الفصل 26 | من 39 فصل

رواية الاربعيني الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
53
كلمة
3,268
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

صباحك بيضحك يا قلب فريدة. اللهم هون علينا ما أنت أعلم به منا. اللهم أرفق بقلوب أرهقها الوجع والتمني والاشتياق حد الاختناق. أنا بحبك. كلمات لم تذق طعم النوم، رغم أنه أصر عليها أن تغفو قليلاً كي يرتاح جسدها المنهك، سواء من المسافة التي قضتها في السفر أو الساعات التي قضتها داخل الجامعة منذ الصباح، والأهم إرهاقها بسبب جنونه بعدما سمع منها تلك الكلمات العذبة التي تعادل بالنسبة له ألف كلمة حب.

انسحب من جانبها بهدوء ثم ترك الغرفة. وبعد أن أخذ حماماً أنعش به جسده، اتجه إلى الأسفل مقرراً صنع طعام بيديه لصغيرته التي من المؤكد أنها تتضور جوعاً. لم يكن بارعاً في الطهي، لذلك قرر أن يصنع بعض المعكرونة ومعها قطع الدجاج المحضرة مسبقاً، والتي لا تحتاج إلا وضعها على النار بضع دقائق لتصبح جاهزة للطعام. الابتسامة لم تفارق وجهه منذ ساعتين، ومن بين حين وآخر ينطق بإعجاب: "بقيت حرامي يا سالم...

مستعد أبقى شيخ منصر بس أسرق قلبك كله مش دقاته بس يا سمر". ولسوء حظه... أو لحسنه هو من سيقرر هذا. في آخر مرة كان ينطق تلك الكلمات التي تدل على جنونه بها وهو يقوم بسكب الطعام داخل الأطباق حتى يبرد قبل أن يصعد ليوقظها، سمع أجمل ضحكة مرت عليه في حياته. بمجرد أن رفع رأسه لينظر إليها، صدمة ملأت ملامحه. قلبه أصبح يخفق بجنون. عيناه كادت أن تخرج من محجرها من شدة إعجابه بتلك الفاتنة التي تقف أمام الباب مرتدية قميصاً يخصه...

وفقط. من يراها يشعر أن ملامحها عادية، ليست فاتنة الجمال، ولكن بالنسبة له هي أجمل امرأة على وجه الكون. لما؟ لأنه يراها بقلبه وليس بعينه التي ترى الجميع سواء. ابتسم بخجل قليلاً ثم رفع كفه ليمرره جانب عنقه وهو يقول بغيظ مازحاً: "بتضحكي عليّ إيه؟ شيفاني مجنون؟ اقتربت منه وهي تحاول أن تكف عن الضحك. التقطت إصبع بطاطا محمرة ثم وضعته بين أسنانها، وبعدها وضعت كفيها فوق الطاولة ثم قفزت كل تجلس عليها. بدأت في مضغ تلك القطعة

الصغيرة وهي تقول بشقاوة: "أن اكتشفها فقط: أنا قلت كدة... دانت سيد العاقلين يا حظ". جز على أسنانه غيظاً ثم وضعه كفيه حولها. مال بجسده قليلاً كي يجعل وجهه مقابل وجهها وقال: "أمّممم حظ... و سيد العاقلين كمان... وماله يا بابا عنك عندك شك في كده؟ مثلت الخوف وهي تقول بعدما رفعت كف يدها جانب رأسها لتؤدي التحية العسكرية: "لأ يا باشا هو أنا أقدر أقول غير كده... بس أنت فلة كده فلة." جز على أسنانه

بغيظ حقيقي ثم قال بشك: "بابا... انتي بتاخديني على قد عقلي؟ طلعت له بعيون رأى داخلها بريق حب قد بدأ يطفو على سطح قلبها الصغير الذي لم يكن يعلم أنه بداخله تلك المشاعر التي جعلته يخفق بجنون. بمنتهى الهدوء رغم الخجل الذي ظهر جلياً على وجنتيها التي تحول لونها إلى الأحمر القاني، اقتربت منه ثم طبعت قبلة رقيقة على وجنته أصابت قلبه العاشق في الصميم.

