فارت الشقة بالنار، تحولت لفرن ضخم. في اللحظات الخطرة، لا يكفي أن تسأل نفسك ماذا أفعل؟ إنها حماقة، ليس هناك وقت للمزاح. الباب، الشرفة، كانت النار أكبر. كان واضح أن من رش البنزين والجاز مركّز جداً، كأنه يقلّك. لا مفر. ركض فهد ناحية غرفة النوم، لف بطانية حول نفسه وركض ناحية الحمام وسط النار المشتعلة التي لسعت بعض أجزاء جسمه. فتح حنفية الدش وغاص تحتها.
ابتلت البطانية كلها. بآخر ما يملكه فهد من قوة، ركض ناحية شباك المنور ثم قفز وهو يشتعل. ارتطم بالجدار مرة مرتين حتى تشبث بمواسير الصرف قبل أن يتحطم على الأرض. وقفت شاهندة تشاهد الشقة وهي تشتعل. على وجهها ابتسامة خفيفة. "أقسمت أن أحرقك بالنار، شاهندة مش بتحلف كدب." فضلت تراقب الشقة التي احترقت كلها عن آخرها. "يلا بينا يا جعفر." "مش هنشوف جثته يا هانم؟ "الشرطة هتيجي دلوقتي يا جعفر، مش عايزين سين وجيم." ***
كان فهد يرى بصعوبة ما يحدث حوله، يشعر بالحروق التي وصلت جسمه. رأى شبح شخص يقف بجنبه. عاينه الشخص بهدوء قبل أن يمد يده لفهد ويجذبه نحوه. أنهض الشخص فهد، حمله فوق كتفه وخرج به من المنور. فهد كان يجر رجله قبل أن يفقد الوعي. وضعه ذلك الشخص في المقعد الخلفي للسيارة وانطلق به بعيداً عن الشقة والشارع الصاخب بصفارات الإنذار. أجرى ذلك الشخص أكثر من اتصال أثناء قيادته للسيارة.
عندما وصل البناية الجديدة، ساعده شخص آخر بحمل فهد نحو شقة بالطابق الثالث، وهناك كان هناك طبيب ينتظره. قال الطبيب وهو يعاين جراح فهد: "سينجو." *** عندما تعدت الساعة العاشرة صباحاً، وقفت سادين بقلق. فتحت الشرفة وبصت على الشارع. إنه موعدها مع حارسها الغامض. وصلت الساعة العاشرة والنصف. مرت كأنها دهر على سادين. "هو مجاش ليه؟ كيف لا يحترم مواعيده؟ معقول تكون دي طريقته؟ أنا مش ممكن أرحب بشخص مش بيحترم مواعيده."
ورغم غضبها، قصيدة اللوم داخلها. كانت تأمل برؤيته. ذلك الغامض الجذاب لم يحضر في موعده. بعد ما سادين يأست من حضور حارسها الغامض وكانت خلاص على وشك أنها ترجع البيت لأنها ما حستش بأي رغبة للشغل، دخلت شاهندة. "غريبة،" فكرت سادين، "شاهندة جايه هنا تعمل إيه؟ "إزيك يا سادين، عاملة إيه؟ "الحمد لله يا عمتي."
قعدت شاهندة على الكرسي وولعت سيجارة. "مبروك عليكي المصنع يا سادين. جدك ضرغام واضح إنه مهتم بيكي ومراقب كل حاجة بتحصل هنا." "أكيد إنتي بتنقلّي له الأخبار كلها." "أنا مش نمامة يا عمتي ولا بنقل أخبار." "متقوليش عمتي يا سادين، قولي شاهندة. خلاص الروس اتساوت." "وإنتي لازم تتنازلي عن المصنع لرعد لأن دا حقّه." "أتنازل ليه يا شاهندة؟ "لأن المصنع مش بتاعك وضرغام جد رعد زيك، يعني الفلوس اللي اندفعت لرعد ليه نصها."
"قولي الكلام ده لجدّي ضرغام يا شاهندة، أنا برا الموضوع ده." "بصي يا حلوة، أنا لا يهمني ضرغام ولا غيره. كلامي واضح، هتتنزلي عن المصنع ورجلك فوق رقبتك. والفيلا هتخرجي منها وترجعي على بلدكم." "مش هيحصل، أنا مش هسيب حاجة ملكي." "ملكك يا بنت إكرام؟ إنتي طول عمرك إنتي وأهلك بتوع زرع وحيوانات. مالكم ومال الشركات والمصانع؟ "نتعلم عادي يا شاهندة." وقفت شاهندة، تحركت في المكتب الواسع. "كل ده هيبقى ملكي بمجرد ما أخلص منك."
"أنا هديكي مهلة يومين اتنين وبعدها أوعدك مش هتلاقي حتى لسان تردي بيه، فاهمة؟ "اطلعي بره يا شاهندة،" صرخت، "سادين، بره، بره." "وماله، اطلع بره." وهي شاهندة خارجة، وقفت على باب المكتب وبصت على سادين بغل. "اللي مستنياه ومتزوقة عشانه مش هييجي يا حلوة،" وأطلقت ابتسامة كبيرة قبل أن تختفي. وقفت سادين دقيقة مرتبكة متلخبطة بتفكر شاهندة تقصد إيه. "هي تعرف إنت بكلم مين؟ "تعرف حارسي الغامض؟
ثم وضعت يدها على صدرها. "يكونش شاهندة عملت فيه حاجة؟ ركبها الحيرة. واللي ضايقها أكتر إنها مش عارفة هتتأكد من كده إزاي. *** فتح فهد عينيه. كان فيه أجزاء كتيرة من جسمه ملفوفة بالشاش. وكانت جنبه ممرضة بتلعب في التليفون. طلعت منه تنهيدة وجع خلت الممرضة تنتبه. "أنا فين وحصل إيه؟ ابتسمت الممرضة: "إنت بخير." بص فهد للفات الشاش الكثيرة. الممرضة قالت: "متقلقش. لما جيت هنا كان عندك اختناق وبعض الحروق البسيطة واحنا عالجناها."
"أنا ليا كام يوم هنا؟ "يوم وليلة، أستاذ فهد." "تليفوني فين؟ " سألها فهد وهو بيتلفّت حواليه. "هنا،" طلعت الممرضة التليفون وأدته لفهد. فتح فهد التليفون. وبسرعة كتب رسالة قصيرة محددة. *** "هنفذ إمتى يا هانم؟ سابت شاهندة التليفون على ودنها وبصت لبعيد وهي بتملّس على ركبتها العارية المسندة على المقعد. "قريب جداً يا جعفر، القصة قربت تخلص. بس عشان تخطط صح والنهاية تكون حلوة لازم نقطع راس الحية."
"أنا مش فاهم حاجة يا شاهندة هانم!! "مش لازم تفهم يا جعفر، إنت تنفذ وبس. إنت إيدي القذرة المليانة دم اللي بتبطش بأعدائي." "متفكرش إني معنديش قلب، بس بعض المصايب لازم تحصل مهما كانت بشاعتها." "أنا بستمتع بأحزاني زي ما بستمتع بانتصاراتي تمام." "خليك جاهز في أي لحظة هيوصلك الخبر!! قفلت شاهندة مع جعفر وكلمت معاذ الشمري اللي رفض يرد عليها أكتر من مرة. كتبت شاهندة رسالة لمعاذ الشمري خلته يتنفض في مكانه.
"رد يا بغل وإلا نذيع؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!