على مدى أيام كانت الحكيمة تراقب كارولين التي تجلس متربعة على الأرض بعيون مغلقة تتأمل الطبيعة. ما عادت الحكيمة تستطيع تقدير الوقت الذي تقضيه كارولين شاردة. في البداية كانت مقتنعة أنها لن تمضي سوى ساعتين، أما الآن فكارولين تقضي ساعات طويلة بلا طعام ولا شراب، غير شاعرة بالوقت ولا البرد ولا حتى الثلج الذي يتساقط فوق الخيمة. وكانت الحكيمة تنام أحيانًا وتستيقظ فتجد كارولين في صمتها وتأملها.
كارولين التي كانت تقضي أوقاتًا سعيدة في اللعب مع الأطفال، ثم تعلمت أن تذهب الغابة وتعيش مع حيواناتها وتسكن أرواحها. لقد ركضت مع الغزال، وطارت مع النسر وحلقت نحو السماء، وغاصت داخل النهر القريب بين أسماكه. تلك التأملات الطويلة التي منحتها البصيرة والصبر. "هذا يكفي"، قررت الحكيمة وهي تلكز كارولين في ظهرها. "عودي إلى هنا يا فتاة، انتهى وقت التأمل".
ورغم أن كارولين كانت تظن أنها تحتاج مزيدًا من الوقت تقضيه في تلك الرحلات الغريبة، إلا أنها استجابت للحكيمة التي أمرتها أن تقطع الأشجار. ليس كل الأشجار، بل نوع واحد منها، شجرة بازيكس الصلبة. "احملي فأسك ولا تعودي قبل أن تقطعي شجرة أو شجرتين". شجرة بازيكس التي في صلابة الصخر نفسه، بأشواكها التي تجرح وتقطع الجسد.
حلمت كارولين الفأس وخرجت نحو الغابة، ملتفة بمعطف من الفرو ثقيل يحميها من الثلج. حددت كارولين شجرة بازيكس وبدأت تضربها بالفأس. جذع ضخم صلب، لم تؤثر فيه ضرباتها ولم تخدش الشجرة. واصلت كارولين الضرب حتى تعبت، وتمكنت بالكاد من خدش الشجرة. ورغم البرد، جسدها تصبب بالعرق.
قعدت كارولين على الأرض منهكة، منتهية. مهمة مستحيلة. إنها ليست شجرة عادية. شجرة بازيكس شجرة ملعونة، ولكن كان عليها أن تقطع الشجرة. نهضت مرة أخرى وواصلت العمل حتى مغيب الشمس، بالكاد جرحت الشجرة. يأست كارولين، وعندما قررت أن تسير نحو الخيمة، حضرت الحكيمة في ذهنها: "لا تعودي قبل أن تقطعي الشجرة، حتى لو ظللتِ أيامًا داخل الغابة".
لعنت كارولين الحكيمة في سرها. كان الليل على وشك الهبوط. رفعت كارولين الفأس بإصرار وواصلت الضرب. وكان جذع شجرة بازيكس صامدًا أمام ضربات كارولين الضعيفة بتحدٍ. "لن أنجح"، همست كارولين. "سأموت قبل أن أقطع جذع الشجرة". جوار الشجرة جلست كارولين في الظلام، راح البرد يغزها، والثلج يتراكم فوق ملابسها. تجمدت أطراف كارولين ولم تنجح في إشعال النار. "ماذا أفعل؟ النار في الخيام مشتعلة وأنا أموت من البرد؟
أغمضت كارولين عينيها بانكسار. "فكري يا كارولين!! همست كارولين وهي تحدث نفسها: "لما لا؟ ". ثم تربعت فوق الأرض المغطاة بالثلج وأغمضت عينيها تتأمل. عبرت الممر وتجولت بين الخيام، ثم اختارت خيمة الحكيمة ودلفت داخلها وجلست جوار الحطب المشتعل. ولاحظت أن الحكيمة أشعلت نارًا ضخمة، أكبر من كل مرة. راح الدفء يتسلل لجسدها وشعرت بالراحة. "لن أعود أبداً، لن أتجمّد، سأظل هنا حتى الصباح".
ظلت كارولين جوار النار حتى انبلج الصبح. ولما عادت من تأملها، كان جسدها كله مغطى بالثلج مثل تمثال جليدي. واحتاجت مجهودًا جبارًا كي تكسر الثلج وتتحرر منه. تنهدت كارولين بارتياح عندما وجدت النهار يغمرها بضيائه. كانت جائعة، لكن أمامها مهمة صعبة، تلك الشجرة التي تحول بينها وبين الرجوع إلى الخيمة. "تخيلي أن الشجرة عدوك! الرجل الذي قتل والدك! الرجل الذي ذبح والدك من عنقه وجره مثل حمار على الأرض".
فارت الدماء في عروقها، وراحت تضرب الشجرة بعنف وغيظ. ضرب متواصل بلا توقف. غطست الفأس داخل جذع شجرة بازيكس، وشعرت كارولين على خلاف الأمس أن جذع الشجرة لين، طري، وتمكنت من قطع الشجرة. دخلت كارولين الخيمة، قالت: "قطعت شجرة بازيكس واحدة. أريد أن آكل وأشرب". انطلق صوت الحكيمة: "اقطعي شجرة أخرى وعودي".
