الفصل 16 | من 34 فصل

رواية العزف على نياط القلوب الفصل السادس عشر 16 - بقلم اماني سيد

المشاهدات
18
كلمة
2,227
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

كانت غاليه تجلس في غرفتها الجديدة وتقوم بحياكه بعض الملابس التي اتفقت عليها مع بعض أقارب العروسة في الفرح. مع كل ضغطة على الماكينة كانت ترى غاليه طريقًا عليها أن تخطيه أولاً حتى تصل لنهايته، فلكل شيء بداية ونهاية. هي الآن أصبحت تعلم بدايتها وعليها أن تجتاز الصعاب حتى تستطيع المضي قدمًا بنجاح. عليها أن تتعلم كيف تواجه.

أثناء انشغالها بالتفصيل سمعت صوت محاولة لفتح الباب. شعرت غاليه وقتها بخوف أن يكون لصًا يحاول الدخول للمنزل. أخذت أقرب عصا ظهرت أمامها وذهبت لباب المنزل. وجدت بالفعل الباب قد تم فتحه وعمها ظهر من خلفه. شعرت غاليه باسترخاء ووضعت العصا جانبًا. نظر لها عمها باستهزاء. ـ إيه يا غاليه، هي العصاية دي اللي هتحميكي؟ ـ بعمل اللي عليا بس حضرتك ما بلغتنيش إنك جاي ليه. ـ هو أنا محتاج استأذن قبل ما آجي بيت ابني؟

ـ لا يا عمي، ده بيتي وبيت أبويا الله يرحمه. وغير كده حضرتك تنور في أي وقت بس استأذنك تبلغني قبلها عشان أكون عاملة حسابي. ـ وهتعملي حسابك إزاي بقى؟ هتلبسيللي اللي على الحبل؟ ـ لا، أضمن إني أكون موجودة في استقبالك. ـ ليه؟ وإنتي بتروحي فين؟ ـ دي حاجة خاصة بيا، مش مطالبة أقولك خط سيري. المهم، خير يا عمي، وإيه سبب الزيارة دي؟ ـ جهزي حاجتك، هتيجي تقعدي معانا. مراتي تعبانة ومحتاجة حد يساعدها.

ـ أنا آسفة، مشغولة ومش هقدر آجي. ـ مشغولة في إيه بقى يا بنت أخويا؟ ـ حاجات تخصني يا عمي. ـ وأنا مش همشي انهارده غير وإنتي معايا. ـ وأنا قلتلك لأ يا عمي، مش هروح في حتة. ـ إيه؟ مش خايفة؟ ـ لأ، مش خايفة. لأن أي فعل هتعمله المرة دي هيكون في رد عليه. ظلت غاليه ترد على عمها الكلمة أمامها أخرى وتستفزه. لا تعلم سبب تلك النشوة الداخلية عندما وجدته وصل لتلك الحالة من العصبية. اقترب منها عمها بهمجية وكاد أن يضربها.

ـ تصدقي إنك قليلة أدب وناقصة تربية، وأنا هربيكي. وكاد أن يصفعها إلا أن غاليه ظلت تصرخ بهستيريا. ـ الحقوني، الحقوني، عايز يقتلني. ظلت تستنجد بالجيران إلى أن اجتمعوا في منزلها. ظل عمها واقفًا لا يعلم ما يحدث ومتى تجمع كل ذلك الجمع. اقتربت السيدات من غاليه وظلت تواسيها وتسألها ماذا حدث معها. ـ خير يا بنتي، حصل إيه؟ ـ ده عمي بيتهجم عليا وعايز يموتني يا إما أسيب بيتي وأروح أخدم مراته، يا إما يضربني ويبهدلني.

ـ لا طبعًا، ما يصحش الكلام ده. ماهي برضه البنت ليها بيتها وجوزها اللي سمعنا إنه اتجوز عليها وهي قبلت بنفس راضية، فإنت بقى عايز تكمل ظلم وتيجي عليها وتشغلها خدامة لمراتك، لأ، ما يصحش. ومحدش هيسمح بكده. تمتم الجميع خلف حديثها مما جعل لسان عمها يعجز عن الحديث أو التبرير، فتركهم وذهب. ظلوا الجميع يحاولون تهدئتها وهميًا وبعدها انصرفوا إلى منازلهم. عادت غاليه لغرفتها المفضلة وأكملت عملها بكل حماس.

