مرت ثلاثة أيام وعمر يبحث عن ذلك الشخص ويسأل عنه، لكنه لم يستطع أن يصل إلى عنوانه. كان يلازم البيت ولم يخرج لعمله لخوفه على بحر.
إلى أن علم عمر بالصدفة من جاره وصديقه الممرض بالطوارئ، الذي أسعفني مع عمر الأسبوع الفائت عندما أتى لزيارة عمر اليوم، عن حالة حرجة لشاب قَدِم من السفر من أيام. بعد نزوله بالمطار، نُصِب له كمين من قبل أصدقاء وشركاء له بتجارة كانوا يريدون منه مبالغ مالية. أوهموه برضاهم عنه ومسامحته وسينتظرونه بالمطار ليقوموا بواجبهم بدعوته للغداء.
اقتادوه لجهة مجهولة وقاموا بضربه كثيرًا وعلى رأسه وتركوه نازفًا ظنًا منهم أنه توفى. ولعدم سداد ما عليه، أُصيب بالشلل وحالته حرجة جدًا. لكنه ذكر أسماءهم للشرطة البارحة بعد أن استعاد وعيه، وتم توقيفهم بتهمة القتل.
طلب عمر من صديقه أن يتصل بالمشفى فورًا ليعرف اسمه، فقد شك بالأمر. ليتضح أنه نفس الشاب الهارب، يركد بالعناية الفائقة. وبمساعدة الممرض، استطاع عمر زيارته والتحدث إليه بعد أن قال لصديقه ضرورة مقابلة هذا الشاب لأنه يريد منه شيئًا ضروريًا وإنسانيًا.
وعندما ذهب لزيارته، وجده في حالة خطيرة. فاعتذر الشاب المصاب من عمر فورًا على ما اقترفه بحقه، وأنه نادم وكان ينوي حقًا إيذاء عمر. فحرمه الله من قوته. وهو بالكاد ينطق الأحرف، وكان طلبه الوحيد من عمر أن يسامحه وأن يرى بحر قبل وفاته ولو للحظة. وأنه خائف أن يعلم هؤلاء أن لي بنت بعد خروجهم من السجن. الأصدقاء نفسهم الذين خذلوه وخانوه بفعلتهم. فخيانة الأصدقاء سكين تصيب القلب فلا يبرأ. كانت آخر أمنيته أن يرى بحر فقط.
أخذ عمر بحر بعد أن جهزتها له وذهب بها لوالدها الذي ساءت حالته ويلتقط أنفاسه الأخيرة. فاضت عيناه بالبكاء عندما رأى جمالها. وأنه ظلم والدتها وظلم عمر معه بتربيتها، وفاته الكثير من ضحكتها. ندم الشاب الذي فارق الحياة بعد يومين من زيارة بحر له. وكان قد وصى عمر بها كأمانة برقبته حتى تكبر وتتزوج، وأن لا يخبرها بأي شيء عن والدها السيء وما فعله وعن هذه الحقيقة المرة.
الحمد لله، تعويضات الله مدهشة. فبعد كل هذا الصبر والظلم، عوضني الله برجل شريف، رجل خلوق، رجل صادق بكل ما تعنيه الكلمة. وبالطفلة معه، لقد كان معي أخيرًا قلبًا وقالبا وبكامل إرادته. وتزوجنا بعد ليلة رائعة حضر لها عمر بأحد الفنادق القريبة، بزفاف سعادة أبدية جديدة بعيدة عن كل تعب العالم ومرارته. لقد تداوينا معًا من جروح الحياة بعد هذا الزواج. وعدنا لبيتنا الرائع بحديقته وأزهاره الفواحة، وبوجود الجدة الحنونة معنا، وبحر.
وبدأ عمر يعلمني الكتابة والقراءة، وحياة رائعة وتفاصيل شيقة عشناها سويًا. أصبح عمرُ بحر خمس سنوات ولم أنجب له أولاد. بدون سبب، كان تأخيرًا ربانيًا، لكننا لم نشعر بذلك لوجود الصغيرة. إذ كانت أجمل ما حدث مع عمر ولي، والتي كانت كبلسم لنا كل تلك الفترة التي لم أنجب بها. كانت كمواساة ربانية لنا، لم نشعر بفراغ أبدًا أو بترقب الإنجاب. أحببتها كابنة لي ومنحتها الحب وعوضتها عن والدتها، وعمر كذلك مثلي.
رزقني الله بتوأم من الذكور بالسنة السادسة، والحمد لله. يشبهون عمر كثيرًا، وعوضني الله ببيت يعج بالأطفال وضحكاتهم وآباهم، الرجل الأروع على الإطلاق معي.
وكنا نزور بيت والدي كثيرًا أنا وعمر والأطفال، وأقوم بأعمال البيت لهما لأن زوجة والدي مرضت ولم تستطع القيام بأي شيء. وهي لم تنجب أبدًا. حاولت أن أكون كابنة لها رغم ما فعلته معي بصغري. وأخذت زوجة والدي تتعود على وجود أطفالي وبحر، وأحبتهم كثيرًا وتغيرت معاملتها لي وكلامها. تعاملهم وكأنهم أحفادها، واعتذرت لسوء معاملتها مرات كثيرة مني.
كبرت بحر وأصبح عمرها عشر سنوات، وعلمتها بالحسنة على طاعة الله والصلاة والدعاء لأمها والخوف من الله قبل كل شيء. لم أعيرها أبدًا أو أذكرها بأمها بالسوء، فقط أخبرناها أنها توفت بولادتها. بهالقد تحولت حياتي من زفاف الندم تلك إلى زفاف الحياة الأجمل. إذ قال لي عمر بذلك اليوم الذي جمعنا جملة لن أنساها ماحييت: أنتِ عوض ربي الذي جبر به جراح قلبي بعد كل هذا التعب. وعشنا حياة سعيدة.
بعد أن عشنا أسبوعين من الأحداث والوقائع، عشنا معها بقلوبنا واستمتعنا بها. والكثير من الناس من عاش نفس الأحداث. الحياة ستقتلُك مرات ومرات، لكن عندما نحاول بصبرنا وصمودنا أن نغلبها، لا ندع أي شيء يقتل الأمل بداخلنا. لانتسرع بالحكم على الناس من حولنا ولانظلمهم، ونرضى بقضاء الله بخيره وشره حتى يرضينا الله بعطايا كرمه. لا نزرع كل دروبنا شوكًا، فقد تأتينا يومًا حافيين. نحذر عدونا مرة ونحذر أصدقائنا ألف مرة، فلربما إنقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة.
زوجات الآباء، إن الأطفال نعمة من الله وملائكة على الأرض، لا تعذبوهن ولا تحرموهن من حنان الأمومة. رغم إنه يوجد زوجات آباء كالآمهات تمامًا وبكل مكان. من لم تستطع على تحمل مسؤولية تربيتهم بالحسنة، لا تقبل بالزواج برجل لديه أطفال من البداية، لإن الدنيا تدور! فقد يكون هذا اليتم سببًا ليدخلك إلى الجنة، أو يعوضك بالدنيا ربما بسببه. فلا تبخلي بحنانك، لا تحرمي وجهك عن الجنة ومن عوض الله لك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!