ثم ابتعدت وقالت بصدق: "انت سيد العاقلين بجد. لو مكنش عقل يوزن الدنيا بحالها مكنتش قدرت تصبر على هبلي وعقلي الصغير. كذا موقف عدى عليا معاك وفي كل مرة بتثبت لي إن لا يمكن أبداً أندم على موافقتي عليك. أنا عمري ما اخدت قرار يخصني في حياتي دي. ما كل حاجة مفروضة عليا. مكنتش متخيلة أبداً إن اليوم اللي أقرر حاجة لنفسي هتكون بالجمال ده وتكون صح أوي كده."

هل أحدكم يسمع قرع الطبول داخل قلبه الذي كاد أن يقفز ليخرج من قفصه الصدري ويلقي بحاله داخلها؟ عيناه المتوهجة... ملامحه المشدودة بسعادة كانت أبلغ من أي كلمات يتفوه بها. بل الأكثر جمالاً كانت يده الحانية رغم قوتها التي حاوط بها جانب وجهها ليسحب رأسها ويهدي ذلك الثغر المغوي... الرائع... الذي خرج منه ما لم يتوقعه. قبلة خالية من أي رغبة جسدية. قبلة بطعم العشق الذي تضخم داخل قلبه...

وجعله يشعر أنه عاد بالزمن إلى الوراء ليصبح شاب في العشرين من عمره توه اعترف بحبه ل... بنت الجيران. ارتشف شهدها، لم يترك قطرة داخل فمها ولا فوق لسانه إلا وابتلعها. كانت بالنسبة له ترياق الحياة... ترياق الخلود... بلسم شافٍ لكل الجروح التي علمت داخل قلبه طوال حياته. حينما ابتلعه... تسرب سريعاً داخل أوردته ليصبح برداً وسلاماً على قلبه المتلظي بنار عشقها. وما بين جموح قبلاته...

وجد جسدها يقترب منه حتى كادت أن تقع من فوق الطاولة. حينما تلتحم القلوب... نفقد القدرة على أجسادنا. لعله يستطيع وصف ما بداخلنا وما عجزنا عن شرحه بمجرد كلمات عقيمة. لما أصبح معجم اللغة العربية... بل كل لغات العالم عاجزاً عن وصف ما يشعر به الآن؟ فليترك يديه التي اخترت نهديها كم هو مشتاق لهما... تشرح ذلك. وليترك شفتيه التي تركت ثغرها وانتقلت إلى جيدها لتطبع عليه الكثير والكثير من توقيع... سالم الشريف...

بل وشمه بعشقه واسمه... تشرح ذلك. أما جسده الذي التصق بخاصتها كي تشعر بما أيقظته وأشعلت النار به... كان له قصة أخرى أشد قوة وأكثر صخباً. والجميلة... صغيرته... تريد أن تخبره بالكثير. فإذا عجز لسانه عن الوصف... فلتترك له جسدها يخرج منه كل ما تشعر به تجاهه. جعلهم يعودا إلى أرض الواقع بعدما كاد الاشتياق أن يجعلهما ملتحمين، هو وقوع إحدى الأطباق أرضاً حينما رفعت ساقيها لتحاوط خصره وتقترب أكثر منه. هنا...

ابتعد سريعاً. نظر لها بجنون. وجدها تلهث من فرط المشاعر التي أثارها داخلها. لم يفكر مرتين، بل قال بصوت متحشرج وبأنفاس تصرخ من فرط التمني: "بابا... هنكمل ولا محتاجة وقت؟ "بابا... " لم تقو على الصراخ بالموافقة. لكن عضت شفتها السفلي... نظراتها المتوهجة... ملامحه المرتخية رغم ما تشعر به الآن... كل هذا كان موافقة ضمنية على أنها لا تقل عنه رغبة في إكمال ما بدأ. وليكمل التحامه كي تصبح زوجته شرعاً وقانوناً بمنتهى الرضا و...

