وفي عيادة الطبيب. وبمجرد أن رأى الطبيب صورة الأشعة والتحاليل، ظهر الانقباض على ملامحه ثم قال: يا أستاذ شريف، لماذا لم تهتم بتعبك وتكشف على نفسك في بداية ما حسست بالمرض؟ فريد: خير يا دكتور، شريف أخويا ماله؟ الدكتور: الحقيقة مش هقدر أخبي عليكم، الأستاذ شريف للأسف عنده ورم في المخ، وواضح أنه من فترة طويلة وهو أهمل في نفسه. شريف: إنت بتقول إيه يا دكتور؟ أنا عندي ورم في المخ؟ لم يستطع فريد تمالك أعصابه
وجلس في مكانه ثم سأله: إنت متأكد يا دكتور؟ الطبيب: أيوه، واضح جداً في الأشعة. شريف: الورم ده خبيث ولا ورم حميد؟ الطبيب: لازم ناخد عينة من الورم ونحللها الأول عشان نتأكد ونحدد برنامج العلاج المناسب، أو لو فيه إمكانية لعملية جراحية. سمع فريد كلمات الطبيب وهو جالس، وفجأة ظهرت أمامه العرافة العجوز وهي تبتسم، ثم اختفت فجأة.
تذكر فريد تلك العرافة العجوز والتي أصبحت تطارده في أحلامه في الفترة الأخيرة، ولكن تلك المرة كانت في اليقظة. خرج فريد وشريف في صمت وكأن ألسنتهم قد أصيبت بالشلل. وبعد دقائق من الصمت الرهيب قال فريد: إحنا نروح لدكتور تاني يشوف الأشعة، وإن شاء الله يكون مفيش حاجة. شريف: الدكتور ده كويس جداً يا فريد، وأنا كنت حاسس من كلامه المرة اللي فاتت إنه كان شاكك وعايز يتأكد.
فريد: إن شاء الله يكون ورم حميد، وبعملية استئصال بسيطة هتخف بإذن الله. نظر شريف لأخاه ثم قال: إن شاء الله. فريد: أنا مش عايزك تقلق يا شريف، اطمن هتتعالج وتخف بإذن الله، حتى لو احتجت تسافر بره هنسفرك وتتعالج وتخف. شريف: المرض ده علاجه غالي أوي، سواء اتعالجت هنا أو لو سافرت. فريد: متشغلش بالك بالفلوس يا شريف، المهم تخف، سلامتك بالدنيا، وإن شاء الله هيكون حميد. شريف: أنا مش عارف أقول لأمي ولا لهند ولا أخبي عليهم.
فريد: بلاش تقولهم دلوقتي أحسن لما تخف، إنت عارف أمك لو عرفت هتموت من الزعل والخوف عليك. شريف: وهو أنا هخف يا فريد؟ فريد: إن شاء الله هتخف، بس إنت قول يارب. شريف: يارب. فريد: أهم حاجة بكرة تروح للدكتور ياخد العينة زي ما قالك علشان نبدأ العلاج أو نستعد للعملية لو الحالة احتاجت. في اليوم التالي، ذهب فريد مع شريف صباحاً عند الطبيب، وتم عمل عملية جراحية بسيطة لأخذ عينة من الورم.
خرج شريف بعد العملية بحوالي 8 ساعات، مربوط الرأس، فقال له فريد: لما نروح البيت كده أكيد هيسألوك طبعاً، فلازم هنقولهم إنك عملت عملية. شريف: أيوه، لكن هنقولهم إن عندي ورم بالمخ ولا هنقولهم إيه؟ فريد: أنا شايف إننا لازم نقولهم، مفيش مفر. شريف: طيب خليك معايا وقولهم إنت، إنت بتعرف تتكلم أحسن مني، مش عايزها تبقى صدمة. رجع شريف وفريد إلى المنزل، وبمجرد أن رأته والدته سألته بشغف: إيه ده؟ مال رأسك يا شريف؟
فريد: روحنا للدكتور وعمل عملية بسيطة عشان موضوع الصداع اللي بيجيله باستمرار. الأم: عملية في المخ وبتقول بسيطة؟ فريد: دي عملية أخذ عينة مش أكتر. الأم: عينة من المخ! تبقى مش بسيطة! إنتوا مخبيين عليا إيه؟ شريف: مش مخبيين حاجة يا أمي، زي ما فريد قالك. الأم: أنا قلبي متوغوش وحاسة إن فيه حاجة وإنتوا مخبيينها عني. فريد: وهنخبي عليكي إيه بس يا ست الكل؟ متقلقيش، أول لما نطمن هنطمنك على طول.
