مش عارفة اللي بعمله ده صح ولا لا، بس أنا اتنزلت كتير عشان قلبي بيحبه. مش قادرة أتخيل إن حياتي في يوم هتكون مع غيره. حسيته أماني وسندي، بس إزاي أماني وهو أكتر إنسان مؤذي. اللي أعرفه إن اللي بيحبك مش بيأذيك. بس أنا اتأذيت. وديما كنت بتنازل عشان المركب يمشي، ديما
كنت باجي على نفسي وقول: بلاش أعقد الأمور. أنا بقيت لأجله بعدي حاجات مينفعش إنها تعدي ولا ينفع لها تبرير. أنا مبقتش فاهماني ولا فاهمة أنا عايزة إيه. جوايا حرب... حرب مدمراني وكسرة روحي ونفسي. مسحت دموعها بوجع، ورفعت عينيها لصديقتها اللي كانت بتسمعها بصمت. "هو إزاي الإنسان يقدر ييجي على حد بيحبه بالشكل ده؟ مش الحب ده مشاعر إنسانية صادقة، بيها بنعمر الكون ونقدر نعيش فيه؟ ليه بنقابل الحب بالقسوة؟
ليه نجرح ناس متعلقة بينا وبتحبنا بصدق؟ "أنا… من كتر ما بحبه، زرعت جوايا إنه النفس اللي ما أقدرش أعيش من غيره…" توقفت عن الكلام حين اشتد بكاؤها، وغطّت وجهها بكفيها، وانفجرت في نحيب موجع. ثم تابعت بصوت مبحوح: "بقيت أبرّر لقلبي حاجات ما حصلتش، بس عشان أسكّن وجعه… بقيت أصدق الكذبة اللي أنا نفسي اختلقتها." ازدادت دموعها، ورفعت عينيها نحو مودة بنظرة منهكة، ورددت من بين شهقاتها: "لدرجة دي… أنا بحبه؟
مسحت مودة دموعها التي انحدرت وجعًا لأجل صديقتها، واقتربت منها بحب، تمسكت بيدها واردفت بهدوء: "هو خسر حظه في الدنيا يا سماء." رفعت سماء عينيها نحوها والدموع تملؤها، فأومأت مودة مؤكدة وأكملت: "ربنا أهداه حظه في الدنيا حبك، لكنه ما استحقوش. زي نعم كتير أوي ربنا بيمنحنا بيها وإحنا ما بنحمدوش عليها، والنعمة اللي ما نصونهاش ونشكر ربنا على وجودها… زواله يا حبيبتي."
"أنتِ حبيّتيه، لكنه ما قدّرش حبك، ما قدّرش مشاعري. لو قضى عمره كله يدور عليها في قلب حد غيرك، مش هيلاقيها." "فوقي لنفسك يا سماء… أنتِ تستاهلي اللي يعرف قيمتك، تستاهلي اللي يخاف على وجعك ويحسب لزعلك ألف حساب. ادعي ربنا يريح قلبك… وابعدي، ومفيش خسران في الدنيا غيره هو." سماء، بصوت مبحوح ووجع يثقل الكلمات: "حاولت… والله حاولت، لكن برجع. حبي ليه خلاني أفقد كرامتي وأدوس عليها، يا مودة… صدقيني مش بإيدي."
"لو قلتلك إني بتمنى أكرهه، وبتمنى أبعد عنه، يمكن ما تصدقينيش… لكني، والله، مع كل سجدة بسجدها لربنا، بدعي قلبي يكرهه." "أنا كرهت ضعفي… وكرهت حبي ليه." انهمرت دموعها، ورفعت وجهها نحو السماء، وبنبرة قهر اختنقت بين شهقاتها: "يا رب… قوّيني." امتلأت عيون مودة بالدموع وأخذتها بين ذراعيها، وبعد وقت طويل شعرت باعتدال أنفاسها فعلمت أنها قد نامت، فعدلتها على الفراش وأطفأت الأضواء وسحبت باب الغرفة عليها.