الحب. وما جعلها تثني على حالها وتطير فرحاً بذلك القرار هو رؤية سعادته التي ظهرت جلياً على ملامحه وهو يقول بنفاذ صبر دون أن ينتظر أكثر: "على بركة الله." وفقط ثبت ساقيها حوله ثم حملها لينطلق بها نحو الأعلى. لم يقو على ترك شفتيها طوال هرولته تجاه غرفتهم الخاصة. جنون... كل ما حدث بعد تلك اللحظة كان درباً من الجنون. لا يعلم كيف مزق قميصه الذي كان يواري خلفه جسدها الصغير، ولا يعلم متى أصبح عارياً أمامها.

غيب عقله تماماً بعدما ألقى بجسده فوقها يلتهم كل ما يطاله فمه... وحينما يبدل ثغره بيداه في إحدى مناطق أنوثتها... يرفع رأسه ويقول بلهث: "بحبك يا سمر. جننتيني يا بابا." ويعود ليغرق بين ثنايا جسد يئن ويفرك أسفله في محاولة لشرح ما تعانيه تلك التي أصبحت تتأوه دون شعور. ولا تعلم أن تلك الأصوات ما زادته إلا هياجاً، وبسببها لم يقو على الانتظار أكثر.

اقتحم جنتك يا سالم الآن كي تمهد الطريق لساعات وأيام بل وسنين من المتعة لم ولن تنتهيا. اجعلها ملكك الآن وبعدها لديك كل الوقت لتعطيها دروساً في فنون عشقك. اقترب واقترب حتى أصبح على حافة نهرها الذي يسيل منه عسل دافئ. كوب وجهها بجنون... نظرات ملتهبة تقابل نظراتها الناعسة. "... بحببببك." معها صرخة خرجت منها تعبر عن الألم الذي شعرت به لتوها. ابتسامة ملأت وجهه... عيون كادت أن تخرج من محجرها...

لسان ينطق بعدم تصديق: "مبارك عليكي يا حبيبتي. بقيتي مراتي... بقيتي مرااااتي يا بابا." ويتزامن مع ذلك التصريح بدأ تحركه داخلها بتمهل. يعلم الله كيف جاهد كي يكبح جماح جنونه ورغبته التي تدفعه أن يعصرها اعتصاراً، بل... يحطم عظامها أسفله. لكن.... عشقه كان أقوى بكثير من رغبته الجسدية التي تحكم فيها ببراعة كي لا يشعرها بذرة. أفرحته بدمائها الطاهرة التي سالت على وحشه كانت أقوى بكثير من أي شهوة. هنا... يتحكم العشق يا سادة...

يجعلنا نخاف على من ملكنا حتى من أنفسنا. نفضل راحته حتى لو سنعذب... أو نكوى بنار الرغبة والاحتياج. "حبيبي أهم." ذلك كان قانون... سالم الشريف. ... وكفى. ابتسم سعيد بفرحة بعدما سمع حديثها مع أمها. قام بربط الأمور ببعضها البعض بمنتهى السرعة والذكاء. سألها بلهفة: "انتي تقصدي سالم الشريف؟ نظرت له باستغراب فابتسم ثم مد يده لها وهو يقول: "هاتي الفون أنا هكلم الحج." احمر وجهها خجلاً وكأنه يقول لها...

سأطلب يدك منها. أعطته له دون التفوه بحرف. وضعه على أذنه ثم قال باحترام: "السلام عليكم.... معاك الرائد سعيد العيسوي يا فندم." الأم: "أهلاً يا بني... أنا جاية حالا وهحاول أوصل لابوها." سعيد: "اهدي بس حضرتك واسمعيني... الأستاذ كريم شغال في شركة أمجد العيسوي صاحب... بينما نظرت له سندس بزهول. كانت الأم تقول: "أيوه يابني... هي سندس قالت لك؟ سعيد: "لأ حضرتك... أمجد ابن عمي...

