ذهب رياض حفل الزفاف ولم يتعرف على غالية، فقد اندمجت غالية مع الحاضرين. كل من يبدي إعجابه بفستان منال تخبرهم أنه من تصميم غالية وتعرفهم عليها، ويزداد إعجابهم بها عندما يعلمون أن فستان غالية أيضاً من تصميمها.
اقترب منها كثيراً من الفتيات وتبادلوا أرقام الهواتف. أصبحت غالية ملتصقة بمنال وظن الحاضرون أنها من أقاربهم. كانت منال حريصة أن تجعلها تتحدث وتتفاعل مع الحاضرين. لم يكن هناك وقت لتفكر غالية فيما يحدث أو كيف عليها أن تتصرف، فقط أصبحت تتعامل مع الجميع بتلقائية وتساعد منال إذا احتاجت شيئاً.
كان عيسى منشغل بالرقص مع أصدقائه وليلى مع أصدقائها وأقاربها. ومن حين لآخر تذهب غالية لتشاهد ليلى، ومرة أخرى تذهب خلف أبنائها، وباقي الوقت برفقة منال لتعرفها على أقربائهم. ظل رياض يشاهد من بعيد حركة غالية وهي كالفراشة، ويتساءل متى أصبحت بذلك الجمال وكيف لها أن تظهر أمام الجميع بذلك الشكل المبهر؟ ماذا لو أعجب بها شخص ما وأراد الارتباط بها؟ في نفس الوقت كان يجلس عمها ويشاهدها ويحاول كبت غضبه حتى لا يفسد زفاف وفرحة ابنه.
قام بالهمس لزوجته: ـ روحي نادِي غالية. ـ حاضر يا حاج. وبالفعل ذهبت زوجته وسط الحريم وأخذت غالية لتتحدث مع عمها. بدأ عمها في النظر لها بغضب: ـ إيه القرف اللي انتي لابسااه ومهبباه في نفسك ده، إيه فاكرة نفسك عيارك فلت ومالكيش كبير؟ ـ ماله شكلي يا عمي، منا لابسة حشمة ومدارية جسمي اهو. ـ واللي في وشك ده إيه؟ ـ كل البنات عاملين كده، وبعدين أنا عاملة كده عشان محدش يقول إني متضايقة من جواز عيسى.
ـ وإنتي مش فارق معاكي جوزك يتجوز، وغير كده أنا واخد بالي من قربك من أم العروسة والعروسة، إيه خايفة عيسى يقلب عليكي بعد ما يتجوز، فبتحري معاهم ناعم؟ ـ ودي حاجة تزعلك إنّي أبقى كويسة مع ضرتي، ده حتى ابنك هيعيش مرتاح من غير مشاكل. ـ طيب اعملي حسابك بقى الأيام اللي عيسى مش هيكون فيها موجود هتيجي تعيشي معايا تاني، ما أنا مش هسيبك عايشة لوحدك من غير راجل. ـ لا يا عمي، أنا مش موافقة، دي حاجة بيني وبين جوزي.
ـ نعم يعني إيه، ومن إمتى بتقوليلي لأ؟ ـ بعد كده لما تقرر حاجة عني مش عاجباني هقولك لأ، أنا مش مجبرة أسمع كلامك وأجي على نفسي تاني. ـ ولما آخد منك الأولاد تاني؟ ـ مش فارقة، أولاً لو قررت تخطفهم تاني المرة دي هبلغ عيسى وأحكيله سبب جوازي منه كان إيه. ثانياً البلد فيها قانون. ثالثاً الأطفال دي ليها أب ولما أعرفه إنهم اتخطفوا أكيد مش هيسكت، خاصة إن علاقته بيهم قوية.
رابعاً يا عمي البيت اللي أنا عايشة فيه ده بيت أهلي، يعني كمان محدش يقدر يخرجني منه. ـ من إمتى طلعلك صوت ومين اللي علمك الكلام ده؟ ـ الأيام والظلم علموني كتير أوي، إجبارك ليا إني أعمل كل حاجة على مزاجك وضغطك عليا وصلني لكده، ماتلومنيش بقى على تصرفاتي وإني بحاول أعيش. ـ حلو الكلام ده يا غالية، بس مش هيعدي كده وكلامنا مش دلوقتي، لينا كلام تاني مع بعض.