في تلك اللحظة كانت والدتها تنتظرها في الخارج بلهفة، وعندما رأتها خارجة من الغرفة اقتربت منها. "خير يا مودة، مالها سماء؟ امتلأت عيون مودة بالدموع فقتربت منها والدتها بخوف. "في إيه يا بنتي طمنيني." ضمتها مودة وظلت تبكي ومن بين شهقاتها: "ماما أنا بحبك أوي. أوعك تبعدي عني." ضمتها والدتها إليها أكثر ولم تستطع منع دموعها فبكت هي الأخرى. "مالك بس يا حببتي وليه بتقولي الكلام ده." ازدادت دموع مودة وهي تتحدث بنبرة متقطعة، تكاد
الكلمات تختنق في حلقها: "كل اللي بيحصل مع سماء ده… سببه إن مامتها مش موجودة. كل حاجة وحشة مرت بيها، كانت بسبب غيابها. أنا زعلانة عليها أوي يا ماما… دي اتحملت كتير، كتير أوي. اتحملت إهانة من مرات عمها، وشغلتها خدامة ليها وهي لسه طفلة! ورغم كل ده… مسامحاها، وعمرها ما اشتكت لوالدها، ولسه بتحبها رغم اللي عملته فيها." أخذت نفسًا مرتجفًا وأكملت:
"وبعد ما باباها عرف اللي حصلها وأخدها بعيد، اتربت وحيدة… مفيش معاها حد، طول الوقت في بيتها لوحدها. ولولا صاحبة مامتها اللي كانت بترعاها، الله أعلم كان هيجرالها إيه. صدقيني يا ماما… لما سمعت قصتها من طنط حسناء، اتصدمت. ما كنتش مصدقة إن دي حياة سماء، صاحبتي اللي طول الوقت بتضحك وتهزر، وبتحذرنا من الحقد والكره." هزّت رأسها بأسى، والدموع ما زالت تسيل: "حتى الشخص الوحيد اللي حبّته… طلع أقسى وأوحش من كل اللي مرت بيه!
وكمان اتجوزته… من غير خطوبة، ولا حفلة كتب كتاب، ولا حتى قالوا لحد! كله على الصامت… بسبب مشاكل مع باباها وكان لازم يسافر. ودلوقتي… بيهينها وبيكسرها وبيوجعها." شهقت مودة من شدة القهر، وتابعت بصوت متهدج: "أنا مش عارفة أعملها إيه… ولا قادرة أساعدها. أنا زعلانة عليها أوي يا ماما… كفاية عليها كده، والله كفاية."
بكت والدتها على ألم ابنتها، وعلى تلك المسكينة النائمة في الغرفة، وعلى الحزن الذي عاشته، فربتت على ظهر ابنتها بحنان. "اهدي ياقلبي." مودة ببكاء: "ادعي لها ياماما." والدتها بحب: "هدعيلها يا قلبي ومتقلقيش، احنا معاها ومش هنسيبها، وإن شاء الله اللي جاي كله خير." حركت مودة رأسها وهي تأمل ذلك. ***
وفي فيلا آدم الخاصة، نزل إلى الطابق السفلي ورأى والدته تنظر حول الفيلا بقلق وتطلب من الخدم أن يقتربوا منها، فقترب هو أيضاً باستغراب. "في إيه يا ماما؟ حسناء، بملامح يكسوها القلق: "الحراس قالولي إنكم رجعتوا من فترة، وأنا بدوّر على سماء مش لاقياها… ولما سألتهم قالوا إنها ما خرجتش، بس برضه مش موجودة! تجمّد آدم في مكانه مما سمع. ثم لوّح بيده بغضب وهو ينادي حراسه. اقتربوا منه بانضباط، أحدهم قال باحترام: "أوامرك يا آدم بيه؟
آدم، بصوت صارم: "سماء هانم مش موجودة… وإنتوا بتقولوا إنها ما خرجتش من البوابة؟! أجابه أحد الحراس بجدية: "صح يا فندم، محدش خرج من البوابة من وقت رجوعكم." صعد آدم بخطوات سريعة يشتعل الغضب في عينيه، دفع باب غرفتها بعنف، وتوجه إلى الخزانة. توقف لوهلة… وعيناه تتسعان من الصدمة حين رآها فارغة. أدرك فورًا… أنها رحلت. هبط من الغرفة كالعاصفة، واقترب من حراسه بغضب أعمى، ولكم أحدهم بقوة وهو يصرخ: "يعني إيه "ما خرجتش"؟!
