كانت كارولين جالسة تحت القمر كل ليلة تتأمله. ترى صخورًا في البداية، ثم شجرتين تشبهان البقناس، ثم مجموعة أشجار بخانوس الضخمة التي تنمو على حافة نهر جاف. لقد تعلمت أن ترحل إلى هناك كل ليلة ولا تعود إلا قبل النوم.
وكانت تمضي أيامًا دون أن تفتح فمها أو تتحدث. كانت الأمر صعبًا في البداية، حتى أنها اعتقدت أنها تحولت لنعجة خرصاء. لكن بصيرتها اتسعت. ذلك المدى المحدود من الخواء منحها بصيرة أخرى لا تحتاج لعينين أو لسان. كانت أصبحت واحدة من أرض لاروفين. وداخل الغابة ترى كائناتها الغريبة التي كانت تخاف منها في البداية وتركض مبتعدة. لكن مع تعود رؤيتها كل صباح تحمل الفأس وتقطع الخشب، بدأوا يظهرون لها.
وكانت الحكيمة في خيمتها ترفض الظهور لها أو منحها أي تعليمات. واختارت كارولين من تلك المخلوقات أصدقاء لها: وعال أحمر، غزالة نيبوسريه، قطة بلزوخان، ومخلوق آخر بجسد بشري ورأس مفلطح مدهشة التصميم. وكانت تتحدث معهم دون أن تتحدث معهم ويفهمونها عن طريق التخاطر الذهني. لكنها كانت تشعر بالوحشة. حتى الأطفال الذين يلعبون وترى تهم ولا يتحدثون إليها. ورغم الصخب الذي كانت تسمعه داخل الخيام، لم يكن أحد يقترب منها.
أصبحت كومة الخشب ضخمة قبل حلول الشتاء. وعندما اصطبغ العشب بالثلج ونزل المطر المثلج من السماء، أصبح الطقس باردًا جدًا يجعلك لا تكاد تشعر بأطرافك. "انقلي الحطب داخل الخيمة." كانت تلك أولى التعليمات التي تلقتها كارولين بعد سقوط الثلج. تعجبت كارولين: "الخيمة ضيقة، كيف تسع كل ذلك الحطب؟ لكن الحكيمة كانت صارمة: "انقلي أنت الخشب ولا شأن لك بالخيمة."
نقلت كارولين الحطب، وكانت مندهشة أن الخيمة الصغيرة تمددت واحتوت الحطب داخلها دون أن ينقص من مساحتها أي شيء. "منذ اليوم يا بشرية، يسمح لك بالبقاء داخل الخيمة، النوم والمعيشة. لكن لا تحاولي أبدًا التحدث إلي. عندما أحتاجك، سأتحدث أنا إليك." وداخل الخيمة كان يشعل الحطب وتنعم بالدفء والطعام الذي لا تعلم من أين يأتي. لكنه يأتي. تجده موجودًا عندما تفتح عينيها من النوم.
ثم فكرت كارولين في صباحية باردة وكانت الشمس محتجبه خلف لطخ من الغيمات السابحة مثل السفن. "إذا كان هؤلاء الناس يستطيعون رؤيتي، فعلي رؤيتهم أيضًا." وكانت لا تعرف الطريقة بعد. فبعد أن قضت أكثر من شهرين، لم تتمكن سوى من رؤية طرف رداء الحكيمة الذي يتغير لونه.
"حسنًا"، همست كارولين وجلست داخل الخيمة. تربعت وثنت ساقيها ووضعت يديها على ركبتيها وأغمضت عينيها الخضراوتين. "إذا كان لا أحد يتحدث إلي ولا أستطيع رؤية أي مخلوق سوى مخلوقات الغابة، فأنا لا أحتاج لعينَي." بالفعل، أغلقت كارولين عينيها وغطت في صمت طويل عميق. "قرأتها الحكيمة." لطالما كانت الحكيمة تراها. فهمست ساخرة: "ماذا تظن تلك الحمقاء أنها فاعلة؟
"سوف أرى"، هكذا قررت كارولين في تصميم لا متناهي. "سوف أرى حتى لو ظللت مغلقة عيني دهر كامل." وبعد مضي ساعة، خارت عزيمتها. "لا فائدة مما أفعله. فأنا لا أرى سوى الظلام. لا أشكال، لا صور. حتى الأصوات اختفت." "لا!! لحظة واحدة. الأصوات اختفت!؟ أليس هذا أمر عجيب؟ وأصبحت تلك السحب السوداء التي تغشى عيونها رمادية.
قررت الحكيمة التي تجلس جوار كارولين دون أن تراها أن البشرية ستفتح عيونها في غضون نصف ساعة من الآن. واحتست الشاي باستمتاع وهي تراقب كارولين. وكانت كارولين قد خرجت بتأملها من الخيمة وتسير بين الأطفال الذين كانوا يبتسمون لها ويلوحون لها بأيديهم. كانت صورة مهتزة لكنها جميلة. ورغم أن الغابة كانت قريبة منها، إلا أن كارولين قررت أن تلعب مع الأطفال. فقد ولدت محرومة من الإخوة. وراحت تركض بينهم وتلعب معهم. تتمرغ على العشب.
تسمر جسد كارولين أمام الحكيمة. وكان الوقت الذي حددته لانهيار كارولين قد مضى. جسد كارولين ثابت وهي تلعب في الخارج. وتساءلت الحكيمة: "من الممكن أن تكون رأت شيئًا؟ مضى معظم النهار وكارولين تلعب مع الأطفال. وحل الليل باكرًا بعد العصر تقريبًا. وهي لم تأكل أو تشرب أو تتحرك. وهمس الأطفال: "الليل حل. ثم هناك خطر يظهر من الغابة. سنعود لخيامنا ونعود للعب بالغد."
رجعت كارولين لجسدها. وكانت فرحة، سعيدة. وجهها مشرق كالقمر. أكلت طعامها وشربت، وتمكنت من رؤية يد الحكيمة تقلب الحطب وتصنع الشاي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!