الفصل 28 | من 34 فصل

رواية العزف على نياط القلوب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اماني سيد

المشاهدات
15
كلمة
2,488
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

ـ لو سمحت يا رياض ابعت العنوان. ـ العنوان. بس قبل ما تيجي يا رياض الدكتور محذر ومانع الاختلاط، يعني لو المدام حامل أو حد مريض هيكون فيه خطورة عليه. ـ وأنت بتبات معاها في الشقة؟ ـ لا، أنا جايب واحدة تبات معاها وأنا بات في الشقة بتاعتي، بس بعد ما بطمن عليهم وإن كل حاجة كويسة. ـ تمام يا رياض، أنا جاي أزورها دلوقتي. ذهب عيسى واشترى كمامة وكحول واتجه لعنوان غالية حتى يطمئن عليها ويكون حذر في نفس الوقت لسلامة زوجته وأمه.

شعر رياض بغيرة من وجود عيسى وقرر أن يظل متواجد إلى أن ينصرف، وبعدها سينام داخل سيارته لليوم التالي حتى يظل قريب منهم. وبالفعل أتى عيسى ودخل لغرفة غالية ولكن وجدها نائمة ومرهقة، تركها وذهب ليتحدث مع رياض حتى يطمئن أكثر، وتحدث مع المرأة التي جلبها رياض. وبعدها رحل، وكلب من رياض أن يرحل معه لأن الوقت تأخر. وبالفعل خرج معه رياض وذهب لسيارته ونام بها، وضبط المنبه على موعد العلاج حتى يعطيه لغالية ويتأكد أنها أخذته.

لاحظت غالية تصرف رياض ولكنها لم تستطع أن تعترض أو تتحدث. في صباح اليوم التالي، استيقظت غالية، جسدها ما زال منهكًا، وشعور غامض بالضيق يلف روحها. رفعت هاتفها بيد مرتعشة لتتفقد الوقت، لتجد أن الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة صباحًا. التقطت عينها بضع رسائل قليلة من ليلى ومريم، ومن بعض زملائها في العمل، جميعها لا تتعدى بضع كلمات تطمئن عليها ببرود.

وضعت الهاتف جانبًا، وتجول بصرها في أرجاء الغرفة التي بدت خاوية وموحشة. لم يكن هناك أحد بجانبها. هذا الفراغ الصارخ جعلها تتساءل بمرارة: "هل حياتي ليس لها قيمة في نظر الآخرين؟ أهي مجرد مكالمة هاتفية أو رسالة عابرة تكفيهم لتأدية الواجب؟ تنهدت بعمق، وشعرت بوخز حاد في قلبها. لو كانت والدتها ما زالت على قيد الحياة، هل كانت ستبقى وحيدة هكذا؟ هل كانت ستتركها تواجه ألمها وضعفها بمفردها؟

تساءلت بمرارة أشد: "لماذا لم تنجب لي والدتي أخًا أو أختًا؟ لماذا كُتب عليّ أن أبقى وحيدة في هذه الدنيا؟ الدموع تجمعت في عينيها، وهي تفكر في كل الصداقات التي بنتها، كل العلاقات التي ظنت أنها قوية. لكن في وقت حاجتها الحقيقية، في لحظة ضعفها ومرضها، لم تجد أحدهم بجانبها. شعرت وكأنها فقاعة صابون جميلة، تظهر وتتألق، لكنها هشة جدًا، عرضة للانفجار في أي لحظة، تاركة وراءها لا شيء سوى قطرات ماء تتبخر سريعًا. "وحيدة...

" ترددت الكلمة في أذنيها كصدى مؤلم. مهما فعلت، ومهما كونت من علاقات، يظل مصيرها الوحيد هو البقاء بمفردها عندما تشتد عليها الخطوب. هذا الشعور بالعزلة كان أشد قسوة من أي ألم جسدي. لقد أدركت في تلك اللحظة أن القوة التي ادعتها أمام رياض وغيره لم يكن سوى مجرد وهم داخلها. هل لو بكت الآن، ستجد من يمسح تلك الدموع؟ السؤال رنّ في ذهن غالية كجرس إنذار حاد، وهو يعكس حجم اليأس الذي تملكها.