دي لمّت هدومها ومش موجودة! الحراس، بصوت مرتجف وخوف واضح: "والله يا آدم بيه… ما خرجت من البوابة." شد آدم شعره بعنف، يتنفس بسرعة، قبل أن يأتيه صوت والدته حادًا وحازمًا: "سماء فين يا آدم؟! وإيه السبب اللي خلاها تلم هدومها وتمشي؟ نظر آدم إلى والدته بعيون مرهقة، ثم التفت مبتعدًا دون أن ينطق بكلمة. أمر أحد الحراس بعرض تسجيلات الكاميرات وحدد لهم الساعة بالضبط.
لم تمضِ دقائق حتى جاءه الحارس بما طلب، فوقف آدم أمام الشاشة يتابع اللقطات خارج الفيلا. تجمّد للحظة حين رأى إحدى الخادمات تجر حقيبة ثقيلة إلى الخارج، قبل أن يضرب الطاولة بقبضته بغضب. أدرك على الفور أنها كانت سماء… متنكرة في ملابس الخدم، وخرجت من الباب الخلفي حتى لا يتعرف عليها الحراس. ارتفع صوت والدته صارخًا في أذنه، وهي تقول بغضب حاد: "سماء راحت فين؟! وليه ساحبة هدومها وماشية؟! فاهمني دلوقتي… إيه اللي عملته فيها؟!
آدم، بضيق: "أنا ما عملتش حاجة." لكن والدته ازدادت غضبًا، ورفعت صوتها بجدية قاطعة: "اتصرّف… وجيبها دلوقتي. أنا اللي غلطانة إني طلبت منها تتجوز واحد قلبه حجر زيك! قلت يمكن يتغير، لكن اللي زيك بيظل طول عمره إنسان وحش." ثم اقتربت منه وضغطت بإصبعها على صدره، فوق قلبه، وهي تقول بغضب أكبر: "عارف إمتى عرفت إن ده أسود؟
لما أخوك حاول يصالحك ألف مرة، ويترجاك تسمعه وتفهم أسبابه. كان بيجي هنا، وأنا بسمعه بنفسي وهو بيحاول يتكلم معاك… ياما عمل عشانك، ووقف في ضهرك، بس إنت جاحد، وقلبك قاسي، ما بتفتكرش غير الوحش وبس." تنفست بغضب، ثم أكملت بنبرة قهر: "يا أخي… دا لو كان ذبحني، وعمل كل اللي عمران عمله عشان تصالحه وتفهمه، كنت سامحته ونسيت كل حاجة. بس يا خسارة… القلب الوحش ما بيدخلش جنة." توقفت لحظة، ثم أنهت حديثها بجدية صارمة:
"بنتي تجيلي دلوقتي… وأول ما توصل، هتطلقها. لأنك ما تستاهلش ضفرها." غادرت بعد كلماتها، تاركة وراءها صمتًا مثقلًا. جلس آدم على أقرب كرسي، وملامحه منكسرة… لقد حطمته أمه بكلماتها. لم يعد يحتمل أي وجع آخر، فاليوم أثقل قلبه بما يفوق طاقته بكثير. استرجع آدم ذكرياته الماضية، وضغط على عينيه بقسوة، وكلمات عمران تتردد في ذهنه… في ذلك اليوم كان جالسًا في الحديقة، عينيه معلقتان بالسماء، حين سمع صوت ابنة عمه سارة:
"آدم… إنت لسه صاحي؟ التفت نحوها بهدوء وأومأ: "آه… مش جايلي نوم." اقتربت وجلست بجانبه، وعيناها تتابعان النجوم، ثم همست بابتسامة خفيفة: "نفسي أعرف… إيه سبب حبك في النظر للنجوم والقمر؟ آدم، بصوت هادئ: "مش عارف… بس بحس إن عينيّ بترتاح، وقلبي كمان… وبصفّي عقلي." أنهى كلامه وعاد ليستلقي على العشب، ناظرًا للسماء، بينما سارة بقيت صامتة، تبتسم بشرود وهي تتأمل ملامحه. لاحظ نظراتها، فالتفت إليها مستغربًا: "مالك… بتبصّي كده ليه؟