الأم: لو خبيتوا عني حاجة أنا مش هسامحكم أبداً. شريف: مفيش حاجة يا أمي، أنا هطلع أرتاح يا ماما عشان البنج لسه مأثر عليا. وبعد حوالي ساعتين، دق فريد باب شقة أخاه شريف. فتحت زوجته هند والدموع تكسو وجهها، ففهم فريد أنها عرفت الحالة من شريف. فسألها: شريف صاحي ولا نايم؟ هند: صاحي جوه، اتفضل. دخل فريد لأخيه وسأله: عامل إيه دلوقتي يا شريف؟ شريف: الحمد لله على كل حال. فريد: لسه دايخ من البنج؟
شريف: لأ، أنا من أول ما خرجت من عند الدكتور والدّوخة راحت، أنا قولت كده لأمك عشان مش عايز أغلط وأتكلم قدامها. فريد: وقولت لمراتك ليه؟ دخلت هند وقالت: وإنت عايزاه يخبي عليا حاجة زي كده إزاي؟ فريد: كنا مش عايزين نقلقكم، وكنا هنقولكم كل حاجة لما نطمن الأول ونعرف الحالة بالظبط. فريد دخل شقته وكان واضح عليه الحزن الشديد. سألته تغريد: مالك يا فريد؟ فيه إيه؟ فريد: مفيش حاجة. تغريد: لأ شكلك بيقول إن فيه حاجة كبيرة مزعلاك!
فريد: شريف أخويا. تغريد: ماله؟ فريد: أنا هقولك بس أوعي تقولي لأمي حاجة. تغريد: حاضر مش هقولها. فريد: شريف عنده ورم في المخ. تغريد: بتقول إيه! فريد: زي ما بقولك كده، والدكتور أخد منه عينة النهارده عشان يحللها ويعرف إذا كان الورم حميد ولا خبيث. تغريد: وهند عرفت؟ فريد: أيوه، للأسف شريف مبيعرفش يخبي عنها حاجة. تغريد: إن شاء الله هيكون الورم حميد ويخف ويرجع زي الأول وأحسن. فريد: يارب، أنا خايف أوي!
تغريد: متخافش، إن شاء الله خير. فريد: فاكرة لما قولتيلي عايزاني أسافر؟ كنت هسافر إزاي بعد ما أبويا مات واخويا مسافر والتاني مريض؟ هسيب العيلة كلها في الظروف دي إزاي؟ تغريد: إحنا مش في مشكلة السفر دلوقتي، المهم تطمن على أخوك الأول. مرت عدة أيام، وفي ليلة بينما فريد وتغريد في نوم عميق، يستيقظ فريد على دقات عالية متسارعة على باب الشقة. يقوم فريد من نومه مهرولاً ليجد هند تبكي وتقوله: ألحقني يا فريد، أخوك شريف!
نزل فريد في خطوات قليلة قافزة ودخل لشريف ليفاجأ به جثة هامدة. صعد فريد لشقته وأمسك بهاتفه واتصل بصديقه الطبيب ولكنه لم يرد عليه. نزل فريد بملابس نومه إلى الشارع وذهب لمنزل الطبيب (وطوال المسافة يتذكر كلمات تلك العرافة العجوز وكلماتها لأمه في طفولتهم وكلامها عن موت شريف بسبب مرض يصيبه بعد زواجه وإنجابه) . وصل للطبيب وأيقظه من نومه ورجع معه إلى المنزل ليجد جميع الأسرة محاوطين الفراش الذي يرقد عليه شريف.
كشف الطبيب عليه ثم قال: البقاء لله يا جماعة. علت صرخات الأم والزوجة بينما امتلأت عيون الباقين بالدموع. جلس فريد في ركن وحده يتذكر ذكرياته مع شريف منذ الطفولة، وتذكر كلمات العرافة وتساءل في ذهنه: هل موت شريف تصديقاً لنبوءتها أم مجرد صدفة؟ وإن كان تصديقاً لنبوءتها، فهل ستصدق باقي النبوءة؟ وبعد حوالي ساعة قالت الأم: اتصل بأخوك أسامة يا فريد، لازم ييجي ويحضر جنازة أخوه.
