لما كان الكل فرحان و بيرقص و في قمة السعادة، كان صالح بينفس أنفاسه الأخيرة، و مكنش حد واخد باله. لحد ما هدي لاحظت أنه مغمض عينه. في الأول افتكرته نايم، راحت عنده و قعدت جنبه و قالت: "بابا حبيبي، انت نمت؟ بابا؟ هدي خافت و حست أنه خلاص مات، و كانت أسوأ لحظة في حياتها. هدي فضلت قاعدة جنبه و تبص عليه و كأنها بتحفظ شكله من غير ما تقول أي حاجة. و فجأة الكل لاحظ هدوء هدي، و قالت هالة: "في إيه يا هدي؟ انتي كويسة؟ اتكلمت هدي
و هي باصة على صالح و قالت: "بابا مات." الكل وقف ساكت و فضل باصص على صالح، و هنا الفرح اتقلب لعزا. لحد ما راح محمد و وقف الأغاني، و راح عند صالح و شاله من على الكرسي و خده لأقرب مستشفى. نزلت وراه أمه، و هالة كانت لسه هتتحرك بس بصت على هدي لقتها قاعدة مكانها و متنحة و بصة على الكرسي. راحت هالة عندها و هي بتعيط و بتقول: "يلا يا هدي عشان لازم نكون مع عم صالح دلوقتي، يلا يا حبيبتي." قالت هدي: "بابا مات."
غمضت هالة عينيها و قالت: "طيب مش لازم تكوني مع باباكي دلوقتي، يلا يا حبيبتي." قامت هدي و مشيت معاها من غير ما تتكلم و لا حتى عيطت. راحوا كلهم على المستشفى، و هناك الدكتور أكد أنه مات. و جري محمد عشان يخلص كل الإجراءات اللازمة. و بعد شوية كانت كل حاجة جاهزة، لكن مكنوش عارفين هيدفنوه فين. لحد ما اتكلم محمد و قال: "بعد إذنكم لو ينفع يعني، ادفنوا جنب والدي في المدافن بتاعتنا." قالت أمه: "أكيد يا ابني، دي مش محتاجة كلام."
قال محمد: "و انتوا يا بنات، إيه رأيكوا؟ قالت هالة: "أنا مش عارفة أعمل إيه." و بعد كده بصت على هدي و قالت: "إيه رأيك يا هدي؟ و للأسف هدي كانت لسه في الصدمة و مكنتش بتتكلم خالص. قالت لها هالة: "هدي، هنعمل إيه؟ هدي فضلت ساكتة. اتكلم محمد و قال: "هالة، مفيش وقت و لا حتى في مكان تاني. انتي تعرفي مراته مدفونة فين؟ قالت هالة: "لا، هو مقليش اتدفنت فين. كل اللي أعرفه أنه خدها و دفنها مع أهلها." قال محمد:
"طيب يبقى أنا آسف، أنا هدّفنه عندنا و يبقى كده انتوا عارفين مكانه." قالت هالة: "خلاص، اعمل اللي انت شايفه صح."
و فعلاً خدوا صالح و راحوا عند المدافن بتاعتهم و دفنوا صالح. و كل واحد راح بيته. و هدي و هالة رجعوا شقة هدي تاني. و أول ما وصلوا، دخلت هدي الأوضة بتاعتها و قفلت الباب وراها و وقفت وراه و بدأت تعيط و هي حاطة إيديها على بوقها. و هنا خلاص هدي خسرت الأمل الوحيد ليها في الدنيا و هو الأب. الأب هو الضهر و الحماية و السند للبنت في الدنيا. آه صالح مكنش أبوها الحقيقي، بس كان موفر لها كل الأحاسيس والمشاعر اللي كانوا مقويينها في الدنيا. كان ليها كل حاجة، و للأسف فقدت كل شيء. و هنا تأكدت هدي أن الدنيا ملهاش لازمة، كرهت كل حاجة و كرهت نفسها.
كان تفكيرها الوحيد: هتعيش حياتها إزاي من غيره. و بعد تفكير طويل و حزين، جريت عند الشباك و فتحته. و بصت تحت على الأرض، و بعدين بصت للسما و كأنها شافت صالح. ابتسمت و استغفرت و دخلت تاني على السرير و نامت لحد الصبح.