وسالم الشريف صاحبي وهو اللي كلمني عشان الأستاذ كريم يشتغل في شركة ابن عمي بما إنها بتوفر سكن للموظفين." "لما سمعت كلام الآنسة معاكي ربط الأمور ببعضها ولأن اسم زوج حضرتك..... يعني مش منتشر افتكرته على طول." الأم بفرحة: "أهلاً بيك... ياما أنت كريم يا رب... الدنيا صغيرة فعلاً." سعيد: "فعلاً... اطمني حضرتك أنا هكلم أمجد حالا أخليه يبلغ الأستاذ كريم... والآنسة هتفضل في مكتبي لحد ما يوصل." صلى...

هكذا نطقت دعاء لزوجها الذي يجلس بحزن كبير وندم ظاهر داخل عينيه. نظر لها باستغراب ثم قال: "إيه دخل الصلاة باللي إحنا فيه؟ "بقولك أنا خايف عليكي منه. مصممة متتنازليش. بتقولي إيش ضمني بيعملوا إيه بصوري... أكيد هينشروها في أي مكان. حاولت أقنعها إن الصور اتحذفت من عندك ومن عند صاحبتك بس هي مش مصدقة. كل اللي طالع عليها اتجوزني اتجوزني." نظرت له بحزن ثم قالت: "وأنت هتتجوزه؟ رد سريعاً بصدق: "استحالة...

أنا دلوقتي بس اكتشفت كم القرف والوساخة اللي كنت رامي نفسي فيها. إيه القرف ده بجد... عايزاني أصلي؟ طب هقف قدام ربنا إزاي وأنا واحد زاني... أقوله إيه؟ باي وش أدعيله وأطلب منه يساعدني. أنا قرفان من نفسي بجد." شعرت بندمه وحزنه حقاً، لا مجرد كلمات نطقها ليرضيها. أمسكت كفه بحنو ثم قالت: "صوفيا لما بتغلط بتعمل إيه؟ "تطلع لها بعدم فهم." فاكملت: "بتعتذر... بتقولك سوري يا بابي مش هعمل كده تاني. ربنا أحن علينا مننا...

أنت غلطت في حق نفسك وحقي وحق بنتكو عصيت ربنا.... روح له واعتذر له... قوله أنا آسف يا رب مش هعمل كده تاني. ربنا أكيد حاسس بندمك يبقى أكيد هيسامحك." تطلعت لها بحزن وصدمة ثم قال بزهول: "إنتي إزاي كده.... بجد إزاي؟ واحدة غيرك كانت فضحتني وطلبت الطلاق... كانت هددتني بأخوها... كانت انتقمت مني وكل ده وأكتر كان هيكون حقك." "بس إنتي وقفتي جنبي وبتحاولي معايا نحل الموضوع... لأ وكمان بتواسيني." "مش بقولك قرفااااان من نفسي."

ابتسمت بهدوء ثم قالت بتعقل: "مكدبش عليك الأول كنت هتجنن... كنت عايزة أقتلك وأنتقم منك. كنت عايزة أترمي في حضنك وأعيط وأشتكيلك منك. بس زهرة قالت لي كلمة خلتني أعمل ستوب لكل الأفكار دي." نظر لها باهتمام فاكملت: "قالت لي شوفي رصيده عندك إيه وعلى أساسه قرري إذا كنتي هتكملي معاه ولا لأ." طلعت له بحب ثم اكملت: "والحقيقة إن رصيدك عندي كبير أوي يا محمد.... عشان كده أنا لسه قاعدة جنبك في بيتك وماسكة إيدك." تطلعت له

بدموع ملأت عينيه ثم قال: "آسف... بجد آسف. هعيش بقيت عمري كله أقولها وأكفر عن اللي عملته وبردو مش هكون راضي عن نفسي. متسبنيش أرجوكي... أنا بحبك وندمان." انتفض من فوقها حينما وجد الهاتف الأرضي يرد بإلحاح. علم أنها أمه وبالتأكيد يوجد شيء هام مما اضطرها أن تتصل في مثل هذا الوقت. سحب سماعة الهاتف وقال بوجل: "ماما... في إيه؟ ردت سعاد بقلق: ".......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...