شعرت كارولين بالغيظ والحنق، لكنها عادت إلى الغابة وتمكنت بعد العصر من قطع وإسقاط شجرة أخرى. عندما وصلت الخيمة كانت منتهية، تكومت على الأرض. "أسقطت شجرة أخرى. أريد أن آكل". همست الحكيمة بلامبالاة: "اقطعي شجرة أخرى". اعترضت كارولين: "أنا متعبة، لن أقوى على حمل الفأس". قالت: "اقطعي شجرة بازيكس أخرى، لن تضعي لقمة في فمك قبل أن تقطعي شجرة أخرى".
كانت تلك اللحظة التي شعرت فيها كارولين أن الحكيمة تكرهها وترغب في التخلص منها. وهي نفسها كانت تكن لها نفس الشعور. "لن أستطيع"، قالت كارولين بيأس. بصرامة همست الحكيمة: "اقطعي شجرة أخرى". "أوف"، سحبت كارولين الفأس، جرتها فوق الثلج. وقفت أمام شجرة بازيكس وقطعتها قبل منتصف الليل. ولم تشعر بالبرد لأن جسدها كان يعمل بقوة والحرارة تسري بداخله. ألقت كارولين بجسدها على الأرض مثل الميتة. "عايزة طعام وشراب".
قالت الحكيمة: "اقطعي شجرة أخرى! نظرت كارولين نحو الحكيمة وتمكنت من رؤية جسدها كله ما عدا وجهها ورأسها. "أنا متعبة، غير قادرة على رفع يدي". قررت الحكيمة: "اقطعي شجرة أخرى أو موتي وأنتِ تحاولين". "لن أستطيع، أرجوكي". همست الحكيمة: "اقطعي شجرة أخرى". وكانت نبرتها معتدلة، لطيفة. وسط الظلام والبرد والثلج، أمام شجرة بازيكس، دعت كارولين أن تموت الحكيمة، وقطعت شجرة بازيكس قبل الفجر.
تلك المرة عندما دخلت الخيمة، ارتمت على الأرض ونامت بلا إذن أو كلام. في الصباح كان الطعام متروكًا إلى جوارها، نار مشتعلة وشراب. التهمت كارولين الطعام بنهم وشعرت بطعامته. همست الحكيمة بنبرة عميقة دافئة: "اسمعي!
لا تقولي أبداً أنكِ لا تستطيعين أو غير قادرة، فأنتِ لم تري ولم تجربي نفسك تحت ضغط يفوق قدراتك. أمر يشبه المستحيل بالنسبة لك، لكنه في مقدورك. بتلك الحماقة ستضيعين على نفسك الكثير من الفرص السهلة التي تظنين أنها خارج قبضتك. الآن أنهي طعامك واخرجي إلى الغابة، أسقطي تلك الأشجار اللعينة التي تدعي بازيكس، اصنعي مذبحة ولا تعودي قبل أن تستوي الأرض".
اختفت الحكيمة واختفى صوتها، لكن صداه ظل داخل كارولين مدة طويلة. شربت كارولين الشاي، لفت قماشة فوق كلتا يديها، حملت الفأس، مرت بين الأطفال ولوحت لهم. لوح الأطفال لها بابتسامة. "كارولين، تعالي نلعب معنا". "متأسفة"، همست كارولين. "لدي أشجار لأقطعها". قال الأطفال بصوت غوغائي: "أنتِ التي قطعتِ أشجار بازيكس؟ "أجل، أنا. ومن غيري يستطيع أن يفعلها؟ " وبدأت كارولين تصدق نفسها. صرخ الأطفال: "سنأتي معك!
سنتهم أمام حماس الأطفال، وجدت كارولين أن الشجرة التي كانت تحتاج مائة ضربة لتسقط أصبحت تأخذ خمسين أو أربعين، والعدد يقل. "انظروا! " صرخ الأطفال. "إنها تقتل أشجار بازيكس بسهولة". لم تكن كارولين مهتمة بصياح الأطفال، لديها مهمة ستؤديها. قطع كل شجرة بازيكس تقع في طريقها. "قرر الأطفال: سنسميها، الفتاة قاطعة أشجار بازيكس". "إنها تستحق هذا اللقب بجدارة".
ولاحظت كارولين أمرًا غريبًا ومخيفًا، أشجار بازيكس الكثيرة بدأت تتناقص، تختفي من أمامها كأنها تهرب. قبل مغيب الشمس، كانت منطقة لاروفين الهادئة شاهدة على المذبحة التي قامت بها كارولين. الفتاة قاطعة أشجار بازيكس تقف بفخر وجسدها ينز عرقًا. ذلك اليوم سمح أهل لاروفين لكارولين أن ترى بعضهم، وكانوا بشرًا مثلها، لكنها لم تفلح في رؤية الحكيمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!