ارتبكت، وأشاحت بوجهها في اتجاه آخر محاولة اختلاق عذر، لكنها ما لبثت أن تنفست بعمق، وعادت لتنظر إليه بهدوء: "آدم… هو إنت… مش بتلاحظ مشاعري؟ تجهمت ملامحه من الاستغراب، واعتدل في جلسته قائلًا بجدية: "مش فاهم قصدك إيه." وقفت سارة أمامه، ودموعها تلمع تحت ضوء القمر، واردفت بصوت مرتجف: "متأكد إنك مش فاهم؟ آدم، بجدية وقلق: "سارة، وضّحي كلامك… وفهميني في إيه، وليه بتعيطي؟ ازدادت دموعها، ما جعل الاستغراب يشتد في عينيه:
"اهدي… أنا مش فاهم إيه الغلط اللي عملته." فجأة، ارتمت بين ذراعيه، وارتجف جسدها وهي تبكي أكثر، قبل أن تهمس بألم: "آدم… أنا بحبـ…" لكنها لم تكمل، إذ دوّى صوت عمه عادل في أرجاء المكان، ينادي بغضب: "آاادم! التفت آدم نحو مصدر الصوت، وقلبه يخفق بعنف، ثم ربّت على كتف سارة بتوتر، وابتعد عنها خطوة ليحاول توضيح الموقف لعمه. لكن قبل أن ينطق بكلمة، زمجر والد عمران بصوت غاضب كالرعد: "إيه المسخرة وقلّة الحيا اللي شوفتها دي؟!
آدم، وهو يحاول التماسك رغم الغضب الذي بدأ يتصاعد في صدره: "عمي… انت فاهم غلط، سارة زيها زي عائشة بالنسبة لي." والد عمران، بلهجة حادة: "لو فعلًا بتعتبرها زي أختك… ليه واخدها بالأحضان يا ابن أخويا؟ فتح آدم فمه ليرد، لكن عمه قاطعه بصرامة: "اسمع يا آدم… أنت كنت بالنسبة لي ابني التاني، لكن بعد اللي حصل، نظرتي ليك اتغيّرت… وخلتني أقلق على بنات عمك منك."
كلمات عمه نزلت كالصاعقة على رأسه. التفت آدم إلى عمران، منتظرًا أن يتدخل ويدافع عنه، فهو أكثر من يعرف أنه لم يفكر في سارة يومًا إلا كأخته. لكن صمت عمران كان خذلانًا صريحًا. آدم، بصوت متوتر يخالطه قلق: "عمران… فهم عمي إن سارة زي أختي، وإنه مستحيل أخون عرضي." ألقى نظرة نحو سارة، فرأى أنها غادرت المكان مسرعة، فعاد بنظره إلى عمران، منتظرًا منه كلمة إنصاف. لكن والد عمران تابع بغضب أكبر:
"للأسف يا محترم… كنت فاكر إنك راجل وهتحافظ على عرضك وتصونه، لكن أخوك بنفسه جالي وصحّاني من نومي عشان يورّيني الكارثة، وقالي إنه الوضع ما عجبوش، وإنك بقالك فترة مش مظبوط." اتسعت عينا آدم أكثر، وكأن الكلمات التي سمعها للتو كانت خنجرًا آخر يُغرس في قلبه. رمق عمران بنظرة طويلة، يريد منه أي إشارة تبرئه، أي كلمة تنفي ما قاله والده… لكن الصمت ظل سيد الموقف، وكأنه اعتراف غير منطوق.