تركته غالية ورحلت وهي غير مصدقة أنها هي من قالت ذلك الكلام. هل حقاً استطاعت أن تتمالك نفسها وتقف أمام عمها، الذي جعلها دمية في يد الجميع؟ تمنت لو تقابل رياض وتسمعه هو الآخر ما يحلو لها كما فعلت مع أمها.
لم تكمل الكلمة داخلها ووجدت رياض يقترب منها بملامح مبهمة. لا تعلم هل هو سعيد أم غاضب. حسناً، لا يهمك، ففي كلا الأحوال هو ليس لديه أي سلطة عليها. كانت الابتسامة مرسومة على وجه غالية لا إرادياً، وظن رياض أنها تبتسم له فابتسم هو الآخر. مرت غالية من جانبه دون أن تعيره أي اهتمام، مما جعل الابتسامة تختفي وذهب خلفها مسرعاً. وَعَت غالية لتلك الابتسامة وخشت أن يظن رياض أنها له، فقررت أن تتجاهله حتى لا يساء فهمها.
اقترب منها رياض وجذبها من معصمها لمكان هادئ تحت اعتراضها: ـ اسكتي عشان الناس ما تتلمش والفرح يبوظ، أنا مش هعملك حاجة، أنا عايز أكلمك بس. ـ طيب سيبني وأنا جاية معاك. وبالفعل ذهبوا سوياً للخارج ليتحدثوا: ـ خير يا رياض، في حاجة؟ ـ إيه الجمال ده بس، كنتي مخبياه فين؟ ـ احترم نفسك، أنا ست متجوزة وعيب تتكلم معايا كده. لو عايز تتكلم بخصوص الأولاد أنا هرد عليك، غير كده انسى.
ـ ماشي يا غالية، نتكلم بخصوص الأولاد. أنا هاخدهم وأسافر بعد الفرح، أنا كلمت عيسى وقالي إنك موافقة. ـ آه فعلاً، ما عنديش مانع. ـ خلاص، هوصلك البيت آخد حاجة الأولاد عشان نسافر. ـ لا وتتعب نفسك ليه، الحاجة أنا جايباها معايا، تعالى خدها وخد الأولاد وسافر. ـ طيب لو حبيتي تكلميهم، اتصلي عليا. ـ لا، منا عاملة حسابي وحاطة لهم تلفوناتهم في الشنطة. تعالي معايا. ذهب رياض خلفها وتوقفت عند رجل الأمن الخاص بالقاعة:
ـ مساء الخير، ممكن تديني الشنطة اللي سبتها معاك وأنا داخلة، وأسفة لو أزعجتك. ـ حاضر، اتفضلي يا أستاذة. ثم أعطاها تلك الحقيبة وقامت غالية بإعطائها لرياض ثم تركته وذهبت دون أن تتحدث معه. ذهب رياض خلفها مرة أخرى: ـ طيب يلا أوصلك دلوقتي. ـ وتوصلني بأمارة إيه؟ ـ أبو ولادك. ـ وطليقي يعني، مالكش دعوة بيا. ـ بس كان في عشرة بينا يا غالية.
