دكتور يحيى.. هو اللي حماني من الناس واللي فيه ده بسببي.
أقترب أشرف من يحيى وسيف ثم شكره:
مش عارف أشكرك إزاي.. أو إيه الجميل اللي أردّهولك إنك حميت بنتي و..
قاطعه يحيى وقال بجدية:
أنا اللي بشكر حضرتك إنك ربيت زي الأنسة.. هي كمان عرضت نفسها للخطر وساعدتني.
عاود أشرف النظر لابنته واحتضنها بسعادة:
إخواتك البنات كانوا قلقانين عليكي يا مكية.
وجه يحيى حديثه لفارس بتلقائية:
أقلع الجاكت يا فارس.
استغرب من طلبه ولكن سرعان ما تدارك بأن يحيى ثيابه ممزقة فخلع الجاكت الجلدي وأعطاه له.
التقطه وهو ينهض ثم أرتداه ووجه حديثه لسيف ببرود:
ماتشكر يا دكتور.
رد عليه سيف باستفزاز أكبر:
ده مجرد جرح سطحي.. أي عيل صغير يستحمله.
انشف!
رفع حاجبه لفوق وصاح به:
هو أنا كنت بعيطلك زي العيال!
تكلم فارس بضيق:
ما تبقوا بس انتوا مابتزهقوش.
جلس سيف على المقعد وقال بنبرة ذات معنى:
أنا دكتور وواجبي إني أعالج اللي قدامي حتى لو كان عدوي وبيني وبينه مشاكل كتير.
رد عاصم عليه بسعادة خفيفة:
وأنا مقدر مجهودك يا دكتور وشكراً تاني مرة.
ثم نظر لهم بجدية:
يلا عشان نروح.
خرج الجميع من الغرفة، مكية التي ذهبت مع والديها بسعادة، قبل أن يستقل يحيى السيارة سأله عاصم مستفهماً:
ما تعرفش حد من اللي خطفك أو المكان؟
حدق به يحيى لفترة ولم يتفوه بكلمة.
فواصل عاصم حديثه:
ما تقول يا يحيى عرفت تهرب إزاي؟ ومين اللي عمل كده؟
نظر في وجه والده ثم أردف بجمود:
كنت في المزرعة القديمة.
اتسعت حدقتا عاصم بذهول ليتابع حديثه بتأكيد ممزوج بوعيد:
المزرعة القديمة! يعني اللي خطفك حد نعرفه و.. يعني اللي عمل كل ده هو لطفي.. كلنا كنا هنموت عليك من القلق إلا هو.. فتح على نفسه نار مالهاش آخر.
واصل يحيى حديثه بأرهاق:
ممكن يا بابا تسمعني وبعد كده اللي هتحكم بيه أنا موافق عليه.. عمي لطفي بيلعب على المكشوف وخصوصاً بعد ما أدخل مواد مسرطنة للفواكه والخضار.
هتف عاصم بحدة خفيفة:
مواد مسرطنة؟!!! وانتوا عارفين كل ده وأنا آخر من يعلم.. إزاي تخبوا عليا حاجة زي كده.
أسرع فارس بالرد:
أنا ويحيى عرفنا الحاجات دي من كام يوم واتفقنا إننا هنشوف حل بس جت حكاية خطفه.
كمل يا يحيى.
اتكأ على السيارة وقال بتعب:
هنعرف نفسنا مانعرفش حاجة عن اللي خطفوني والمزرعة القديمة حتى المبيدات والمواد المسرطنة لحد ما نجره رجله ونوقعه.. واللي هيدخل المزرعة دلوقتي السماد مافيش حاجة تانية لا مبيدات ولا كيمياوي اللي ممنوعة من وزارة الزراعة.. ودلوقتي أنا تعبان وعايز أنام.
تفاهم عاصم فكرة ابنه ثم وافق عليها واستقل الثلاثة السيارة ليتوجهوا إلى الفيلا.
دلفت مكية بصحبة والديها لشقتهم أسرعت شقيقاتها باحتضانها بحنين.
تكلمت مريم بلهفة مبالغ بها:
حد عملك حاجة؟
قبل أن ترد عليها أسرعت هالة بقول:
سيبوا اختكم ترتاح.. وبعدين نتكلم في كل حاجة.. أنا هحضر غدا دلوقتي.
ردت عليها مكية بتعب:
أنا هاخد شاور وهنام مش قادرة.
لم تضغط عليها والدتها لتكمل مكية سيرها لغرفتها.
نبشت بدلابها بعض الثياب ودلفت للحمام.
وصلت سيارة فارس أمام فيلا (عاصم القاضي).
ترجل يحيى بتعب وضع فارس ذراعه حول خصر يحيى ليعدل توازنه في السير.
دلف الجميع إلى الداخل، عندئذ ركضت إليهم توحيدة وهي تردد:
سلامتك يا يحيى.. انت كويس يا حبيبي.
أجابها بإيجاز قائلاً بنبرة منهكة:
أنا كويس يا عمتي بس محتاج أنام.
تكلم لطفي بقلق مصطنع حتى لا يكشف سره:
كنا هنموت من القلق عليك يا يحيى.. المهم إنك رجعت بالسلامة.
جلس عاصم على الأريكة ثم تحدث بلهجة أمر:
فارس خد يحيى لأوضته هو تعبان دلوقتي.
أومأت بسيطة صدرت على وجه فارس فتابع بالامساك بخاله وصعد به لفوق.
كانت أعين رواء تتابعه.
لاحظ ذلك لطفي هو متأكد بمشاعر ابنته لفارس فهتف بها بحدة:
إنتي قاعدة بتعملي إيه هنا مش وراكي مذاكرة وجامعة؟
فزعت من هيئة والدها الغاضبة وقبل أن ترد عليه كان عاصم قد سبقها في قوله بهدوء مصطنع:
انت متعصب كده ليه؟ يا لطفي.. خضيت رواء.
ثم نظر لها وأشار أن تأتي وتجلس بجواره لتطيع أمره، وضع كف يده على خصلات شعرها وقال بتنهيدة:
أنا مستحيل أخليك تزعلها.. فاطمة كانت بتحب رواء أوي كانت بتعتبرها بنتها اللي ماخلفتهاش.
غمغمت كوثر بهدوء بالرحمة عليها وعلى ابنها فأمن الجالسين.
لوى لطفي فمه بتهكم وهو يبتعد عنهم:
أنا خارج.. في مشوار مهم.
ثم أغلق الباب خلفه بضيق، جاءت توحيدة لتجلس بجانب أخيها وتربت على فخذه برضا:
الحمد لله إن يحيى جه بالسلامة.
خرج يحيى من الحمام الملحق بغرفته وهو مرتدي بنطال وفوقه تيشرت أسود وعلى رأسه فوطة يجفف بها شعره.
انتبه له فارس المُمدد على الأريكة.
توقف يحيى عن السير لتقع الفوطة تلقائياً من بين أصابعه وشعر بالدوار قليلاً ثم ترنح.
لينهض فارس ويمسكه، أجلسه على الفراش وأنحنى قليلاً ليرفع ساقيه ويضعها على الفراش.
سأله فارس بقلق:
أنت متأكد إنك كويس؟
أغمض يحيى كلتا عينيه ورد عليه بتعب:
أنا بقالي يومين مانمتش.
جثى فارس على ركبتيه وأراح ذراعيه على السرير وظل يدقق النظر بجسد يحيى فأجابه بتعب جلي وهو يحرك يديه بهدوء:
أنا كويس يا فارس.. النوبة ما جت. سيبني أنام بقى.
لم يرد الضغط عليه خاصة أنه محتاج للنوم.
نهض فارس وخرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.
استيقظت مكية على صوت شقيقتها مريم توقظها برفق.
فتحت مقلتيها وأغلقتهم مجدداً أثر الضوء.
تحدثت مريم بجدية:
إنتي ماشبعتيش نوم؟ الدنيا مقلوبة عليكي.
نهضت مكية بعدم فهم ثم قالت بدهشة:
الدنيا مقلوبة عليا! وأنا عملت إيه؟
جلست مريم على طرف السرير وقالت بسرعة:
إنتي نسيتي يا مكية إنك اتخطفتي وعشان إنتي مشهورة بقا طلعتي ترند ودلوقتي القنوات عاوزة تكلمك عشان تعرف الحقيقة.
قاطعتها بعدم تصديق:
إنتي بتتكلمي جد؟ أنا فعلاً طلعت ترند.
دلف مودة ممسكة بيدها هاتف وهمست لمكية في أذنها:
المذيعة اللي على قناة (..) عاوزة تكلمك خلي بالك إنتي على الهوا.
التقطت الهاتف من شقيقتها بسرعة ممزوجة بلهفة فغيرت نبرة صوتها للتعب:
السلام عليكم.
أجابتها المذيعة بابتسامة رضا:
مكية.. مكية إنتي سامعاني.. أولاً حمد الله على سلامتك ممكن تقولي لنا وتقولي لفانزك صحتك أخبارها إيه؟
أردفت مكية بنبرة تعب خفيف:
أنا بخير وشكراً لكل الناس اللي قلقت عليا وسألت عليا في غيابي.. طب ممكن أقفل عشان في قناة تانية عاوزة تكلمني.
رمقت مريم شقيقتها مودة ببلاهة ثم ألقوا نظرة عدم حيلة على مكية الكاذبة.
فأكملت المذيعة حديثها برفض بصوتها الجاد:
معلش مش هاأخرك بس طمنينا.. الناس اللي خطفتك ليه؟
عاودت مكية الجلوس على الفراش وقالت بخبث:
ناس لابسة ماسك أسود.. خطفوني وأنا خارجة من الكورس والدكتور شافهم وحاول يخلصني بس الكثرة تغلب الشجاعة وخطفونا إحنا الاتنين وبفضل ربنا ودعوات حضراتكم رجعنا بسلام.
أومأت المذيعة رأسها واستأنت بتفهم:
ألف سلامة عليكي وعان إنتي بنت حلال ربنا وقفلك ابن حلال يحميكي.. أنا سعيدة إنك بخير وحمد الله على سلامتك تاني.
أنهت مكية حديثها مع المذيعة بوء حتى أغلقت الهاتف وبدأت في القفز وهي تردد بسعادة:
أنا طلعت ترند.. الناس بتحبني وقلقانين عليا وبيسألوا عليا.. أنا فرحانة أوي.
دلف أشرف وهالة إلى الغرفة بضيق، ثم نهرها والدها بتهكم:
إنتي ما اتعلمتيش حاجة خالص من الدرس اللي فات.. بقيتي كدابة يا مكية.
هدأت ملامح وجهها وأردفت بتريث:
دي الحقيقة يا بابا.. أنا مابكدبش.
صاح أشرف بغضب:
لا بتكدبي.. إنتي عكستي الآية الناس اللي خطفوكي مش كانوا عاوزين يخطفوكي كان السبب الأول هو الدكتور يحيى وإنتي اللي قربتي منه وصوتي فاهما ماكنش قدامهم حل غير إنهم يخطفوكي.
جلست على طرف الفراش وقالت بملل:
مش هتفرق يا بابا.. المهم إننا رجعنا بالسلامة.
سحق أسنانه من ثرثرة ابنته وغرورها فقال بوعيد:
طيب يا مكية.. اعملي اللي عاوزة تعمليه وخلي النت حاجة مقدسة عندك بس أنا في يوم هفقد أعصابي عليكي ومحدش هيرحمك مني.
لم ينتظر منها رد وخرج وأغلق الباب خلفه.
حدجتها هالة بتهكم:
إنتي لسه هتبطلي قلة أدبك دي أبداً.. والله لو أبوكي في يوم ضربك ما هحوش عنك عشان إنتي تستاهلي.
خرجت هي الأخرى من الغرفة فرمقت مكية شقيقاتها وأردفت بسخرية:
وإنتوا كمان ماعندكوش شوية تهذيب ليا.. بقولكم إيه اخرجوا برا أنا مش طايقة نفسي.
خرجت مريم لأنها تعرف ستدخل في جدل عقيم مع شقيقتها ولكن مودة وقفت أمام شقيقتها واستفزتها في قولها اللاذع:
ليكي حق ما تطيقيش نفسك بالوحمة اللي في وشك.. عارفة كأنك غوريلا يا مكية.. يا بنتي أنا بقرف من شكلها عليكي. تخيلي في حد هيحبك بيها؟ .. أنا لو مكانك أعمل عملية تجميل وأشيلها أو البس نقاب عشان محدش يشوفها.
رمشت مكية بجفني عينيها ثم نظرت لشقيقتها وأردفت بتنهيدة حزينة:
أنا مش غوريلا يا مودة.
رمقتها بتشفي قبل أن تخرج وتقول باستفزاز أكبر:
واضح فعلاً.
أغلقت مكية الباب وأراحت ظهرها عليه تلقائيا العبرات تدحرجت من مقلتيها وشعرت بأن أناتها سترتفع فأبتعدت عن الباب وأقتربت من التسريحة.
جلست على المقعد تطالع نفسها أمام المرآة فلمست الوحمة التي أسفل عينها بحزن وقالت بتمني:
يااااه لو ما كنتيش موجودة.. أو حتى كنتي في حتة تانية بس مش في وشي.
في المرحلة الإعدادية لمكية، كانت الفتيات والفتيان يتمازحون في فصلهم قبل دخول المعلم وكانت مكية جالسة بجوار تسنيم رفيقتها يتحدثون في موضوع آخر ليأتي فتى ويقول باستفزاز:
هي أمك اتوحمت عليكي في إيه؟
أجابته مكية بحرج شديد وصوت خافت:
لحمة راس.