ابتسم آدم بسخرية مرة، وأدخل يده في جيب بنطاله، ثم اردف بجمود قاتل: "كده… فهمت." ارتسمت الحيرة على وجه عمه، لكن آدم أكمل ببرود أشد: "خلاص يا عمي، هريحك من خوفك وقلقك على بنات عمي… وعلى بنتك إنت كمان. هعتبرها غريبة عني، والبيت كله بالنسبة لي ميت. يعني زي ما تقول… أهلي ماتوا، ومليش غير أمي وبس. وهسيبلك الجمل بما حمل… ما هو برضه مينفعش تسيبوا وسطكم خاين وقليل الأصل… زيي." حزن عمه وارتخت ملامحه وهو يقول بهدوء:
"ده بيتك… وبيت أبوك. أنا ما قلتش إنك تسيبه." لكن عمران كسر صمته أخيرًا، ليس بالدفاع بل بصوت ملتهب بالغضب: "إنت بتقول إيه يا بابا؟ اللي زي ده لازم يمشي من هنا! ولو على ورثه، ياخده… وإحنا مش عايزين نشوف وشه تاني." كانت الابتسامة الباردة ما تزال مرتسمة على وجه آدم، لكنها كانت تخفي خلفها بركانًا من الألم. تحامل على نفسه، وتحدث بصوت هادئ لكنه ينزف وجعًا:
"متقلقش يا ابن عمي… أنا مش هفضل هنا دقيقة واحدة، ولو على الورث… فأنا مش هاخد منكم جنيه. وزي ما قلت لعمي، أنا مليش في الدنيا دي غير أمي… يعني الورث ده اشبعوا بيه." أنهى كلماته وغادر بخطوات ثابتة، لكن كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. مدّ عمه يده سريعًا، وأمسك بذراعه محاولًا إيقافه: "إنت رايح فين يا ابني دلوقتي؟ اسمعني بس… إحنا كلنا بنغلط، وأنا قصدي بكلامي إن دول لحمك."
لكن آدم سحب ذراعه بهدوء حاد، دون أن ينبس بكلمة، وكأنه أغلق أبواب قلبه تمامًا. تابع طريقه خارجًا، وصعد إلى الجناح الخاص به وبوالدته. اقترب من سريرها، وهز كتفها برفق لكنه كان مضطربًا: "ماما… اصحي." حسناء بقلق وهي تجلس على طرف السرير: "مالك يا حبيبي، حصل إيه؟ آدم بجدية وحزم واضح: "قومي لمي هدومك… إحنا ماشيين." والدته باستغراب وهي تحاول قراءة ملامحه: "ماشيين فين يا ابني؟ آدم بجمود وعينيه تتجنب النظر إليها: "هنرجع شقتنا."
حسناء بصدمة: "في إيه يا ابني؟ ما تفهمني." آدم بغضب مكتوم وصوت منخفض لكنه حاد: "قومي معايا دلوقتي… ولو مش حابة تيجي، فأنا ماشي وخليكي معاهم." التمعت الدموع في عين حسناء، فتركها آدم دون كلمة، ودخل غرفته يسحب حقيبة الملابس ويملأها بسرعة، بينما كلمات عمه تكرر نفسها في رأسه كطَعنة لا تهدأ، فاشتعلت عيناه وشعر وكأن جمرات من النار تحرقه من الداخل.
