تعالي قربي! لأ لأ أنت عاوز مني إيه؟ إنتِ اللي عايزة مننا إيه. مش عايزة حاجة والله، خليني أمشي. مانتي فعلاً هتمشي، بس على راسك. مش فاهمة؟ قربي بقولك. لأ إنت عايز إيه؟ روحك! ليه هي سايبة، وإنت مين في البلد؟ نظر لها ببرود ودقق في ملامحها ثم خلع شاله الرجالي وألقاه لها فتلقته. إيه ده! غطي شعرك ياقليلة الدين والتربية. إنت إزاي تقولي كده!
إنت متخلف شكلك متخلف، مانت حيوان عايش في الصعيد رجعي مش متمدن. أنا أعرف ربنا أكتر منك. وللمرة الثانية تناست مع من تتحدث، أما جميع العوام كانوا في ذهول تام. المكان خالي من أي صوت بخلاف أنفاسه، أنفاسه الغاضبة فقط. ولاول مرة…. أقترب منها وترقب الجميع، في صمت وزهول. حتى وقف أمامها، الجميع يسمع صوت أنفاسه المتسارعة. وأعي نفسك بتقولي إيه؟ أيوة أنا عارفة بقول إيه! أقولك أنا بتقولي إيه، بس مش هنا… ثم نظر
لرجاله وفي نبرة أمره أردف: تجبوها على الثرى ورايا في الحال. وهم بالانصراف أما هي فقد ارتفع صوتها وحاولت التملص من قبضة رجاله، بينما ساد الأسى على وجوه العوام وارتفع الصوت بعد مغادرته. أوعوا كده سيبوني! كان صوتها حاداً متوتراً يحمل الخوف. حاولت التملص فلم يسعفها الأمر فقامت بنغز أسنانها في لحم ذراع وهدان فما كان منه إلا أن انصرع، وأفلتها من يديه. فهم… عزيز بإمساك بها، فركلته في بطنه، وهَمّت مسرعة أماماً.
فلاحقها آخرون فوجدت قفصاً فارغاً، فالقته عليه لم يؤثر في الرجل بل زاده غضباً. ظلوا يلاحقوها يميناً ويساراً، ولكن بداخلها تصميم على الهروب، الهروب والهـروب فقط! تعال يبنت ال****. مش هاجي ولا هروح حتة يا عبد سيدك! وسيدك وسيدك، تعال أحسن سيف بيه هيخلي يومك عسير. لا عصير ولا شاي، سيف بيه سيدك إنت مش أنا، واووعوا من وشي! نظر وهدان للعوام وأردف بأمر وغضب: الكل يلاحقها. الكل يمسكها.
لاحقها العوام وهموا بإمساكها، وكبلها وهدان. يجلس غاضباً بنوع من البرود والكبرياء، في قاعة الثرايا الأمامية المصممة خصيصاً له، تحمل ألواناً قاتمة، وطرازاً كلاسيكياً ولكنه رائع وراقي، يحمل عبقه كل ما هو راقٍ ومميز ستجده في شخصه. هدوئه، وغضبه، ثورته وبروده، أصالة، الكبرياء والحنان. فجأة سمع صوت صراخها وثرثرتها، وأقدامهم تقترب حتى طرق حارسه الباب فقبل دخوله قال: خليهم يدخلوها. أنفتح الباب، ودخلت نور. اخرج برة يا وهدان.
أمرك يا جناب العمدة. لأ مش هيخرج، خليك، خليك. أوعي تسبني مع ده! قلت أخرج يا وهدان. مش هكرر حديثي مرتين. خرج وأغلق الباب خلفه، فأصابها الرعب والتوتر في آن واحد وأصبح الجو محملاً بالتوتر بالنسبة لها، والأشيء بالنسبة له. زأغت عيناها في هذا المكان، تنظر لأي شيء إلا هو. هاه مين عاد قولي؟ نور اسمي نور. منيح، إيه جابك هنا؟ رجالتك إنت، ليه غبي كده. تمالك غضبه للمرة التي لا يعلم عددها وتفوه وهو كاظم لغيظه: ما يبدو إنها غبية.
مين جابك هنا وأي غباوة في حديثك؟ هيكون بنهايتك. هاه مين وأصلك وفصلك إيه؟ توترت خاصةً حينما لمحت نظراته الغاضبة، الحانقة، فردفت بنبرة مهتزة أثر صدمتها: أبداً، والله أنا جيت أعيش هنا، ادي كل الحكاية. مين سمحلك بكده! أنا، أنا سمحت لنفسي والله! اشتعل غيظًا من غباوتها وغبائها. ماتيجي تحكمي بدالي عاد، كلمة مش هكررها. مين سكنك في أرضي وبدون علمي؟ هو إيه اللي أرضك، الكون كله ملك ربنا بما فيهم إنت!