انخرطت غالية في نوبة بكاء حارة داخل غرفتها. ارتفعت الشهقات، كل واحدة منها أعمق وأكثر إيلامًا من سابقتها. لم تعد تعرف كيف تسيطر على حالها، فصوت بكائها كان يرتفع غصبًا عنها، يمزق الصمت المحيط بها. كانت الدموع تنهمر كشلال لا يتوقف، تغرق وجهها المتورم وتغشي رؤيتها. شعرت وكأن حائطًا ضخمًا يسقط على صدرها، يطبق عليها ويمنعها من التنفس. كل ما بداخلها من ألم وحزن وخيبة أمل كان يخرج مع تلك الدموع، بلا قدرة على التوقف أو الكبح.

"أنا وحيدة... وحيدة تمامًا! " تمتمت بين شهقاتها، الكلمات تخرج بصعوبة من حنجرة متشنجة. "لا أحد... لا أحد يهتم." كانت تشعر بأنها تائهة في بحر من الظلام، بلا شاطئ ولا قارب نجاة. العزلة كانت تنهش روحها، تجعلها تشعر بأنها غير مرئية، غير مسموعة، وغير مهمة لأي شخص في هذا العالم. لم يعد هناك قناع يمكنها أن ترتديه، لم يعد هناك قوة يمكنها أن تتظاهر بها. كانت في أضعف حالاتها، تصرخ بصمت لم يسمعه أحد.

ظلت تبكي لبضعة دقائق إلى أن دخل رياض الغرفة وتفاجأ من حالتها. حاول الاقتراب منها لكنها أوقفته بإشارة من يدها. وقف رياض بعيدًا عنها لا يعلم ماذا يفعل ولما هي تبكي هكذا. ـ غالية، إنني بخير، بتعيطي ليه طيب؟ طب أنتِ حاسة بوجع في حاجة وجعاكي؟ لم تستطع غالية الرد عليه، فقط أومأت رأسها بالرفض. خرج رياض من الغرفة وجلب لها الطعام ووضعه أمامها. ـ طيب ينفع تاكلي عشان تاخدي الدوا؟ ـ مش قادرة.

ـ أنا عارف، بس تعالي على نفسك عشان تخفي بسرعة. الأولاد نفسهم يشوفوكي. ظلت غالية تنظر للطعام وحاولت أن تأكل، لكنها قامت مسرعة للمرحاض وتفرغ ما بجوفها. حاول رياض أن يساعدها لكنها رفضت وأغلقت الباب عليها. نزل رياض واقفًا خارج الباب محاولًا التحدث معها أو مساعدتها، لكنها كانت ترفض أن يقترب منها. ـ حاولي تاني كلي أي حاجة. ـ مش قادرة آكل من الأكل ده. هات لي سندوتش جبنة وكوباية عصير.

خرج رياض مرة أخرى وجلب لها ما طلبته وأضاف بعض الخيار والجزر. جلست غالية وبالكاد استطاعت أن تأكل. بعد انتهائها من الطعام أخذ رياض ما تبقى وألقاه في القمامة حتى لا يلتقطه أحد من أبنائه وتصيبه العدوى، ثم عاد إليها وأعطاها الدواء. وحلس يتحدث معها. ـ غالية، أنتِ كنتِ بتعيطي ليه؟ للدرجة دي وجودي مزعلك؟ نظرت له غالية ولم تتحدث. لن تعود للماضي مرة أخرى وتخبره بكل ما تشعر به كالماضي. استكمل رياض حديثه.