بعد أن انتهى، خرج من غرفته ليجد والدته بانتظاره وقد جهزت حقيبتها هي الأخرى، فسحب الحقائب بصمت، ونزل للطابق السفلي. هناك كان عمه وزوجته وعيسى في انتظاره يراقب المشهد بابتسامة شماتة واستمتاع، فما كان من آدم إلا أن زجره بنظرات حادة جعلته يتراجع خطوة للخلف. اقترب عادل من آدم محاولًا الحديث، لكن آدم لم يُعره أي انتباه، وواصل خطواته الغاضبة نحو الخارج. وقبل أن يخرج، أمسكت والدة عمران بيده وهي تبكي بحرقة:
"كده يا ابني… أهون عليك تسيبني؟ أغمض آدم عينيه بتعب، وحرر ذراعه من يديها، وركب سيارته. كانت والدته تحاول أن تفهم ما الأمر، لكن عمه لم يتحدث، ولا آدم، فتنهدت بحزن وصعدت هي الأخرى. وقبل أن يغادر بسيارته أسرعت عائشة التي كانت تبدو عليها علامات النوم. لقد استيقظت على الأصوات العالية ورأت آدم يغادر. وبكاء أمها وهي تطلب منه عدم الرحيل، كل ما فهمته هو أن شقيقها سيتركها، فبكت خوفاً واقتربت منه. "أبيه انت هتسيبني؟
" وفتحت باب سيارته وامسكت يده بدموع. "أبيه بالله عليك اتكلم قول لا مش هسيبك يا عائشة." لم يتحرك آدم أو ينطق بكلمة، وكأن صوته قد انكسر داخله. كانت دموع عائشة تتساقط بغزارة وهي تضمه بقوة، تتوسل بصوت مرتجف: "طيب خدني معاك يا ابيه… أنا مقدرش أعيش من غيرك." لكن آدم بقي جامد الملامح، وكأن قلبه يقاوم الانهيار، ثم أبعدها برفق رغم ارتجاف يديه، وأغلق باب السيارة ببطء.
ارتفع صوت بكائها وصراخها عليه ألّا يتركها، فتوقف لحظة ونظر إليها، وعيناه تمتلئان بالوجع، قبل أن يحوّل بصره نحو عمه بنظرات حادة تحمل مرارة وعتابًا دفينًا. ثم أدار محرك السيارة وغادر، تاركًا خلفه دموعها تتساقط وصرخاتها تتلاشى في صمت الطريق. كانت الذكريات تتقافز في رأسه كطعنات متتالية، كل مشهد منها يترك أثرًا أعمق في قلبه.
أحداث الماضي لم تترك له فرصة للصفح، بل حفرت بداخله قناعة راسخة أن الكراهية هي السلاح الوحيد الذي يحميه. أقسم في نفسه أنه لن ينسى، ولن يلين، وأن تلك العائلة ستظل بالنسبة له جرحًا مفتوحًا… جرحًا لا يريد له أن يلتئم. تنهد بتعب ونظر حوله. فكانت الغرفة خالية من الحراس. لقد خرجوا بعد أن دخلت والدته.. فخرج وأشار لهم أن يقتربوا. اقترب منه الحراس بقلق، فتحدث بلهجة حاول فيها إخفاء تعبه. "عاوزكم تدوروا على سماء وتجيبوها."