اتسعت أعين الفتى فتابع بسخرية أكبر وصوت عالي لكي يسمع الفصل:
يا جماعة البت دي أمها اتوحمت عليها على لحمة راس.. عشان كده شكلها وحش وأسود وفيها شعر.. شكلها وحش أوي.
صرخت به تسنيم بغضب:
وإنت مالك.. بتتريق على خلقة ربنا ليه؟.. خليك إنت في حالك.
هز رأسه بنفي ووجه حديثه لمكية:
خليكي إنتي على جنب يا تسنيم.. أنا بكلم أم وحمة سودة.
أقترب فتى آخر وأردف بسخرية:
ما تبطل تتريق عليها.. ممكن تكون مراتك لما تكبر.
رمقه بغضب ثم هتف بصوت صارم:
إنت اتجننت.. أنا أتجوز دي.. ده الشعر اللي في وحمتها أكتر من شعر شنبي.
ترقرقن العبرات بأعين مكية لتترك لنفسها العنان في البكاء من الموقف المحرج الذي سببه لها.
جلست على مقعدها وأخفضت بصرها ولم ترد عليه.
كذلك هو ورفيقه ذهبوا بعيداً عنها.
ربتت تسنيم على ظهر رفيقتها وأردفت:
ما تعيطيش يا مكية.. هما بيسفزوك والله.
ثم جففت عبرات رفيقتها وطول اليوم وتسيم تهدئ مكية إلى أن افترقت لطريقها.
عند دخول مكية المنزل صرخت ببكاء:
أنا وحشة.
ركضت إليها هالة بعد أن سمعت صوتها من المطبخ وقالت بتريث:
مالك يا حبيبتي.. ليه بتقولي على نفسك كده.. إنتي جميلة أوي.
ارتمت مكية في حضنها وردت عليها بصوتها الباكي:
لا يا ماما أنا وحشة كلهم بيقولولي كده في المدرسة.. ليه يا ماما اتوحمتي عليا على لحمة الراس وإنتي مابتحبيهاش وبابا ليه مش جابها لك.. أنا ذنبي إيه أعيش حياتي وحشة زي الغوريلا.
ربتت هالة على ابنتها وحدثتها بهدوء ولكن الحزن انتصر على نبرة صوتها:
إنتي مش غوريلا يا مكية إنتي قمر من جوا ومن برا يا حبيبتي.. إنتي ربنا زودك على زمايلك بحاجة.
أكملت مكية حديثها بحزن:
أنا مش زايدة عليهم بحاجة بالعكس أنا ناقصة عنهم.. أنا لما أكبر هعمل عملية تجميل.
لم تعرف هالة بماذا تفعل لابنتها سوى التربيت على ظهرها لكي تهدأ.
أفاقت مكية من شرودها بحزن ثم نهضت وحاولت طرد تلك الذكريات التي تنغص عليها أيامها فتذكرت القميص الذي أعطاه لها يحيى فأسرعت بالخروج للبلكونة التي في غرفتها.
وأخذته من الحبل لتتأكد أنه جف ودلفت للداخل مجدداً.
قامت بطيه وأدخاله في خزانة ثيابها، همست بتهكم:
أيفوني سرقوا الحرامية يا خسارة.
ثم أحضرت اللاب الخاص بها وجلست على الفراش تعبث به وتتحدث لتطمئن الناس الذين انتابهم القلق بشأنها.
بعد مرور ثلاثة أيام تحسنت حالة كل من يحيى ومكية، كان فارس ينقل له الأخبار عن المزرعة بينما لطفي مستمر بإرسال المواد المسممة للخضار والفواكه معتقداً بأنه يتم رشه على النباتات ولم يحدث ذلك سوى مجاراة لأفكاره الدنيئة وحتى يقع وقعة لا يقوم لها.
في مكان آخر كان يحيى جالس فوق السيارة وينظر للأرض بفراغ بدون مشاعر ظل لقرابة الساعتين وهو محدق بالأرض وبدون أي كلمة.
تنهد بثقل ثم قفز وأستقل سيارته وتوجه بها للعمارة التي يمكث بها أحياناً.
تحدث بجدية وهو يخرج من السيارة:
أنا وصلت أهو.. ثواني وأكون عندك.
دلف لداخل المصعد وارتفع للطابق السادس قام بفتح الباب وتركه مفتوح ليتوجه إلى غرفة نومه وألتقط بحقيبة كبيرة وفتحها ثم فتح خزانة الملابس.
وبدأت في وضع ثيابه بها بدون اكتراث.
سمع صوت شاب بالخارج يقول بصوت عالي:
أستاذ يحيى.. أنا والرجالة وصلنا.
رد عليه وهو مستمر بوضع ثيابه بالحقيبة:
ادخل وشوف شغلك اللي فهمتهولك.
بعد انتهاء يحيى من وضع الثياب أخذ الحقيبة وجرها متوجها للخارج.
سمعت مكية بالصوت العالي فأسرعت كي ترى يحيى وعند فتح الباب.
تفاجأت به ممسك بحقيبة سفر كبيرة، هتفت بقلق:
إنت رايح فين؟
قبل أن يرد عليها خرج فارس من المصعد وأسرع في خطواته إليه ليتفاجأ هو الآخر ثم ردد بدهشة:
إنت واخد شنطة هدومك ورايح على فين؟ إنت صحيح هتسافر؟
رواية أقبلني كما أنا الفصل السابع 7 - بقلم فاطمة الزهراء
رمق يحيى ابن خاله بدهشة على حديثه، في من أي أتى بذلك الهراء؟ ليقول متعجباً: أسافر!! أنت جبت الكلام ده من فين؟
تابع فارس حديثه بتلقائية: خالي لطفي.. ده حتى خالي عاصم صدق وكان جاي معايا بس أنا رفضت.
ربت يحيى على كتف فارس ثم قال بغضب حاول أن يخفيه: ده اتجنن رسمي.. وهو ليه أصلاً يقول حاجة زي كده؟
رفع فارس كتفيه قليلاً كحركة لعدم معرفته، ثم سأله بفضول وهو يلقي نظرات على حقيبته: أمّا أنت واخد شنطة سفر كبيرة وعلى فين والناس اللي بتخرج من شقتك بالعفش هيروحوا فين؟
أستنشق يحيى دفعة من الهواء وتابع قوله بعزم: هغير الشقة اللي ساكن فيها.. هقعد تحت في الخامس.
عبس وجه مكية، لم تعرف ما سبب انقباض صدرها، فقالت بتساؤل: ليه؟
نظر يحيى في وجهها ثم قال بسخرية: عشان الشقة دي فيها عفاريت.
لوت فمها بحنق ودلفت شقتها بهدوء. تابع فارس حديثه ليحيى بعد أن دخلا في المصعد: ليه يعني اللفة دي كلها؟
ضغط يحيى على الزر وأستأنف بتنهيدة طويلة: الدور الخامس فيه شقتين، واحدة لدكتور بس عايش هو ومراته وولاده في السعودية، وشقة فاضية أنا هسكن فيها.
جزّ فارس على أسنانه وقال بنفاذ صبر: أيوة، يعني ليه؟ ما أنت كنت عايش في الشقة اللي فوق، إيه اللي فرق يعني؟
فتح باب المصعد، فأمسك يحيى بالحقيبة وتوجه إلى الشقة التي سيمكث بها وتابع بجدية: عشان عاوز أكون لوحدي.. مش عاوز جيران.
كان باب الشقة مفتوحاً للعمال التي تقوم بنقل الأثاث ووضعه. أدخل فارس حقيبته وخرج على عجالة ليقول لفارس بلهجة آمرّ: إحنا محتاجين نتكلم بس مش هنا ولا في المزرعة.. أنا دلوقتي رايح المشتل.
أسرع فارس بالقول بأبتسامة: موافق عشان أقطف وردة لرواء.
أردف يحيى بسخرية: وردة! أنت قديم أوي.. يلا يا فارس.
***
في مكان آخر، حيث موجود به لطفي وشيبوب والثلاث شباب مكتفين بأحكام على الأرض.
هتف لطفي بغضب: هما دول الثقة يا شيبوب.. واحد قدر على تلاتة وهرب.
لوى شيبوب فمه بحنق ولم يرد عليه. فواصل في الصراخ بهم: ما تنطقوا.. دلوقتي اتخرستوا.. انتو فتحتوا على نفسكم نار جهنم.
فأمسك بالكُرباج وبدأ في ضربهم بعنف، لم يلين قلبه والتوسل له بل زاد في ضربه حتى نزف جلده.
لذلك الوقت شيبوب لم يقل شيئاً، سوى مستمر بإلقاء نظرات ضيق عليهم، ليصدر صوته ببرود: كفاية يا لطفي.. طالما زعلان إنهم ما قدروش يقتلوه.. اتصرف أنت.
ألقى بالكُرباج جانباً ليقترب من شيبوب ويقبض على رقبته بغطرسة: أنت عارف حصل إيه لما هرب يحيى؟ أول حاجة عرف إنه مخطوف في المزرعة القديمة، والتانية والأهم أكيد اتأكد إن أنا ورا دي.
وهو مش هيسكت هو وعاصم.. ممكن يعرفوا إني أنا اللي قتلت مراته وابنه ومش بعيد يحيى يقتلني، ده عايش عشان ياخد تارهم.
سأله شيبوب بأنتباه كبير: طب وأنت هتعمل إيه؟ وأفرض عرفني أنا كمان ممكن يقتلني؟
أردف لطفي بنبرة تأكيد ممزوج بعزم: أنا هتغدا بيه قبل ما يتعشا بيا.. هقتله هو وعاصم.
***
بمشتل ورد (يحيى القاضي)
كان إيه في الجمال طويل عريض مغمر بالزهور العطرة أصناف وأشكال وألوان، المكان المفضل له. تم تخطيط عدة خطوات للإيقاع بلطفي وأعوانه الذين يريدون وقوع المزرعة، ولكن أصروا على الكتمان حتى لا يعرف أحد.
أردف يحيى بجدية: أنا هبقى أقول لأبويا إنه ما يجيبش سيرة لحد.
أومأ فارس رأسه ثم سأله: طب والباشمهندسة اللي رفدتها واتخانقت أنت وجوزها؟
أراح يحيى ظهره للخلف ثم شبك أصابعه خلف رأسه ليقول بضيق خفيف: غصب عني والله، أنا مابحبش أقطع عيش حد.. بس هي كانت المفروض قالتلي أنا مش تروح تقول لجوزها ويجي يخبط في الكلام عليا وأنا كنت ما أعرفش حاجة لسة.
أكمل فارس الحديث بشك: طب سيبك من الباشمهندسة هي وجوزها.. أنا عاوز أعرف إيه السبب اللي خلاك تنزل في الشقة اللي تحت، أنا مش مقتنع باللي قلته.
وقف يحيى ونظر للورد بشرود: قصدك إيه؟
وقف فارس بجانبه ورد عليه بتلقائية: أنا حاسس بخصوص مكية أم وحمة البت المشهورة دي.. لأ وكمان بتاخد كورس عندك.. بقولك إيه انتوا عملتوا إيه لما اتخطفتوا؟ إزاي عرفت تقعد معاه؟
نظر يحيى قابله وقال بجدية قاتمة: يعني أنا مثلاً هخاف منها فهروح أغير شقتي اللي في وش شقتها.. أو هرفض أحميها من الناس اللي كانوا عاوزين يعتدوا عليها عشان الوحمة.. أنت أهبل يا فارس.
عض فارس على شفتيه بحنق عندما قال بسخرية: أنا أقصد إن الوحمة اللي في وشها مش حلوة.. هي عموماً مكية شكلها حلو بس الوحمة بوظت كل حاجة.. أنت عارف إن كل اللي بيدعمها ليس إلا شفقة.
هز يحيى رأسه بتأكيد وموافقة على حديثه، فتابع فارس الكلام بتقزز: تخيل لو حد حبها.. هيحبها ليه؟ ده فوق ده كله الغرور والتكبر اللي فيها مش عارف على إيه.
تغيرت قسمات وجه يحيى للغضب ليلاحظه فارس، فتدارك نفسه وقال بمزاح مصطنع: أنت اتعصبت ليه؟ ده أنا بهزر.
هتف به بغضب واضح: ده مش هزار يا فارس، لما تتريق على شكل حد في حاجة هو مش مسؤول في خلقها، أنت كده بتتريق على خلقة ربنا وماتربتش.
تعجب فارس من حديث يحيى ليقول بتريث: أنا بفك معاك بكلمتين وأنت إيه اللي عصبك لكل ده؟
لم يعرف بماذا يرد عليه، فأردف بتهكم: لازم حاجة تعصبني يعني؟.. إحنا مش اتكلمنا في موضوع لطفي.. خد لك وردة واديها لرواء وحل عني.
امتدت يد فارس تلقائياً إلى أحد أنواع الزهور الجميلة، فأسرع يحيى بالرفض: ايدك يا فارس.. إلا الأوركيد دي غالية ونادرة.
رمقه بنفاذ صبر، فأقترب من نوع تاني ليهتف يحيى بنفي قاطع: أنت اتجننت يا فارس، عاوز تقطف وردة من الورد الجوري.
جزّ على أسنانه ليقترب من نوع آخر، فحذره يحيى: طب جرب إنك تقطف وردة من التوليب هي واللافندر عشان أقطع رقبتك وأعملها زهرية.
أبتعد فارس عن ذلك الجزء بحنق ليمد يده إلى وردة أخرى، ولكن صوت يحيى يوبخه: استهدى بالله وأبعد عن الأمارلس هي والليلك اللي جنبها وكمان عود الصليب.
رمقه بتعجب ثم قال بعدم تصديق: عود صليب! أنت بتحور عليا.