ـ أنا عارف إنك مش عايزاني وزعلانة مني لسه، وأنا بعمل كده مش عشان أجبرك إنك ترجعيلى، لأني عارف إنك مش هترجعيلى مرة تانية. كانت غالية صامتة تفكر بعمق في المستقبل. ذلك الشعور الذي شعرت به في الصباح لم يتركها. نظرت لرياض وحديثه المختلف عن الماضي. هل هو حقًا تغير؟ ماذا لو كان كل ذلك كذب حتى يعود إليها مرة أخرى وبعدها يعود للماضي؟ ماذا لو كان هكذا من البداية لكان الوضع مختلف الآن. ـ غالية، أنتِ مش بتردي عليه ليه؟

ـ رياض، ممكن تسبني لوحدي دلوقتي. محتاجة أقعد مع نفسي شوية. بعد خروج رياض وجدت الهاتف يرن، وكانت ليلى. ـ غالية، إزيك النهاردة عاملة إيه؟ أنا كنت عايزة أجلك أطمن عليكي. طمنيني عليكي بقيتِ أحسن. ـ الحمد لله يا ليلى، ما تقلقيش عليا أنا بإذن الله هبقى كويسة. أهم حاجة أنتِ خلي بالك من نفسك ومن الشغل. أنا مقدرة ظروفك وعارفة إنك مش هينفع تيجي عشان أنتِ حامل وهيكون فيه خطورة عليكي.

ـ والله نفسي أطمن عليكي ومتضايقة أوي وحاسة إني متكتفة. ـ ولا يهمك، خليكي أنتِ مع مرات عمي وتابعي الشغل. ـ ماتشليش هم أي حاجة، خدي بالك أنتِ من صحتك. ـ حاضر يا حبيبتي. بقولك إيه يا ليلى، عيسى عندك؟ ـ آه، هو إجازة النهاردة وكان بيلبس وجاي لك. ـ طيب، هاتيه عايزة أكلمه. أعطت ليلى الهاتف لعيسى. ـ إزيك يا غالية، ألف سلامة عليكي. أنا جاي لك دلوقتي، محتاجة حاجة أجبهالك؟ ـ لا يا عيسى، شكراً. أنا عايزة أطلب منك طلب. ـ خير.

ـ أنا عايزة أرجع لرياض. ـ أنتِ بتهزري؟ مستحيل يا غالية، فاهمة؟ مستحيل. ـ لو سمحت يا عيسى، أنا أدرى بمصلحتي. أنا هرجع لرياض وعايزاك تبقى وكيلي المرة دي. ـ وأنا مش موافق. ـ عيسى، أنت عارف إن أنا ممكن أتجوز من غيرك ومن غير عمي، بس أنا حابة إن أنت تبقى وكيلي المرة دي. هتيجي يا عيسى ولا هتصغرني؟ ـ هو قال لك حاجة أو ضغط عليكِ تاني طيب؟ ـ هو مش جنبي أصلًا وما يعرفش إن أنا بطلب منك كده. وغير كده مش عايزة عمي يعرف حاجة.

ـ يعني إيه؟ أنتِ كمان اللي هتطلبي منه إن هو يرجع لك؟ ـ لا، مش كده. هو طلب مني قبل كده إن أنا نرجع وأنا كنت رافضة، بس أنا دلوقتي ليا أسبابي اللي تخليني أوافق أرجع له. ـ وأيه هي بقى الأسباب دي؟ ـ بص يا عيسى، الأسباب دي للأسف خاصة بيا ومش حابة أتكلم فيها، بس اللي أقدر أقوله لك إن رياض اتغير. ـ طيب، المفروض أنا أكلمه ولا أعمل إيه؟ ـ كلم مأذون وهاته وتعالى، وأنا هكلم رياض وأبلغ له. ـ هو عندك؟

ـ آه، بره. ما يعرفش لسه حاجة زي ما قولت لك. ـ خلاص يا غالية، هاجي وهشوف مأذون. جلس عيسى بعد أن أغلق الهاتف يفكر، لما غالية طلبت هذا الطلب. سألته ليلى فيما كانت تريده غالية وأخبرها بما قالته له. جلست ليلى بجانبه وأمسكت يده. ـ عندها حق يا عيسى، ولو هو اتغير خليها ترجع له. ـ أنتِ ما تعرفيش هو عمل فيها إيه. ـ عارفة، بس غالية ظروفها مختلفة. وضع زي اللي هي فيه ده مين جمبها غيره؟ ولو حصل لها حاجة تانية مين هيقف جمبها؟