الحارس بعملية: "ساعتك أنا كلمت الحراس الموجودين على بيت سماء هانم وقالوا إن حضرتها مروحتش البيت." أغمض آدم عينيه بندم وزداد خوفه فهو ظن أنها غادرت لمنزلها فليس هناك مكان آخر تذهب إليه. مسح على وجهه بضيق واردف بجدية: "اقلبوا عليها الدنيا المهم تكون في البيت النهارده." الحراس بمؤامرة: "تمام ساعتك." غادر الحراس، أما هو فصعد إلى غرفته وغير ملابسه ثم غادر الفيلا على أمل العثور عليها، وهذه المرة سيعتذر عما قاله. ***
في مكان آخر كان يتحدث على هاتفه ليأتيه الصوت من الجانب الآخر. "خير يا غالب لغايت دلوقتي مش سامع أخبار." غالب بتوتر: "خير يباشا متقلقش." المجهول بجديه: "تمام يا غالب أنا مستني." غالب بهدوء: "متقلقش ساعتك عيسى خلاص طلع ومنصور هو كمان هيجي وبعدها هنورد البضاعة." المجهول بجمود: "تمام." وأغلق بعدها دون أن يضيف جملة. ***
وفي منطقة آدم، وتحديداً في الغرفة التي سجن فيها صهيب وصديقه، تحرر من قيوده، كما حرر أسر نفسه أيضاً. بسبب خبرتهم، فمن السهل أن تتحرر من تلك الأغلال، فانظر. لأسر وبغمزه: "هنخرج." اسر بلهفه: "إزاي؟ صهيب بهدوء: "سحب أحد الأجهزة المدسوسة في نعل جزمته وبعث إشارة." اسر بضحكه: "يعمر بيتك ومخوفني من ساعتها." صهيب:
"معلش يا وحش كنت ناسي والحمد لله إني ديما بحطه معايا. المهم الجهاز هيبعتلنا ناس تساعدنا واول ما نخرج انا هخرج منصور وانت عليك تخرج الرجالة." اسر بتفهم: "تمام." وبعد انتظار بعض الدقائق تمكن الرجال من الوصول وقاموا بإخراج صهيب وأسر بشكل احترافي، وبعدها تسحب صهيب إلى الزنزانة التي كان يتواجد بها منصور، وبفضل قوته البدنية وذكائه تمكن من تجاوز رجال آدم. ودخل الزنزانة.
فنظر إليه منصور برهبة فهو يتذكره من المرة الأخيرة، فابتسم له صهيب بسخرية. "سبحان الله الدنيا دوارة بعد ما مسكت لسانك عشان يتقـ*ـطع جاي بنفس الإيد أحركك." اتسعت عيون عاصم فقترب منه صهيب وتلك النظرة الساخرة على وجهه فهمس بمكر: "تحب أقولك يا عاصم ولا منصور الزناتي؟ صدم منصور من معرفته لهويته الحقيقة فابتسم صهيب ابتسامة جانبية واردف ساخرًا:
"بس براڤو عليك ناصح قدرت تكون عاصم بيه رجل الأعمال ومنصور الزناتي تاجر المخدرات العالمي وفرد من أفراد عصابة الكردي."
رمش منصور بعينيه أكثر من مرة يستوعب. فهو يعتقد أن آدم يعرف فقط عن تجارته بالمخدرات. وقبل أن يستيقظ من تلك الصدمة رأى صهيب يخرج مقصاً من جيبه. كان مرعوباً من الأمر، وقبل أن يبدي أي رد فعل، قام صهيب بالضغط على وريد في رقبته مما أدى إلى فقدانه الوعي. ابتسم بشر ومرت ذكريات الماضي أمام عينيه وصوت صراخ أخيه وبكاء ابنه يرن في أذنيه، فتلمعت عيناه ببريق مخيف. وقبض على أصابع يده فقطعها بقوة، وفي داخله يود أن يأتي بأحشائه لا بأصابعه.
في تلك اللحظة دخل اسر واستغرب من ما يفعله صهيب فأردف بجديه: "انت بتعمل إيه؟ صهيب بجمود: "عنده معلومات مينفعش غالب ولا اللي معاه يعرفوها." اسر بعدم فهم: "وأي دخل صوابعه بالموضوع؟ ارتسم على وجه صهيب ابتسامة مستمتعة واردف ببرود مخيف: "آدم قطع لسانه ودلوقتي أنا قطعت صوابعه يعني لا هيقدر يتكلم ولا يكتب ولا حتى فاهم حاجة في لغة الإشارة وبفكر آخرم طبلة ودنه." اسر بهدوء ربت على كتفه:
"أنا فاهم إنت حاسس بإيه دلوقتي بس بإذن الله حق أخوك ومراته وابنه هيجي والمرة دي إنت اللي هتجيبه بإيدك يا صحبي." أومأ صهيب بحزن أخفاه باحترافية وبعد انتهائه قام بأخذ أصابعه وامر أحد رجاله بإضمام يدي منصور وحمله للخارج وغادر بعدها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!