زاد غضبه من حماقتها وتمالك أعصابه للمرة التي لا يعلم عددها. اسمعي يا زفتة إنتِ عشان إنتي وحدة ست، وملكيش كبير تتحدثي وياه، فإنتي لمي حاجاتك واخرجي بره أرضي. شعرت بالألم على حالها يتاكل روحها وكيانها. أين تذهب بوالدها؟ القاهرة، باتت ملاذها الآن، رغم قسوة العيش بها ولكنها سبيلها الوحيد. وحمداً للمولى إنه عفا عنها. أما هو فأخذ يتأمل وجهها وقد لاحت عيناها في اللاشيء. فأخرجها من تفكيرها حينما حمحم.
هاه من بكرة مشوفش وشك هنا. حاضر، بس ممكن طلب؟ مالكيش طلبات عندي. طلب من كرمك بس! إيه هو؟ ممكن تخليني في بلدك هنا بالله عليك؟ رجاءاً! فرت دموع من عيناها كشلال انفجر مرة واحدة، تبدتك طفلة مسالمة لأبعد مدى. لا يعلم لماذا رغم قسوته…. لما رق قلبه لها لتلك الدرجة، رغم أنها مجنونة متسرعة حمقاء، ولكنها بدت وديعة كالطفلة. معذرة فالأطفال يجمعون جنوناً رائعاً وسخافة حمقاء. بالله عليك خليني، والله أنا مش حرامية!
والله والله، أنا في حالي خالص. مينفعشي، كل اللي هصرح لك بيه خروجك بدون عقاب. مش هعاقبك عشانك ست، فتمشي بسلام من هنا! بالله عليك يا جناب العمدة بيه حلفتك بالمولي! ماشي، هتقعدي بس عشان حلفتيني بالله العظيم! بس بشروطي! موافقة على أي حاجة. تغيري لبسك، وتحطي حجاب! لأ طبعاً أنا مش هتحجب!
قعدتك في بلدي عشان حلفتيني بالله، وحجابك عشان الله، وأنا عاوز كده. مفيش حرمة تمشي في بلدي بشعرها، ولبس بنطلون، واللبس المايع اللي لبساه ده مش في بلدي. بس أنا بمارس حقوقي، ودي حرية شخصية! وأنا بمارس قانوني وأنا هنا الدولة، ولو كلامي ما اتطبقش يبقى تشوفي مكان تاني! طيب موافقة، هتحجب وهلبس واسع. ممكن أمشي بقى؟ أتفضلي، ولمرة أخيرة كلامي يتنفذ. بإذن الله، سلام.
بعد خروجها أراح رأسه للخلف على كرسيه قليلاً. استغرب نفسه حقيقة، استغرب كل شيء به. لماذا، لماذا؟ جميع التساؤلات دارت في رأسه. لماذا لم يخرجها؟ لما كان هادئاً رغم قسوته معها، والادهى لما أبقاها؟ ولما ولما ولما…. تساؤلات تتاكل بداخله لم يبقِ لها تفسير حرفي، لم يجد لها إجابة. برغم غيظه منها وغضبه الظاهر للعيان، تمالكه، تمالك غيظه ولكن لم يتمالك قلبه. حلو كده؟ قالها شحاته بغضب عارم. في إيه يا خالو؟
بلا خالو بلا زفت، إنتي تقبحي على البيه وجاية تقولي فيه إيه؟ طيب ماهو فيه إيه أنا مش فاهمة؟ مش فاهمة إيه! إنتي مش هتبطلي استهبال وغباوة! عملت إيه لكل ده يا خالو؟ عملك أسود ومنيل بستين نيلة. في إيه طيب؟ يامثبت العقل يارب، اللهم الصبر اللهم الصبر. بقي بتشتمي البيه وتخرجي في النهار وبشعرك وبقيتي حديث العزبة كلها. اسمعي إنتي لمي خلجاتك وتاخدي أبوكي وترجعي مكان ما جيتي. مش فاهمة يعني بتطردني؟
أيوا، ماهو لو ممشيتيش إنتي هتنيل أمشي بولادي أنا. بس العمدة قالي اقعدي، والله قالي كده. غبية غبيااااا! ده هيقعدك هنا لحد ما الدنيا تهدى ويكسر عينك. الحمد لله إنك فهمتي، ووقتها مش هقدر أعملك حاجة. بعد ما يذلك هفتح خشمه إزاي مع البيه. بس باين عليه محترم وجدع يعني. نور إنتي تمشي، ابعدي طالما عرفك نهايتك هتكون على إيده. طالما بين لك إنه محترم، امشي. نور هخلي عربية تستناكي بره البلد النهاردة الساعة واحدة.
حاضر يا خالو همشي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!