ـ أنا وأنتِ. ـ طيب، ما هي صحتها خانتها ووقعت، لانت ولا أنا معاها. ـ عشان في ظروف المرة دي مناعتنا. ـ افرض اتكرر الوضع تاني، وقتها مين هيبقى جمبها؟ غالية عايشة لوحدها مالهاش حد، وأختك للأسف بتدور على نفسها وبس وما حدش يعرف عنها حاجة. هي تعرف عن الكل، لكن محدش يعرف عنها حاجة. وأبوك، أبوك أصلًا سبب حزنها في الحياة. لكن لو رياض اتغير وبقى كويس، ليه لأ؟ ترجع له وتخلف عيال كتير تعمل لنفسها عزوة وعيلة.

ـ افرضي شرط إنها تقعد من الشغل. ـ ما أظنش يا عيسى، ما كانش جه من الأول وخلاها تعمله يونيفورم للشركة عنده. أنا شفت نظرته وإد إيه كان فخور بيها وبيحبها. صمت عيسى يفكر في حديث ليلى، مما جعل ليلى تكمل. ـ وغير كده، أنت ابن عمها، مش هتعرف تشيلها ولا تروح وتيجي بيها في حرمانية في الموضوع وقعدتها معاها وهما مطلقين برضه حرام. أكيد هي فكرت عشان كده. ـ تمام، أنا هعملها اللي هي عايزاه، وربنا يستر.

خرج عيسى متجهًا لأقرب مأذون وبعدها لمنزل غالية. بعد خروجه طرق صلاح غرفة باب ليلى وخرجت له ليلى لتسأله عما يريد. ـ خير يا عمي، في حاجة أعملهالك؟ طنط كويسة؟ ـ آه، أنا بس بسألك عن غالية، كنت سمعت تراكيش كلام كده إنها تعبانة. ـ آه، هي عندها كورونا ومحجوزة في البيت. ـ آه، طيب. ألف سلامة. بس واضح إنكم صحاب أنتِ وهي. ـ آه، غالية جدعة وطيبة جدًا ودماغها حلوة. ـ طيب، ما تعرفيش اللي هي ماشية معاه ده هيتقدملها إمتى؟

ـ ماشية معاه؟ غالية مش ماشية مع حد ودماغها في شغلها. ـ يبقى بتخبي عليكِ ومش بتحكيلك. ـ يا عمي، أنا وغالية تقريبًا 24 ساعة مع بعض، يعني لو في حاجة هعرف، على الأقل هتتكلم في التليفون. ـ أنا إيناس قايلالي إن غالية حاكيالها. ـ معلش يا عمي، مش يمكن إيناس بتتكلم بمزاجها أو فهمت غلط؟ أنت ليه واخد إن كلام إيناس حقيقة؟ ويمكن قالت كده عشان متخانقة مع غالية. ـ هي متخانقة معاها؟ ـ آه.

وظلت ليلى تقص لوالد عيسى ما كانت تفعله إيناس مع غالية. كان صلاح يجلس يستمع لحديث ليلى وهو متعجب من إيناس، هل من تتحدث عنها ليلى حقًا إيناس ابنته؟ وقرر أن يذهب لإيناس ويواجهها. في منزل غالية، اتصلت على رياض لتخبره بموافقتها لعودتهم مرة أخرى. عندما رأى رياض اتصال غالية دلف إليها مسرعًا ليطمئن عليها. ـ ياترى رد فعل رياض إيه؟ وهل قرار غالية صح وهل رياض هيتقبله؟

ـ هل غالية هتخلي رجوعها بيعي ولا مشروط وهل هي سامحته ولا لأ ومجرد رجوع على ورق ده اللي هنعرفه الأحداث القادمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...