ـ عشرة سودة ومنيلة، والأفضل ليك إنك متفكرنيش بيها، لأن بصراحة كل ما بفتكرها بتضايق على السنين اللي عشتها مع واحد زيك. تغاضى رياض من حديثها، فهو كان يتوقعه. لا يهم ماذا ستقول له، أهم شيء أنها واقفة أمامه وتتحدث إليه. ـ بصي يا غالية، أنا مش هسيبك تمشي لوحدك بالليل كده وانتي زي القمر، وأكيد ممكن حد يعاكسك. ـ ملكش دعوة، ويا ريت تسيبني بدل ما أعلى صوتي وأفرّج عليكي القاعة. ـ طيب خلاص، اهدى. إنتي مين هيوصلك؟
ـ رياض أنت مابتفهمش، مالكش دعوة بيا، أنت سامع؟ أنا ليا جوز مسئول مني. وقف رياض حائراً، ماذا سيفعل مع ذلك العناد. ذهب ووضع حقيبة أطفاله في سيارته وعاد مرة أخرى للزفاف. وجدت غالية تقف مع منال: ـ بقولك إيه يا غالية، ابن أختي هيوصلك، وأخته هتكون راكبة معاكم مش هتسيبك لوحدك. أنا بصراحة ما أضمنش إنك تركبي عربية لوحدك.
اقترب منهم رياض وهو يشعر بغيرة من حديث تلك المرأة، فهو كان يرى نظرات ذلك الرجل إليها. هل تلك المرأة تريد أن يقتربوا من بعضهم؟ لا، لن أعطيهم تلك الفرصة. ـ مافيش داعي يا مدام، أنا رياض والد أطفالها. وضغط على تلك الكلمة حتى يعطي إشارة لهم بعد الاقتراب. رأت منال غيرة طليقها عليها، ولكنها سمعت ما يكفي حتى يجعلها لا تأمن له معها.
ـ بص يا ابني، ابن أختي وبنتها أنا بثق فيهم وعارفاهم، ولو حصل حاجة هيكلموني. وغير كده غالية ضيفة في فرح بنتي، يعني مسؤولة مني. وأنت حي الله طليقها، يعمي مالكش الحق تقول مين يوصلها ومين لأ. كانت النظرات حارقة بين منال وغالية ورياض. ـ وأنا مش هقبل إن راجل غريب يوصلها، ده يبقى ابن اختك انتي، وأنا أعرفه منين؟ ـ معلش يا عمي، بصفتك إيه تقبل أو لا؟ أنت حي الله طليقها.
ـ وأبو ولادها، ولو ركبت معايا كأن ولادها هما اللي بيوصلوها، وأعتقد أن أولادها أولى بيها. كان الأولاد وأقارب منال يقفون يشاهدون ذلك النقاش الحاد. ـ وانت يا ابن الناس، لو كان ليك أمان ماكنتش اتطلقت منك. أنا إزاي أطمن عليها معاك؟ ـ دي حاجة تخصنا بقى، وبعدين ماهي عاشت معايا قبل كده وسليمة أهي، لاهي ناقصة إيد ولا رجل. تحدثت غالية ناهية ذلك الحوار، وواقفة في صف منال: ـ أنتي كلامك صح، معلش أنا أركب معاك ليه؟
أنت اللي ليكي عندي ولادك، وأنا كتير خيري بسيبك تقابلهم وتسافر معاهم، أكتر من كده لأ، مالكش عندي حاجة. وهركب معاهم هما. ولو سمحت ماتدخلش مرة تانية في حياتي، أنا موافقة أركب معاهم. يلا بينا. ثم انطلقوا ثلاثتهم نحو سيارته. شعر رياض بالإحراج، لكنه لم ييأس ولم يتركهم سوياً. ذهب خلفهم بسيارته إلى أن وصلت للمنزل وغادر أقارب ليلى. نزل من سيارته واقترب منها:
ـ إنتي قاصدة تحرجيني يا غالية، بس ماشي هقبلها منك. ولما أجي من السفر ليا كلام تاني معاكي. هسيبك دلوقتي عشان الوقت اتأخر. ثم تركها ورحل. نظرت غالية في أثره بلا مبالاة، هي لن تعيد الماضي مرة أخرى. مر يومان وذهب عيسى لشهر العسل برفقة ليلى. وعرضت عليه ليلى مشروعها مع غالية، ورحب عيسى وقرر أن يتكفل هو بكل شيء يحتاجوه ليبدأوا ذلك المشروع. قبل عودة عيسى قرر عم غالية زيارتها حتى يحاول كسرها مرة أخرى وإعادتها لطوعه.
يترى هيقدر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!