صحت هالة الأول، و راحت تجهز الفطار. و بعد ما خلصت، قربت من الأوضة بتاعت هدي و كانت واقفة و هي مش عارفة تعمل إيه، هتصحيها ولا لأ. و فجأة و هي واقفة، الباب اتفتح و خرجت هدي و كانت لابسة قميص أسود و بنطلون أسود و كاب أسود و عاملة شعرها كحكة من تحته. المهم لما شافتها هالة قالت: "صباح الخير يا هدي. رايحة فين يا حبيبتي؟ قالت هدي: "صباح النور يا هالة. أنا نازلة الورشة." قالت هالة: "نازلة الورشة دلوقتي؟ قصدي انهارده؟
قالت هدي بسخرية: "أيوه نازلة انهارده. هقعد ليه؟ هاخد عزا أبويا؟ قالت هالة: "أيوه المفروض تكوني انتي اللي موجودة هنا يا حبيبتي." ابتسمت هدي و قالت: "و تفتكري يا هالة مين اللي هيجي يعزينا؟ افهمي يا هالة، مبقاش في حد في الدنيا دي." قالت هالة بحزن: "يعني إيه؟ محدش هيجي؟ قالت هدي: "قصدي محدش يعرفنا. و الوحيد اللي كان لينا خلاص راح. احنا لوحدينا، أو بمعنى أصح، أنا لوحدي." دمعت هالة و قالت:
"لا يا هدي، انتي أختي و أنا مستحيل هسيبك. متخافيش." ضحكت هدي و قالت: "بكرة انتي تتجوزي و أنا هرجع لوحدي تاني." قالت هالة: "حتى لو اتجوزت، تفتكري هسيبك؟ متخافيش. و الله مش هسيبك، انتي أختي يا بنتي. أنا مليش غيرك في الدنيا. أنا أهلي تخلوا عني و محدش سأل عني لحد دلوقتي." قالت هدي: "بكرة تعملي عيلة جميلة مع محمد و هتبقي أحلى و أحن أم في الدنيا." ضحكت بسخرية و قالت: "و تفتكري أنا ممكن أخلف؟ قالت هدي:
"هتخلفي، متخافيش. و هتجيبي بنت تطلع عينك و بكرة تقولي هدي." ضحكت هالة و قالت: "خلاص، لو جبت بنت هسميها هدي عشان تبقي زيك." قالت هدي بغضب: "لا لا يا هالة، و نبي بلاش." استغربت هالة و قالت: "ليه يا هدي؟ هو انتي وحشة؟ قالت هدي بعصبية: "لا، أنا منحوسة. أنا نحس. هما كانوا معاهم حق." قالت هالة: "هما مين؟ قالت هدي:
"كل اللي قال عليا إني نحس. أنا فعلاً منحوسة و كل اللي حواليا بيتنحس مني. عشان خاطري يا هالة، امشي من هنا. على الأقل تترمي انتي مني." راحت هالة مسكتها من دراعها و قالت: "هدي، بطلي هبل. مفيش حاجة اسمها نحس. ده نصيب و ده اللي ربنا عايزه. و بعدين تعالي هنا، لو كلامك ده صح، يبقى أنا كمان منحوسة." ابتسمت هدي بسخرية و قالت: "منحوسة إزاي بقي؟ قالت هالة:
"من صغري و أنا أبويا كرهني عشان كان نفسه في والد. ما أنا أول خلفته و عشان كده جوزني بدري. و بعد فترة قصيرة جوزي مات. و أهلي رفضوا يخلوني أرجع البلد تاني. و الناس كلهم قالوا عليا إني منحوسة و أي حد هيتجوزني هيموت. و عشان كده أبويا اعتبرني ميتة و فضلت هنا. و يوم خطوبتي على الشخص اللي حبيته من قلبي، مات الراجل اللي كان بالنسبة ليا أبويا. يبقى مين فينا اللي نحس؟ ضحكت هدي و قالت: "يبقى إحنا الاتنين منحوسين."
ضحكت هالة و فضلوا يضحكوا شوية، و بعدين قالت هدي: "طيب أنا هروح الشغل عشان أعرف أجهزك يا عروسة." ضحكت هالة و قالت: "انتي نسيتي أن أنا ليا جهاز في شقتي." ضحكت هدي و قالت: "انتي عايزة تتجوزي بنفس الجهاز اللي اتوفى عليه جوزك الأولاني؟ يا شيخة حرام عليكي. ده حتى يبقى فال وحش. على الأقل خافي على محمد." ضحكت هالة و قالت: "يا لهوي، صح! مفكرتش فيها والله." قالت هدي:
"إن شاء الله هجهزك و مش هخليكي محتاجة حاجة لحد ما أسلم لمحمد إن شاء الله." قالت هالة: "يا حبيبتي، المفروض أنا اللي أقولك كده. أنا الكبيرة." قالت هدي: "مفيش بينا فرق يا حبيبتي. يلا بقي كفاية رغي عشان أنا عندي شغل كتير." قالت هالة: "ماشي. هتتأخري؟ قالت هدي: "لا إن شاء الله مش هتأخر. يلا سلام."
