رحلت سيرا. بعدها أعددت فنجان قهوة وجلست بالصالة أدخن لفافة تبغ. المنطقة اللي فيها البيت منعزلة. لما حل الليل فرض السكون سطوته، وخفتت الحركة، وأغرق ظلام الليل المنزل، الأشجار والحقول المحيطة بي. كنت أفكر أن سيرا فتاة لطيفة وجميلة، تسمع الموسيقى كمان. ما ظل يثير حيرتي أنها عشرينية، كيف سمح أهلها لفتاة بمثل عمري أن تدخل منزل شاب عازب؟ قلت: ربما الفقر والاحتياج.
أنهيت فنجان القهوة وجلست على المكتب أحضر للعمل. لا زال المنزل غريب علي وفكري مشتت. ثم تذكرت كلام سيرا حول الموسيقى. بحثت عن الجرامافون في كل مكان حتى وجدته على الطاولة أسفل قماش قديم. جهاز جديد علي، حالته لم تمس تقريبًا. الأسطوانات مرصوصة إلى جانبه في إطار معدني. وضعت الأسطوانة وأنا أسخر من نفسي. تغيرت الدنيا وكل الأغاني والسيمفونيات على الهاتف الآن.
صدح صوت سيمفونية تشايكوفسكي. صوت قادم من آهات الجحيم. أنهيت عملي على صوت الموسيقى الرائق، وأنا أحدق باللوحات الجدارية المعلقة على الجدار. لوحات عالمية منتقاة بعناية لأشهر الرسامين العالمين القدامى. أنجلو، بيكاسو، دافنشي، مارتن، لواران، هانسي، بلنتو. لوحات أقرب للأصلية، حتى أن فضولي دفعني للأقتراب منها. كيف لم ألاحظ كل هذا الجمال منذ البداية؟ وهل كانت هذه اللوحات موجودة فعلاً عند حضوري؟
رفعت يدي المس لوحة "امرأة البرتقال" البولندية ليوناردو. لا تلمسني! رجعت للخلف خطوتين أفرك إصبعي في أذني. أتحدث اللوحة للتو؟ لكن عقلي لم يصدق بما سمعته. بخوف اقتربت من لوحة "الفتاة ذات قرط اللؤلؤ" ليوهانس فيرمير. لا تلمسني! تلك المرة، أنا متأكد مما سمعته. نطقت فتاة اللوحة الجدارية المعلقة على الجدار. تذكرت كلام عم حارس أن المنزل مسكون، لكن كبريائي وغشومتي أبت علي تصديقه.
جلست في مكاني مرة أخرى أنظر للوحات. صوت الموسيقى لم يتوقف. ثم نمت في مكاني. في شروق الشمس، بدلت ملابسي وذهبت لعملي في مكتب بريد القرية. قابلني عم حارس. قال: أستاذ إسماعيل، لديه كلمة لك؟ يا عم حارس، أنا مستعجل. لما أرجع إن شاء الله. صلى وقالي: أنت مش زعلان؟ قلتله: وهزعل ليه يعني؟ قالي: البنت اللي كانت هتنضف البيت. قبل ما يكمل كلامه، قلتله: شاطرة جداً على فكرة، أنا اللي لازم أشكرك. حطيت في إيده فلوس وسبته.
سمعته ورا ضهري بيقول: راحت من غير ما تقولي. البت دي كانت طمعانة تاخد الفلوس كلها لنفسها، عشان كده قالتلي مش رايحة. لكن الرزق الحلال مش بيضيع. خلصت شغلي ورجعت على البيت. لقيت سيرا نضفت السطوح وشغال في المطبخ. لكن كان فيها حاجة غريبة. كانت أجمل من المرة الأولى. شعرها كان أصفر وعينيها خضراء. لكن نفس الملابس تقريبًا. التنورة الضيقة والبلوزة الزرقاء. أزاي مش باخد بالي من التفاصيل الصغيرة دي؟ معقول أنسى لون عينيها؟ وشعرها؟
قالتلي: افتكرتك هربت. رغم كده جيت حسب اتفاقنا وحضرتلك الأكل ونضفت السطوح عشان تقعد براحتك بالليل وتستمتع بالقمر والنجوم. قلت: لسه هنا، متقلقيش. أنا مش ناوي أرحل ولا أسيب البيت ده. حطت الأكل على السفرة. قعدت آكل وهي كانت قاعدة قصادي. قلتلها: سيرا، أنتِ صبغتِ شعرك أصفر؟ مسكت شعرها بإيدها. أول مرة ألاحظ أنه طويل جداً وناعم كده. قالت: أنا بحب التغيير في شكلي، ما تستغربش، ماشي؟ سيرا، لماذا لا تأكلي؟
لقد سبقتك منذ مدة طويلة. أقول لك على فكرة، امبارح تهيأ لي إن اللوحات المتعلقة على الحيطة بتتكلم. حطت سيرا كوعها على الطاولة وسندت عليها ذقنها. كان وشها بيضحك. قالت: سيرا، الحيطان بتتكلم، الأشجار والحقول، البحر والغابة والبحيرة، لكن محدش بيفهمها. قلت: يعني أنتِ لاحظتي ده قبل كده؟ لا، محصلش معايا. بس يمكن بيحبوك؟ يحبوني؟ هي الصور بتحب حد؟ مش الإطار يا سيد إسماعيل، الناس المحبوسة جواه، الوجوه والأشكال. مش مقتنع.
فكرت شوية وقلت: بيحبوني ويقولوا متلمسناش؟ قالت: عادي. خلصت أكل؟ أيوه. قلت: ساعدتها في لم السفره. قلت: عارفة لولا أبوكِ وأمك يقلقوا عليكي، كنت طلبت منك تسكني معايا هنا. البيت كبير. قالت: أنا مقطوعة من شجرة، لا أب ولا أم ولا أخ. بس مش ينفع، أنت عارف كلام الناس يا سيد إسماعيل. قلت: ناس مين؟
أنا من ساعة ما جيت مشفتش إلا عم حارس وساعي البريد. مفيش شخص واحد دخل علينا. الست اللي بتبيع الخضار في مكانها ومحدش بيشتري منها. حتى القهوة فاضية. طيب، حتى طفل ماشي في الشارع أشوفه؟ مش معني إنك معاك عينين إنك تشوف كل حاجة يا سيد إسماعيل. تشرب شاي؟ أوكي، ماشي.
أخذنا الشاي وطلعنا على السطح. فيه طاولة وكرسيين. قعدنا. وشنا الزرع. حقول البرسيم والقمح والنعناع والحنطة. فيه مواشي مربوطة. شايف ناس بس بعيدة أوي عنا. المنظر تحفة من فوق السطح. سرحت. وكانت سيرا بتبصلي قوي. سألتها: فيه إيه؟ قالتلي: أنت إيه خلاك تسيب بلدك وتيجي هنا؟ قولتلها: عادي، أنا بحب السفر من مكان لمكان. شغلت الموسيقى مبارح؟ آه، ونمت عليها كمان. الجهاز جميل. بحب العصور القديمة دي. كانت الشمس بتتسحب ورا الشجر.
وقفت وقالتلي: أنا لازم أمشي دلوقتي. أوصلك؟ قلتلها؟ قالتلي: لا، أنا عارفة طريقي كويس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!