أرد عليه يحيى بنبرة جدية: هحور عليك في إيه؟ اسمها وردة عود الصليب أو الفوانيا والجذور أهم منها عشان بتستخدم في العلاج.
التفت فارس مجدداً وظل ينظر للزهور حتى لمح زهرة، وقبل أن يمد يده كان يحيى واقف بجانبه يقبض على يده ويقول بنفي: كله إلا الوردة دي.
لوى فارس فمه بغيظ ثم أردف بسخرية: أشمعنى؟
أجابه يحيى بنبرة جدية: عشان دي زهرة النرجس مش أي حد يقطفها.
اتسعت حدقتي فارس ليستأنف حديثه بعدم تصديق: في إيه يا يحيى؟ هو أنا كل ما أقرب من وردة تطلع لي فيها القطط الفاطسة.. طب أنا عاوز وردة لرواء.
وضع يحيى يده على كتف فارس ثم قال بملل ممزوج بسخرية: أنا اللي أعرفه إن العاشق مابيقطعش الوردة عشان هتدبل، هو بيسقيها عشان تكبر وماتمتش.
رفع فارس حاجبه للأعلى وأردف بنفاذ صبر: أنا ماليش في الكلام ده، أنا عاوز وردة لرواء.
تلفت يحيى إلى جانبيه ثم أقترب من الزهور الحمراء وقام بقطف واحدة ليمدها لفارس بأبتسامة: أحلى وردة بلدي.
أخذها منه على مضض ثم قال بتأفف: اشمعنى الورد البلدي؟
ابتسامة عريضة ظهرت على وجه يحيى ليقول بسخرية أكبر: لما الورد البلدي يهل كل الورد يخاف.
فتح فارس بكلتا عينيه، فتابع يحيى كلامه بجدية: عشان باقي الورد نادر والأغلبية منه مش موجود في مصر.. فهمت يا أبو الفوارس.
أومأ فارس رأسه وأستأذنه في الرحيل: طيب يا عم الرومانسي أنا همشي.
خرج فارس من المشتل ومعه الوردة الحمراء. بدأت أعين يحيى بالنظر على الزهور التي يعشقها ليتذكر موعده في السنتر. ارتدى سترته وخرج هو الآخر ثم استقل سيارته وأبتعد بها.
***
في سنتر (يحيى القاضي)
عندما وصلت مكية أخبرت الجميع بأمر خطفها وأنقاذ الدكتور الشهم لها. لم تعبأ بالكذب التي اعتادت عليه، كذلك كان غايتها لتظهر معه على وسائل التواصل الاجتماعي بأمر منقذها ستزيد نسبة المتابعين له. في غضون ساعة وصل يحيى وقال بنبرة سريعة وهو يضع أغراضه على البنش الكبير: أسف يا شباب على التأخير، والله ما كنت عاوز أجي.
كبت بعض الطلاب الضحك في جوفهم، ثم قبل أن يبدأ بالشرح نهضت فتاة وأردفت بأبتسامة: ألف سلامة على حضرتك يا دكتور.. مكية قالت لنا على كل حاجة.
رمق يحيى مكية نظرات ليجدها تخبأ رأسها بالكتاب فسألها: حاجة إيه؟
أكملت الفتاة حديثها بنبرة تلقائية: إن حضرتك أنقذت مكية من الخطف عشان هي مشهورة بقى وأتمسكت فيها والعصابة خطفتكم انتوا الاتنين.. حضرتك ممكن تطلع لايف مع مكية عشان الناس تشكرك كله.
لأدرك يحيى بأن مكية كذبت عليهم، فصاح وهو يقترب من المقعد الجالسة عليه: لا والله!
شهقت مكية لتنهض بفزع ثم قاطعته بصوت هامس راجي: أبوس إيدك ما تفضحنيش قدامهم.
ظل يرمقها بغضب لتواصل همسها: ماهيصدقوا ويمسكوا عليا ذلة وهتفضح.. أبوس إيدك.
تنهد يحيى ثم مسح على ذقنه وارتد للخلف قبل أن يقول بضيق خفيف لمكية: أنا مش منبه عليكي ماتقوليش لحد.. أنا مابحبش أظهر في السوشيال ميديا.
خطرت برأس مكية فكرة ثم قالت بحماس وللتو نست كل شيء: إزاي يا دكتور مابتحبش تظهر على السوشيال ميديا.. حضرتك ممكن تطلع لايف معايا والفلورز هيزيدوا عندي وأكيد عندك.. إيه رأيك في الفكرة دي؟
رمقها بغضب شديد لأنها لا تتعلم من أخطائها والكذب الذي لا ينتهي، فهتف بها بحنق: وأنا إيه اللي يجبرني أظهر معاكي على النت؟ أنا مش فاضي للكلام الفارغ ده عندي حاجات أهم.
استفزته مكية في القول: إيه رأي حضرتك نعمل اتفاق واللي يكسب يحكم على اللي خسر بأي حاجة عاوزها؟
صفر الشباب وسقفوا على فكرة مكية معلنين الموافقة، ليهتف بهم يحيى كي يصمتوا: بسسس.. أنتو بتسقفوا على إيه؟ أنا مش موافق.
نطقت مكية بأستفزاز أكبر: حضرتك مش هتوافق عشان عارف إني هكسب مش كده؟
جلس على البنش الذي بجانب الشباب وسألها بسخرية: إيه هو الاتفاق الأول؟
ربعت مكية ذراعيها إلى صدرها وأجابته بثقة: مش هنختلف كتير.. الاتفاق هيكون هنا في الكورس واللي هيحكم الشباب والبنات وهيكون بين مين اللي يشرح أحسن في التنمية البشرية.
حدجها يحيى بعدم تصديق ليبدأ في الضحك الشديد لينطق بصعوبة: بعيد عن كل المجالات اللي ممكن تنافسيني فيها.. مالقتيش غير كاريزماتك.
ضحك الحاضرين على بلاهة مكية، فتابعت حديثها بثقة أكبر: ها يا دكتور حضرتك موافق؟
وقف يحيى عن الضحك وقال بسخرية: موافق مش عشانك لأ عشان أضحك وأضحك الكل عليكي.
حدثت نفسها بجدية: مش مهم الشرح المهم إني الكل هيختارك عشان انتي مشهورة.
ارتفعت نبرة صوتها: المحاضرة اللي جاية يا دكتور لما أفوز حضرتك هتطلع لايف معايا إنك أنقذتني.
قرب وجهه منها وأردف باستهزاء: لما!! .. ده انتي واثقة من نفسك.. طب ده حكمك انتي.. أنا بقا حكمي هيكون إيه؟
حركت رأسها ليتحرك شعرها وردت عليه بدون اهتمام: اللي يريحك.
ابتسم يحيى ثم قال بجدية كبيرة: ماتجيش تعيطي في الآخر.
هزت رأسها بنفي ليستأنف يحيى بتفكير: لو انتي اللي كسبتي الرهان أنا هطلع لايف معاكي ودي كلمة راجل، ولو أنا فوزت هتخدميني لمدة شهر اللي أقولك عليه يتنفذ بدون أي نقاش.
أومأت مكية رأسها برأسها باستهتار: أنا موافقة وده وعد مني.
زادت ابتسامة يحيى ثم نهض وقال بصوت عالي: جهزوا نفسكم يا شباب.. المحاضرة الجاية أنتو اللي هتكونوا الحكم.
صفر شاب ما وباقي الشباب صفق بالموافقة. أقترب يحيى إلى مجلسه وصاح بجدية: هبدأ في شرح محاضرة النهاردة وهي إزاي تحقق أهدافك في الحياة.. أي إنسان عايش على الأرض ربنا منحه بموهبة وقدرة، مافيش حد اتولد سادة، لما تكتشف وتغوص جوا نفسك هتلاقي مواهب بس استغلها صح وماتخليش حاجة تعطلك عنها.
أوقفته مكية بسؤالها: زي إيه يا دكتور اللي يعطلنا عنا تحقيق أهدافنا؟
خلع نظارته وأجابها بثقة: زي التعليم.
دهش من بالقاعة ليكمل هو بتلقائية: اتصدمتوا ليه! أنا أهو اتعلمت واتخرجت واخدت ماجيستير ودكتوراة كمان، ولحد دلوقتي ماعرفش إيه اللي استفدتوا من مغامرات أعماق البحار لما أماني ضاعت وعقلة الإصبع بيدور عليها وفي الآخر طلع حلم، ماعرفش إيه اللي استفدتوا من حشائش السافانا وحشائش الأستبس في الدراسات، أنا مالي بأن ورد المنى ونور الصباح كانوا بيغيروا من شجرة الدر، استفدت لما عرفت أن أوليڤر تويست عاقبوه عشان عاوز أكل زيادة إيه اللي استفدته لما لما طه حسين كان بيخاف ينام مكشوف الوش عشان خايف من العفريت ولا إنه كان بيخاف من كوابيس مرات سعيد عشان كانت لما تبوسه تجرحه من الحلق اللي في مناخيرها كمان لما سافر ومش عارف صوت قرقرة الشيشة ولما أخوه بالليل يسهر مع أصحابه ويسيبوه لوحده، ولا مي والعقاد اللي مصدوم من موتها ولا شغل التلقيح بين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم و.. اللي خده خليل مطران من حبيبته وجه عندنا في الإسكندرية وتعب أكتر منها.
فجأة تكتشف إنك ضيعت سنين من عمرك مطلوب منك تعوضها في اللي جاي، أوعى تخلي التعليم يعطلك عن مستقبلك.
أنهى حديثه وهو مستمر بالنظر على مكية. صفق القاعة بذهول واعجاب على حديث يحيى، فأكمل طالب الحديث بجدية: بس يا دكتور لازم نداري على شمعتنا عشان تقيد، في ناس بتستكثر الفرحة والنجاح.
نظر له يحيى وأيده في قوله: إحنا مش بنحب نقول أحلامنا للناس، إحنا عاوزين نوريهم ونثبتلهم إننا نقدر ننجح.
اعترض الطالب ليستطرد بفتور: أنا ما قصدتش كده، أنا أقصد إن في حسد حضرتك مؤمن بيه.
أومأ رأسه ثم نطق بجدية: أكيد مؤمن بالحسد، الرسول صلى الله عليه وسلم اتحسد ونزلت سورة الفلق لكده، بس في ناس مقتنعة إنها محسودة والناس بتغير منها وبتعمل مناورة عليهم.. طب اعملوا حاجة عدلة عشان تتحسدوا عليها.. مافيش فيهم رجالة.
سلط أنظاره على مكية، حتماً كانت ستنصهر من الحرج، قال بعزم: المحاضرة خلصت يا شباب، معادنا المحاضرة عشان الرهان.
نهضت الشباب والفتيات يتهامسون على المناظرة الأكثر من الرائعة. أسرع يحيى بالخروج ولكن أوقفته مكية: لو سمحت.
التفت إليها لتتغير معالم وجهه للسخرية: أهلاً بالناس الكدابة اللي بتعرف تغير نفسها زي الحرباية.
جزّت مكية على أسنانها ثم قالت بهدوء: كنت عاوزة أشكر حضرتك إنك ما فضحتنيش قدام الكل، حضرتك محترم وخلوق وما شوفتش في أخلاق حضرتك.
ابتسم لها باستهزاء وأردف بحنق: إنتي اللي لسة ماتعرفنيش، بس والله.
ثم تحرك خطوتين وعاد لها ليقول باستفزاز: ماترجعيش تعيطي لما تخدميني.
ثم ابتعد عنها وهي تطالعه بنظرات تعجب، لتختفي هي من السنتر وتتوجه إلى منزلها.
***
في (ڤيلا عاصم القاضي)
علم عاصم بأمر الوردة التي أحضرها فارس لأبنته رواء، بما أنه يتلكك بالخناق والشجار أخبر بضرورة قدوم فارس هو ووالدته، وبالفعل حضر وكان الجميع مجتمعين. تحدثت توحيدة بقلق: في إيه يا لطفي انت جمعتنا ليه؟
التفت الجميع لمصدر صوت الباب الذي فُتح وكان يحيى يدلف بلامبالاة. أمره لطفي بعصبية: تعالى اقعد جمب صاحبك، ما أنتو مربطينها سوا.
عبس وجه يحيى ثم اقترب وجلس بجوار عمته ليقول بحدة خفيفة: إيه اللي مربطينها سوا دي؟
يصرخ لطفي بغضب وهو يشير لفارس: الباشا بعت وردة للهانم رواء اللي مستغفلة أبوها.. ربي ابنك يا توحيدة.
وقف فارس ثم حدث خاله بغضب خفيف: لا يا خالي أنا متربي، أنا ما أجرمتش لما بعتلها الوردة، هو أنا كنت اتجوزتها عرفي وهربنا.. انت ليه رافض جوازنا؟
صفعة قوية هوت على وجنة فارس لينهض عاصم ويهدر به: إيه اللي انت هببته ده.. أنت محسسني إنه قتل بنتك.. فارس متربي.
أحتضنت توحيدة ابنها ونظرت لأخيها بعتاب، ثم تابع لطفي بغطرسة: اخرج برا أنت وأمك يا فارس.
وقف يحيى قابله عمه وهتف بضيق: عمتي وفارس مش هيخرجوا، ده بيتهم.
همست رواء ببكاء لوالدها: يا بابا حضرتك مش فاهم الموضوع.
رفع لطفي يده عالياً ليصفع ابنته، وقبل أن تلمس وجنة رواء كان يحيى ممسكاً بمعصمه.
رواية أقبلني كما أنا الفصل الثامن 8 - بقلم فاطمة الزهراء
لا يزال يحيى ممسك بمعصم لطفي ثم أردف بغضب دفين:
رواء وفارس ما غلطوش.