في اليوم التالي صباحًا، أتت بنجار وقامت بتغيير الكالون وقامت بتزويد بعض الأترابيس لتجعلها تشعر بأمان أكثر. فشعور الوحدة يزداد بداخلها بمجرد أن ينصرف الزبائن. أمسكت الهاتف وقررت أن تتصل بأبنائها حتى تطمئن عليهم، ولكن وجدت هاتفهم مغلقًا. شعرت بالقلق عليهم ولكنها حاولت تهدئة نفسها أن من الممكن أن يكونوا فصلوا الشحن وهم مشغولون باللعب. سألت نفسها هل تتصل برياض لتطمئن عليهم أم تنتظر للمساء؟

قررت أن تنتظر لعلهم هم من يتصلون بها. قامت باستكمال عملها ونسيت أن تأكل أو تشرب. في آخر اليوم شعرت غاليه بدوار يعصف برأسها وصوت يأتي من بطنها. تذكرت غاليه أنها لم تأكل شيئًا من الصباح. ذهبت للمطبخ وقامت بعمل ساندوتش وكوبًا من الشاي وجلست في الشرفة تأكلهم وهي تحاول الاتصال بأبنائها مرارًا وتكرارًا. وقررت أن ترسل رسالة لرياض حتى يطمئنها على أبنائها. وبالفعل قامت بإرسال رسالة ولكنه تعمد تجاهلها حتى تتصل به ويسمع صوتها.

تجاهل رياض للرسالة جعل القلق يزداد داخل غاليه فقررت الاتصال به فأجابها رياض مسرعًا. ـ ألو، إزيك يا غاليه؟ ـ الأولاد عاملين إيه وتليفوناتهم مقفولة ليه؟ ـ التليفون في البيت فاصل شحن وإحنا بنتفسح. تحبي أبعتلك عربية تجيبك تطمني عليهم؟ ـ لأ، أنا عايزة أكلمهم لو سمحت. ـ لا، هما مشغولين دلوقتي بيلعبوا بلايستيشن. ـ لو سمحت أنا عايزة أكلمهم أطمن عليهم. متحسسنيش إني غلط لما سبتهم لك.

ـ حاول رياض قدر الإمكان المماطلة معها في الحديث حتى يسمع صوتها أطول فترة ممكنة. ـ رياض لو سمحت اديني الأولاد عايزه أكلمهم. لو ما عملتش كده، أنا مش هقبل إنهم يباتوا بره البيت تاني. ـ خلاص خلاص، حقك عليا أنا آسف. استنى هخليكي تكلميهم. فتح رياض مكبر الصوت ووضع الهاتف أمام أبنائه ليتحدثوا مع أمهم. بدأت غاليه بالحديث. ـ ريان، يا مالك، عاملين إيه؟ وحشتوني قوي.

ـ الحمد لله يا ماما، إحنا كويسين وإنتي كمان وحشانا. إنتي عاملة إيه؟ ـ أنا كويسة. طمنوني عليكم، إنتوا مبسوطين؟ ناقصكم حاجة؟ ـ إحنا مبسوطين أوي وكل يوم بابا بيخرجنا في مكان مختلف. حتى الشغل بياخدنا معاه مش بيسيبنا لوحدنا. ـ تمام يا حبايبي، أهم حاجة إن انتوا تبقوا مبسوطين وتخلوا بالكم من بعض وتحطوا التليفون على الشاحن عشان لما أحب أكلمكم أعرف أوصل لكم. عشان لو ما عملتوش كده مش هخليكم تسافروا لوحدكم تاني، سامعين؟

ـ حاضر يا ماما. ـ هتيجوا امتى؟ ـ بعد بكرة. بابا لسه عنده شغل وهيتأخر يوم تاني. ـ تمام، مفيش مشكلة طالما انتوا مبسوطين وكويسين وب تطمنوني عليكم. أغلقت الهاتف وازداد الشعور بالوحدة بداخلها. هل أخطأت حينما تركت أطفالها وجلست بمفردها؟ إذا ماذا لو كبرت في السن وتزوج الأطفال وانشغلوا بحياتهم، هل ستبقى في تلك الوحدة؟ هل عليها أن تحاول أن تتأقلم عليها؟

تنهدت بوجع وقامت لتكمل عملها لعل شعور الوحدة يختفي. وقامت بتشغيل الراديو بجانبها حتى تقضي على ذلك الصمت. ليتك يا رياض كنت صالحًا، ليتك تغيرت قبل فوات الأوان. لكن الآن الوحدة أفضل من العودة إليه، فالعودة إليه بمثابة التخلي عن كل شيء.

مر يومان وبدأ صيت غاليه في الانتشار وبدأت تزداد زبائنها، ومن يفصل عندها مرة يحجز تصميمًا آخر. وجدت غاليه نفسها لن تستطيع أن تكفي كل تلك الطلبات بمفردها وتلك الماكينة لم تنجز معها، فقررت أن تؤجل البعض منهم وتبحث عن فتاة تساعدها في عملها. وسألت إحدى الجيران ومنهم واحدة دلتها على ابنة أختها، وبالفعل في اليوم التالي أتت لها تلك الفتاة.

