تحرك سيف برجاله وحراسه قاصدين السوق، دب القلق في قلبه، الأمر أصبح غريبًا، بالسابق اعتدى أحدهم على رجاله، واليوم ظهرت فتاة لا يعرفها أحد في بلدته. أي غرابة تلك! الجميع ينظرون له بتقدير جلي على وجوههم. ها هو ذا عمدتهم البيه، وهذا اللقب يليق به حقًا، فهو كفؤ له. قرر السير ماشيًا.
السيدات يتهامسون على وسامته ورجولته الطاغية. مهندم الملابس، رائع الطلة، سالب للأنفاس. لم يبالي بأي أحد من الأساس، بل لم ينظر لأحد. كانت خطوته مهيبة سريعة. كلما مر على مكان انتشر عطره الرائع. "شايفة يبنت العمدة! "هو ده العمدة ولا من بلاد بره؟ "لا يختي العمدة، معزورة وانتي هتشوفي الأشكال الحلوة دي فين." "بس مطقطقنيش، أول مرة أشوفه، محدش يستجري يعدي من قدام ثرايته."
"بيقولوا أبوه كان حلو زيه كده، بس الواحد يفرح إنه ساكن في بلده وعزبته." "هس، طيب وطي صوتك ليسمعنا." "خلاص ياعبيطة ماهو عدى." "ياخسارة لو كان فضل شوية؟ "ليه يامليحة! "شمي شمي عطره وهو معدي، كرف على خلجاتي." "طيب يلا انجري، الحيطان ليها ودان." وقف أمام السوق. "فين هي عاد ي وهدان؟ "كانت هنا جنابك بتنقي خضار! "غباوة، مش عاوز هدور عليها في القفص ياكتوتر." وهدان بدأ عليه الخوف جليًا. "جنابك كانت هنا، مخبرشي راحت فين."
بدأ عليه الغضب واردف: "مخبرشي، مخبرشي. أومال فايدتك إيه عاد، معينك حارس فرخة أنا! زي ما جيت هنا ووقفت هنا، تجبلي البنت دي هنا وفي نفس المكان." "حاضر جنابك، هاخد الرجالة معايا." "لوحدك ي وهدان الزفت! اتحرك تجبلي الغريبة دي هنا قدامي، يلا مش هستنى كتير."
تحرك وهدان سريعًا وقد انقلب المكان بالضجيج وعم الصخب، والجميع الآن يبحث ليرضي العمدة عن تلك الفتاة. الخبر انتشر بين الأهالي عن غريبة دخلت عزبة سيف دون علمه. وهذا أكد للجميع أنه لا يخفى عليه كبيرة ولا صغيرة، وأن كل شيء تحت سطوته. وإنه لا يتهاون من أجل أرضه وبلده وعزبته.
بينما كان يتسائل الجميع عن تلك الفتاة التي ترتدي ملابس بندرية، غريبة بالنسبة لهم ولعاداتهم. نادى أحد الصبية على وهدان، ولكن الآخر تجاهله، فالوضع بالنسبة له لا يسمح لتفاهات الآخرين. "ياعمي وهدان، يا عمي وهدان!! "يوووه عاد وبعدهالك عاد، عاوز إيه ياغشيم؟ "أبداً يابو عمو، بس أنا عارف البندرية." انقلبت الدهشة الممزوجة بالفرحة على وجه وهدان في الحال. "فين يا وِلد، أنت خابر لو كنت بتضحك عليا هدفنك اهنه."
توتر الصبي من كلامه الأخير، ولكن ثقته المتناهية أعطته الثقة ليتحدث. فرفع رأسه قليلاً، وقال شارطًا على وهدان بثقة: "بس لو قولتلك، هتعملي إيه؟ "هنحتك أكيد، هاه قول مفيش وقت، فين البندرية؟ تحدث الصبي متذمرًا: "هو إيه اللي هحتك ده، اعمل إيه بالشكر أنا، أنا عاوز فلوس، خلي العمدة يديني فلوس! "حاضر، هقوله الأول فين البندرية؟ "في البيت اللي هناك ده الدور الخامس، شوفتها في العشية وهي بتفتح الشباك، وفي الصبح وهي رايحة السوق."
"هو بس، أنت هتحكيلي قصة حياتها." ثم هم وهدان بالمغادرة سريعًا. بينما صار خلفه الصبي وتجمع العوام أسفل المنزل. صعد وهدان وهم بطرق الباب بعنفوان آثر غضبه. انقبض قلبها، طرقات سريعة متتالية. تُـرى من ذاك الطارق؟ قررت تجاهل الأمر حتى يسأم الطارق ويهم بالمغادرة. "افتحي يابندرية، افتحي ياغريبة الديار، افتحي انتي جوه البيت، افتحي يا هكسر الباب! "مش هفتح، مفيش حد هنا، مفيش حد، امشي."