ترك معصمه بعنف فتابع لطفي الصراخ:
غلطوا ولا ما غلطوش، أنا مش عاوز أشوف وش فارس لا هنا ولا المزرعة أو أي مكان.
وابعد عن بنتي.
أنزعجت توحيدة من أخيها فقالت بغضب:
انت إزاي تمد إيدك على ابني.. يلا يا فارس أنا مستحـقـ...
قاطعها يحيى بجدية وهو يقترب منها:
مستحيل أسيبك تمشي يا عمتي انتي وفارس.
للحظة هذه وعاصم لم يتكلم بأي شيء أو يفض المنازعة، لينهض أخيراً ويقول بعصبية:
البيت بيتي أنا يا لطفي، مش من حقك تقول لمين يدخل ومين يخرج.. وبخصوص فارس فهو اتقدم لك أكتر من مرة وأنت اللي رافض.. يعني ما غلطش ولا أجرم.
عصر لطفي على أسنانه ثم أردف بتهكم ساخر:
معاك حق في اللي قولته، أنا فعلاً مش حر في إني أقول مين اللي يدخل ومين اللي ما يدخلش للڤيلا.. بس حر إني أرفض فارس لبنتي.
دفعت توحيدة ابنها للأمام ليذهب، وأستطردت بحدة خفيفة:
يلا يا فارس من هنا.
ثم عاودت النظر لأخيها الكبير وقالت بحزن:
أنا في بيتي يا عاصم، هيفضل مفتوحلك.
أسرع عاصم بالإمساك بذراع شقيقته وتوسل لها:
استني بس يا توحيدة.. انتي تايهة عن لطفي وعن عمايله.
أبعدت يده برفق وطالعته ثم قالت بهدوء:
أنا عارفة لطفي كويس، بس أنا عاوزة أروح بيتي.
أدارت جسدها مجدداً وخرجت بعد ابنها، أسرع يحيى باللحاق بهم ولكن كانوا الأسرع بالذهاب، استقل سيارته وتبعهم ليتوجه لمنزل عمته.
آجهشت رواء بالبكاء في حضن والدتها، ثم نهضت ودلفت لغرفتها قبل أن يعنفها والدها، أردفت كوثر بضيق:
ليه يا لطفي بتعمل كده.. فارس متربي معانا.
حدجها بغضب شديد ليسرع عاصم بالرد بنبرة غاضبة:
أنت زودتها قوي.. كل ده بيتحوش لك يا لطفي، في مرة هطلع القديم والجديد عليك ومش هرحمك.
نظر لطفي لزوجته وقال بفظاظة:
روحي انتي يا كوثر شوفي رواء وأنا عاوز أتكلم مع أخويا.
ابتعدت عنهم ثم دلفت لغرفة ابنتها على مضض، لينظر لطفي لعاصم ويردف بجمود:
قصدك إيه بالقديم والجديد يا عاصم.. أنا رافض جواز فارس ورواء عشان شايف مصلحة بنتي مش معاه.
حدق به عاصم لبرهة وقال بجدية:
وشايف مصلحتها مع مين؟
ابتسم عاصم بخبث وواصل حديثه اللئيم الذي خرج من فمه:
يحيى.. يا عاصم يا أخويا، أحنا نجوزهم لبعض حتى عشان نضمن فلوسنا ما تروحش لبعيد.
تيقن عاصم من الحديث الذي قاله لطفي ثم استأنف حديثه بأستهزاء:
فلوسنا!!! ... قصدك فلوسي يا لطفي، ما تخلطش الكلام على بعضه.. المزارع والفلوس هتروح لأبني بعد ما أموت.. يحيى فعلاً بيحب رواء بس كأنها أخته الصغيرة.
تيقن لطفي على أسنانه وابتسم ابتسامة صفراء، فاستأذن:
طب عن إذنك يا عاصم.
خرج لطفي من الڤيلا وهو يغمغم بالوعيد وأقسم بأن يسلب ثروة أخيه حتى وأن كلفه الثمن القتل.
خرجت مكية من المصعد بشرود لتتوقف أمام باب شقتها، تنهدت وألقت نظرة للشقة التي خلفها، سألت نفسها لماذا قرر يحيى المغادرة، لماذا وافق على الاتفاق، لماذا ولماذا.
أخرجت من حقيبتها الصغيرة المرصعة بالاكسسوارات مفتاح الشقة وقامت بفتحه ودلفت لتجد والدتها تشاهد التلفاز وشقيقاتها، مريم ممسكة بالكتاب وتراجع دروسها ومودة تعبث بالهاتف.
نظرت لها هالة ثم قالت بجدية:
تعالي يا مكية أقعدي معانا.
اقتربت وجلست بجوار مريم لتقول بتساؤل:
امال فين بابا؟
أجابتها هالة بنبرة هادئة:
خرج من شوية.. انتي كُلتِ؟
أومأت برأسها وقالت بجدية:
آه كُلت شاورما.
تابعت هالة سؤال آخر لمكية:
انتي إمتى هتروحي الجامعة؟ مريم ومودة ابتدوا من زمان.
أراحت مكية ظهرها على الأريكة وأبتسمت في حديثها:
يا ماما أنا جامعة لما الجدول ينزل.
هزت هالة رأسها وواصلت بنبرة متفهمة:
بس يا مكية انتي في كلية تمريض عملي.
أمسكت بالريموت وتحدثت بملل:
حاضر يا ماما.. هبقى أشوف تسنيم.
ثم رمقت أختها مريم وقالت بحماس:
إيه أخبارك في الثانوية.. عقبال ما تجيبي مجموع عالي وتدخلي كلية الطب اللي ما قدرتش أنا أدخله.
رفعت مريم كفيها للأعلى وأردفت بدعاء:
آمين يااارب آمين.
تأففت مودة ثم قالت بأستفزاز:
خليكي دكتورة تجميل يا مريم وانتي هتكسبي دهب.. وأبقي عالجي البت اللي جنبك بدل منظرها اللي بيخوفني ويقرف ده.
ابتسمت مكية بأصطناع وردت عليها بوجع خفي:
لا أنا بحبها كدة يا مودة.. بقالك ١٦ سنة عايشة معايا ودلوقتي اللي عرفتي انها بتخوفك.
رمقت مريم شقيقتها مودة نظرات ذات معنى لتكف عن الشماتة بمكية ولكن لم تهتم فأكملت حديثها اللاذع:
انتي بتبرقيلي كده ليه يا مريم؟ مش دي الحقيقة.. والله شكلها وحش أوي بالوحمة.. عاملة زي الغوريلا أنا مش عارفة الناس اللي بتابعك على النت بيتابعوكي على إيه؟ أكيد شفقة.. طب لما تتجوزي هيصحى إزاي بمنظر الوحمة دي.. مش بعيد يطب ساكت ... ده إذا حد عبرك أصلاً.
غضبت مكية من ذلك الحديث فوجهت الكلام لهالة بغضب:
شايفة يا ماما؟
جزت هالة على أسنانها وهتفت بتهكم:
انتو مابتزهقوش.. عيب يا مودة تقولي على أختك كده.. وانتي يا مكية ماتبقيش حساسة وحمقية أوي، اختك وبتهازرك معاكي مش جديد عليها يعني.
نهضت مكية وقالت بضيق:
أنا داخلة جوا.
أمسكتها مريم من كفها وأردفت بتريث خفيف:
خليكي شوية يا مكية.. انتي النهار كله في الخروجات بتاعتك وبالليل في أوضتك.
أبعدت يده شقيقتها ثم قالت بنبرة ضيق حاولت أن تخفيه:
عاوزة أتكلم مع تسنيم على الجامعة.
ابتعدت عن أعينهم لتسمع مودة تزيد من نبرة صوتها بسخط:
عملت مقموصة وهتحبس نفسها في الأوضة وأنا اللي هطلع غلطانة قدامكم.
التفت لها ثم قالت بحزن والدموع في مقلتيها:
أنا داخلة في أوضتي عشان ماتتقرفيش مني.
لتدخل لداخل غرفتها وتغلق الباب خلفها، نهرت هالة ابنتها بسخط:
ليه يا مودة دايماً بتحبي تجرحي أختك؟ عملت لك إيه لكل ده.. انتي عارفة إن الموضوع ده بيجرحها.
رفعت الهاتف إلى وجهها ولم ترد عليها ثم أكملت العبث بالهاتف.
بدلت مكية ثيابها بدون تعبيرات ثم جلست على اللاب توب خاصتها على الفراش وبدأت تحاول إلهاء نفسها عن سخرية مودة بها، لم تستطع. تلقائياً نظرت إلى المرآة التي أمام سريرها.
وضعت أصابع يدها على الوحمة بحزن ثم همست لنفسها:
أنا عارفة نفسي وحشة بس مش لازم تفكريني بده كل شوية.. عارفة إن الناس بتقرب مني بشفقة مش حبًا فيا.. يبقى أنا كمان من حقي أغتر وأفتخر بده.. وهفوز في الاتفاق على يحيى عشان هما أكيد هيختاروني أنا ودلوقتي لازم أعرف إيه اللي هشرحه المحاضرة اللي جاية عشان أفوز.
عاودت النظر لحاسوبها وبدأت بتجميع بعض المعلومات.
صف فارس سيارته ثم ترجل منها هو ووالدته ودلفا لداخل المنزل، وفي غضون دقائق أخرى وصل يحيى وترجل هو الآخر ثم بدأ في الطرق على الباب.
فتح فارس والغضب محفور على وجهه قائلاً:
ادخل يا يحيى.
دلف يحيى ليجد عمته جالسة على الأريكة ومشاعر مختلطة ظاهرة عليها، أقترب من عمته ثم قبل يدها وأردف بفتور:
حقك عليا أنا يا عمتي.
ربتت توحيدة على وجنته وجاهدت برسم ابتسامة وقالت:
لا يا حبيبي.. أنا زعلانة من لطفي ليه يضرب فارس، أنا مستحيل أروح تاني.
حدق بها لبرهة فأستأنف قوله برفض رادع ولكن سايرها في الحديث:
وأنا موافق يا عمتي.. بس الڤيلا بتاعة مين؟ عمي لطفي!! لأ دي ملك أبويا.
جلس فارس بجوارهم وتابع الحديث بوعيد:
يضربني بالقلم بصفته إيه؟! .. أنا مش هسكت.
قاطعته توحيدة بإنكار وقالت بتريث:
مش هتسكت يعني هتعمل إيه؟ هتضرب خالك.. أنا ربيتك على كده.. أنا ما قصدتش إنك تضربـ...
هتف فارس بنبرة تهكم:
انتي مش فاهمة حاجة، لطفي ده....
وضع يحيى كفه على ركبة فارس لكي يصمت ثم تابع هو بنبرة لامبالاة:
طول عمره بيكره الخير لحد.
نظر فارس لوالدته ليحثها على الكلام بتساؤل:
امال انتي قصدك يا ماما؟
ردت توحيدة بجفاء وهى تنهض:
أبعد عن رواء.. لطفي قالهالك صريحة مش هيجوزها لك.
كرش بعينيه بعد استيعاب وقال بصدق:
بس أنا ورواء بنحب بعض.
أكملت حديثها بحدة خفيفة:
وأبوها ما بيحبكش يعني مش هيجوزها لك.. شوف لك بنت تانية.
لم تنتظر منه رد وتوجهت إلى غرفتها وقبل أن تدخل قالت ليحيى:
انت طبعاً بايت يا يحيى، أوضتك جاهزة أنا ديماً برتبها.
ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء، لم يتحدث فارس أو ينطق بكلمة فتابع يحيى بتأكيد:
هانت يا فارس، كلها أيام وهنكشف لطفي قدام الكل.
أومأ فارس رأسه ثم أمسك بيد يحيى وأدخله غرفته وأغلق الباب بهدوء، سأله يحيى:
في إيه؟
جلس فارس على السرير وقال بجدية:
عاوز أقولك حاجة من اليوم اللي اتخطفت فيه.
تقدم يحيى ثم تمدد على الفراش ونظر بعينيه الرمادية لفارس وقال:
حاجة إيه؟
استنشق دفعة من الهواء وزفرها على مهل وقال بتوجس:
انت ليه رافض تتعالج من نوبة الصرع؟
أكفهر وجه يحيى وقال بهدوء قاتم:
أبويا اللي قالك تقولي كده.. صح!
هز رأسه بسرعة فتابع يحيى بنفاذ صبر عندما جز على أسنانه:
أنا نفسي تفهم أنت وعاصم القاضي إنها بالنسبالي حاجة عادية.. مثلاً زي الصداع.
ثم رفع قبضته ووضعها على جبهته ليلاحظ فارس شيء ملفوف حول رسغه فسأله بفضول أكبر:
طب الحظاظة اللي ديما ملفوفة على إيدك بتاعة مين؟ ومش شايف إنها عليا عليك بكتير.
رفعها يحيى أمام عينيه وقال بابتسامة حزينة:
بتاعة أخويا.. كان معانا اتنين واحدة لونها رمادي اللي هي بتاعتي وهو السودا على لون عيونا.. بس بدلناهم.
أشفق عليه وهمس بأسف:
والله أنا أهبل.. كل شوية بفكرك بالحادثة.
ابتسم يحيى وحدث نفسه وعيناه على السقف:
وحشني أوي.. كنا ديماً بنلعب مع بعض.. كان أخويا وصاحبي.. نفسي أشوفه ولو مرة واحدة.
ربت فارس على كتفه ونهض ثم قال ليحيى:
نام يا يحيى بكرة ورانا شغل كتير.