مريم، فتاة في الـ 25 والعشرون من عمرها، مطلقة منذ خمس سنوات ولا يوجد لديها أطفال. بدأت غاليه بالجلوس معها والتعرف عليها. ـ إزيك يا مريم؟ عاملة إيه؟ خالتي أم إبراهيم شكرت لكِ فيكي أوي. ـ الحمد لله في نعمة. ـ إنتي اشتغلتي في الخياطة قبل كده؟ ـ آه طبعًا، كنت بشتغل في مصنع وسبته من شهر. ـ سبتيه ليه؟

ـ يعني عشان ظروفي وكده. بتلاقي الناس لما بيعرفوا إني مطلقة نظرتهم ليا بتختلف، بيكون فيها طمع كأن الست المطلقة دي مباحة للجميع. ـ بيضايقوكي؟ ـ طبعًا، وتلميحات سخيفة وكلام من تحت لتحت ونظرات تقرف. بقيت كل فترة أشتغل في مصنع شكل لحد ما قررت إني مش هشتغل تاني، لكن لما عرفت إن الشغل هيكون مع واحدة ومافيش تعامل مع الناس بصراحة وافقت أشتغل بغض النظر عن الربح. ـ بإذن الله تتحل، بس إنتي شكلك عانيتي كتير.

ـ الحمد لله على كل حاجة، أنا راضية باللي حصل. لم تريد غاليه أن تضغط عليها وأخذتها للغرفة لتعرفها طبيعة عملها. ظلت مريم تشاهد محتويات الغرفة وأعطت غاليه بعض الأفكار. ـ بصي يا مدام غاليه، عشان أكون صريحة معاكي، الماكينة دي مش هتسعفك ومش هتديكي الجودة المطلوبة. ـ طيب، أعمل إيه دلوقتي عشان أجيب ماكينة جديدة؟ محتاجة مبلغ كبير خاصة لو زي بتاعة المصانع.

ـ بصي مبدئيًا كده، الأوضة دي كويسة، هي صغيرة شوية بس ماشية حالها طالما أنا وإنتي بس. إنتي هتكوني محتاجة أوضة للقياس، ما يصحش كل أما يجيلك حد تدخليهم أوضة النوم بتاعتك. تاني حاجة، فيه ماكينات مستخدمة من المصانع، كل شوية المصانع بتجدد، ممكن تشتري لي ماكينة حالتها حلوة بتبقى بنص السعر ومش هتكلفك كتير لكن هتنجز لك الوقت. ـ طيب، إنتي تعرفي حد؟

ـ آه، ممكن أكلم لك عم لطفي ده المسؤول عن صيانة الماكينات في المصنع الأخير اللي كنت شغالة فيه، لو فيه حاجة حالتها كويسة تحت إيده يجيبهالك. ـ طيب، اتصلي بيه وشوفي دنيته إيه. بالفعل اتصلت مريم بذلك الرجل وأبلغها بوجود ثلاث ماكينات. ظلت مريم تفاوصل معه وتتحدث معه بمجامله حتى يعطيها الماكينة بسعر مناسب، وبالفعل وافق الرجل واتفق أنه في اليوم التالي سيأتي بالماكينة ليركبها.

بدأت غاليه ومريم بتجهيز المكان وبعد الانتهاء ذهبت مريم لمنزلها وجلست غاليه تحضر طعامًا لأولادها فهم سيأتون اليوم. في المساء أتى الأولاد وهم سعداء وبعدها جلسوا وظلوا يقصوا لوالدتهم كل شيء رأوه بإنبهار. كانت تسمع غاليه وتتخيل لو كانت معهم، ولكن سيأتي اليوم لتصطحبهم في رحلة مثل هذه وترى تلك السعادة والانبهار في أعينهم.

في اليوم التالي أتى الرجل وبالفعل بدأ في تركيب الماكينة وقامت مريم بتشغيلها وتعليم غاليه عليها وقررت كل واحدة ستعمل على ماكينة من الماكينات. الماكينة القديمة تستخدمها في خياطة البطانة والأشياء غير الظاهرة والجديدة تستخدمها في إنهاء الشغل. وبالفعل بدأوا في العمل واستطاعوا الانتهاء من الطلبات المتأخرة.

مر أسبوع وأتى عيسى ومعه ليلى ليزوروا غاليه وقصت لهم غاليه ما فعلته وسعدت ليلى بتصرفها. وقرر عيسى أن يجدد المنزل ويضم غرفته التي كان يجلس بها بغرفة غاليه حتى يصبح المكان أوسع وأكبر ويصنع مكتبًا لليلى حتى تبدأ معهم. وقررت ليلى أن تقوم بالتسويق لهم على جميع مواقع التواصل الاجتماعي.

وبالفعل قرروا أن يوقفوا العمل لمدة أسبوع حتى ينتهوا من التجهيزات في المنزل، وأتى العمال وكانوا يعملون على قدم وساق وكان عيسى يأتي من وقت لآخر ليتابع سير العمل. وبدأت ليلى في عمل دعاية على كل مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح يأتي لهم زبائن من كل مكان بدايه من ذلك المكان الذي تقطن به غاليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...