خرجت هدي من الشقة و كانت ماشية في الشارع حزينة، و كل ما تمشي في أي شارع تفتكر لما صالح كان بيمشي معاها فيه. لحد ما حست أن في حد ماشي وراها، و وقفت و بصت وراها بس ما شافتوش. و افتكرت أن طارق عمل كده قبل كده، فا قالت إن ممكن يكون طارق. و عشان كده مكنتش مهتمة و مشيت لحد ما وصلت الورشة. و هناك لقت واحد لابس بدلة سودة و ماسك شنطة جلد بني. كان قاعد قدام الورشة، و أول ما شافها قام وقف و قال: "حضرتك الأستاذة هدي؟ قالت:
"أيوه، أنا هدي. مين حضرتك؟ قال: "أنا اسمي أشرف، محامي عائلة الأستاذ صالح." قالت: "الله يرحمه." قال: "الله يرحمه. أنا كنت عايز أقول لحضرتك على شوية حاجات كده." قالت: "طيب، اتفضل." فتحت هدي الورشة و دخلته، و قعدوا هما الاتنين فيها. و هدي كانت خايفة، بس ما علينا. قالت هدي: "خير يا أستاذ أشرف؟ قال: "لا خير إن شاء الله. بصراحة أنا هنا عشان أتكلم في وصية الأستاذ صالح." قالت هدي:
"آه، بص أنا والله معرفش عياله فين و لا حتى أعرف طريق ليهم. و كان بابا صالح قال إن هما من ساعة ما مشيوا محدش فيهم جه هنا تاني و لا حتى اتصلوا بيهم." قال: "آه ما أنا عارف، بس هما كلموني و عايزين يبيعوا الورشة و البيت و ياخدوا نصيبهم. و أنا جيت انهارده عشان أبلغ لحضرتك بطلب عياله." اتعصبت هدي و قالت: "إيه اللي انت بتقوله ده؟ و هما دلوقتي ظهروا؟ كانوا فين الفترة اللي فاتت دي؟
حسبي الله و نعم الوكيل فيهم. ده الراجل لسه متوفي امبارح و مهانتش عليهم يجوا ياخدوا عزا أبوهم و كل اللي فارق معاهم الفلوس. يا أخي، منهم لله." اتكلم المحامي و قال: "يا أستاذة هدي، أنا مليش علاقة. ده شغلي و أنا لازم أبلغ حضرتك بكده. فا لو سمحت، بعد إذنك، سيبى الورشة في أقرب وقت و فضوا البيت عشان من بكرة هشوف لهم مشتري." قالت هدي بعصبية: "تمام. ماشي. مش حضرتك قولت اللي عندك و خلاص؟ اتفضل بقي. مع السلامة."
خرج المحامي من عندها، و هي كانت مخنوقة من عياط و منهارة. و فضلت ترمي كل الخشب حواليها في الأرض، و كانت بتصرخ بطريقة صعبة لدرجة أن الناس اتلمت عليها و محدش عرف يدخل الورشة عشان كانوا خايفين منها. لحد ما جه محمد و هو اللي دخل و حاول يمسكها، و فعلاً مسكها و خدها في حضنه و قال لها: "اهدي، اهدي. و إحنا جنبك." و بعد شوية خدها و خرج من الورشة و مشي كل الناس اللي كانت واقفة. و بعد كده دخلها القهوة و جاب ليها لمون و قال:
"خدي، اشربي ده و اهدي. يا هدي، متخافيش. يا ماما، انتي مش لوحدك. أنا أخوكي و واقف جنبك." اتكلمت بعصبية و قالت: "هما عايزين ياخدوا كل حاجة مني يا محمد. أنا مستحيل أسيب الورشة. ده لو سبتها أنا هموت. بابا قالي: اوعي تتخلي عنها. مستحيل أسيبها. أعمل إيه؟ اتكلم محمد و قال: "اهدي بس. مين اللي عايزك تسيبيها؟ قالت: "عيال بابا صالح بعتين محامي عشان يبيعوا الورشة و الشقة بتاعته و ياخدوا فلوسهم. شوفت قذرة كده قبل كده؟
قال باستغراب: "عياله؟ و هما كانوا فين دول الفترة دي؟ قالت: "مش عارفة. راجعين عشان الفلوس مش عشان أبوهم. لا، و أول ما مات ظهروا. حسبي الله و نعم الوكيل." قال: "طيب، اهدي و إحنا هنشوف حل." قالت: "لازم يا محمد، لازم نشوف حل. مينفعش أسيب الورشة يا محمد." قال: "طيب، اهدي بس. انتي لازم تسيبيها اليومين دول معلش. ده غصب عننا كلنا." قالت: "ليه؟ أنا عندي حاجات لازم تتسلم." قال:
"طيب، خلصي شغلك. بس متقبليش أي شغل تاني لحد ما نحاول نحل الموضوع ده." قالت: "و ده هيتحل إمتى بس؟ قال: "للأسف مش عارف. خلاص، خليكي فيها لحد ما يجيبوا حد يشتريها." قالت: "ماشي."
هديت هدي و فضلت قاعدة و باصة على الورشة و عينيها كلها حزن. و مرت الأيام و هدي فعلاً فضلت تشتغل فيها، و الورشة و البيت لسه موجودين. محدش جه يشتريهم. لحد ما جه وقت المدرسة، و هي المرحلة الجديدة، المرحلة الثانوية. المهم قامت هدي و جهزت نفسها عشان تروح المدرسة. بس اللي حصل معاها المرة دي كانت كارثة، مش مصيبة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!