ثم أطفأ النور المشتعل وأغلق الباب خلفه، مازال يحيى شارد بالماضي لا إرادياً افتكر مكية التي كذبت عليه أقسم أنه سينتصر عليها ويفعل بها ما شياء بالشهر التي ستخدمه فيه.
في منزل (سيف الأديب)
مرت الأيام وعاد يوسف من رحلته فذهب ميسرة لولدها، حاول سيف إبقائها ولكنها رفضت ووعدته بأنها ستأتي لزيارته.
خرج فارس من الحمام بعد أن اغتسل كان مرتدي بنطال وأكمل ارتداء قميصه بالخارج، دلف لغرفته وبحث بعينيه على زوجته ثم نظر بالمرآة وبدأ في تمشيط شعره ولكن رأى بأنعكاس المرآة بعد الصور ملقية على الأرض عند الدولاب، أدار جسده وأقترب منها ثم أنحنى وبادر في جمعهم.
أوقفته صورة عزيزة على قلبه رفعها أمام عينيه وأبتسم بحزن.
كانت صورته عندما كان صغير مع رفيقه بالملجأ، طفلين ملابسهم غير مهندمة ولكن الابتسامة التي هم بها ومحتضنين بعضهم البعض جعلت سيف يبتسم وهمس بحزن:
يا ترى أنت فين؟ .. وحشتني أوي يا حبيبي.. كنت فرحان إن في عيلة هتخدني وهتبعدني من ذل الملجأ وتعذيبه لينا.
ثم شمر عن ساعده ليرى بعض من أثر إطفاء السجائر منقوشة كالوشم عليه، تنهد بحزن وهو يسترجع بذكرياته المؤلمة البائسة.
بداخل إحدى دور الأيتام الحكومية حيث الأطفال اليتامى ومجهولي الأبوين، يتم التعامل معهم على أنهم مجرمين وما هم إلا أطفال بريئة.
بعد وفاة والديه بحادثة سير مدبرة من عمه قام بإلقاء سيف في دار للأيتام واستولى على الأموال.
لم يدرك سيف على صاحب واحد فقط والذي اعتبره أخاه كان دائماً يدافع عنه من مديرة الدار.
كان سيف يلعب مع رفاقه من نفس الدار وتمت مشاجرة أدت إلى استدعاء المشرفين حتى مديرة الدار "علوية" التي غضبت وقامت بمعاقبة سيف.
صرخت علوية بغضب:
أنت قليل الأدب وماتربتش بتضرب زميلك ليه.
ألفتت للجانب الآخر وحملت عصاتها وهوت بها على جسد سيف الصغير ذو التسع سنوات.
كان سيهرب منها لولا المشرفات اللاتي أمسكن به وأحكمن تقيده لتستمر علوية بالضرب على أجزاء مبعثرة في جسده، ألقت العصا جانباً وقالت بحدة:
لو عرفت إنك زعلت حد في الدار أنا هضربك تاني وهطفي السجاير في إيدك زي آخر مرة انت والزفت صاحبك.. غور من وشي.
خرج سيف من مكتبها بألم في جسده ثم توكأ على الحائط حتى خرج وسار ليجلس أسفل السلم المتهالك المتسخ يبكي، اقترب من فتى آخر بنفس عمره ووضع يده على كتفه وقال بقلق طفولي:
انت صح ضربت عصام؟ ولا هو اللي ضربك؟ طب مين عمل فيك كده؟
رفع رأسه وعبراته تتدحرج على وجنتيه وقال ببكاء:
أنا ما ضربتش حد.. أنا وعصام اتخانقنا وماما علوية ضربتني.
جلس بجواره واحتضن رفيقه ثم قال بتوعد:
انت وعصام اتخانقتوا ليه؟
واصل سيف حديثه ببكاء وتوجس:
سرق حظاظتي.
تلقائياً خلع الحظاظة من رسغه وأعطاها لرفيقه وقال بجدية طفولية:
خد بتاعتي وأنا هجيب الحظاظة من وليد وهشوف ماما علوية.
ثم سار على مهل حتى خرج للفناء ووجد الأطفال يلعبون، اقترب من وليد وحدثه بحدة:
فين الحظاظة بتاعة سيف؟
دفعه وليد ثم أخرج من جيبه حظاظة طفولية ولوح بها في وجهه وقال بأستفزاز:
أهي.. بس مش هتاخدها دي بقت بتاعتي.
ألقى بنفسه على وليد ليختل توازنهما ويقعا، ضربه على وجه وسحب الحظاظة منه ونهض وقال بغضب طفولي:
مالكش دعوة بسيف.
والتفت بجسده وتوجه إلى مكتب علوية، كانت منهكة ومريحة ظهرها للخلف وواضعة كفها على وجهها، سمعت بأقدام تدلف لها فأبعدت يدها وقالت بملل:
عاوز إيه انت كمان؟
أجابها بشجاعة عالية:
أنتِ بتضربي سيف ليه يا ماما علوية؟
لوت علوية فمها بضيق وردت عليه بنفس النبرة الباردة:
عشان أنا مش ماما حد فيكم ومش هكون أحن عليكم من أهلكم اللي ماتوا أو اللي رموكم هنا، وامشي عشان أنا مخنوقة لاحسن أطلع غلي كله فيك.
غمغم ببعض الكلمات الحانقة فسمعته وقالت بحدة بعد أن اعتدلت:
تعالى هنا ياض.. أنت قلت إيه؟
عاد إليها وق بشجاعة طفولية:
بقول إنك ست ظالمة.
وقفت علوية ثم اقتربت منه وأردفت بغضب في وجه الطفل:
بقا أنا اللي ظالمة؟!.. مش أمك وأبوك يعني اللي جابوك بالحرام وأول ما ولدتك رمتك في الشارع وكانوا هيحرقوك والكلاب تكون أحن منهم ويحموك.
لم يفهم حديثها الدائم تعيده له فقال بعدم فهم طفولي:
يعني إيه ابن حرام اللي ديما بتقوليهالي ومش بتقوليها لحد غيري؟
ابتسمت علوية بتهكم وقالت بسخرية:
عشان دي الحقيقة اللي هتفهمها لما تكبر.. إنك ابن حرام أبوك وأمك رمووك في الشارع عشان عاوزين يخلصوا منك لكن من رحمة ربنا الكلاب هي اللي نجدتك.
عارف أكيد أبوك وأمك عايشين وأحلى عيشة وانت اللي بتدفع التمن هنا وهتعيش طول عمرك بالعار مفيش حد هيحبك ولا واحدة هتقبل تتجوزك.
مين بقا الظالم أنا اللي أخدك وربيتك في الدار ولا أبوك وأمك اللي رمووك في الشارع؟
لم يستوعب حديثها وصرخت به في عصبية:
اخرج برا.
خرج من المكتب وهو في حالة صدمة عالية، عاود لصديقه المتألم ليخرج الحظاظة من جيبه ويضعها حول رسغه وقال بشرود:
أنا هاخد بتاعتك وأنت خد بتاعتي.
أومأ سيف رأسه ثم سأله بفضول ممزوج بتوجس:
هي أخطبوط البحر ضربتك؟
نظر له وقال بشرود ممزوج بتساؤل:
يعني إيه ابن حرام؟ اللي ديما بتقولها لي.
مط سيف شفتيه بحيرة ثم قال ببراءة طفولية:
ممكن قصدها إن باباك ومامتك حرام إنهم جابوك في الزمن ده أو البلد دي.. كان المفروض إنهم يجيبوك في زمن غير الزمن ده أو بلد تانية غير البلد دي.
ابتلع ريقه وشعر بهزة في يديه ليحاول أن يتحكم بنفسه ولكن ظل جسده يتحرك وسيف متعجب وقلق عليه، أمسكه من يديه وهو يقول بقلق:
انت بتعمل كده.. رد عليا.
استمر جسد الطفل بالأرتعاش حتى توقف وكأنه جماد ليغشى عليه ويستكين.
أفاق سيف من ذكرياته ثم لملم الصور لتدخل سوزان الغرفة وقالت بتعب:
سوري يا سيف ابنك المستفز جه وكركب كل حاجة.. أنا هلمهم.
اقتربت سوزان من زوجها وجثت على ركبتيها ولكن كان سيف بالأسرع وأمسكهم وأدخلهم داخل الدرج وأردف بجدية:
عادي يا سوزي أنا دخلتهم.
ثم نهض وهو ممسك بها وقال بلؤم:
ماله بقا ابني المستفز هو كان ابني لوحدي.. يخسر ويكسر براحته.. أنا بفكر أخاويه.
وضعت سوزان يديها على صدره ثم قالت بدلال:
من دلوقتي.. ده أنا لسه فطمة.
دفعها على الفراش ثم جثى عليها وقال بنبرة تأكيد:
ما أنا عاوز أخلف عيال كتير صبيان وبنات عاوز يبقا عندي عزوة كبيرة.
قبلها بعشق وهيام ولم يلاحظ بأبنه الصغير الذي تسلل ودلف للغرفة ليقول بتعلثم كبير:
بابا.
ابتعد سيف عن زوجته وظل يجوب برأسه لكي يرى ابنه فقال بنفاذ صبر:
عاوز إيه يا قدر بابا؟
أمسك بقدم أبيه وتابع حديثه:
بابا.
انحنى سيف ليصل لمستواه ثم رفعه وجلس به على الفراش وقال بسخرية:
هادم اللذات ومفرق الجماعات يا حبيبي.
ثم نظر لزوجته وقال بغيظ:
سُكي على موضوع الخلفه يا قلبي.. كفاية الباشا مقطع عليا العيشة.
تمدد سيف على الفراش وابنه فوقه ثم قال بابتسامة:
تعالي في حضني يا قلبي.. هنام.
تمددت هي الأخرى بجانب زوجها وقالت بحب وهي تلف يدها فوق ابنها:
ربنا يحفظكم ليا.
قبل وجنتها ولكن الصغير وضع يده على فم أبيه وأستاء وآجهش بالبكاء، اعتدلت سوزان وحملت طفلها ونهرت زوجها:
عاجبك كده أهو زعل.
ابتسم سيف وقال بسخرية:
دي بوسة بريئة.
ليعتدل ويقبل ابنه ثم أردف بتذمر مصطنع:
ما تزعلش يا حبيبي.. ده أنا بدي الدوا لماما.
وتمدد مجدداً كذلك زوجته نامت بجواره ووضعت ابنها في المنتصف.
في صباح اليوم التالي استيقظ يحيى على صوت فارس باهتياج والعصبية:
اصحى يا يحيى في مصيبة.
فتح يحيى مقلتيه وأردف بسخرية أكبر:
عاوز أنام وبطل كدب.
هتف فارس بسخرية وهو يجلس بجواره:
حبيبك قدم بلاغ فيك والشرطة مستنياك في المزرعة.
انتصب يحيى وردد بعصبية:
مين؟
تثائب فارس ثم قال بنبرة استفزاز:
الدكتور سيف.
دفع يحيى فارس لكي يقف وتوعد في نبرته:
ده لعب في عداد عمره.. أنت بارد كده ليه ما تعمل حاجة.
التقط يحيى ثيابه وأرتداها على عجالة وتوجه إلى المزرعة هو وفارس.
صف يحيى سيارته وأسرع للدلوف للداخل وخلفه فارس ليجدوا ضابط وسيف جالسين، هتف يحيى بغضب عندما اقترب من سيف:
أنت فاكر نفسك مين عشان تـ...
وقفه الضابط بنبرة رسمية:
أنا جاي هنا عشان عارف إن ليكم وضع ومش عاوز أعمل شوشرة.. بس اسمعني الدكتور سيف ما غلطش.
تحدث يحيى ومسلط أنظاره على سيف بغضب:
لا غلط لما بيتهم المزرعة بحاجة مش موجودة.
أومأ الضابط رأسه بتفهم ليقول بجدية:
وأنا مع حضرتك طالما حضرتك متأكد بكده احنا هناخد عينة من الزرع للمعلم وهو اللي هيحكم.
أردف فارس بجدية:
اتفضل حضرتك أحنا موافقين.
أشار الضباط للمهندسان الزراعيان وهو خلفهم وسار فارس أمامهم، ظل يحيى وسيف يرمقون بعضهم بغضب.
فابتسم يحيى وقال بسخرية ممزوجة بأستفزاز:
تصدق وتؤمن بالله.. أنا كنت عاوز أعتذر لمراتك بس بعد اللي حصل هعمل حركة ماتعجبكش.. تاخد كام وتحل عن سمايا.
أصطنع سيف الصدمة ثم واصل حديثه بغيظ:
أنا هفضل زي عملك الردي لحد مانطهر البلد من الأشكال دي.
صاح يحيى يغضب:
وأنت ماااالك.. خليك في حالك.. أنت مش دكتور بشري خليك في البنأدمين مالك ومالك الزرع.
ربع سيف ذراعيه ورد عليه بتلقائية:
ماهو أنا اللي هعالجهم يا جاهل.
جز على أسنانه وتناسى كل شيء عندما قال بتحذير:
لا فوق واعدل نفسك أنت بتكلم الدكتور يحيى القاضي اخصائي تنمية بشرية.
رد عليه سيف بنبرة جدية:
طب خاف على الناس اللي هتتضر لما تاكل الفواكه والخضار.. وأتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله.
اقترب يحيى منه وأجابه بسخرية أكبر:
وأنت مش راجع معانا ولا إيه؟
بادله سيف نظرات سخط ولم يتحدث وأستمر شجار العيون بينهم إلى ان جاء فارس وقال بجدية:
الظابط والباشمهندسين مشيوا.
أردف يحيى بسخرية:
مستني إيه يا دكتور يا بشري يا حشري ماتمشي ولا نحضر فطار.