فريد باكياً: يا أمي مش هينفع نأخر الدفن، أسامة لو عرف وجه مش هيكون قبل دخول الليل، يعني هندفن بكرة الصبح. الأم باكية: أخوك لازم يكون موجود. فريد: يا أمي، إكرام الميت دفنه، ولو قولنا لأسامة دلوقتي هيكون غلط. أنتهت إجراءات الدفن وعاد الجميع إلى المنزل لتلقي العزاء في الفقيد. الأم ودموعها تتساقط: إنت عملت اللي في دماغك ودفنت أخوك وأخوك التاني مش موجود، على الأقل اتصل به ييجي يقف في عزا أخوه.
فريد: حاضر هطلع دلوقتي أتصل به. صعد فريد شقته ودخل في غرفة وحده وأمسك بهاتفه وحاول التماسك ثم اتصل بأسامة. أسامة: إيه يا فريد، أخبارك إيه وكل اللي عندك عاملين إيه؟ فريد: الحمد لله، عايز أقولك حاجة وعايزك تمسك أعصابك. أسامة: خير يا فريد؟ فيه إيه؟ أمك حصلها حاجة؟ فريد: لأ، أمك كويسة. أسامة: اتكلم طيب، فيه إيه؟ وقعت قلبي. فريد: أخوك شريف. أسامة: ماله؟ فريد: تعيش إنت. لم يتمالك أسامة أعصابه وسقط مغشياً عليه، بينما
كرر فريد مناداة أخاه: أسامة، أسامة، أسامة. عرف فريد بأن أسامة أصيب بإغماء نتيجة الصدمة. أغلق فريد المكالمة وجلس والدموع تنهمر على وجهه. وبعد قليل جائه اتصال مرة أخرى من أسامة: فريد، رد عليا، أخوك شريف مات؟ طيب إزاي؟ فريد: أيوه مات الله يرحمه النهارده الفجر. أسامة: إزاي؟ أنا لسه سايبه من أيام كان كويس! فريد: لما روحنا بالأشعة والتحاليل عرفنا إنه عنده ورم في المخ والحالة كانت متأخرة أوي!
أسامة: طيب اقفل يا فريد، أوعوا تدفنوه، كلها كام ساعة وأكون عندكم. فريد: إكرام الميت دفنه يا أخويا ومكنش ينفع نستناك ونأخر الدفن. أسامة: يعني إيه؟ شريف اتدفن؟ فريد: أيوه، كان حرام نأجل الدفن الوقت ده كله. أسامة: طيب أنا جاي النهاردة عشان آخد عزا أخويا وأكون جنبكم، أنا مش قادر أصدق! شريف مات! فريد: تيجي بالسلامة يا أخويا. أنهى فريد المكالمة
ثم خرج لتغريد وقال لها: مش عايزك تسيبي أمي ولا هند الأيام دي لغاية ما يفوقوا من الصدمة. تغريد: طبعاً، أكيد لازم أفضل جنبهم في المصيبة دي. فريد: طيب أنا هنزل لأمي دلوقتي وأنتي ادخلي عند هند اقعدي معاها هي والأولاد. نزل فريد لوالدته وقال لها: أنا اتصلت بأسامة وقولتله وهو جاي علطول مسافة ما يحجز الطيارة. الأم باكية: أنا مش مصدقة، أكيد أنا في كابوس! شريف مات! كنت موتت أنا وهو يعيش! ده لسه شباب ومراته وعياله محتاجين له.
فريد: وحدي الله يا ماما، ده قدر ربنا ولازم نرضي به ونقول الحمد لله. زادت دموع الأم وقالت: الحمد لله، الحمد لله علي كل شئ، أنا مش مصدقه أني مش هشوفه تاني. فريد: شريف هيفضل معانا في قلبنا وعياله هيفضلوا في حضننا ويفكرونا به. صمتت الأم قليلا ثم قالت: لما أخوك ييجي النهاردة أنا هقوله ميسافرش تاني. "تذكر فريد كلمات العرافة" ثم قال: عندك حق يا ماما، أسامة لازم يفضل جنبنا بعد كده.