غلبت السرعة والخوف على حديثها واهتز جسدها كطفلة في ليلة مرعبة. "افتحي يابندرية! أومال مين بيتحدت معايا؟ بقولك افتحي، هكسر الباب." "لأ خلاص هفتح الباب، متكسرش الباب بالله عليك." "بابي تعبان ونايم ومريض كمان، بس هو أنا عملت إيه؟ "تيجي معايا دلوقتي، جناب سيف بيه عاوزك، وفي نفس المكان اللي كنتي فيه من قليل." أدركت المأزق. مجرد الاسم قبض قلبها ورهب روحها. جناب سيف بيه. نظرت من النافذة. ما هذا؟
عموم وجمع من الناس تحت المنزل. لما سرقت أمواله؟ أم قتلت رجاله؟ أم عادته؟ لم تفعل أي شيء لكل هذا. ارتدت حذاءها وفتحت الباب، والخوف في قلبها رهين، والتوتر على وجهها بائن مرسوم. "يلا ورايا وارمي حاجة على شعرك ده." "لأ هاجي كده! "انتي حرة للي هيجرالك." "أي هتموتوني؟ هي البلد سايبة؟ "قولي لنفسك الكلام ده، وأمشي ورايا من سكات. لا ورايا إيه ده انتي تمشي قدامي يلا."
كلما خطت قدميها للأمام، نغزها قلبها حتى اقتربت من السوق. ظلت تقترب وتقترب، حتى اشتمت رائحة عطره الرجولية المفحمة بالحياة مختلطة بالجاذبية. زاغت عيناها شمالاً ويمينًا، وارتعش قلبها وتذكرت ما قاله لها خالها عن هذا الرجل الذي كلما اقتربت منه بانت ملامحه المهيبة.
أما سيف، فقد لاحظ قدومهم فاستعد بتركيز، وملامح باردة وقلب ثائر غاضب. فتاة بملابس غريبة على بلدته، والادهى أنها في عزبته. شعر وخصلات بنية تتطاير، كما يتطاير عقله من الغضب. قصرت المسافة قليلاً بينهم. زاغت عيناها شمالاً، أما هو فقد ركز عليها غاضبًا. إلا أن نظرت لعينيه ونظر لها بتدقيق ثم... فرت هاربة من جهة الشمال بسرعة لم يتخيلها بشري على الإطلاق. ولأول مرة يغتاظ ويثور ويغضب غضب مضاعف.
جرى خلفها ولا حقها وهدان من الجهة الأخرى. أما سيف فجرى بأقصى سرعة له. دخلت طريقًا ضيقًا، وخبطت في امرأة تحمل كرتونة من البيض، فسقط أرضًا وتهشم. "منك لله يابعيدة، ده حتى البيض أغلى من الفرجة."
أما هو، فلاحقها من طريق آخر يعرفه جيداً، بالحتم ستعبره. انتظرها عند مفرق الطريق الواصل بالشارع الذي تعبره الآن، ثم هاتف وهدان بأن يقفل الطريق الغربي. دقائق فقط وظهرت وكانت تجري، ولكنها تفاجأت به أمامها، فهمت للرجوع خلفاً، فكان وهدان ورجال سيف قد أغلقوا الشارع بأكمله. "تعالي قربي! "لأ لأ، أنت عاوز مني إيه؟ "انتي اللي عايزة منا إيه؟ "مش عاوزة حاجة والله، خليني أمشي." "مانتي فعلاً هتمشي، بس على راسك." "مش فاهمة؟
"قربي بقولك." "لأ، أنت عاوز إيه؟ "روحك! "ليه هي سايبة؟ وانت مين في البلد؟ نظر لها ببرود ودقق في ملامحها. ثم خلع شاله الرجالي وألقاه لها فتلقته. "ايه ده؟ "غطي شعرك ياقليلة الدين والتربية." "انت ازاي تقولي كده؟ انت متخلف، شكلك متخلف. مانت حيوان عايش في الصعيد رجعي مش متمدن. أنا اعرف ربنا أكتر منك."
وللمرة التالية تناست مع من تتحدث. أما جميع العوام كانوا في ذهول تام. المكان كان خاليًا من أي صوت بخلاف أنفاسه، أنفاسه الغاضبة فقط. ولأول مرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!