ابتسم سيف في وجهه باصطناع وغادر أمام عينيه، فقال فارس برضا:
الحمد لله، منعنا كل المواد المسرطنة كان زمانا بناكل عيش وحلاوة.
جلس يحيى على المقعد بوجه متهجم وظل يفكر في أشياء كثيرة وأهمها مكية فاليوم الاتفاق ثم همس لنفسه بوعيد:
أنا هعلمك إزاي تتجرأي وتفكري إنك تتحديني إزاي يا أم وحمة.
رواية أقبلني كما أنا الفصل التاسع 9 - بقلم فاطمة الزهراء
أستعدت مكية للخروج والذهاب للسنتر وأقسمت أنها ستنصر.
عندما وصلت جلست بعيد عن زملائها، ولكنها سمعت همهمات من الفتيات:
"أنا هختار الدكتور يحيى وش.. ده عليه جوز عيون رمادية يسحروا."
همست لنفسها بسخرية: "الدكتور الملون."
في غضون دقائق وصل يحيى بكامل أناقته، ألقى عليهم السلام وتحدث بجدية:
"فين الأنسة بتاعة الأتفاق؟ هي أنسحبت؟"
توقفت مكية وأردفت بفخر: "أنا هنا يا دكتور ومستحيل أنسحب."
ثم تقدمت إليه بثقة ونظرت له، ليتحدث هو بأستفزاز:
"مستنية ايه؟ ماتشرحي.. Ladies first."
جلس يحيى على البنش خاصته وبدأ يسمعها وعلى وجهه ابتسامة ساخرة. توترت مكية قليلا وقالت بثقة مصطنعة:
"أشتغل على نفسك عشان تنجح وآآ.. يعني كون واثق من نفسك عشان آآ عشان تنجح وآآ."
لم تعرف بماذا تكمل حديثها من التوتر، فأكملت المحاضرة بالتعلثم حتى جمعت كلمات وحيدة، فزفرت بارتياح:
"خلصنا."
صفق لها يحيى وصاح بصوت عالي:
"براڤو عليكي.. قد ايه أنا مبهور بيكي.. أتفضلي أقعدي مكانك."
ابتسمت مكية بفخر وسارت الى مجلسها بخطوات واثقة، لتسمع صوت يحيى الساخر:
"طبعا الكلام ده مالناش دعوة بيه."
ضحك الجميع على مكية مما سبب لها الخجل ووضعت يديها على وجهها، فتحدث يحيى بنبرة جدية:
"كنت عاوز أقولكم ان دي اخر محاضرة النهاردة ومش هقدر أكمل بسبب انشغالي بحاجات تانية كتير وعشان تركزوا في جامعتكم باقي الفلوس هتاخدوها من السكرتيرة أمل."
جلس مجددا على البنش وقال بنبرة هادئة:
"نتكلم في المحاضرة هتكون عن أقبل نفسك زي ما هي بشكلها بطبعها بعيوبها بحسناتها قبل ما تقبل نفسك لازم تحب نفسك.. أقبل نفسك زي ما هي خليك انت وماتكونش حد تاني خليك مختلف ربنا سبحانه وتعالي خلق بصمة الأيد مختلفة من شخص لشخص ماتشبهش نفسك بحد.. عارفين يا شباب انك تكون مختلف أحسن بكتير من انك تكون حاجة روتينية كل يوم، شكلك اللي مش عاجبك ده في حد بيعشق تفاصيله."
تأكدت مكية بالمحاضرة، عليها أنزعجت في البداية ولكن مع أكمال يحيى حديثه أنتبهت له.
قاطعه شاب بنبرة توجس:
"بس يا دكتور في ناس بتحاول تقبل نفسها زي ما هي على قد ما تقدر لكن ناس تانية بتأذيه بكلامها ولسانها."
هز يحيى رأسه وقال بتفهم:
"اخطر نوع للسان هو اللسان القوس بيحدف عليك الكلام زي سهام مسمومة مابيحسش هو بيها ومش فارقة تزعل او انشالله تشرب من البحر الحاجات دي مش روشنة دي قلة أدب وحرام انت كده بتتريق على خلقة ربنا الواحد دخل في حياته ناس شوهته نفسيا خلته محطم، سيدنا محمد صل الله عليه وسلم قال أن أشر الناس منزلة يوم القيامة يتقيه الناس مخافة لسانه.. وفي ايه في القرآن بتقول لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم. عشان ماخرجش عن الموضوع حابب أقول لأي شخص مش قابل نفسه أنت جميل اوي حتى لو مش شوفته."
أستمر يحيى بالشرح وتعجب هو من حديثه الذي جعل مكية تبتسم ولم تنكر بأن شرحه غاية في الروعة. بعد أنتهاء الشرح تحدث شاب بأبتسامة:
"يا دكتور ممكن نصيحة تنفعنا في حياتنا بما انها اخر محاضرة."
خلع يحيى نظارته الطبية وأردف بجدية:
"اعمل اللي عقلك يقولك عليه.. انما قلبك ده غبي زي بسيط اللي في سبونج بوب."
ثم سلط أنظاره على مكية بأبتسامة أنتصار وقال بأبتسامة:
"ها يا شباب فاكرين الأتفاق.. اللي موافق على شرح الأنسة مكية يرفع ايده."
لم يرفع أحد يده في القاعة لأن مكية لم تقوم بالشرح الممتاز، فتابع يحيى بسخرية دفينة وقال بإنكار:
"لأ أزعل منكم كده.. معقول ماحدش عجبه شرح الأنسة ماتخفوش مش هزعل لو أخترتوا مكية.. يلا أرفعوا أيدكم.. انا مابحبش صوت صرصور الحقل ده."
ظل الصمت قاتم بين الشباب، فقال يحيى بأنتصار:
"طب اللي عجبوا شرحي يرفع ايده."
رفعت القاعة جميعها شباب وفتيات أيديهم مما سبب حرج لمكية، فقال بأستفزاز:
"ده أنا كده هتغر يا شباب.. معقول أفوز على شرح الأنسة مكية."
تحدثت فتاة بأبتسامة شماتة لمكية:
"العفو يا دكتور شرح حضرتك جميل جدا ورائع."
رمق يحيى مكية بأنتصار وخرج من القاعة. تعجبت انه لم يطلب منها شيء، ظنت بأنه نسى الموضوع لتخرج مع الفتيات وتحدث معهن في امور عامة.
أوقفها صوت يحيى الجاد:
"أستني هنا.. انتي نسيتي الأتفاق ولا هتعملي نفسك من بنها."
أدارت جسدها له وكانت ستتحدث ولكنه كان الأسرع بالأمساك بهاتفها الذكي.
"آآآقاطعها هو الأخر بنبرة سخرية: ششششش."
كان هاتفها له كلمة سرية، فرفعه على وجهها ليفتح ببصمة الوجه وبادر في كتابة رقمه وضغط على زر الأتصال به ثم عاوده اليها بسخرية أكبر:
"أتفضلي ده رقمي عشان لما أحتاجك في حاجة يكون سهل عليا اني أبلغك."
عضت مكية على أسنانها وهمت بالكلام ولكنه أبتعد عنها. مدت فتاة بجانبه قائلة بفرح:
"ممكن تديني رقم دكتور يحيى."
أسرعت الفتيات بأخراج هواتفهن ورددوا على نغمة واحدة:
"وأنا كمان."
لفتت مكية رأسها لهن وركضت بعيدا عنهن حتى لحقت بيحيى الذي كان سيستقل سيارته، فقالت بحدة خفيفة:
"ازاي تعمل كده؟"
ألقى بالمفاتيح اليها لتلقطها ونظرت له بفضول:
"ايه دي؟"
أتكى يحيى على باب سيارته وأجابها بأستفزاز:
"مفاتيح شقتي اللي تحت شقتك."
هتفت مكية بذعر لأنها فهمت شيء أخر:
"لأ حضرتك انت فهمتني غلط انا مش من البنات اياهم انا محترمة."
وضع يحيى قبضته على وجنتها وأجابها بسخرية:
"هتدخلي الشقة وبعدين اوضة النوم وهتفتحي الدولاب."
ولم تدعه يكمل جملته لتهتف بنفس نبرتها:
"عيب كده يا محترم.. انت عامل الاتفاق ده كله عشان كده."
أكمل يحيى حديثه بأستفزاز:
"بعد ما تفتحي الدولاب هتلاقيه فاضي هتقومي باصة على شمالك هتلاقي شنطة كبيرة هتفتحيها وهتحطي الهدوم في الدولاب بنظام وتقفليه."
جزت مكية على أسنانها وتابعت بغيظ ممزوج بنفي:
"ازاي ادخل شقتك."
أستمر يحيى بالتحديق بها بأستفزاز ليقول بتحدي بعدما ألقى نظرة على ساعته:
"دلوقتي الساعة سبعة ونص انا هروح على الساعة عشرة ونص.. في التلت ساعات دول تكوني وصلتي ووضبتي أوضة نومي وكمان حضرتيلي العشا."
لبرهة لم تستوعب حديثه فقالت بإنكار:
"طيب خليني ماشية معاك على الخط.. تخيل عرفت اقول حجة لأهلى على التأخير ووضبت هدومك بس انا مابعرفش أطبخ."
ابتسم في تهكم ثم أردف بابتسامة ساخرة:
"ماليش فيه.. ده الأتفاق بتاعنا."
أردفت مكية بحزن:
"كنت فاكرة اني هفوز.. أنا مشهورة ازاي يختروك أنت.. لما أتخطفت كلهم سألوا عليا.. يبقا ازاي مابيحبوني."
تنهد يحيى وقال بنبرة جادة:
"مش اي حد يسأل عليكي يبقا بيحبك في ناس بتسأل عليكي عشان تطمن انك بتتوجعي.. أو تعبانة.. ماتصدقيش أي حد."
رفعت مقلتيها إليه بحرج، فواصل حديثه بنبرة فكاهية:
"بما انك هتخدميني لمدة شهر.. أنا كنت واخد عهد على نفسي اني لما أفوز اول حاجة هأمرك بيها انت تبعدي عن النت."
رمقته بصدمة وقالت بانكار شديد:
"ازااااي؟ انا ماقدرش أعيش من غير النت مش انا بس ده العالم كله.. فوق ده كله الجامعة هتبدأ.. طب أقول للناس ايه."
تكلم يحيى بنبرة لامبالاة:
"خدي هدنة من النت مش اي حاجة تشيريها عليه.. وبخصوص الجامعة أبقي كلمي واحدة صحبتك لو محاضرة اتلغت او اتغير معادها.. ولو في حاجة ضرورية نزلوها على الجروب أبقي خديها منها تاني يوم.. مش حوار يعني.. طبعا ممنوع انك تنزلي بوست او اي حاجة على أكونتاتك لاني هعرف طبعا.. أرجعي لأيام زمان اعرفي الاخبار من التليفزيون.. وده أمر."
هزت مكية رأسها بعدم استيعاب وقالت برفض:
"مش هقدر صدقني.. كأنك بتقولي عيشي من غير قلب."
تحرك يحيى على ذقنه ثم نطق ببرود:
"انا مش لسة من شوية بقول ماتسمعش الكلام اللي يقول عليه قلبك لأنه غبي.. خلي بالك انتي بتضيعي وقتك."
ثم استقل سيارته وأغلق الباب وأبتعد بها. هتفت مكية بصراخ:
"ياربي.. انا كان مالي ومال الأتفاق ده."
***
بداخل منزل أخر عائلة مكونة من خمس أفراد الأب أسمه ألكسندر وزوجته ڤيكتوريا والأبن الأكبر جايدن صاحب السادسة والعشرون عام خريج كلية التجارة، الابن الثاني رفاييل ذو الرابعة والعشرون متخرج من كلية الآداب يعملون بمطعم والدهم للمأكولات البحرية، والأبنة الصغيرة ماريا التي في عمر الثانية والعشرين وأخر سنة لها بكلية التمريض.
جميعهم جالسين ويتسامرون بحب لتقول ڤيكتوريا بأبتسامة:
"ماريا بكرة أول يوم ليكي بالكلية جهزتي حاجتك كلها."
أومأت ماريا رأسها وقالت بأبتسامة:
"من زمان يا ماما."
أردف رفاييل بسخرية وأستفزاز في آن واحد:
"هتكوني سرنجة."
ردت عليه بتشفي:
"بس يا الكعب العالي انت."
قاطع ألكسندر أبنته وقال بضحك:
"أيوة أديلو ماتسكتلوش."
أستمروا بالمزاح والحديث إلى أن أستأذنت ماريا بالدلوف إلى غرفتها وبدأت تتصفح على الشبكة العنكبوتية لتوقفها صورة مكية سند، فأبتسمت وهمست لنفسها:
"احنا الأتنين في كلية تمريض بقا.. بس انتي في القاهرة وأنا في الأسكندرية.. يااااه نفسي أقابلك أنا بحبك أوي."
***
وصلت مكية إلى العمارة التي تسكن بها وصعدت للمصعد، ولكن وقفت بالطابق الخامس وأخرجت المفتاح الذي أعطاه لها يحيى. زفرت على مهل وهمست لنفسها:
"هقول لماما وبابا عشان كانت أخر محاضرة فهو أخرنا."
ثم دلفت للداخل وأغلقت الباب خلفها بهدوء. نظرت للشقة وأنبهرت بها ثم قالت بصوت مسموع:
"أموت وأعرف ليه غير الشقة اللي فوق."
وضعت المفتاح على الطاولة وقامت بأخراج هاتفها من حقيبتها وجعلته صامت، ثم دلفت لداخل غرفة نومه بعد بحث لتقول بابتسامة وهي توعده:
"كمان ساكن تحت أوضتي.. طيب."