وفي اليوم التالي عاد أسامة فجرا وما أن دخل المنزل حتي اصيب بنوبة بكاء شديدة. مرت أيام العزاء الثلاث وفي اليوم الرابع طلبت الأم ابنها أسامة وقالت له: متسافرش تاني يا ابني، أوعي تسافر، أنت واخوك فريد دلوقتي ملكوش الا بعض ومش معقول كل واحد فيكم يكون في بلد بعيد عن التاني. أسامة: لكن يا امي. الأم: من غير لكن، اللي بقوله هو اللي يتنفذ مفيش سفر تاني. أسامة: طيب حاضر، مش هسافر، المهم دلوقتي اهدي بس علشان صحتك.
الأم: صحتي هتكون كويسة لما تسمعوا كلامي أنت وأخوك فريد. أسامة: حاضر يا ماما. مشهد آخر. أسامة: أنا مش عارف أعمل ايه مع أمي. فريد: من ناحية ايه مش فاهم؟ أسامة: مش عايزاني أسافر تاني. فريد: معلش أستحملها، صدمة موت شريف جامدة أوي عليها، وكمان هي لها حق يا أسامة، أحنا خلال سنة واحدة مات بابا وشريف ومش باقي رجالة للعيلة الا انا وانت. أسامة: لكن أنا لازم أسافر. فريد: ليه لازم؟
أسامة: أنا ليا فلوس هناك ومشارك واحد مصري هناك في تجارة، يعني مش هعرف أرجع فجأة كده قبل ما أرتب أوضاعي وأخد كل فلوسي. فريد: يا أسامة الفلوس تتعوض انما وجودنا جنب أمك في الوقت ده ضروري ولازم وميتعوضش. أسامة: متنساش يا فريد اني كنت مستلف فلوس السفر ولسه مش سددتها كلها، يعني الفلوس اللي ليا هناك جزء كبير منها دين عليا. فريد: يعني هتسافر في الظروف دي؟
أسامة: اللي اقدر اعمله دلوقتي أني اقعد معاكم لحد لما أمك تفوق من صدمتها وبعدها أسافر أصفي شغلي وفلوسي هناك وبعدين أرجع. فريد: وهنعمل ايه مع مرات شريف واولاده؟ أسامة: مرات شريف هتعيش مع عيالها في ميراث جوزها عادي مفيش تغيير. مرت الأيام وبدأ الجميع يستوعب الصدمة وبعد مرور حوالي شهر فوجئت الأم بأبنها أسامة يقول لها: عايز أقولك حاجة ومش عايزك تزعلي مني. الأم: خير يا أسامة؟ قول. أسامة: بصراحة أنا لازم أسافر.
الأم: لأ، أنا قولتلك مفيش سفر تاني. أسامة: يا أمي أنا ليا فلوس شغل هناك ومبلغ مش صغير. الأم: في داهية الفلوس، المهم تفضل جنبي وجنب أخوك ومراتك وابنك. أسامة: يا ماما أنا لسه مديون بجزء من مصاريف السفر ولازم أسدد الدين ده وباقي الفلوس شقايا وتعبي وأنا وأولادي أولي بالفلوس دي من الغريب. الأم: ياحبيبي سيبك من الفلوس دي، وأنا هتصرف وأسدد الدين اللي عليك.
أسامة: لأ، حرام لما أسيب عرقي وشقايا للغريب، ولو أنا مرجعتش مش هطول حاجة من الفلوس دي. الأم: أنا قولتلك متسافرش يا أسامة وده أخر كلام عندي. أسامة: يا ماما. الأم: أنا قولت خلاص مش عايزة كلام في الموضوع ده تاني. مرت الأيام وكانت الأم دائما بصحبة هند وابنائها الصغار واحتضنتهم وحاولت تعويض غياب شريف.
بينما بدأ فريد ينشغل بعمله، أما أسامة فكان دائم الاتصال بعمله بالخارج ليؤجل رجوعه ويتعلل لهم بمرض والدته نتيجة فقدان اخيه حتي يطيل فترة بقاؤه بجوارها. ومر علي وفاة شريف قرابة الشهرين حتي عاود أسامة طلب السفر من والدته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!