تذكرت قوله بالنظر على الشمال لتفتح الحقيبة وبدأت في وضع ثيابه بالدولاب بنظام كي لا يغضب عليها، أردفت لنفسها بسخرية:
"يا جدعان انا مابرتبش أوضتي امي اللي بتعملهالي أقوم ادبس في الدكتور الملون."
بعد الانتهاء من تفريغ ثيابه من الحقيبة تنهدت بتعب:
"وبعدين بقا انتي تعبتي من أولها ده لسة فاضل ٢٩ يوم."
خرجت من الغرفة وهى متعجبة من الكم الهائل من الزهور الموضوعة بجميع الشقة. ألتقطت واحدة ووضعتها خلف أذنها ثم نظرت بالمرآة وهى مبتسمة.
تذكرت حديث يحيى عندما قال: "حابب أقول لأي شخص مش قابل نفسه أنت جميل اوي حتى لو مش شوفته."
زادت ابتسامة مكية وحدثت نفسها بالمرآة:
"يعني أنا فعلا جميلة.. أنت صحيح دكتور ملون بس أنت الوحيد اللي أتعامل معايا عادي من غير شفقة أو أنبهار."
لتتوجه إلى المطبخ ثم نظرت بأعينها عن شيء تجيد طهيه. فتحت باب الثلاجة وأمسكت بالبيض وهزت رأسها بابتسامة:
"مافيش غير البيض والجبنة هو عشا المصريين المعروف.. بس لو في أندومي تبقا كملت والله."
أغلقت باب الثلاجة بقدمها ولكن سقط منها البيض لتنهر نفسها:
"يعني لازم أعمل فيها الشيف الشربيني."
دنت بقدميها لتشم الرائحة وقالت بتقزز:
"ريحته وحشة.. مش من أولها يا مكية هتخربي بيت الدكتور الملون."
بحثت بأعينها لتفتح أحد أدراج المطبخ لتجد به يحتوي على أدوات تنظيف. شرعت مكية بالتنظيف بتهكم:
"تخيلي لو حد صورك بمنظرك وانتي بتنضفي بيت راجل ومابتعمليش كده في بيتك هيحصل ايه؟"
بعد انتهاء مكية من تنظيف الأرضية سمعت صوت الباب يفتح ويغلق. توترت قليلا فنظرت بساعة يدها وقالت بقلق:
"يا نهار أسود هو جه بدري ليه ده لسة فاضل نص ساعة."
خرجت من المطبخ بتوجس فوقعت عيناها على يحيى الذي في حالة لم تعهدها كان يترنح ويرتعش والعرق ظاهر على وجهه. شحب وجهها فقالت بتوتر:
"آآ.. أنت كويس."
ألقى جسده على الأريكة ونظر لها نظرات غريبة وقال بعدم استيعاب:
"أنتي بتعملي ايه هنا."
حدقت به لبرهة وهى تراه يرتعش حتى وقع من الأريكة فأسرعت إليه وحاولت تهدئته ولكنه لم يعطي لها الفرصة. بدأت عيناه بالتحديق في السقف ومغلق فمه بعنف. مازالت مكية منصدمة منه ثم تابع هو تشنج يداه وأقدامه حتى فقد وعيه.
رواية أقبلني كما أنا الفصل العاشر 10 - بقلم فاطمة الزهراء
لم تستوعب مكية ما السبب الذي حدث ليحيى، تراه يتشنج حتى استكان جسده.
رمشت بعينيها وهتفت بقلق: "آآ.. يا دكتور."
ثم مالت على ركبتيها وأدركت ماذا تفعل كأسعافات أولية لحالات التشنج.
بدأت في فرد جسده، ثم فكت زرين من أزرار قميصه، وخلعت نظارته الطبية وساعته والحظاظة التي دائمًا يرتديها.
لتحريك جسده بلطف على جانب واحد لمساعدته على التنفس.
وبدأت تربت على كتفه برفق كأنها تطمئنه.
همست لنفسها: "طب أنا دلوقتي أمشي ولا أقعد لحد ما يفوّق؟"
تنهدت بهدوء بعد أن حسمت أمرها بالبقاء.
فربعت ساقيها وجلست تنظر له.
خلف كل هذا البرود والاستفزاز، هذا الضعف.
لم تدري بالربع ساعة التي مرت، علمت بأنه نائم من انتظام أنفاسه.
نهضت وتوجهت بقدميها إلى غرفة نومها، فأمسكت بزجاجة عطر.
ثم خرجت من الغرفة ورشت القليل على راحة كفها وقربته من أنف يحيى.
ولكن لم يستجيب لها أو يحدث أي حركة.
فوضعت الزجاجة جانبًا وقربت أصبعيها وضغطت عظمة أنفه، ولكنه لم يفق أيضًا.
فهمست لنفسها بقلق: "يارب أعمل إيه؟.. يا دكتور فوق."
أعادت مكية جسد يحيى نائمًا على ظهره، ونهضت.
ثم أمسكته من قدميه بصعوبة.
أردفت بنبرة جدية: "لازم أفوقك."
حاولت رفع قدميه وجاهدت بصعوبة بالغة لتصعد على الأريكة وهي مستمرة بالإمساك بقدميه.
لتكون وضعية يحيى بأن ساقيه مرفوعة لأعلى وصدره إلى رأسه في الأرض.
ثم ثبتت ساقيه على الأريكة وعادت لتجلس على الأرض.
نظرت له مكية وحول رأسها علامات استفهام كثيرة.
رفعت كف يدها لتنظر بالساعة، وجدتها قد أوشكت على العاشرة والنصف.
غمغمت بقلق: "آهلي زمانهم قلقانين عليا."
شعر يحيى بثقل برأسه ليفتح عينيه ويغلقهما بألم.
لاحظته مكية فأمسكت بزجاجة العطر ورشت مجددًا على إصبعها وقربته من أنفه.
فأبعد رأسه بألم وفتح مقلتيه لتظهر رماديتها.
همست مكية بتوتر: "آآ.. حضرتك كويس؟"
حاول يحيى تذكر ما حدث ولكنه فشل.
فرك في مقلتيه وقال بتساؤل عندما رأى ساقيه موضوعة على الأريكة: "إنتي إيه اللي عملتيه ده؟"
فأعتدل وجلس بالأرض متكئًا على طرف الأريكة.
واصلت مكية الحديث بخجل ممزوج بجدية: "لما أغمى عليك كنت بحاول أفوقك.. وكل الطرق فشلت فأضطريت أن أرفع رجليك عشان الدم ينزل على راسك وتفوق."
مسح يحيى على ذقنه ثم قال بنبرة جادة: "طب قبل ما يغمى عليا عملتلك حاجة؟"
رمقته بعدم فهم وردت عليه بحيرة: "حاجة زي إيه؟"
حدق بوجهه وقال بنفاذ صبر: "يعني أنا لما دخلت البيت كنت بلهلفط في كلام وبتزّق وبعدين اتشنجت وأغمى عليا.. في حاجة تانية عملتها فيكي إنتي عشان أنا مش فاكر حاجة خالص."
هزت مكية رأسها بحيرة أكبر من هذا الحديث فقالت بنفي قاطع: "لأ مافيش حاجة تانية غير اللي قولته."
ضم يحيى ساقًا واحدة لصدره والأخرى مفرودة على الأرض وهز رأسه ثم قال بهدوء: "متشكر لتعبك بس كان مفروض إنك تمشي.. النوبة لما بتجيلي بعد ما يغمى عليا بتقلب بنوم.. كنت هفوق بعدين.. اتفضلي امشي زمان أهلك قلقانين عليكي. أنا هبقى أخلي طلباتي كلها في النهار."
أومأت مكية برأسها وأردفت بجدية: "أنا عملتلك كل اللي قولته."
رد يحيى عليها بنبرة فاترة: "إنتي بتدرسي في طب؟"
ابتسمت مكية وهزت رأسها بنفي وقالت بهدوء: "تمريض.. مجموعي ماجبش طب."
استنشق يحيى هواء وزفره على مهل ثم قال بشرود: "هتخلي الواحد يشتهي المرض."
لم تستوعب مكية جملته فهتفت بابتسامة: "نعم!"
تدارك يحيى ما قاله ليتابع بجدية مغيراً للموضوع: "أمشي عشان أهلك ميقلقوش عليكي أكتر من كده.. ومحدش يرمي عليكي الكلام إنك جاية بيتك متأخر."
نهضت مكية من الأرض والابتسامة لم تفارق وجهها لتلتقط حقيبتها وأدارت جسدها.
ولكن التفتت له وقالت بهشاشة: "حمد لله على سلامتك."
أشار يحيى على الوردة الموضوعة أسفل أذنها بغيظ: "مابحبش حد يقطف الورد بس عشان حلوة عليكي أنا مسامح فيها."
وكأن مكية أول مرة لها في الحياة تسمع كلام جميل لها مما سبب لها الصدمة.
فتابع يحيى برفع إصبعه وأشار على الباب بسخرية: "أهلك هيولعوا فيكي."
اقتربت مكية من الباب وفتحته بهدوء وخرجت بعد أن أغلقته بسعادة جلية.
حتى أنها لم تدلف بالمصعد وركضت على السلالم بفرحة.
وعندما فتحت باب شقتها امتعض وجهها وتوقفت بجمود.
صرخت بها هالة بغضب: "كنتي فين؟ هو مش الكورس يخلص الساعة تمانية؟ كنتي فين كل الوقت ده؟"
ابتلعت لعابها بتوتر وردت بتعلثم: "آآ.. كانت أخر محاضرة عشان كده الدكتور أخر."
تابع أشرف الصراخ بصرامة: "اسمعي يا مكية.. مافيش كورسات تنمية بشرية تاني.. ركزي في كليتك وبس."
أومأت رأسها بموافقة ولم تقل أي كلمة أخرى تجنباً لسؤالها.
ثم أكملت مودة باستفزاز: "امال جاية منشكحة والابتسامة من الودن للودن ليه؟"
ابتسمت مكية مجددًا بعد أن تذكرت اليوم وقالت بفرحة: "أصل الدكتور أدانى positive energy (طاقة إيجابية). كانت حصة جميلة بشكل.. عن إذنكم بقى هروح أحضر حالي لأول يوم ليا بجامعة الإسكندرية بكرة.. تصبحوا على خير."
أوقفتها هالة بأمر: "استني كلي حاجة طيب."
أردفت مكية بفرحة وقالت بحماس: "هغير هدومي وأنا هحضر بيض وجبنة."
ثم توجهت لغرفتها تحت نظرات التعجب من أسرتها.
بعد فترة خرجت ببيجامة جميلة وأعدت الطعام وتناولته مع شقيقتها مريم التي أصرت على انتظارها.
وبعد انتهائها كانت ستدلف لغرفتها.
أوقفتها مودة وأرادت استفزازها كما اعتادت بقول: "بقولك."
لمست مكية على وجنة شقيقتها وقاطعتها بابتسامة: "أنا فرحانة يا مودة ومش عاوزة حاجة تعكنن عليا مودي.. يلا تصبحوا على خير."
نبشت مودة الوردة من رأس أختها بسخرية: "مين جبهالك دي؟"
حدجتها مكية بغضب ثم قالت بضيق: "كلامك بيلمح لحاجة يا مودة وأنا مش عايزة أتعصب عليكي.. هاتي الوردة."
أخذتها منها ثم دلفت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها بابتسامة.
ونظرت لنفسها بالمرآة.
وضعت الزهرة مكانها ثم تذكرت جملته: "هتخلي الواحد يشتهي المرض."
همست لنفسها بالمرآة: "أول مرة في حياتي كلها حد يقولي كده.. يالهوي.. بس.. بس يا مكية عيب كده ماينفعش."
فبدأت بالرقص والقفز على الأرضية بسعادة.
كان يحيى ممددًا على الفراش مستمعًا لصوت القفز من مكية.
فنطق بسخرية ناظرًا للسقف: "أنا اللي جبته لنفسي إني أسكن تحت.. بس كل ده الصبح هيطلع عليكي."
أدار جسده ووضع الوسادة فوق رأسه وحاول النوم.
في الصباح استيقظ يحيى على صوت هاتفه.
التقطه من فوق الكوميدينو وأجاب بحشرجة: "نعم يا بابا."
هتف عاصم بنبرة غاضبة: "أنا مش قوللتلك لازم تبات في الڤيلا."
اعتدل يحيى ثم فرك في عينيه وتابع بضيق: "يا بابا أنا لسه صاحي من النوم ومش مظبط الكلام. لما أفوق هبقى أكلمك سلام."
أغلق هاتفه وألقاه على الفراش ثم توجه للحمام.
ولكن لاحظ بأن السقف يقطر قطرات مياه.
جز على أسنانه بوعيد: "الله عليكي يا مكية وعلى اللي هيحصلك مني.. كان نفسي أكون محترم معاكي بس بتصرفاتك دي بتستفزي البلطجي اللي جوايا."
ثم اغتسل وخرج من شقته بملابسه المنزلية بنطال وتيشرت أخضر.
ليقوم بشراء شيء ويعود مجددًا إلى شقته.
بالشقة التي فوقه استعدت الفتاتين بالذهاب إلى مدرستهن وسبقهم أشرف.
أما مكية عندما أيقظتها والدتها تحدثت بنوم: "المحاضرة الساعة ١٢ يا ماما لسه قدامي كتير. ودلوقتي الساعة ٧ ونص.. هنام شوية."
ربتت على شعرها وردت عليها بنبرة جدية: "ابقي حضري الفطار مع نفسك يا مكية.. أنا رايحة بيت جدك."
فتحت مكية مقلتيها وقالت بقلق: "دلوقتي.. في حاجة حصلت؟"
أومأت هالة رأسها ونطقت بحزن خفيف: "جدك تعبان وجدتك مشحتفة نفسها من العياط. هروح أشوفهم."
فركت مكية في عينيها وهمست بهدوء: "سلميلي عليهم.. والف سلامة عليه."
عاودت هالة النظر لها بتوجس ثم استطردت بحذر: "إيه رأيك تيجي معايا وبالمرة أبقى أمشي مع ندى بنت خالك."
رمقتها مكية بضيق وقالت لها بهدوء قاتم: "لأ يا ماما أنا هنام شوية وبعد كده هروح الجامعة أنا وتسنيم صحبتي. ومن فضلك ماتضغطيش عليا."
أومأت برأسها وخرجت من غرفتها ومن الشقة بالكامل.
نهضت مكية لأنها علمت بذهاب النوم من عينيها.
اغتسلت وتوضأت وصلت وهمت بتناول فطورها.
سمعت رنين الجرس اعتقدت بأن والدتها نست شيئًا.
فتحت الباب لتتفاجأ بيحيى ينظر لها ببرود.
رمشت مكية وأردفت بدهشة: "في حاجة؟"
رفع يحيى حاجبه ثم ربع ذراعيه واستأنف بسخرية: "الاتفاق."
لوت فمها بضيق ثم نطقت بعدم صبر: "أفندم.. أحضرلك الفطار؟"
ابتسم بسخط ورد عليها بنفس نبرتها: "العفو.. الحمام بتاعكم بينقط مية على الحمام بتاعي."
رمقته بحدة وكانت سترد عليه ولكنه كان الأسرع بالهتاف بحدة: "مش مصدقاني صح؟.. أنا هوريكي إذا كنت كداب ولا لأ.. تعالي."
ثم أمسكها من رسغها وجذبها.
هتفت به بغضب: "استنى.. إنت بتعمل إيه.. الباب هيتقفل ومش هعرف أدخل."
ترك يحيى رسغها وقام بخلع التيشرت الخاصته لتشهق مكية وتضع كفيها على وجهها عندما رأته عاري الصدر.
تابع يحيى وضعه عند الباب وأغلق عليه فيسهل لها فتحه عند عودتها.
أمسكها مجددًا ونزل بها إلى طابقه ودلف للداخل وهي تعترض ولكن لم تستطع الفرار.
رفع رأسها لسقف الحمام وقال بغضب: "أنا كده كداب.. لا بقولك إيه فتحي عيونك دي."
صاحت مكية بخجل وحدة في آن واحد: "البس أي حاجة عيب كده."
التقط بيده البورنس وارتداه وقال بأمر: "شايفة السلم ده والرولة دي والجردل ده."
نظرت مكية لترى فعلاً بسلم حديدي وفرشة وجردل محتوي بالدهان.
فعاودت النظر له بتساؤل ليرد عليها ببرود: "هتدهني السقف حاجة سهلة يلا بسرعة."
وهم بالخروج أمسكت رسغه وقالت بحدة خفيفة: "ليه إن شاء الله.. أنا هبقى أقول لبابا يجيب سباك لكن ماليش في حمامك."
أفلت يدها وخرج ثم قال باستفزاز عندما قلدها: "موافقة يا دكتور على الاتفاق .. وده وعد مني.. اشربي بقى."
توجه يحيى لغرفته وقام بارتداء ملابس للعمل.
لم يتأخر في الوقت وعندما انتهى عاد إليها ليجدها واقفة على السلم بحرص شديد ويد ممسكة به واليد الأخرى تقوم بطلاء السقف.
لم يمنع هذا من بعض القطرات التي على وجهها.
سمعت تصفيق يحيى وصوته الساخر: "براڤو أنتي كده شاطرة كملي باقي السقف عشان أنا خارج للشغل."
نظرت له من الأعلى ورأته مرتدي ملابسه الأنيقة وعيناه الرمادية.
فقالت بتهكم: "يعني أنت عندك شغل وأنا اللي ما عندي جامعة مثلا؟!"
مد لها يده الممسكة بالمفتاح ووضعه على الحوض ثم أجابها باستفزاز: "أنا لسه ما فطرتش ممكن آمرك بكده.. بس كفاية عليكي ده.. سلام يا بازوريكسيا."
امتعض وجهها بعدم فهم ثم قالت بحيرة: "بازوريكسيا!! يعني إيه؟ أنت بتشتمني؟"
رفع يديه للأعلى بسخرية وأردف بتهكم: "أنا ماشي وإياكي ثم إياكي تفتحي نت هعرف."
خرج أمام أعينها لتهتف بحنق: "مُستفز هو فاكر نفسه اشترياني عشان حتة اتفاق.. بس أنا الغبية."
ثم استأنفت عملها بدهان السقف حتى انتهت ونظفت المكان.
وقبل أن تخرج رأت الزهور الكثيرة الجميلة.
قطفت واحدة وهمست باستخفاف: "سوري بقى يا يحيى."
وخرجت وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح وصعدت مجددًا للشقة.
ابتسمت عند رؤية التيشرت الخاص به.
ففتحت الباب وأخذته ودلفت للداخل وتابعت حتى غرفتها.
طبقته ووضعته بجانب القميص الأول.
أردفت مكية بسعادة: "جنب أخوك يا حبيبي."
أغلقت الدرج أسفل الدولاب ونظرت لنفسها بالمرآة وهمست بعشم: "هو ممكن يعني إنه يحبني؟"
ثم هزت رأسها وأيقظت نفسها من الأحلام الوردية قائلة بتنهيدة: "فوقي يا مكية الفرق بينكم كبير أوي.. إيه اللي يجبره إنه يحب ويتجوز واحدة زيي.. ده عيونه ملونة وشكله حلو لازم ياخد واحدة شبهه."
ابتسمت بشرود ثم تذكرت أثر حرق نار على صدره.
فرأته المرة الأولى عندما خلع قميصه وغير لجرحه.
مادت شفتيها بفضول كأنها تريد معرفة السبب.
ثم استعدت لتغير ثيابها لتذهب لجامعتها.
ثم ذهبت مع رفيقتها الوحيدة.
في مزرعة (عاصم القاضي)
عندما وصل يحيى وبخه والده لعدم مبيته في الڤيلا.
ولكنه لم يعبأ وغير مجرى الحديث على لطفي ليتفقوا جميعهم على الاكتفاء بطرده من المزرعة وأمروا الحراس بعدم دخوله.
ثم أكمل كل منهم عمله بالمزرعة والتفقد بها.
صف في سيارته وترجل منها مستعدًا للدخول.
ولكن منعه أفراد الأمن قائل بجدية: "ممنوع حضرتك تدخل دي أوامر عاصم باشا."
رمقه لطفي بغضب ثم هدر به بإنكار: "إنت اتجننت إزاي تكلمني كده.. ده أنا هخرب بيتكم."
تكلم الآخر بلهجة حادة نسبياً وأعاق حركته: "زي ما سمعت.. عاصم باشا أمرني بكده وأحنا كلنا بنشتغل عند عاصم باشا."
يصرخ لطفي بحنق ثم لكز الشاب بحدة لكي يدخل.
ولم يزيدهم إلا إصرارًا على منعه.
بادر لطفي بالصراخ والسب واللعن عليهم.
ليخرج عاصم ويحيى وفارس على أثر الصوت العالي.
هتف عاصم بغضب: "إيه الصوت العالي ده؟"
ركض لطفي إليه وقال بحزن مصطنع: "رجالتك عاوزين يمنعوني يا عاصم يا أخويا."
تكلم يحيى بنبرة برود: "دي حقيقة يا عمي.. إنت مش هتدخل هنا تاني.. بعد ما عرفنا المواد المسرطنة اللي بتدخلها على الزرع من ورانا."
تابع عاصم بتأييد للرأي: "أنا عملت حساب لعضم التربة وما بلغتش عنك اكتفيت بطردك من المزارع بس."
استمع لطفي لهم والشرر يتطاير من مقلتيه.
وكان سيكمل صياحه.
أوقفه يحيى بأمر: "نورت يا عمي.. بـــراااجز."
على أسنانه وكان سيرد.
فأسرع عاصم بالحديث: "سلام يا لطفي."
ابتسم لهم باستفزاز ثم استقل سيارته وأنطلق مسرعًا.
ليضرب بيديه على مقود السيارة وصاح بغضب ممزوج بوعيد: "والله فلوسك يا عاصم لأخدها منك ومن يحيى.. والله لأقتلك."
أردف فارس بابتسامة عريضة: "وقطعنا جذور الشجر."
جلس يحيى بجواره وتابع بتساؤل: "نتائج التحليل اللي خدتهم الشرطة لسه ما ظهرتش؟"
أومأ فارس بابتسامته الراضية: "شوية أنا هروح بنفسي وأشوفها.. خف أنت على الدكتور."
رمقه يحيى بغضب وأستعد لسبه.
فأوقفه عاصم بحدة: "أنا عاوز أعرف أنت ليه مُصر تبات برا الڤيلا.. يابني أنا خايف عليك لاحسن النوبة تجيلك وتكون لوحدك."
ابتسم يحيى وشرد قليلاً بليلة أمس ثم قال: "بتدبر يا بابا.. ماتشلش إنت هم."
نظر لفارس بضيق ثم خبط كف على آخر وخرج من المكتب وتمتم على مضض: "أنا ماشي."
خبط فارس على كتف يحيى بمزاح: "إيه الحكاية."
هز يحيى رأسه بشرود ثم قال بعزم: "أنا اللي هروح أشوف التقارير.. سلام يا فارس."
ثم سار في خطوات أمام أعين فارس المندهش.
أسرع يحيى باستقلال سيارته ثم شرد قليلاً.
*فـــــلاش بـــــــاك*
بعد انتهاء يحيى من إلقاء المحاضرة توجه إلى المكان الذي يؤلمه ويعمل شرخ بقلبه.
المكان الذي تربى ونشأ على كره.
جلس على سيارته وأستمر بالنظر على الأرض بتركيز منذ خمسة عشر سنة.
دائم الذهاب إليه لا يذهب أسبوع إلا وكان قد زاره.
شرد يحيى بثقل ثم أحس بصداع رهيب في رأسه.
أدرك بأنه سيخوض بالنوبة فأدار سيارته وتوجه بصعوبة إلى بيته.
وأغمي عليه لتكمل مكية إفاقته.
*بــــــــاك*
زفر يحيى بثقل وهمس لنفسه بكره: "ربنا ينتقم منكم."
وصلت مكية بالجامعة وسط استقبال حافل بينها وبين الطلاب.
وطمعهم مهللين لها ومبتسمين.
الكثير طلب التقاط صورة معها.
بعد السلام والتهاني جلست مكية هي ورفيقتها تسنيم.
التي حدثتها بدهشة: "ياسمين صبري يا ناس."
ابتسمت مكية بحزن ثم قالت بهدوء: "أنا فين وياسمين صبري فين."
آآآآآآآآآآآآآ قطعت مكية فتاة أخرى بابتسامة مشرقة: "أنا بعشقك جدا ونفسي أتصور معاكي."
اعتدلت مكية وردت عليها بحبور: "ده شرف ليا يا حبيبتي.. إنتي اسمك إيه بقى."
أجابتها الفتاة بمثل ابتسامتها: "ماريا ألكسندر ومعاكي في الدفعة."
ثم أخرجت هاتفها والتقطت معها صور.
لتتحدث تسنيم بابتسامة: "الحمد لله ربنا بعتك لينا.. إحنا بقى مانعرفش حاجة خالص هنا."
جلست بجوارهم ماريا وردت بابتهاج: "ما تقلقوش هقولكم على كل حاجة."
دققت مكية النظر بها ثم قالت بتلقائية: "إنتي قمر يا ماريا."
أراحت ظهرها للخلف لتقول بمزاح: "عشان ماما إسبانية."
حدقت الفتاتين بها بصدمة لتكمل ماريا بجدية: "اتصدمتوا ليه بابا مصري اتجوز ماما وهي إسبانية بس عاوزين الحق أنا عمري ماروحت إسبانيا ولا حتى أعرف أتكلم إسباني غير بسيط جدا.. يلا بقى نتصور أصل أنا مجنونة سيلفي."
في الطريق توقف يحيى عن القيادة عندما رأى طفل تخطى العامان جالس يبكي.
ترجل من سيارته واقترب من الطفل لينحني له ويطمأنه بهدوء: "اهدأ يا حبيبي.. هجبلك ماما وبابا؟"
آجهش الطفل بالبكاء وظل يردد بصياح: "بابا."
حمله يحيى وتساؤل بفضول وهو يحرك رأسه للجانبين: "أيوه يعني بابا سابك هنا وراح مكان مثلا يشتري حاجة؟"
ثم عاود النظر عليه وبدأ يفتش بجيوبه وقال بضيق: "مافيش رقم موبايل ولا أي حاجة أعرف أتواصل مع أهلك بيها. حطوها في جيبك.. إزاي يسيبوك كده هما فاكرين العيال لعبة ولا حاجة منتهية الصلاحية عشان يرموك بالشكل ده. وآآ... إيه ده؟"
لمح يحيى بحظاظة رمادية ملتفة مرتين حول رسغ الطفل.
قرب يده الصغيرة ليتأكد مما جعله ينصدم.
زادت صدمته عندما سمع صوت يصرخ خلفه بحدة: "بدر.. يا بدر."
تلقائياً التفت يحيى لذلك الصوت.
كان سيف يهرول لهم ثم أخذ ابنه وقال وهو يلهث: "بدر حبيبي.. كنت فين وجيت."
آآآآآآآآ لاحظ يحيى للتو فهتف بإنكار: "إنت!"